المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توليد النار: بداية الثورات الحضارية الأولى


Eng.Jordan
05-23-2014, 11:44 AM
الأحد : 30/03/2014
الكاتب : عبدالرحمن آل فرحان: أبها

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/201433083538438.jpg



كيف تأثرت حياة أسلافنا بالنار؟ أو بمعنى أدق: ما هي أبرز ملامح التأثيرات التي تحققت بعد أن أصبحت النار تحت تصرفهم, سواء التأثيرات المباشرة أو تلك التأثيرات التراكمية التي كان لوجود النار تأثير غير مباشر عليها
كل الدراسات تتفق على أن علاقة البشر بالنار علاقة أزلية وضاربة في عمق التاريخ، حيث لا تخلو حضارة من حضارات ما قبل التاريخ من أي إشارة أو علامة أو أثر يؤكد على حقيقة تلك العلاقة. أقلها تلك الأواني الخزفية التي خلفتها الحضارة الفرعونية إحدى أقدم الحضارات البشرية على وجه الأرض والتي من المستحيل أن تصنع إلا في وجود النار، لكن من المؤكد أن تلك العلاقة أياً كان تاريخها لها أبلغ الأثر في تغيير مسار الحياة البشرية برمتها بشكل حاد. ومما لا شك فيه وبحسب أبحاث العلماء أن الإنسان كان يرى النار منذ أن وجد على الأرض، لكنه حتماً لم يكن يستطيع الاستفادة منها، فقد كان يراها إما من خلال الثورات البركانية أو من خلال احتراق الغابات بفعل الجفاف والصواعق الرعدية، لكنه حينما استطاع تطويعها وتوليدها تغيرت حياته تغيراً كلياً، بل يمكن الجزم أن النار حينما أصبحت في متناول يده أحدثت بينه وبين نمط حياته القديم قطيعة حادة بما يمكن وصفه بمصطلحات اليوم (بالثورة), بل هي أول ثورة على سلم الثورات المعرفية الذي يمتد على طول التاريخ الإنساني مع الحياة وصناعة الحضارة، فالنار فتح جديد أحدث فارقاً مهولاً في أساليب وأنماط الإنسان الأول، وأجزم أنه في ذلك الوقت (أي إنسان ما بعد النار) كان يصف عصره بالعصر الحديث، تماماً كما نصف عصرنا اليوم بعد الثورة التكنولوجية، ففي عصره الحديث استطاع أن يصنع الدفء والضوء والطاقة التي لم يعرفها قط إنسان ما قبل ثورة النار، وكل صناعة من تلك الصناعات كانت كما السحابة الماطرة لجملة من الأفكار والابتكارات التي تراكمت (فوق ومع) بعضها البعض لتشكل جملة التأثيرات المهمة هي روح معظم ما تشكل بعد ذلك من قيم ومفاهيم إنسانية جديدة سواء الاجتماعية منها أو حتى الدينية أو الصناعية.
التأثيرات السوسيولجية
بمجرد أن نتخيل عدم وجود النار في حياة الإنسان الأول ندرك كم كان حجم الضنك الذي كان يعيشه، والتي من المؤكد أنها كانت شديدة الشبه بحياة الحيوان، يأكل النباتات مباشرة، ويتناول لحم طرائده نيئة من دون طهي، ويبيت في كهوف الجبال المرتفعة تحصناً من هجمات الحيوانات الضارية، وحينما يحل موسم الشتاء يختار ما بين القطون في الكهوف الأرضية أو الهرب نحو المناطق الدافئة، وحينما تشتد الحرارة ينزح نحو المرتفعات الأقل برودة، لكن كل ذلك تغير بمجرد وصول النار لقبضة يده، فالنار أحدثت تبديلاً صارماً لكل ما سبق من سلوكيات، ولعل أول ملامح استفادة الإنسان من النار هو تغير نوعية طعامه، لأنه بدأ يطهو عليها أنواعاً مختلفة من قطاف الأرض، وبدأ يميز النكهات المختلفة، ومن المؤكد أنه بعد سلسلة من تجارب الطهي على النار أصبحت لديه قائمة بما يصلح طبخه وما لا يصلح، كما أنها غيرت طريقة تناوله للحوم، فلم يعد مضطراً لأكلها نيئة.
ومثلما تغير سلوك الإنسان الغذائي بفضل النار، فإن الحرارة المنبعثة عنها أكسبته سلوك مقاومة البرد، فقد وفرت تلك الحرارة له الآلية المثالية لتوفير الأجواء الدافئة، وهذه الآلية منحته بالتالي فكرة جديدة لسلوك جديد ومهم لم يكن ليتحقق لولا وصوله لهذه المرحلة من تطويع النار، وهو الاستيطان.. إذ لم يعد مضطراً للهرب من البرد، بل يبقى في مكانه وتتكفل النار بالباقي، وهنا نلاحظ كيف تطورت الحياة بشكل متتالٍ.. فكلما فتحت له النار باباً جديداً.. قالت له انظر هناك باب آخر، والاستيطان كان بلا شك أحد أهم الأبواب التي طرقها، فهو المدخل الأول لمفهوم لا زلنا نتداوله ونربي عليه أنفسنا وأجيالنا حتى اليوم، إنه مفهوم الانتماء، فالإنسان الذي لا ينتمي إلى وطن يحبه ويستميت للدفاع عنه إنسان بلا شك ضائع ومحروم ويفتقد للأمان، ومما ساعد الإنسان الأول على الاستيطان كذلك تمدد أسرته بشكل عرضي، أب وأم وأخوة وأخوات وأبناء وأحفاد النواة الأولى لتشكل العشيرة التي ينحدر جميع أفرادها من سلالة شخص واحد، ولأن المكان بادئ الأمر يقطنه مجموعة من الأسر، فمن البدهي أن تتحول هذه الأسر إلى عشائر متعددة سميت فيما بعد بالقبيلة، ولكون المكان وموارده شراكة فيما بين أفراد تلك القبيلة فقد كان لزاماً أن يتشكل عن هذا الشراكة حزمة من التشريعات التي تؤطرها وتضمن تماسكها، وهو ما يطلق عليها اليوم بالأعراف أو التقاليد أو ما يمكن توصيفه بمصطلحات سوسيوليجة بالنظام الاجتماعي.
وأيضاً من التأثيرات التي أحدثتها شعلة النار في حياة الإنسان البدائي تغير نمط نشاطاته اليومية، فلم يعد مقتصراً على ساعات النهار فقط، إذا ساعده ضوء النار في توسيع تحركاته لتشمل ساعات الليل كذلك، كما وأن النار حققت له الكثير من التأمين الذاتي والحماية اللازمة ضد الحيوانات المتوحشة التي لاحظ أنها تخاف من وهج النار، فأمست شعلة النار رفيقته حينما يتحرك ليلاً، وجارته حينما يبيت برفقة عائلته، الأمر الذي حدا بالحيوانات للهرب والانزياح نحو مناطق بعيدة غير مأهولة بالإنسان والنار.
التأثيرات الفسيولوجية
يعتقد الكثير من علماء البيولوجيا والأنثروبلوجيا أن دخول أطعمة جديدة لجوف الإنسان كالبروتينات المطهية (اللحوم)، أو الكربوهيدرات المعقدة (النشا) لابد وأنه ترك آثاراً فسيولوجية في جسمه، انعكست بالتالي على تفكيره ودرجة ذكائه، وأحد أهم العلماء الذين اهتموا بهذه النقطة هو ريتشارد دبليو رانغام عالم الرئيسيات البريطاني والأستاذ لعلم الإنسان الحيوي بجامعة هارفارد، إذ يرى في كثير من دراساته وأبحاثه أن طهي الأطعمة النباتية أحد أكبر المسببات المهمة في توسيع القدرات العقلية للإنسان، حيث أن الطهي يجعل هضم الكربوهيدات المعقدة الموجودة بشكل طبيعي في الأطعمة النشوية أكثر سهولة، مما يتيح للعقل البشري الاستفادة بشكل أكبر من نواتج هضمها, وبالتالي امتصاص المزيد من السعرات الحرارية الناجمة عن أيضها، كذلك ويرى كاريل فان شايك (Carel van Schaik) مدير معهد ومتحف الأنثروبولوجيا بجامعة زيورخ في سويسرا أن الطهي بالفعل ساهم في التطور البشري، إلا أنه لم يكن العامل الوحيد الذي أدى إلى زيادة القدرات العقلية لدى الإنسان القديم ذاته.. بل في السلالات المتعاقبة عنه، وهو يقصد أن تأثير الطهي استغرق أوقاتاً طويلة وتطورات جينية متعاقبة ليحدث. وهو ما أكدت عليه أيضاً أبحاث البروفيسورة ليزلي آيلو (LesliAiello)، رئيسة مؤسسة وينر العلمية، وشركة جرين للبحوث الأنثروبولوجية، والأستاذة بجامعة لندن، حيث رأت أن التغيرات أتت في شكل مجموعات، من خلال تزايد تناول اللحوم وصغر الجهاز الهضمي والطهي والسير بشكل مستقيم، فكل هذه العوامل ساعدت على نمو المخ.
التأثيرات الميثولوجية
تعد الأساطير والخرافات السمة الغالبة في ثقافة الشعوب القديمة، والملجأ الأخير لتفسير الظواهر الطبيعية المبهمة التي قد تحدث في محيطها، كالصواعق والأمطار والعواصف وغيرها. والنار في الأزمنة القديمة لم تكن بالنسبة للناس كما نعرفها اليوم بأنها تفاعل كيميائي بين عنصر الأكسجين والمادة المحترقة ينجم عنها حرارة وغازات أكاسيد الكربون، بل كانت مبهمة ويكتنفها الغموض، ومثيرة للريبة، الأمر الذي جعلها مرتعاً للعديد من الأساطير والخرافات على مر العصور.
النار مسروقة من الآلهة
هذه الأسطورة من أشهر الأساطير التي حفلت بها الميثولوجيا الإغريقية، حيث كلف (زيوس) كبير الآلهة اثنين آخرين من الآلهة، لكنهما من عائلة مختلفة، وهما (بروميثيوس Prometheus) وأخوه (إبيمثيوس Epimetheus) بخلق البشر، وتزويدهم وجميع الحيوانات بجميع متطلبات الحياة التي تمكنهم من البقاء، فاهتم إبيميثيوس بتزويد الحيوانات بالقوة والشجاعة والسرعة والتحمل، وزودها بالريش والفرو والصوف وغيرها من وسائل الحياة، ولكن حينما وصل إلى مرحلة خلق الإنسان اكتشف أن طاقته وجميع قدراته وموارده قد نفدت بسبب تهوره في صرف معظمها على الحيوانات، فطلب من أخيه بروميثيوس أن يتولى هو مهمة خلق البشر، فبالغ بروميثيوس في إسباغ النعم على الإنسان وكرّم خلقته ـ فأعطاه القدرة على المشي منتصباً على قدمين فقط كالآلهة، والقدرة على الكلام، وهو ما لم يحصل على الإطلاق مع بقية المخلوقات، الأمر الذي أغضب كبير الآلهة (زيوس)، الذي وصل لذروة سخطه حينما قام بروميثيوس وبمنتهى الجرأة بسرقة (النار) من الآلهة ليهبها لبني البشر، فالنار كانت تعني الدفء والنور والمعرفة، فعاقبه زيوس على ذلك بأن قيده بالسلاسل على صخرة كبيرة في القوقاز، وسلط عليه نسراً ينهش كبده كل يوم، ثم ينمو الكبد مجدداً في الليل، وظل على هذا العذاب حتى أتى هيراكليس (ابن زيوس الأكبر) وخلصه.
عصا العذراء
أسطورة أخرى من الميثولوجيا الإغريقية، تقول إن (أرتميس) -إلهة القمر- كان لها سبع بنات عذارى، كن في غاية الجمال، وحينما رآهن أحد الجبابرة أخذ يلاحقهن في كل مكان من السماء، وحينما أعياهن هذا الجبار بالمطاردة قتلن أنفسهن، الأمر الذي أغضب والدتهن أرتميس فقتلت ذلك الجبار، ثم وضعت الشقيقات السبع بجوار بعضهن في كبد السماء حيث المجد والخلود، تلك الشقيقات السبع هي ما نسميها اليوم بـ(الثريا)، أما النار فقد كانت على رأس عصا كانت تحملها إحدى تلك الشقيقات.. ألقت بها نحو الأرض قبل أن تلحق بشقيقاتها في السماء. فعرف البشر النار لأول مرة.
آغني
في الميثولوجيا الهندوسية يعد آغني هو إله النار الوسيط، أو إله النار الرسول من وإلى بقية الآلهة، وله في المعابد الهندوسية العديد من التماثيل، ذو الرأسين أشهرها، رأس يعبر عن الموقد والآخر يمثل النار، يمتطي كبشاً للدلالة على القربان الذي يفضل أن يقدم له في المعابد.
بيت الأرواح
ترتبط قبائل هيريرو التي لا زالت تقطن أجزاء من جنوب أفريقيا وجمهورية ناميبا حتى اليوم، برباط مقدس بالنار، لأنهم يعتقدون أنها المكان الذي تسكن فيه أرواح أجدادهم، فهم يوقدونها في موقد الكاهن بأنواع خاصة من الحطب، ويمارسون بين يديها طقوسهم التعبدية، ويتعين على الكاهن الأكبر في القبيلة اختيار فتاة من القبيلة لتتولى مهمة إيقاد النار في المعبد، والفتاة التي يتم اختيارها حسب تعليمات هذه العقيدة لن يكن بمقدورها الزواج طيلة حياتها، والنار ليست مجرد بيت لأرواح الأموات في قبيلة الهيريرو وحسب، بل رمز لحياة القبيلة كلها، حيث يتوجب عليهم إبقاؤها متقدة طوال الوقت في الموقد، فإن تعرضت القبيلة لغزو ما من قبيلة أخرى فعلى زعيم القبيلة الغازية أن يسيطر على نار القبيلة التي يهاجمونها، لأنه بهذه السيطرة يعلن عن أنها باتت تحت رعايته وحكمه.
أرواح البشر منها
تعتقد قبائل (البوريات) إحدى قبائل المغول، أن للنار روحاً تسكن فيها ومنها تتخلق الأرواح في سائر البشر، لهذا لا يخلو قطعاً أي بيت من بيوت أفرادها من موقد النار، وفي معتقدات البوريات تعاليم صارمة تجاه النار، ومنها تحريم رمي النفايات والأوساخ داخلها، لأن ذلك مما يهين روحها، وكذلك يمنع تحريكها بسكين أو آلة حادة فقد يعرض روحها للجرح أو الأذى، فتأذي روح النار معناه حلول اللعنة على المكان الذي تأذت فيه وعندها لن تستثني اللعنة أحداً يعيش في ذلك المكان، هذه القدسية المفرطة للنار كان لابد أن يصاحبها طقوس خاصة، والتي منها تقديم القرابين والأضاحي لها بشكل دوري ومنتظم، وأن يتكفل أحدهم برعايتها والاهتمام بها، هذا المتكفل بروح النار عليه أن يتسم بسمات معينة، وأن يكون وريثاً لهذه المهمة المقدسة، وعادة ما يطلق عليه اسم (شامان).
أساطير أخرى
لدى شعوب أستراليا البدائية أسطورة تقول إن عصفوراً صغيراً تسلل خفية في السماء وحمل شرارة من النار الإلهية تحت ذيله ونزل بها إلى البشر. أما المجوس أو الزرادشتيون فيعتقدون أن النار رمز للإله (أهورامزدا) الذي يعبدونه، لكنهم يتلون صلواتهم للنار التي تعد رمزاً له. أما قبائل (ماوري) سكان نيوزلندا الأصليين، فأسطورتهم أن إلههم (ماوي) بعد أن أخرج لهم جزيرتهم من البحر أمدهم بالنار التي تمنحهم القوة والبقاء.
التأثيرات التصنيعية
لا يمكن أن نعرج على العديد من الصناعات التي ازدهرت في وجود الوقود الخشبي قبل أن نذكر أن الوقود نفسه طالته تقنية التصنيع والتطوير، سيما مع تنامي الطلب على الخشب، حيث قاد هذا الأمر بعض البشر للتخصص في جمعه، وتوفيره، وبالتالي المقايضة به، وهي الإرهاصات الابتدائية لمفهوم التبادل التجاري (الأسواق) سيما حينما نأخذ في الاعتبار أن هناك نمواً مطّرداً لمجالات إنسانية أخرى غير الاحتطاب كانت تحدث في ذات الوقت مثل الزراعة والرعي والصيد. ثم لم يلبث جامع الخشب حتى بدأ يفكر في طريقة تمكنه من التغلب على صعوبة نقله من مصدره إلى أماكن الطلب عليه، فابتكر تقنية تصنيع التفحيم، الشكل المتطور والجديد للوقود الخشبي، فالفحم لا يتميز بسهولة نقله من مكان إلى مكان آخر وحسب، بل بخفة وزنه وعدم حاجته لمساحات كبيرة أثناء تخزينه.
ثم خلال سعي الإنسان الدؤوب في مناكب الأرض لم يتوقف عند الخشب والفحم المصنع منه، فقد اكتشف أنواعاً جديدة للوقود ذات ميزات أفضل، كالفحم الحجري.. أشد أنواع الوقود صلابة تم اكتشافها حتى الآن، وهو عبارة عن كتل كربونية مترسبة في باطن الأرض منذ ملايين السنين. وها نحن اليوم في عصر ما بعد الفحم الحجري، عصر النفط الذي يقدر العلماء أننا في الثلث الأخير منه، وترجح المصادر أن تاريخ النفط كوقود بدأ بنهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وهذا لا يعني أن الإنسان لم يكن يعرفه قبل هذا التاريخ، بل كان يعرفه باسم القار الذي كانت ترصف به شوارع بغداد خلال القرن التاسع الميلادي، غير أن المعرفة الأكثر أهمية لقيمة النفط بدأت حينما تمكن الإنسان من صنع المحركات الداخلية في الثلث الأول للقرن العشرين، الأمر الذي قاد لتقنيات تقطيره وتحويله لأشكال مختلفة من المحروقات لا زلنا نستخدمها حتى اليوم في إنتاج الكهرباء اللازم لتشغيل كل شيء من حولنا.
صناعة الأواني الفخارية
الآثار التي وجدها علماء الآثار تثبت أن الإنسان بدأ بصنع أوانيه من الفخار منذ أوقات ضاربة في القدم، لكنها لم تزدهر إلا من حوالي 8000 آلاف سنة قبل الميلاد، وتشير الدراسات أن أقدم اكتشاف لآلة تصنيع الفخار تعود للعام 3300 ق.م. والحضارة المصرية تعد من أهم الحقب التي شهدت تطوراً هائلاً وتقدماً كبيراً في هذه الصناعة, يشهد بهذا ما خلفته أيديهم من تحف ومقتنيات خزفية لا يملك المرء حيالها سوى الاندهاش وتأمل دقتها وروعتها، وهي متفاوتة ما بين الأباريق والمزهريات وأواني الطبخ والشرب، وأكثر ما يميز الخزفيات الفرعونية هي الألوان الزاهية والجميلة التي كانت تصبغ بها، كذلك فإن الآنية الفارسية تميزت بما عليها من رسوم وأشكال جميلة.
الجدير بالذكر أن صناعة الفخار شهدت تطورات عديدة منذ أن عرفها الإنسان، وانبثق عنها صناعات أخرى جديدة مثل صناعة السيراميك والرخام والبورسلين والزجاج وغيرها، والتي ساهمت بشكل ملحوظ من خلال رصد علماء الآثار كيف أن آنية البشر تحولت تدريجياً من زمن إلى زمن، فقد عثر في الصين على آنية للبورسلين تعود لعصر التانغ، وهي سلالة حكمت الصين ما بين (618 – 906 م)، ويختلف البورسلين عن الفخار القديم أن الأول عبارة عن طين أبيض مضاف له مسحوق الصخر، يتميز الإناء الذي يصنع منه بالقساوة وشبه الشفافية.
التعدين
انتهى العصر الحجري تماماً مع وصول الإنسان لاستخدام المعادن، ويؤرخ العلماء لهذا الوصول بأنه كان من 4000 آلاف عام قبل الميلاد، وتشير الكثير من الدراسات أن أولى المعادن التي عرفها الإنسان هي النحاس ثم الذهب والفضة، ربما لأن بريقها كان يميزها ويلفت النظر إليها أكثر من أي معدن آخر، وربما لأنها توجد عادة في الصخور بشكل حر مما يسهل الوصول إليها.
لا شك أن الطاقة التي امتلكها الإنسان من قبل والمتمثلة في الوقود (النار) كانت القوة الكبرى التي جعلت المعادن العنوان الأبرز للعصور المتعاقبة من حياة البشرية، والإطار الأكبر لكل ما تم تصنيعه لاحقاً من هذه المعادن. فحينما استطاع الإنسان أن يليّن تلك المعادن فيما نعرفه اليوم اقتصادياً بـ(التعدين)، أخذ يشكلها من جديد على هيئة أدوات ذات فائدة حياتية له، والتي من أهمها أسلحة الصيد، التي تطورت فيما بعد لتصبح أسلحة للحروب والدفاع عن النفس، ومن بعد الأسلحة أتت الأواني المنزلية، التي غالباً ما كانت تصنع من النحاس، ومما يجدر ذكره أن سهولة تشكيل المعدن بعد تليينه بالنار ساهم بشكل كبير لظهور أشكال عديدة من أواني الطبخ وأحجام متفاوتة من أوني الشرب والأكل كالكؤوس والأباريق والأطباق، الأمر الذي دفع الباحثين لتسمية عصر تنامي هذه الأدوات النحاسية بالعصر النحاسي الذي أصبح برونزياً فيما بعد وذلك مع بداية مزج القصدير به (3500 ق.م)، وفي حوالي 1200 ق.م دخلت البشرية عصر معدني جديد يعد الأهم بالنسبة لباقي العصور السابقة، وهو العصر الحديدي، وذلك بعد أن تمكن من استخراج الحديد، وتكمن أهمية الحديد في وفرته وشدة صلابته وتحمله، سيما في صناعة السيوف والخناجر وأدوات الزراعة والصيد. وتفاصيل أخرى دقيقة لا يعيرها الباحثون قدراً من الاهتمام، لكنها شكلت تحولات صناعية كبرى، مثل الفأس الحديدي الأول الذي جعل من قطع الأشجار أمراً أسهل، ثم المنشار الحديدي الأول الذي أحدث تطويراً مهماً في تقنية المصنوعات الخشبية خاصة حينما تزامن ذلك مع صنع المسمار والمطرقة، والتي بهما ارتكزت معظم الصناعات الخشبية اللاحقة، والتي منها تقنيات بناء المساكن وما تخللته من صناعات كالأبواب والنوافذ، والأثاث، والتي بالطبع لازالت معتمدة على المطرقة والمسمار حتى وقتنا الحاضر، ومن التفاصيل الدقيقة الأخرى التي أفرزتها تقنية التعدين قديماً صناعة إبرة الحياكة، إذ من غير الممكن تخيل التطور المتلاحق في صناعة الملبوسات والسجاد دونما أن نشير لفضل إبرة الحياكة الأولى، التي يرجع تاريخ تصنيعها لحوالي 4000 آلاف عام قبل الميلاد، وما تلى ذلك طبعاً من تقنيات ذات علاقة مباشرة بالألبسة كتجديل الصوف أو القطن وغيرهما.
مهم أن نشير في ختام هذه الدراسة بأن النار ليست سوى وسيلة لتحرير الطاقة الكامنة في المادة المحترقة بدءاً من الوقود الأول الخشب ومروراً بوقود الفحم الحجري وانتهاءً بالنفط، فالطاقة هي سر القوة التي كان يبحث عنها الإنسان في النار وليست ذات النار، وهو ما حدا به لمحاولات تحريرها عن مصادر أخرى غير الوقود المحترق كمساعيه الناجحة هذه الأيام في تحريرها من ضوء الشمس أو من اليورانيوم المشع.