المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفتي لبنان ومبادرة نزع الفتنة


عبدالناصر محمود
05-15-2014, 06:58 AM
مفتي لبنان ومبادرة نزع الفتنة*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16 / 7 / 1435 هــ
15 / 5 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6255.jpg


لم يعرف المسلمون في تعاملهم مع اليهود والنصارى وذلك أثناء قوتهم الحربية إلا المعاملة الحسنة، وذلك انطلاقا من عقيدتهم وثوابت دينهم التي قال فيها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً".

ولقد كانت العهدة العمرية نموذجا فذا غير مسبوق ولا متكرر في تعامل جيش فاتح مع أبناء ديانة مخالفة، كما جاء في نصها "أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئها وسائر ملتها... أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم".

ولكن الأمر اختلف جدا عندما كانت القوة والغلبة لغير المسلمين, فتم التعامل معهم من قبل المستعمرين الغزاة بالغلظة والقسوة والقتل والذبح في مرات كثيرة في التاريخ، بل في كل مرة تغلبوا فيها وصارت لهم القوة والسيطرة.

فعلى سبيل المثال ما فعله ريتشارد قلب الأسد عند دخوله القدس بالمسلمين يندى له كل جبين حر, حينما قتل ريتشارد عدة آلاف من المسلمين على أبواب عكا وامتلأت بعدها أيضا شوارع المدينة المقدسة بالدم، وحرق الغزاة سكان المدينة وهم أحياء كما ذبح أطفال ونساء المسلمين ودمرت المساجد, وهكذا كانت دكتاتورية الصليب الذين يتغنون دوما بأنهم رسل سلام ومحبة.

ويعاود المسلمون الكرة ثانية، ويقدمون يدا ممدودة بالسلام ومشروع ميثاق يقوم على الاحترام المتبادل وحفظ الحقوق وعدم الاعتداء من كلا الجانبين, فهل يستطيعون تلبية هذا النداء؟

ففي البلد التي كثرت فيها حمامات الدم في صراعات طائفية امتدت عقودا طويلة أعلن الشيخ "محمد رشيد قباني" مفتي لبنان عن تقدمه بمشروع ميثاق أخلاقي بين مسلمي ومسيحي لبنان، يهدف لحفظ الأموال والأعراض والأنفس، متمنيا أن يكون نموذجًا لعهد مماثل بين مسلمي ومسيحيي العالم العربي.

ووضح الشيخ تفاصيل مشروعه الذي قدمه أثناء لقائه بالبطريرك الماروني "مار بشارة بطرس" الراعي في مقر البطريركية في بكركي شرق بيروت، وذكر أنه سيعرضه على بقية ممثلي الطوائف في لبنان لبحثه وإقراره, فجاء فيه: أن يتعاهد المسلمون والمسيحيون في لبنان بكل طوائفهم ومذاهبهم من أجل إعطاء بعضهم البعض أمانًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلا يكره أحد منهم على غير دينه، ولا يضار بالاعتداء عليه لا في جسده، ولا في مسكنه، ولا في متجره، ولا في زوجه، ولا في أبنائه، ولا في رزقه، ولا في ملكه، ولا يعتدي أحد على غيره في فعل أو كلمة أو رأي أو تحريض أو استخفاف أو إهانة أو أذى أو قتل.

كما ينص المشروع على أن يتعاهد " المسلمون والمسيحيون في لبنان بكل طوائفهم ومذاهبهم ألا يُعتدى على كاهن أو قسيس ولا على شيخ أو عالم أو داعية ولا تقوض حرية دينية، ولا يحرض الناس دينياً لمواجهة آخرين منهم أو من غيرهم".

ويأتي هذا المشروع كصيغة حل قبل أن تستفحل أزمة جديدة تنذر بصراع طويل جديد بين أبناء الملل والطوائف في لبنان، وستأتي على الأخضر واليابس فيها؛ وخاصة بعد الاعتداءات المتبادلة على المساجد الكنائس في كثير من بلدان العالم العربي.

وقال قباني "ما حدث في سوريا في بلدة معلولا كما حصل في الإسكندرية أو في القاهرة أو في العراق هو نقض لعهد الإسلام والمسيحية في القدس" وتمنى استجابة الرؤساء الدينيين لهذه المبادرة.

وعلى الرغم معارضة الكثيرين في الشارع السني له حول هذه الوثيقة التي قدمها والتي يعتبرها الكثيرون معبرة عن خوف، إلا انه رد على ذلك بقوله: إن الوثيقة نابعة من خوفنا، ليس خوف الجبان، وإنما خوف الحريص والشجاع من أجل حماية وطنه وأمته وشعبه وبيته وأبنائه، ليس بالنسبة للمسلمين فحسب وإنما للمسيحيين".

هذا ويُعتقد أن هذه الوثيقة ستعرقل من الجانب المسيحي ولن يلتزم بها, فعدم الاعتداء على الغير قضية أصيلة عند المسلمين نابعة من عقيدة دينية وتشريع نبوي وليست – كما عند غيرهم - مبنية على موقف سياسي يتغير بتغير الأحداث والوقائع وموازين القوى.

هذا وان كنا نأمل أن تفعل بصدق هذه الوثيقة السلمية التي تعبر عن أصل من أصول الإسلام في التعامل مع الغير, فما كان المسلمون أبدا شغوفين بالاعتداء على الغير ولا محرضين عليه ولا داعين له ولا مرحبين به, ولكنهم في نفس الوقت لا يقدمون وثيقة استسلام من خوف مواجهة إذا اعتدي عليهم, فلكل حادث حديث ولكل مقام مقال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ