المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفات الإمام العادل


عبدو خليفة
05-20-2014, 01:09 AM
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وصاحب الفضل على البشرية جمعاء بما جاءها به من المبادئ التي إن تمسكت بها نالت خير الدنيا والآخرة كما كان حال من سلف من أمتنا، ومن زاغ عنها أخزاه الله وأذله في الدنيا والآخرة كما هو حال البشرية اليوم إلا من رحم الله من المسلمين.
وبعد

لقد أظهر الحكام المخلوعون والذين هم في طريقهم للخلع قسوة كبيرة مع شعوبهم خلال الثورات التي اشتعلت في الوطن العربي ، وكأن الله تعالى أراد أن يفضح هؤلاء الحكام في آخر أيامهم في الحكم، ويظهر ما تكنه قلوبهم للناس من استهانة بدمائهم واسترخاص لأرواحهم؟ونسوا الإسلام الذي يقول
[ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ] {المائدة:32} ويقول (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً)؟
ولقد كشفت الأحداث الأخيرة طبيعة حكام المسلمين وتبين أن لهؤلاء من قتل الناس هو عجزهم، وإلا لو استطاعوا لأبادوا الشعب بأجماعه، لذلك أتيت بهذه المقالة التي تلقي الضوء على ما ينبغي أن يكون عليه حاكم المسلمين من الصفات، أهديها إلى الشعوب الإسلامية الثائرة اليوم ومن يساندها من أهل القوة والمناعة ليضعها الكل أمام عينيه عند فرصة اختيار الحاكم، ولا أقصد بهذه المقالة المقارنة ما بين ما هو واقع اليوم، وبين عظماء خلافتنا الغراء لأنه من الظلم أن يقارن الذهب بالتراب، ولكن على العالم أن يعلم أن أفضل نظام للحكم هو نظام ( الخلافة ) اسمعوا إلى هذه القصة.
كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفات الإمام العادل فكتب إليه الحسن رحمه الله.

(( اعلم يا أمير المؤمنين إن الله جعل الإمام العادل قوّام كل مائل , وقَصدُ كل حائــــــــــــــر
وصلاح كل فاسد , وقوة كل ضعيف , ومنصفة كل مظلــــــــــــوم , ومفزع كل ملهــــــــوف
والإمام العادل كالراعي الشفيق على إبله , الرفيق بها , الذي يرتاد لها أطيب المراعــــــــي
ويذودها عن مراتع التهلكة , ويحميها من السباع , ويكفيها أذى الحر والقر.
والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة , البــِـرّة الرقيقة بولدها حملته كرهاً وولدته كرها
وربته طفلاً , تسهر بسهره وتسكن بسكونه , وتفرح بعافيته , وتغتم بشكايته , ترضعه تارة
وتفطمـــــــــــــــــــــــــــــــــــه أخرى.
والإمام العادل , وصي اليتامى , وخازن المساكين , يُربّي صغيرهم ويموّن كبيرهـــــــــــــم
كالقلــــــــــــــــــــــــب بين الجوارح تصلُح بصلاحه وتفسد بفساده .
والإمام العادل يا أمير المؤمنين , هو القائم بين اللـــــــــــــه وبين عباده , يسمع كلام الله ويُسْمِعُهُم ,
وينظر الى الله ويُربيهُم , وينقادُ الى الله ويقودهم .
فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملككَ الله عز وجل كعبدٍ إئتمنـــــه سيده واستحفظه ماله وعياله
فبــــــــدد المال وشـــــــــــــــــرّد العيــــــــــــــــــــــــال .
واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحـــــــــــدود ليزجــــــــــر بها عن الخبائث والفواحش
فكيف إذا أتاها من يليها ؟ وأن الله انزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم ؟
فاذكر يا أمير المؤمنين المــــــــوت وما بعده , وقلة أشياعك عنده , وأنصارك عليه , فتزود له
ولما بعده من الفزع الأكبـــــــــــر.
واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه , يفارقك أحباؤك فتزود بما
يصحبك فيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه.
واذكر يا أمير المؤمنين إذا بُعث ما في القبور وحُصّل ما في الصدور فالأسرار ظاهره
والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها , فلا تحكم في عباد اللــــــــه حكم الجاهلين
ولا تسلك بهم سبيل الظالمـــــــــــين , ولا تـُســـــــلط المستكبريــــــن على المستضعفين
فإنهم لا يرقبون في مسلم إلا ّ ولا ذمــــــــــــــــــــــة, فتبوء بأوزارك وأوزار أوزارك وتحمل
أثقالك وأثقالاً مع أثقالك , ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم
بإذهاب طيباتك في آخرتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك .
ولا تنظر يا أمير المؤمنين إلى قدرتــــــــــــك اليوم , ولكن انظر إلى قدرتك غـــــــــــــــــداً
وأنت مأســـــــــــورٌ في حبائل الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع ٍ من الملائكــــــــة
والنبييّــن والمرسلين وقد عنــــــــــت الوجوه للحي القيوم .
إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ ما بلغه ُ أولو النهى من قبل , فأنزل كتابي إليك
كمـــــــــــــــــداوي حبيبــــــــــــــــــه , يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو في ذلك من
والصحة العافيـــــــــــــــــــــة.
والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته
* منقول *
************************************************** *********

وبعد رسالة الإمام حسن البصري رحمه الله نطرح سؤالا: إذا كان الحاكم على هذه الصفات هلِ يمكن أن تقوم ضده الثورات أو حرب أهلية يموت فيها الآلاف وتدمر البلاد وينهار الاقتصاد وتعود الأمة إلى نقطة الصفر في كل شيء؟ الجواب لا ، بل ستكون الأمة هي الحارس للنظام وللحاكم معا، ويسود الاستقرار وتستخدم الأمة طاقتها في الإبداع في كل مجالات الحياة. فالإسلام وحده الذي جاء البشرية بشريعة ميزتها أنها صالحة لكل زمام وقوم ومكان، وأظهر للوجود نظاما للحكم فريد وجديد لم تعرفه البشرية من قبل، أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وسار عليه الخلفاء الراشدين ومن تبع نهجهم أمثال عمر بن عبد العزيز والمهتدي العباسي ونور الدين الشهيد، الذين أدركوا صلتهم بالله وأخلصوا النية، فقضوا في حكمهم بالتساوي حتى بينهم أنفسهم وبين جميع أفراد الأمة، فأحدثوا بذلك في المسلمين روابط اجتماعية لا تكاد توجد بين أشقاء من أب واحد وفي حضانة أم واحدة، ولكنها وجدت في هذا الطراز السامي من الحكم المحمدي الذي خلفه فيه الخلفاء الراشدين المذكورين سلفا.
وبقية مسألة وهي : لماذا لا تفكر الشعوب الإسلامية أو بتعبير أدق الأمة قمة وقاعدة في هذا الأمر؟ وتعمل على إحياء نظام الإسلام في الحكم الذي لا يختلف اثنان على أن الأمة لم ترقى إلى صدارة الأمم إلا به، ولم تفقد مكانتها إلا ببعدها عنه، لذلك ينبغي للأمة ألا تغتر في هذا المجال بأي بديل لنظامها وتتبرأ من كل أنظمة تأله أصحابها وتنسى أنهم في قبضة الجبار.
والخلاصة أن الاستقرار وطمأنينة المجتمع والرفعة والسؤدد والنهضة والعزة وهلم جرا من هذه المعاني لا تتحقق بالسبة للأمة إلا في إسلامها ولا كلام، وأن الأمة مسئولة عن تحقيق ذلك وصدق الله العظيم إذ يقول ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون الزخرف آية 44.