المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البردوني


Eng.Jordan
05-23-2014, 11:34 AM
البردوني جواب العصور
السبت : 01/03/2014
الكاتب : المجلة العربية: الرياض
http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/20143171614151.jpg
(حبيب) وافيت من (صنعاء) يحملني
نسرٌ وخلف ضلوعي يلهث العرب
ماذا أحدث عن (صنعاء) يا أبتي؟
مليحة عاشقاها: السل والجرب
ماتت بصندوق (وضاح) بلا ثمنٍ
ولم يمت في حشاها العشق والطرب
كانت تراقب صبح البعث.. فانبعثت
في الحلم.. ثم ارتمت تغفو وترتقب
لكنها رغم بخل الغيث ما برحت
حبلى وفي بطنها (قحطان) أو (كرب)


منذ أنشد شاعر اليمن الكبير الراحل عبدالله البردوني (1929 - 1990) هذه الأبيات إلى آخر قصيدة (أبو تمام وعروبة اليوم) في العراق، أوائل السبعينات من القرن المنصرم، بحضور عدد هائل من الشعراء والأدباء العرب، ثم صعد الشاعر نزار قباني، وأعلن أن القراءة بعد البردوني انتحار ونزل ولم يقرأ قصيدته؛ منذ ذلك الحين وصاحب (وجوه دخانية في مرايا الليل) يجوب العصور ويتجول في الذاكرة.
لم يكتب أحد من الشعراء عن اليمن، طوال تاريخها، كما كتب البردوني. غاص في عذابات المغترب اليمني، وتوغل في أسرار السياسة وراوغ عقليات الحكام وفضح تقلبات الحزبيين وأشباه المناضلين.
فهم البردوني الفرد اليمني في وحدته وعزلته، وتفهم فقره وحاجاته. قرأ ثورات اليمن، جنوبه وشماله، ووضع أصابعه على الخلل فيها. كتب البردوني قصائد غمسها بدم الشهداء والقتلى، وتأمل التاريخ اليمني وكتب عن الجمهورية وخاض في الملكية قبل ثورة 1962. وفي كل الأحوال كان البردوني هو نفسه في كل ما يكتب، لم يتملق حاكماً، ولم يزور تاريخاً، ولم يضطر إلى بيع قلمه ورهن مخيلته، لذلك عاش ثائراً ومات متمرداً.
مر على اليمن حكام ورؤساء في أزمنة التشطير وفي زمن الوحدة، كلهم لم يرضوا عنه، وكان دوماً ضمير الشعب الذي ينكأ هدأتهم، ويوقظ غفلتهم، أقلقتهم قصائده وأقض مضجعهم نقده لثوراتهم وطرائق حكمهم. كان مثالاً لذلك الشاعر المثقف الحر، طبع كتبه على حسابه، ووزعها في الحافلات وفي الأكشاك مجاناً أو بسعر زهيد، كان همه الإنسان اليمني المعدم والمسحوق، حلمه أن يطلع عليه صبح جديد، تتحقق فيه آماله في عيش هانئ وكريم.
وإذا كان الراحل كرم ونال جوائز مرموقة، فإن ذلك حدث خارج اليمن، فهو حاز جائزة أبي تمام بالموصل، وجائزة شوقي بالقاهرة وجائزة الأمم المتحدة اليونسكو (بإصدارها عام 1982عملة فضية عليها صورته كمعوق تجاوز العجز), وجائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن وجائزة سلطان العويس بالإمارات.
طوال ثلاثة الأعوام الماضية، لم يُستدع أحد من الشعراء، مثلما استدعي البردوني، كم تمنى الثوار الشباب لو كان يعيش بينهم، كانوا يرنون إلى ما سيقوله عن ثورتهم، لكن كيف له أن يبتعد عنهم، أن ينأى عن جراحهم ودمائهم التي أهدرت. فهو قريب منهم إذ راح محبوه وجماهيره ينبشون ذاكرة الشعر ويقرؤون من قصائده التي تتغنى باليمن الجديد.
وكلما سنحت الفرصة، وكتقدير لا مثيل له لشاعر ورائي استطاع أن يرى ما لا يستطيع المبصرون أن يروه، عبر الكثير من المثقفين اليمنيين عن تطلعهم إلى أن يتحول بيته لمتحف يضم تراثه المتنوع، ووعد الوزراء، الذين تعاقبوا على وزارة الثقافة، بتحقيق هذا المطلب، لكنهم لم يصدقوا أبداً، فبيته أضحى موئلاً للغبار يقيم فيه أعراسه، كما كتب ذات يوم (ترجمة رملية لأعراس الغبار). حتى المكتبة التي تحمل اسمه في ذمار، حيث ولد، لم تسلم هي الأخرى من الأذى والهجوم على موظفيها، بحجة أنها تشجع على الاختلاط. فأي نكران يواجه به جواب العصور البردوني، الذي نحت اسمه في الصخر، فعلاً لا مجازاً.