المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جامع بورصة في تركيا: 600 عام من التألق


Eng.Jordan
05-23-2014, 11:40 AM
السبت : 01/03/2014
الكاتب : طه علي: مصر

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/2014319157682.jpg



في قلب مدينة بورصة التركية، لا يمكن للزائر أن تفوته زيارة جامعها الأشهر، والذي قد يكون كذلك لتركيا كلها، حيث يعود عمره إلى أكثر من 600 عام، ظل خلالها يشع فنوناً معمارية، كما يضخ لرواده نسائم روحانية.
يختزل هذا الجامع الذي يسميه الأتراك (أولو جامع)، أو ما يعرف بـ(الجامع الكبير)، تاريخاً يعكس عمارة العصر الذي عاش فيه صاحبه، فأخرج عمارة تليدة، ليس للأتراك وحدهم؛ بل للبشرية جمعاء، لم تمنعها تحديات الزمان من الصمود، ليصبح المسجد معنى ومبنى في آن.

ويتوق لزيارة المسجد كل من يأتي إلى مدينة بورصة تقريباً، ليطلع على هذا التاريخ العريق، فضلاً عن أن آخرين يأتون لزيارته من السائحين الزائرين لتركيا عموماً لمشاهدة عمارته، على الرغم من بعد المسافة بين بورصة ومدينة إسطنبول، والتي قد تصل إلى أكثر من ست ساعات بالسيارة، أو ساعة ونصف الساعة عبر البواخر في نزهة بحرية يستمتع بها أصحابها، لمشاهدة تركيا وتاريخها عبر البحر.
عمارة عثمانية
وفي هذا السياق، فإن هذه المدينة وعلى الرغم من مساحتها الكبيرة وأعداد سكانها الكثر، إلا أنها لا تتمتع بمطار جوي، لجعلها قاصرة على بيئتها الطبيعية، التي لم تلوثها الحداثة بعد. وعلى الرغم أيضاً من المدنية والحضارة الحديثة التي تأثرت بها المدينة، إلا أنها لم تطغَ عليها، ومن ثم لم تلوثها، فحافظت المدينة على عمارتها وتاريخها العريقين.
والجامع الكبير في بورصة، هو كبير بالفعل مبنى ومعنى، فقد شيده السلطان (بايزيد) الأول عام 798 هجرية، وفرغ من تشييده في العام 802 هجرية، عندما أوكل تشييده إلى المعماري علي نصار، فأبدع نصار عمارة فائقة تدل على عمارة العصر السلجوقي الذي تم بناء القصر فيه.
لذلك فالمسجد يسمى باسم (الجامع الكبير)، وهناك من ينسبه إلى مشيده (بايزيد الأول)، أو ما ينطقه الأتراك (بايازيت)، وينسج الأتراك حوله العديد من الروايات التي تجعله عارفاً بالله، حيث يذكرون أنهم في اليوم الأول من افتتاح المسجد، وكان يوم جمعة، شاهد جميع المصلين الإمام واقفاً على المداخل الثلاثة للجامع، وفي وقت واحد، وقد كان يبدو لهم في صورة رائعة، فأضفوا عليه صفة الكرامة والتصوف.
ويروي الأتراك أيضاً أن صهر (بايزيد) السلطان عمر، ولكونه قد ساعده في بناء المسجد، فقد أولاه (بايزيد) عناية خاصة من الاهتمام، فساعده على إنشاء مسجد آخر عرف باسم صهره السلطان عمر في ضاحية أخرى بمدينة بورصة.
والمسجد يمكن الوصول إليه من خلال سوق مدينة بورصة، والمعروف باسم (الهيكل)، ويمكن الدخول إليه عبر ثلاثة مداخل، منها مدخله الأساس، المطل مباشرة على السوق، إذ أن مدخليه الآخرين يطلان أيضاً على (الهيكل)، ولكن من طرق أخرى جانبية، لذلك يمكن لمن يتجول في السوق الوصول إلى الجامع بسهولة تامة.
حرم الجامع
وفي محيط الجامع تنتشر العديد من محال بيع العاديات والبازارات المعبرة عن خصوصية المدينة التركية، فضلاً عن بعض الباعة الجائلين، الذين يعرضون بضائعهم بدون استغلال لزائريهم، في منظر ينم عن تحضرهم من ناحية، وعلى عدم المساس بهيبة ووقار محيط الجامع من ناحية أخرى، فيما ينتشر بغزارة باعة القرآن الكريم والكتب الدينية والعطور والمساوك.
وتيسيراً على الزائرين من راغبي الصلاة، فإن هناك العديد من مواضع الوضوء التي تنتشر في محيط الجامع، حيث تتواجد العديد منها، في الوقت الذي يتخذها البعض خلاف الوضوء مكانا للسمر، وبخاصة في فصل الصيف، حيث رطوبة الطقس في منطقة السوق، ليتسامرون حولها، في الوقت الذي تنخفض فيه حرارة الطقس بنفس المدينة لأقل من معدلاتها، كلما ارتفع الزائر عن المدينة لأعلى، حيث تحيطها الجبال من كل ناحية.
والزائر للجامع، لا يمكنه الدخول إليه، دون اصطحاب أكياس من البلاستيك لوضع الأحذية فيها، حتى إذا خرج ألقى بها في سلة النفايات، لعدم تراكم الأحذية بداخل الجامع، حفظاً على نظافة المسجد من ناحية، وحفاظاً على المقتنيات الخاصة للزائر من ناحية أخرى، بما يجعله يصطحبها معه طوال جولته في الجامع، وهو يشعر بالأمان.
وعلى الرغم من تخصيص أحد مداخل الجامع للسيدات، فإنه مع الازدحام الشديد الذي يعانيه الزائرون للمسجد، فغالباً لا يتم إلزام النسوة بهذا المدخل، ما دفع إدارة الجامع إلى السماح بدخولهن المسجد من أي باب يشأن. وما إن يدخل الزائر الجامع، حتى يجد في مدخله شاشة تلفزيونية عملاقة ترصد له ترحيباً وتقدم له مواقيت الصلاة، والذي كان منشئ المسجد حريصاً على أن تكون إقامة المسجد للصلاة، وليس فقط لزيارته، ولذلك عمد على إنشاء ميضأة داخل الجامع تتوسطها نافورة غاية في الروعة والجمال، أنشأها صاحبها في صحن الجامع، تيسيراً على راغبي الصلاة، فضلاً عن الميضأة الأخرى القائمة في محيط الجامع.
مقتنيات تاريخية
اللافت أن الميضأة القائمة داخل الجامع تتوسطه، وتقع عمودية على منافذ المسجد الوسطى، والتي تضئ الجامع على مدى ساعات النهار، حتى إذا حل الليل في صلاتي المغرب والعشاء، وما يليهما من بزوغ لصلاة الفجر، أضيئت القناديل المنتشرة في مختلف أنحاء الجامع.
وعند هذه الميضأة تتوزع منافذ لتوفير المناشف ليستخدمها الزائرون بعد الانتهاء من وضوئهم، بما يشي بحرص إدارة الجامع -الذي تشرف عليه السلطة المحلية لمدينة بورصة بالكامل- توفير مختلف وسائل الراحة للزائرين ولراغبي الصلاة.
وفي جولة الزائرين للمسجد تأخذهم الدهشة من حجم العمارة التي تتسم بالبساطة في داخله، فضلاً عن ذلك الكم من لوحات الآيات القرآنية بالكتابات والخطوط المختلفة، والتي تلف جميعها عموم مساحات الجامع، والتي تصل إلى حوالي 700 متر في 100 متر، ويجده الزائر مربع الشكل.
المثير أيضاً في هذه اللوحات، تلك اللوحة النادرة التي يصفها كذلك رواد الجامع من الأتراك بأنها تحمل (حرف الواو) بخط كبير. وعنها يقول رواد المسجد إن أحد أئمة الجامع وقبل 300 عام، وأثناء ذهابه لصلاة الفجر وجد هذه اللوحة بما تحمله من حرف (واو) على شكل جنين في بطن أمه على أحد جدران المسجد، دون أن يعرف سبب وجودها ومن الذي أوجدها، إلى غيرها من الأسئلة التي استشكلت عليه، خصوصاً وأنه مع إغلاق الجامع في عشية ذلك الصباح لم يلحظ مثل هذه اللوحة.
اللوحة تقع بالقرب من منبر المسجد، وهو المنبر الذي يجمع في تصميمه العديد من الطرز المعمارية، علاوة على مذهبات ما جعل إدارة الجامع تعمل على صيانته، بوضعه داخل إطار زجاجي، باستثناء يوم الجمعة، حيث يعتليه الخطيب لإلقاء خطبته.
وعلى مقربة منهما، يقع كرسي أحد الأئمة والدعاة، وهو كرسي يعود إلى أكثر من 600 عام، أي منذ بناء المسجد، وهو الكرسي المقام من الرخام الأبيض الذي يجذب إليه الزائرين لمشاهدته والتقاط الصور التذكارية حوله، ويجلس عليه الإمام لإلقاء دروسه عقب الصلوات، أو فيما بينها.
أما محراب الجامع فهو تحفة معمارية، تعلوه آيات قرآنية مذهبة، أضيفت في مرحلة تالية على بناء السجد، ويعلوه نافذة هي الوحيدة بالفعل في الجامع، التي توصف بأنها تتمتع بزجاج معشق، فيما تنتشر بقية نوافذ المسجد في ساحاته بدون هذا الزجاج، باستثناء زجاج أبيض شفاف يسمح بانعكاس ضوء الشمس، والذي تدخله من فتحات زجاجية شفافة في ساحات وأسقف الجامع المختلفة.
وعلى مقربة من المحراب تعلق أحد أجزاء كسوة الكعبة المشرفة، والتي استطاعت إدارة المسجد أن تضمها إلى مقتنياته، غير أنه لا يعلم على وجه الدقة كيفية عثورها على هذه الكسوة التي يقدر رواد المسجد عمرها بأكثر من 300 عام.
وفي داخل الجامع تأخذ الزائر الدهشة من زوايا الصلاة الصغيرة، والتي تتوزع في جدران مختلفة منه، وهي مستطيلة الشكل، إحداها ترتفع عن أرضية الجامع في منظر أخاذ، تتسم بالبساطة، حيث ترتفع من خلال أعمدة خشبية، فيما تم فرشها بأنواع من السجاد الفاخر.
هذه الزوايا الصغيرة، تستهوي الزائرين، وبخاصة المصلين منهم للخلود إلى أجواء روحانية، يذكرون فيها الله سبحانه عبر المسابح التي تنتشر في أرجاء شتى من المسجد للزائرين، علاوة على خلود المصلين إلى قراءة أورادهم من القرآن الكريم في هذه الزوايا، بما يعزز من خلودهم وسكنهم والتقرب إلى خالقهم.
وفي داخل المسجد تتجلى اللوحات القرآنية الفريدة، والتي كتبها كتاب مهرة من تركيا وغيرها، بخطوط عربية مختلفة، منها الثلث والنسخ والرقعة، إلى غيرها من الخطوط غير أن منها لوحات تمت كتابتها في وقت صاحب المسجد ومشيده، وهي اللوحات التي حرصت إدارة المسجد على تسويرها ببراويز زجاجية لحفظها، فيما أطلقت اللوحات الأخرى على جدران الجامع، حيث كتبها خطاطوها على الجدران ذاتها.
ويلاحظ الزائر أن الجامع يحتوي بالداخل على نحو 192 زخرفة جدارية مكتوبة بالخط العربي، وأن نافورته الجميلة، والتي تتوسط صحنه ليست فقط للوضوء، ولكنها أيضا نافورة للشرب في آن, وفوقها منور. ويقال إن هذا البناء استلهم منه سنان آغا تصميم الجامع السليماني في مدينة القسطنطينية.
والملاحظ على طلاء المسجد أنه تم دهانه بمادة الزيت الحديث، ما يعكس صيانته أخيراً، وهو ما يؤكده بالفعل القائمون عليه بأنه تعرض لل***** خلال العامين المنصرمين، حيث تم طلاء جدرانه في الداخل باللون (البيج) الفاتح، بما جعله مناسباً للوحات التي يحملها من ناحية، فضلاً عن إشاعة اللون الفاتح في داخل المسجد من ناحية أخرى، بما يتناسب مع ضوء الشمس الذي يخترق نوافذه على مدى ساعات النهار.
هذه ال***** عملت على عدم المساس بتاريخ المسجد وآثاره، حيث تعد هذه الإضافة الوحيدة الحديثة للمسجد، حتى القناديل المضيئة له، تعبر عن عصور قديمة، فالحديث منها يقارب القديم، وهي قناديل بسيطة في إضاءتها، تتدلى من أسقف المسجد المزخرف بزخارف نباتية، بديعة الشكل، لتضفي على المكان بهاء وجمالاً.
وعقب جولة قد تمتد لأكثر من ساعة داخل الجامع، يخرج الزائر منه مودعاً إياه بعزم على العودة إليه مرة أخرى، ليشاهد بعد خروجه منارتين كبيرتين، أعلاها تلك التي تواجه مدخله الشمالي من ناحية السوق أو (الهيكل)، حسبما يطلق عليه الأتراك، وهي المنارة الأعلى ارتفاعاً، ويمكن لجميع زوار السوق ومن في محيطه مشاهدتها على مسافة عشرات الأمتار.
ويلاحظ الزائر أن منارتي الجامع، بهما 20 قبة نذر خلالها صاحبه على أن يشيدها بنفسه، عندما أخذ على نفسه عهداً بأن يبنيهما في حال انتصاره على الأعداء في معركة (نيقوبولس) خلال العام 798 هجرية. وعندما تحقق له ما أراد، حرص على أن ينفذ وعده، وألا يحنث فيه ببناء المنارتين، ليكونا على طراز العمارة العثمانية.
وأخيراً.. تبقى الإشارة إلى أن مدينة بورصة تقع في المنطقة الجنوبية الشرقية من بحر مرمرة، وتشتق اسمها من مؤسسه بروسياس، ملك بيثينيا، وهي مدينة أشبه ما تكون واقعة في حضن الجبل، حيث تغطيها الجبال والسهول من كل اتجاه، غير أن هذه الجبال تمت زراعتها، حيث تبدو في مناظر خضراء، حبتها الطبيعة بالكثير من نضارتها، كما حباها التاريخ بعمارته، التي لاتزال شامخة إلى يومنا.