المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القرآن الكريم في مواجهة الماديين الملحدين


عبدالناصر محمود
05-15-2014, 06:52 AM
القرآن الكريم في مواجهة الماديين الملحدين*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

16 / 7 / 1435 هــ
15 / 5 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3587.jpg


القرآن الكريم في مواجهة الماديين الملحدين

الدكتور أحمد عبد الحميد الشاعر

طباعة دار القلم

ــــــــ

بلغت حملات الماديين الملحدين ذروتها على الإسلام في العصر الحديث, متذرعة بالعلم سلاحا تشهره دائما في وجه الإسلام والطعن فيه, حتى سمي هذا العصر (عصر الإلحاد العلمي) خاصة في القرن التاسع عشر, الذي اشتهر بحملات عسكرية وثقافية فكرية ضد بلاد الإسلام, دون أن يكون لهذه الحملات تأثير على صلابة هذا الدين الذي لا يتعارض مع العلم الحقيقي أبدا.

والجديد في هذا الكتاب أنه لم يتناول مناقشة ومجادلة الماديين الملحدين من خلال الدراسة العقلية النقدية كما هو شأن الكتب المؤلفة في هذا المجال, وإنما اتجه نحو القرآن الكريم لإبراز جانب المواجهة فيه مع الماديين الملحدين, ومعتبرا أنها تصلح لكل الملحدين في كل زمان ومكان.

وبعد أن ذكر المؤلف جهود من سبقه من المؤلفين في هذا المجال, كالدكتور عبد الكريم الخطيب ومحمد البهي, واعتماده المواجهة القرآنية للمادين الملحدين, ذكر المؤلف فصول كتابه التي وصلت إلى أربعة في الجزء الأول الذي بين أيدينا.

في الفصل الأول الذي عنونه المؤلف (نحو المنهج القرآني) بدأ بسؤال في غاية الأهمية وهو: كيف نواجه المذاهب المادية؟ مجيبا على ذلك باتجاهين درج عليهما المفكرون المسلمون, الأول منهما دراسة تلك المذاهب بمنهج نقدي يستهدف وجه الحق في أمرها, ومن ثم كشف زيفها وتهافتها في مبادئها وغاياتها, والثاني يعني بدراسة النظريات والقضايا المادية من خلال الرؤية الإسلامية الصحيحة.

غير أن بعض المفكرين يرى أن مواجهة الماديين على هذا النحو يخدم تلك المذاهب, من خلال الترويج لها وإشاعتها, ومن ثم فإن الطريقة المثلى حسب رأيهم هي التركيز على إيضاح حقائق الإسلام صافية نقية من مصادرها الأصلية –القرآن والسنة– ففي ذلك كل الخير لصد تلك التيارات المنحرفة.

ومن هنا عني الوحي الإلهي –خاصة في عهده المكي– بتحرير العقول من طغيان المادية, وتطهير القلوب من أدران الشرك والوثنية, وما أشبهه اليوم بالأمس فالعالم يموج اليوم بتيارات مادية جارفة, وخير منهج لمجابهته هو المنهج القرآني الرشيد.

وأما عن سبب الاتجاه نحو المنهج القرآني لمجابهة الماديين الملحدين فلأنه:

1- كتاب الله الخالق إلى الإنسان المخلوق.

2- ولأنه الكتاب الإلهي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه من التغيير والتحريف.

3- ولأنه أصبح من المؤكد علميا أنه ليس على وجه الأرض كتاب إلهي ثبتت وتأكدت صحته ونسبته إلى الله غير القرآن الكريم.

4- فلأن القرآن الكريم تكلم عن الماديين وناقشهم, وقد تبين في العصر الحديث وحدة الفكر المادي في كل زمان ومكان, وصلاحية المنهج القرآني لمواجهة الماديين.

5- عجز العقل عن إدراك كل شيء في الوجود رغم التقدم العلمي المذهل, وبالتالي فلا بد من العودة للقرآن لفهم ما وراء إدراك وقدرة العقل.

وقد بين المؤلف المنهج القرآني الذي يعتمد على أسس أهمها: تحديد المقاصد التي يأتي في مقدمتها التوحيد ثم العبادة والتشريع والأخلاق, كما بين المنهج النقدي في القرآن الكريم, الذي يعرض لوجهات النظر المضادة كما يزعمها أصحابها بصدق وأمانة لينكر عليها بالنقض والنسف بعد ذلك لتعارضها مع الحقائق العليا ولا تتلاءم مع الفطرة والقيم الإنسانية, وخير مثال على ذلك سورة (يس) مع قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} يس/78.

في الفصل الثاني وتحت عنوان: (الماديون في القرآن) تناول المؤلف البداية التي يجب الانطلاق منها لفهم كيفية صيرورة الإنسان ماديا بعقيدته وأخلاقه وسلوكه, لا يؤمن إلا بما هو محسوس وملموس, معتبرا أن وجود سورة كاملة في القرآن باسم (الإنسان) كفيلة بالكشف عن مكنونات النفس البشرية ومقوماتها بصورة تحقق الغرض المطلوب.

وجوابا على سؤال طرحه المؤلف: لماذا يتمرد الإنسان بعد كل هذا التكريم الإلهي له في خلقه وتسخير المخلوقات له؟؟ أشار المؤلف إلى الطبيعة المزدوجة لهذا الإنسان: التراب والنفخة من روح الحق, والتي تؤكد أن التمرد مصدره انصياع الإنسان لضغوط شهواته وغرائزه المادية, والتي تحوله لإنسان (مادي).

لقد كشف القرآن للإنسان ذات نفسه في جانبيها الخير والشر, وأوضح له العوامل الؤثرة في تكوين شخصيته السوية, كما بين له الأسباب التي تقف وراء شخصيته المرضية, وقد أفاض القرآن بكشف الخصائص النفسية والسمات الأخلاقية التي يتميز بها الماديون من بني الإنسان ومن أهمها:

1- الانصراع تحت ضغط الهوى والشهوة: {واتل عليهم نبأ الذي اتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشطان فكان من الغاوين ....} الأعراف/175-176, وقد وصل الماديون إلى أبعد من هذا الحد في اتباع الهوى والشهوة.

2- فعل الفاحشة والإصرار عليها: وهو أمر لازم لمن ينصرع تحت ضغط شهواته, ويتخذ إلهه هواه, وهذا ما يجري مع الماديون الملحدون جيلا بعد جيل, قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الأعراف/28.

3- النفور من ذكر الله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} الزمر/45.

4- الاستهزاء بالأنبياء والمرسلين.

5- الغرور بالقوة المادية.

6- البخل والعناد والمكابرة.

7- الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.

8- التكبر والطغيان والكفر بالنعمة.

وتحت عنوان المعتقدات الموروثة عند الماديين ذكر المؤلف بأن الماديين حسيون لا يؤمنون إلا بما هو محسوس ولا وجود –عندهم- لما لا يمكن إدراكه بالحس, ومن هذا المنطلق فالمعرفة عندهم حسية وجزئية, والطريقة الوحيدة الموصلة للمعرفة هي الحواس, ومن هذا المنطلق فبعض الماديين ينكرون الله لأنه –من وجهة نظرهم– غير محسوس, أو يؤمنون بوجود إله ولكنه مجسد بصنم أو وثن أو بشر, وقد بين القرآن الكريم هذه الأصناف بكل جلاء و وضوح.

وقد ذكر المؤلف بعض صور المادية التي حفل بها القرآن الكريم, ومنها طغيان الملك والسلطان كقصة فرعون كنموذج صارخ للقوة المادية الطاغية, كما ذكر قصة طغيان العلم والمال ممثلة بقارون كنموذج صارخ لمادية المال, كما ذكر القرآن قصص أقوام ماديين كقوم هود كنموذج حي للمجتمع المادي.

وبعد هذا العرض القرآني لصورة الماديين من خلال بيان خصائصهم النفسية وسماتهم الأخلاقية, ومن خلال معتقداتهم البالية الموروثة, ومن خلال نماذجهم المكرورة, يتساءل المؤلف: هل يختلف وضع الماديين في العصور الحديثة عن سابقيهم في العصور السحيقة؟؟ ليجيب بأنه لا فرق بينهم قديما أو حديثا, وأن ما ذكره القرآن ينطبق على الماديين في كل زمان ومكان, وذلك كله تحت عنوان (بين الأمس واليوم).

في الفصل الثالث المعقود لمواجهة الماديين للقرآن الكريم, بدأ المؤلف بمحاولة الماديين إيجاد جواب لسؤال ملح وخطير وهو: من أين جاء القرآن ما داموا ينكرون أنه وحي من الله؟؟ ومع أن جملة جوابهم يدور حول إنكار كونه من الله, إلا أنها تفرقت بين اتهام محمد صلى الله عليه وسلم بالجنون و*****, أو بأضغاث الأحلام والاختلاط, أو التأليف من عند محمد صلى الله عليه وسلم, أو الأساطير والخرافات المفترى بها على الله والناس, وقد عالج المؤلف كل واحدة من هذه الادعاءات وقام بنقضها بأسلوب قرآني مفحم و رصين.

ثم ين المؤلف أن لهجة التحدي في القرآن الكريم تثبت بأنه بلا شك من عند الله تعالى, مبينا أنه بالرغم من التحدي الموصول إلى عصرنا الحاضر, إلا ان المشكرين والماديين قديما وحديثا لم يستطيعوا أن يواجهوه إلا بمعارضات شيطانية –كمحاولة مسيلمة الكذاب وغيره تقليد القرآن– أو المعنادة والمكابرة التي هي من أهم صفات الماديين والملحدين كما ذكرنا.

كما عقد المؤلف مطلبا لإثبات حقيقة الوحي الذي ينكره الماديون, وذلك تحت عنوان: الوحي بين الحقيقة والواقع, مستشهدا بآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, وأقوال الصحابة والعلماء.

وفي الفصل الرابع والأخير تناول المؤلف مسألة مواجهة الماديين للدين, مستعرضا في البداية مفهوم الدين في القرآن الكريم, التي وردت بمعنى الطاعة والعبادة لله وحده, وبعبارات ومصطلحات كثيرة: كالدين الحق والصراط المستقيم والدين القيم والإسلام بقوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام ..} آل عمران/19, مستعرضا دعائم الدين وأركانه, وموضحا العلاقة بين الدين والطبيعة الإنسانية.

ثم بين المؤلف مركز انطلاق الماديين في معارضة الدين, حيث المادية التي تنكر الغيبيات ********ات الموجودة في الدين, ومن ثم يجابه الدين بالرفض من قبلهم, وهو عين ما سجله القرآن الكريم عن الماديين في مجابهتهم لكل الأديان السماوية السابقة, من خلال استعراض آيات سورة الشعراء التي توضح تكذيب الأنبياء والمرسلين.

وفي ختام هذا الفصل استعرض المؤلف لموضوع ما يسمى بالإلحاد العلمي, وهو المرتبط بالنهضة الأوربية التي اعتمدت على المنهج التجريبي الحسي, وعدم الاعتراف بكل ما هو غير محسوس, كما تنكر أي معرفة يصل إليها الإنسان بغير الحواس, وقد فتن الناس بذلك بسبب المنجزات المدنية والتكنولوجية المعاصرة.

وغاب عن كثير من محاولي تقليد الغرب السبب الحقيقي الكامن وراء الاعتماد على الحس وإنكار غير المحسوس, ألا وهو العداء المتأصل في الغرب بين الكنيسة والعلم, الأمر الذي لا وجود له في تعاليم القرآن وأحكام الإسلام, فالعلاقة بين الإسلام والعلم علاقة وطيدة منذ نزول الكلمة الأولى في القرآن (إقرأ).

كما غاب عن أنصار المنهج التجريبي أن الحياة ليست كلها محسوسة وملموسة, وأن هناك الكثير من القضايا التي تقع خارج الحس والتجربة, كالألوهية والوحي والنفس البشرية وغير ذلك كثير, ومثل هذه القضايا لا يمكن حله بالمنهج التجريبي أبدا.

وختم المؤلف كتابه بالرد على أكذوبة أن العلم الحديث ينكر الدين وقضاياه, فجزاه الله تعالى كل خير, ونفع بما كتبه وسطره المسلمين أجمعين. آمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــــ