المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تم تصنيع فيروس "كورونا" مخبرياً؟


Eng.Jordan
05-16-2014, 01:19 AM
د. طارق قابيل


مع حالة الخوف والرعب التي تسيطر على العالم العربي لتزايد أعداد الوفيات في المرضى المصابين بفيروس "كورونا" المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، والذي لا يوجد علاج أو لقاح للوقاية منه حتى الآن، أظهرت بعض الآراء والتقارير الصحفية حالة من التخبط والخوف وسط تزايد المخاوف من تطوره. وبرغم أن الفيروس ليس مميتا بالضرورة، يقدر الخبراء عدد من يتوفون بنحو ثلث المصابين بالفيروس، وقد تزايد الحديث عن نظرية المؤامرة مؤخرًا، حتى أن أحد الخبراء العسكريين المصريين صرح بأن فيروس "كورونا" غزو أمريكي إسرائيلي موجه ضد البلاد العربية لإضعافها. مضيفا أن: "إسرائيل نشرت فيروس كورونا في السعودية عن طريق الطائرات من غير طيار". واقترح الخبير العسكري عمل تفتيش لكل الوافدين للبلاد العربية، لمعرفة مصدر المرض، ووضع خطة لعلاجه.
ويشارك هذا الخبير العسكري في الرأي العديد من الكتاب في الدول العربية الذين يتبنون هذه الفكرة نظرًا للسرعة الكبيرة لتواتر ظهور الفيروسات في بلادنا في العقود الأخيرة، وهي بحق ظاهرة تستحق الملاحظة والتدقيق، وتثير الكثير من القلق والريبة. فبعد ظهور فيروس الإيدز والسارس، ثم ظهور أنفلونزا الطيور والخنازير؛ وانتهاء بفيروس "كورونا" متلازمة الشرق الأوسط التنفُّسِيّة، تساءل الكثيرون عن هذا الغزو الفيروسي المتتالي لبلادنا، وعن كيفية تحور الفيروسات الحيوانية لتجد طريقها ممهدا لإصابة البشر بأمراض جديدة لم يعرفها أسلافهم.

وعلى الرغم من قدرة الفيروسات العالية على التحور والتكيف، إلا أن السؤال يظل قائماً حول قدرة البشر على إنتاج فيروسات جديدة حسب الطلب لاستهداف جنس معين، وأن تستخدم الفيروسات كأسلحة فتاكة في الحرب البيولوجية الخفية. فهل الحرب البيولوجية التي تستخدم الفيروسات سلاحًا حقيقة؟ ... وهل باستطاعة العلماء تخليق فيروسات في المختبر لاستهداف جنس بعينه أو لاستهداف بلد بعينها؟ وهل بالإمكان تصنيع فيروس "كورونا" أو فيروس أخطر منه مختبريًا ... هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الأسطر التالية.

بين الحين والحين تتواتر أنباء عن تخليق الفيروسات في المختبر، وحفلت تقارير علمية صحافية جادة بمناقشات عديدة لهذا الموضوع المهم. ولا أحد يعرف ما هي الحقيقة على وجه الدقة، بالرغم من أن هذه التقارير حاولت إثبات أن فيروسي "الإيدز" و "الإيبولا" – على سبيل المثال لا الحصر – هما من نتاج مختبرات الحرب البيولوجية. ويقول أنصار نظرية المؤامرة ان العالم تعرض لعدد من المؤامرات في العقود الثلاثة الأخيرة بدءا بمؤامرة الإيدز مرورا بالإيبولا والجمرة الخبيثة وسارس وجنون البقر وإنفلونزا الطيور والخنازير. ويرى هؤلاء ان هذه الأمراض هي جزء من الحرب البيولوجية التي اتهم الجيش الأمريكي تحديدا بالمسؤولية عن عدد منها، وهناك كتاب بعنوان "الحصان الشاحب" لخبير الفيروسات الأمريكي وليام كوبر يدعي فيه أن فيروس الأيدز صنع عمداً للحد من تناسل الدول الفقيرة. ويقول إن الفيروس ادخل إلى افريقيا في السبعينات من خلال صناديق اللقاحات وأن الولايات المتحدة تملك القدرة على إنتاج المصل الشافي ولكنها ببساطة لا تهتم بذلك. وفى عام 2001م تقدم الدكتور الأمريكي "بويد إي جريفس" أمام المحكمة العليا الأمريكية بقضية تحت عنوان "اعتذار الإيدز العالمي" يقدم فيها الدليل العلمي على أن فيروس الإيدز مصمم ومنتج من خلال برنامج الفيروسات الفيدرالي الأمريكي الخاص. وطالب "جريفس" في الدعوى القضائية أمريكا بتقديم اعتذار إلى كل ضحايا مرض الإيدز في العالم. وكشف "جريفس " النقاب عن أصل فيروس الإيدز، وأكد إن الدكتور " روبرت جالو " الذي كان يعمل باحثا في المشروع الاتحادي الأمريكي لبرنامج تنمية الفيروس الخاص وهو برنامج بحثي كان قد تم إقراره في الولايات المتّحدة في الفترة ما بين 1962م حتى 1978م، وتكلف 550 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، قد تقدم بطلب تسجيل لبراءة اختراع أمريكية في إبريل عام 1984م لاختراعه فيروس " إتش آي في" وهو الفيروس المسبب لمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).

وأضاف الدكتور "جريفس" أن الدكتور "جالو" قد نشر بحثا علميا عن هذا الفيروس عام 1971م، وجاءت تفاصيل البحث ومفرداته مماثلة لإعلانه في عام 1984م عن اختراع فيروس الإيدز، وبعد ذلك بقليل غمر العالم فيضان من الإصابات الجماعية بفيروس الإيدز الذي ظهر كفيروس غريب شديد العدوى يؤدي إلى القتل السريع. وأكد "جريفس" على أن مخطط برنامج اختراع الإيدز الذي صدر عنه 15 تقريرا لإظهار التقدم في العمل لهو دليل غير قابل للشك يفضح خطة الولايات المتحدة السرية لقتل سكان العالم عن طريق إطلاق عنان كائن حي مجهري خلسة ليسبب موت وهلاك البشرية ويهدر إنسانيتها. وطالب "جريفس" الولايات المتحدة الأمريكية باعتذار رسمي -على الأقل-إلى الضحايا الذين أصيبوا بالإيدز، وبالتكفل بكل المصروفات التي أنفقت على الأبحاث الطبية الخاصة باكتشاف العلاج المضاد للوباء اللعين الذي تسببت فيه. ‏

ورغم أن الفكرة تعضد بشدة نظرية المؤامرة، إلا أن فيروس الإيدز لم يكن موجوداً في إفريقيا حتى عام 1977 (رغم انها موطن القردة الخضراء أصل الفيروس)، ولم ينتشر فيها المرض فجأة إلا بعد حملات التطعيم التي قامت بها المنظمات العالمية ضد أمراض أخرى (كالشلل والتهاب الكبد الوبائي) وأصبح حالياً سبب الوفاة الأول فيها. وكانت وزيرة الصحة في جنوب افريقيا قد اتهمت الغرب صراحة بمحاولة إبادة القارة السوداء عن طريق تصنيع فيروس الإيدز ومنع إنتاج لقاحات خاصة به -في حين تبيع الأدوية المخفضة لآثاره بأثمان تفوق قدرة الشعوب الفقيرة!

وكذلك هو الحال في قضية الالتهاب الكبدي الوبائي في مصر، حيث تسجل مصر أعلى معدل لانتشار الالتهاب الكبدي الوبائي في العالم. وعلى نفس المنوال، وبنفس السيناريو، ظهرت مشكلة مصر الحالية مع التهاب الكبد الوبائي بعد حملة صحية لمكافحة البلهارسيا في أوائل القرن العشرين. وخلال الفترة من الخمسينات إلى أوائل الثمانينات من القرن الماضي، قادت وزارة الصحة والسكان ومنظمة الصحة العالمية حملة واسعة النطاق للسيطرة على المرض. وجرى علاج ملايين الأشخاص عن طريق الحقن في الوريد، وبالرغم من أن هذه الحملة ساعدت في الحد من انتشار مرض البلهارسيا، إلا أن إعادة استخدام المحاقن الزجاجية تسببت في انتشار عدوى فيروس التهاب الكبد الوبائي على نطاق واسع في مصر!

وجاء أول إعلان رسمي عن بناء أول فيروس مُصنع في التاريخ في يونيو 2002م، حيث نجحت مجموعة من الباحثين الأمريكيين من جامعة "ستوني برووك" في "نيويورك"، في تصنيع فيروس شلل الأطفال في المختبر لإثبات إمكانية تخليق الفيروسات مختبريًا بموارد بسيطة وإمكانيات متوفرة ومعلومات استخرجوها من الانترنت - للفت الانتباه إلى قدرة "المنظمات الإرهابية" على بناء فيروس قاتل!.

ويمكن للمختصين حاليا إنتاج أي فيروس بكل سهولة والمطلوب فقط هو معرفة الخريطة الوراثية "الجينوم" لهذا الفيروس، وهي عادة ما تكون متاحة بالمجان على شبكة الإنترنت. وهذا ما فعله الفريق الأمريكي، واستطاع تخليق فيروس شلل الأطفال من الصفر، باستخدام الخريطة الوراثية للفيروس، تلك الخريطة التي تظهر تسلسل المورثات وتتابعها. وقال الباحثون إنهم اتبعوا وصفة شاهدوها على الإنترنت لتخليق ذلك الفيروس، وأنهم حصلوا على المتتاليات الجينية عن طريق البريد. ويرى الباحث "جيرونيمو سيلو" عضو الفريق البحثي أن فيروس شلل الأطفال الذي جمع في المعمل أحد أبسط ‏الفيروسات المعروفة. وقال: "إن صنعه كان سهلا‎." ‎

وتلي ذلك إنتاج فيروس الإيبولا مختبريًا عن طريق استخدام طرائق تقنوية جديدة في علم "الوراثة العكسي"، وعلى الرغم من أن فيروس الإيبولا أكبر قليلا من فيروس شلل الأطفال فلا توجد هناك أي معوقات تقنوية تمنع إنتاجة مختبريا. ونجح باحثون في المركز التعاوني لبحوث السيطرة على الآفات الحيوانية في أستراليا في تطوير طريقة عملية مبتكرة لهندسة الفيروسات وراثيا؛ بحيث تتسبب في إصابة حيوانات مثل الفئران والأرانب بالعقم.

وقد تؤدي الطرائق الجديدة المستخدمة في تخليق الفيروس مختبريا إلى إنتاج فيروسات منقرضة بعد أن تم القضاء عليها مثلما حدث مع فيروس الجدري الذي تم القضاء عليه في العالم أجمع تقريبا، وظنت ‏البشرية أنها ‏تخلصت من ويلاته. ولكن هذا الرعب الأكبر‎ ‎يطل برأسه المخيف ثانية لأن هناك أنواعا مازالت مختزنة في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، وفي عدة بلدان أخري بالعالم. وإعادة تكوين فيروس الجدري عن طريق تجميع مورثاته قد تكون أكثر صعوبة من شلل الأطفال أو الإيبيولا، ولكن إعادته للحياة غير مستحيلة. ويمكن إعادة تخليق فيروس الانفلونزا الذي أودي بحياة 40 مليون شخص في عام 1918م. ولقد أستعاد العلماء الفيروس من العينات النسيجية المحفوظة بالفعل. وتم التوصل لفك الشفرة الوراثية ورسم الخريطة الوراثية لهذا الفيروس، وسيكون من السهل إعادته للحياة مرة أخري عن طريق تصنيعه في المختبر.

أما بخصوص فيروس "كورونا" الجديد، فلا توجد أي دلائل على تصنيعه مخبريًا حتى الآن، ودلت النتائج الأولية في عدة مختبرات عالمية على أن فيروس كورونا الجديد يشبه إلى حد ما فيروس سارس. وهو يمثل نوعا فريدًا بين فيروسات الحمض النووي الريبى، ومن خلال دراسات التطور الجيني، اتضح أن لها توزيع واسع النطاق على مستوى العائل بين الثدييات ومنها الإنسان، وكذلك الطيور. ويعد فيروس "كورونا" في الحيوانات من الفيروسات المتوطنة، وانتقاله إلى البشر يجعل ذلك الفيروس الناشئ شديد الخطورة، ويمتلك صفات تجمع بين الأنواع المتحور منها، إضافة إلى شراسة فتكه، ومن ثم فشل الجهاز المناعي في التعرف والقضاء عليه.
ولقد جرت مقارنة جينات الفيروس الناشئ مع الجينات المماثلة من الفيروسات له والمعروفة من البشر والخنازير والأبقار والكلاب والقطط والفئران والجرذان والدجاج والخفافيش والجمال، واتضح أن لكل جين 70 في المائة أو أقل من الهوية الجينية مع المقابل له في نفس العائلة الواحدة. وتظهر هذه البيانات أن الفيروس المتحور الجديد كان متوطنا بالحيوانات أو نوعا من الطيور ومتعايشا معها منذ القدم، وقد جرى عزله وراثيا لفترة طويلة جدا بطريقة أو بأخرى ليظهر فجأة ليصيب البشر. وهذا الانتقال إلى البشر يحدث مرة واحدة فقط بسبب وجود مزيج وراثي قادر على عدوى الخلايا البشرية، وليس عن طريق حدوث طفرات عشوائية، ومن ثم فإنه الآن يصيب كلا من البشر والمضيف الأصلي، مع فرضية أن الجمال هي السبب الرئيس في انتشاره وتفشيه في السعودية.

ويستخدم علماء الفيروسات مصطلح يعرف بالفيروسات المنبثقة، أي الفيروسات التي تكيفت في ظروف غير الظروف الاعتيادية لنموها، مما أدى إلى إظهار سلالة جديدة تتسم بخصائص جديدة تتمثل في قدرتها على إصابة خلايا وعائل جديد. وهناك عاملان رئيسان يعود لهما زيادة احتمالية ظهور فيروس "كورونا" جديد من حين إلى آخر، أولهما أن معدلات التطفير في هذا النوع من الفيروسات التي تحتوي مادتها الوراثية على الحمض النووي الريبى عالية جداً نظراً لافتقار إنزيم التكاثر في هذه الفيروسات إلى خاصية تصحيح الأخطاء في تسلسل القواعد النيتروجينية أثناء التكاثر. والثاني أن هناك ظاهرة وراثية تؤدي إلى دمج وارتباط جزء من جين معين مع جزء من جين آخر أثناء تكاثر الفيروس مما يؤدي إلى ظهور سلالة فيروسية لها خاصية إمراضية جديدة. فضلا عن العديد من العوامل التي تؤخذ في الحسبان كعوامل محفزه لظهور سلالة فيروسية جديدة، مثل تغير الظروف المناخية، ونشاطات الإنسان المختلفة، فقد أصبح ظهور سلالات فيروسية جديدة أكثر احتمالاً وإحداث فاشيات قاتلة أمراً متوقعاً.

وتشير التحليلات التي جرى نشرها مؤخرًا إلى أن هناك أكثر من 60 متوالية من الجينوم الفيروسي في السعودية لها نفس نهج النشوء والتطور النظري والافتراضي وأن معدل التطور يكون بطيئا. وإن إضافة التسلسل الجيني للفيروس إلى تحليل العينات من السلالات المستخلصة من البشر وتحليلها عبر سلالة الإبل ضمن الحالات المصابة أو المشتبه فيها للمجموعة الوبائية التي جرى عزلها ودراستها مع التسلسل الجيني للفيروس من الإبل المعزولة في مصر، أوضح أنها غير مرتبطة بأي حالات إصابة بشرية معروفة، على عكس التسلسل لفيروس من الهجن المعزولة من قطر.

وتظل إمكانية تحوير الفيروسات القريبة في التصنيف البيولوجي إلى ميكروبات ممرضة عن طريق نقل جينات رئيسة معروفة إلى الكائنات غير الممرضة فرضية مطروحة. وبإمكان هذه الجينات أن تحول الميكروبات العادية إلى كائنات ممرضة ومتوحشة يمكنها إحداث المرض بسرعة شديدة. فعلي سبيل المثال: يمكن تحوير فيروس "جدري الجمال" إلى فيروس الجدري البشري، ويمكن للمختصين في هذا المجال إجراء تعديلات وراثية في أماكن محددة في الخريطة الوراثية لأي فيروس لتحويله إلي فيروس جديد أخطر من الإيدز وأقوي من الإيبولا وأكثر قتلا من "كورونا"!

لكن هل ظهور أي فيروس جديد مؤامرة من صنع شركات الأدوية بتواطؤ من بعض الحكومات والشخصيات النافذة ومنظمة الصحة العالمية؟ وإن كانت مؤامرة؟ فيجب أن نسأل من هم المتآمرون؟ ومن هم الضحايا المستهدفون؟ وما المبررات؟ وهل هي بالفعل عدوى انتقلت بشكل طبيعي أم انه فيروس تم تصنيعه مخبرياً ونشره عمداً؟
* أستاذ التقنية الحيوية المساعد كلية العلوم والآداب ببلجرشي جامعة الباحة-المملكة العربية السعودية. متخصص في الوراثة الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية-قسم النبات، كلية العلوم، جامعة القاهرة.