المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سراييفو: عبق الحضارة الإسلامية في قلب أوروبا


Eng.Jordan
05-23-2014, 11:48 AM
الجمعة : 31/01/2014
الكاتب : أحمـد أبو زيد: مصر

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/201413185449525.jpg


سراييفو مدينة إسلامية ساحرة تقع في قلب أوروبا، وتحمل عبق الشرق الإسلامي بكل جمالياته وأصالته وروحانياته وعمارته، حيث المساجد والمباني الإسلامية والأسيلة‏ والمدارس التاريخية والحمامات والتكايا والخانقاوات، والهوية الإسلامية التي تفرض نفسها من خلال المساجد التي تنتشر في ربوع المدينة ويزيد عددها عن 80 مسجداً، وينطلق منها نداء الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة.
ولأنها تجمع بين الأديان السماوية الثلاثة في تناغم وتعايش، فقد أطلق عليها (القدس الثانية) أو (مدينة السلام)، فهي تجمع بين المسجد والكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية والمعبد في عدد من أحيائها‏،‏ وعلى بعد خطوات من بعضها البعض، وبخاصة في الحي العتيق المعروف باسم (باتشارشيا‏).‏

يرتبط تاريخ سراييفو إلى حد كبير بتاريخ البوسنة والهرسك باعتبارها العاصمة، وحاضرة هذه البلاد ومركز الحياة فيها، ولعدة قرون جعلها موقعها في قلب قارة أوروبا مجمعاً للحضارات، فقد احتضنت الحضارات البيزنطية والعثمانية والرومانية والحضارة النمساوية المجرية.
ففي النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي، وتحديداً سنة 1435 تمكن العثمانيون من السيطرة الكاملة على المناطق التي كانت تشكل فيما مضى يوغسلافيا الاتحادية (1945/ 1990)، وأحدثوا تغييرات هائلة في جوانب الحياة وتعمقت هذه التغييرات بشكل خاص في المدن، وأقيمت ونمت مدن كثيرة ذات طابع شرقي إسلامي، وتميزت المدن بكثرة السكان وهم في غالبيتهم من المسلمين.
وكانت سراييفو أهم هذه المدن على الإطلاق، فعلى ضفاف نهر ميلياتسكا وضع (عيسى بك إسحاقوفيتش) أساس مدينة سراييفو وهو اسم مشتق من كلمة (سراي) العربية وتعني القصر، وكان العثمانيون يطلقون على سراييفو الحالية (سراييفو بولي) أي المناطق التابعة للقصر، ومع مرور الوقت تم حذف بولي وأصبحت المدينة تعرف بسراييفو.
وفي نهاية القرن الخامس عشر، بدأت سراييفو تنمو كمدينة ذات ملامح جديدة، وتوسعت في الضواحي المجاورة، حتى ظهرت مدينة شرقية عثمانية مختلفة تماماً عما كان يوجد في المنطقة.
جامع السلطان
أما نواة المدينة الجديدة، فيمكن أن يربط بإنشاء أول جامع عثماني في البوسنة، والذي أسّس على الضفة اليسرى لنهر ميلاتسكا، ويُعتقد أن عيسى بك قد بنى هذا الجامع عام 862هـ/1457م، باسم السلطان محمد الفاتح، ولذلك عرف منذ ذلك الوقت باسم (جامع السلطان).
وبعد هذا الجامع، قام عيسى بك بإنشاء وقفه الذي يعتبر النواة الحقيقية لسراييفو، فقد بنى حماماً عاماً قرب الجامع، وميداناً لسباق الخيل، كما شيد جسراً على نهر ملياتسكا، الذي يشق سراييفو والذي كان متدفقاً وأصبح اليوم شبه ناضب، وعلى الجانب الأيمن للنهر في الجهة المقابلة للمسجد وبالقرب من السوق القديم أقام أول استراحة للقوافل، وأنشأ حولها عدداً كبيراً من المحلات للحرفيين والتجار، وشيد في المنطقة التي تعلوها استراحة للمسافرين وتكية، وأدخل شبكة للمياه بالمنطقة.
وفي نهاية القرن الخامس عشر الميلادي انتشرت حركة البناء واتسعت المدينة وأحدثت المشروعات العمرانية ترابطاً بين الأحياء السكنية المحيطة، وسرعان ما تطورت سراييفو ونمت وأصبحت من أهم المدن وأقدمها بمنطقة البلقان.
تطور عمراني كبير
بلغت سراييفو التي تعتبر من أهم المدن ذروة تقدمها في القرن السادس عشر من ناحية التطور العمراني، وكان الفن المعماري أكثر فروع الفنون تطوراً ونماء، وكان من عادة العثمانيين أن يقيموا المساجد أولاً وقبل كل شيء، ثم تظهر المحلات التجارية حول المسجد كنواة للمدينة ومركز لها، وبعد ذلك يتم تشييد المساجد في كل المناطق الإسلامية المحيطة، وهكذا تم في سراييفو تشييد أكبر عدد من المساجد والجوامع، وكانت كلمة مسجد أو جامع تعني مكاناً تقام فيه الشعائر الإسلامية، وفي سراييفو كان يشيد الجوامع كبار المسؤولين من العثمانيين وأعيان المدينة وأثرياؤها وأصحاب الحرف بها والمواطنون كل على قدر استطاعته وبعضهم لهم صلة قرابة تربطهم بسلطان الدولة العثمانية، ولم تكن المساجد مرتبطة بمن يشيدها فقط بل بمصمميها المعماريين.
ولا شك أن وجود الجامع السلطاني الذي كانت تقام به صلاة الجمعة والعيدين، ووجود السوق، وغيره من العمائر، يعتبر من أهم الشروط للإدارة العثمانية للاعتراف بتحول أي تجمع سكني إلى مدينة.
ولقد أوقف عيسى بك العديد من الطواحين والكثير من الأراضي للصرف على المؤسسات المعمارية التي أنشأها في المدينة، وكتب وقفية لذلك وثقها عام 866هـ/1462م.
وقفية سراييفو
وتعتبر وقفية عيسى بك وثيقة مهمة عن تاريخ البوسنة وسراييفو، إذ إنها أقدم وقفية عثمانية عن البوسنة، وهي توثق لأولى المنشآت الإسلامية التي بنيت هناك حتى عام 866هـ/1462م، كما أنها توثق لتأسيس مدينة سراييفو التي غدت المركز الأشهر في البوسنة، ومن أهم مراكز الثقافة الإسلامية في البلقان.
وقد نالت هذه الوقفية اهتمام الباحثين خلال القرن الماضي، فكان الباحث الصربي (غليشا الزوفيتش) أول من اهتم بها، ونشرها في اللغة الصربية في حولية (الآثار التركية)، التي صدرت في بلجراد عام 1940م، ثم اهتم بها أكثر، العالم البوسني (حازم شعبانوفيتش)، ونشرها في ترجمة منقحة في مجلة معهد الاستشراق في سراييفو خلال عام 1952م، ونشرت هذه الترجمة للمرة الثالثة في كتاب (وقفيات من البوسنة والهرسك- القرن 15 - 16)، الذي أصدره معهد الاستشراق في سراييفو 1985.
والنسخة المصدقة من هذه الوقفية محفوظة في سجل المحكمة الشرعية في سراييفو، والذي يحمل الرقم (71) لسنة 1254هـ/1838م، والمحفوظ الآن في مكتبه الغازي خسرو بك في سراييفو، وهناك عدة نسخ أخرى، منها واحدة في أرشيف وزارة الأوقاف في إسطنبول، ونسخة في سكوبية، ونسختان أخريان في مكتبة الغازي خسرو بك.
أهمية الوقفية
وأهمية هذه الوقفية تنبع من الأمور التالية:
1- كتبت هذه الوقفية باللغة العربية، وهي اللغة الجديدة التي دخلت البلقان مع العثمانيين، وأصبحت من لغات الثقافة الجديدة (الإسلامية)، التي ساهم بها البشانقة بما ألفوه بعد انتشار الإسلام هناك.
2- كتبت الوقفية بلغة عربية جيدة لا يشوبها سوى بعض الأخطاء البسيطة التي تكاد لا تلحظ، مع استخدام بعض الكلمات العثمانية في مواضع محدودة، وهي محاولة مبكرة لكتابة الأسماء السلافية بالحروف العربية.
3- من الملاحظ هنا أن الوقفيات العثمانية كانت تكتب في اللغة العربية في الفترة الأولى من الدولة العثمانية، حتى منتصف القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، حين أصدر السلطان سليمان القانوني في 960هـ/1553م أمراً إلى المدرس علاء الدين بنقل كل الوقفيات السلطانية المكتوبة في العربية إلى العثمانية.
4- توثق الوقفية لأولى المنشآت الإسلامية التي بنيت في البوسنة، وبخاصة (الزاوية) أو (العمارة) كما أصبحت تشتهر في البلقان، والتي تعتبر من الإسهامات العثمانية في الحضارة الإسلامية.
5- توثق الوقفية الوضع على الأرض كما كان في البوسنة، وبالتحديد في المنطقة المحيطة بسراييفو الحالية، في السنوات الأولى للحكم العثماني، وهي بهذا تكشف عن القرى الموجودة آنذاك، التي استمر بعضها واندثر بعضها الآخر، كما تكشف عن التجمع السكني الوحيد (الفاروش) الذي كان يقترب من ملامح المدينة الوحيدة في تلك المنطقة.
6- تكشف بعض الأسماء في الوقفية وأسماء الشهود في نهاية الوقفية عن بداية انتشار الإسلام هناك في ذلك الوقت المبكر، وحتى عن وجود (مقابر المسلمين) هناك.
العصر الذهبي للمدينة
وبعد الفتح العثماني لكل البوسنة، تم تأسيس (سنجق البوسنة)، الذي ضم بطبيعة الحال الولاية الحدودية (ولاية هودي دده)، وأصبحت سراييفو هي العاصمة.
ولا شك أن اتخاذ سراييفو مركزاً لهذا السنجق الواسع، قد ساعد بدوره على نمو هذه المدينة بسرعة، حتى وصلت إلى عصرها الذهبي في النصف الأول من القرن السادس عشر، وهو عصر الغازي خسرو بك، والذي شغل منصب والي منطقة البوسنة من عام 1521م حتى 1541م، فقد كان في غاية الثراء وصاحب نفوذ روحي وعسكري كبير، وحظيت تنشئته برعاية مميزة وتعليم عالٍ في قصر السلطان بالأستانة مقر الخلافة العثمانية، لكون والدته سلجوقية، فقد كانت شقيقة السلطان بايزيد الثاني.
مسجد الغازي خسرو
وقد أقام خسرو مسجداً عام 1531م، يعد من أكبر وأجمل مساجد البوسنة، ويسمى باسمه (مسجد الغازي خسرو بك)، كما أقام كتاباً ومدرسة لتحفيظ القرآن الكريم ومدرسة أخرى خاصة بالفلسفة الصوفية، ومكتبة وحماماً به قسمان قسم للرجال وآخر للنساء، واستراحة للقوافل وبعض الفنادق وحوالي ثلاثمئة دكان وبسبب كل هذه الأعمال والمنشآت الخيرية تثني عليه الأجيال إلى اليوم. ومع الأوقاف الكثيرة التي أقامها الوالي الغازي (خسرو بك)، قاد حملات عسكرية على كرواتيا والمجر، وقد شغف بمدينة سراييفو وتعلق بها وانشغل ببنائها وتعميرها، وعندما واتته المنية أوصى بدفنه داخل ساحة المسجد الذي يحمل اسمه.
وكانت سراييفو كما تقول المراجع العثمانية مدينة كبيرة جداً إذ تعد أكبر مدينة في البوسنة والهرسك بل في البلقان وأوروبا الشرقية، وتعد أكبر المراكز الثقافية الإسلامية المتميزة، وكانت تتبعها عدة سناجق (محافظات أو بلديات).
الحضارة الإسلامية في سراييفو
وتذكر المصادر العثمانية أن عدد سكان سراييفو كان قليلاً جداً قبل الفتح العثماني، أما بعده فقد ازداد عدد السكان بها، وبلغ عدد أحيائها 104 أحياء, منها 72 حياً للمسلمين، و10 أحياء للصرب الأرثوذكس وبعضهم بلغار ورومان، وقليل جداً من الكروات والأرمن والأوروبيين، بحيث لا يشكلون أحياء خاصة بهم.
وتروي المصادر بعض الترف الذي كانت تحياه المدينة، ومن ذلك أن سكان سراييفو كانوا يستهلكون ألفي رأس غنم، وستمئة ألف رغيف خبز، وتصنع البسطرمة (لحم مقدد) على مدار العام من 40 ألف رأس غنم.
وكان بالمدينة سبعة عشرة ألف منزل مختلفة البناء, وبها سبعة وسبعين جامعاً و93 مسجداً صغيراً، ومن أكبر جوامعها جامع سلطان باشا وفرهاد باشا وخسرو باشا والغازي علي باشا وعيسى باشا، وبها معبد يهودي واحد وعدة كنائس وأديرة أرثوذوكسية وكاثوليكية.
وتذكر المصادر أن الغازي خسرو بك بنى وحده في ولاية البوسنة 41 جامعاً، وأوقف عليها أكثر من ثلاثمئة وقف، وقد صودرت هذه الأوقاف بعد خروج العثمانيين، وآخر ما تبقى منها كان في عهد تيتو وقد استرجع القليل منها بعد الحرب.
74 تكية و23 خاناً
كما كان بالمدينة مئة وثمانون مدرسة للأطفال، و74 تكية وبها 176 طاحونة، وخمسة أسواق، وسبعون حمام قصر، وثلاثة قصور للقوافل، و23 خاناً كبيراً للتجار، و8 خانات لأبناء السبيل، وعدد من الدكاكين يتراوح عددها بين ثمانين إلى مئة، وسوق مغطى وسبعة جسور على نهر ميلياتسكا.
وبها سبعمئة بئر، و26 ألف حديقة وبستان، وبها كذلك مئة عين ماء، وثلاثمئة سبيل، منها سبيل فرهاد باشا، وسبيل خسرو بك، وسبيل ملاراد باشا، وسبيل الغازي عيسى بك، ولم يبق اليوم سوى سبيل خسرو بك. وكان بالمدينة سبعة مطاعم خيرية مجانية أكبرها من إنشاء خسرو بك وفرهاد باشا وقوجة محمد باشا، وتخرج كلها باستمرار وانتظام، الطعام لطلاب العلوم وعابري السبيل والفقراء وغيرهم ممن يطلبون طعاماً.
وفي سنة 1698م تعرضت سراييفو للتدمير والحرق أثناء هجوم الأمير (أوجين سافويسكي) عليها، ولم يتم حتى نهاية الحكم العثماني التخلص تماماً من آثار التدمير والحرق الذي تعرضت له.
سراييفو وعهد الاستعمار
وفي سنة 1878م، وعلى إثر توقيع معاهدة برلين الشهيرة خرجت تركيا من البوسنة، ليخلفها الاستعمار النمساوي المجري، وقد قاوم أهالي سراييفو كغيرهم من أبناء البوسنة الاستعمار النمساوي الذين وصفوه بالقاسي، حيث أجبروا على استبدال الحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة البوسنية بالحروف اللاتينية، وبدأت السلطات النمساوية المجرية بمصادرة أراضيهم، ولا سيما أراضي الأوقاف، كما أقصتهم عن المناصب السياسية والإدارية في البوسنة وسلمتها للأقليات الأخرى تحت إشرافها.
وعرفت سراييفو أثناء العهد النمساوي المجري تشييد عدد من المباني الضخمة، تحولت الآن إلى مراكز ثقافية ومكتبات، منها المكتبة الوطنية التي أحرقها الصرب سنة 1992م، ومقاهي ومطاعم، كذلك مبنى مجلس الرئاسة، وعدد من الوزارات البوسنية في سراييفو، يعود تاريخ تشييده للعهد النمساوي المجري.
وفي الحرب العالمية الثانية تركزت هجمات الألمان على سراييفو التي تم لهم احتلالها سنة 1941م، وسلموها لدولة كرواتيا التي أنشأها النازيون بعد أن تحالف معهم الكروات، وصورته جميع المطبوعات، بما فيها مجلة كانت تصدرها المشيخة الإسلامية في سراييفو.
مدينة شرقية
وقبل الحرب الأخيرة التي جرت في تسعينات القرن الماضي، كانت سراييفو هي أكثر مدن أوروبا ميلاً إلى الطراز الشرقي، وكان سائحو أوروبا يزورونها لرؤية مساجدها وأسواقها وحوانيتها على الطراز التركي.
وقد أدت الهجمات الصربية والكرواتية الوحشية إلى تدمير العديد من الآثار التاريخية في سراييفو، وذلك من أجل طمس الهوية الإسلامية في البلاد، ولكن بالرغم من ذلك فقد نجت العشرات من الآثار الإسلامية التي تعطي ذلك الطابع الفريد لتلك الدولة الأوروبية.
وبقيت المناطق الطبيعية الخلابة في شمال البلاد كما هي لم تمس، وذلك بسبب وجود مرتفعات وجبال الألب الدينارية والتي يكسوها الجليد طوال العام، التي تمتلئ كذلك بالعديد من الغابات الزاخرة بأنواع مختلفة من النباتات والحيوانات والطيور في معزل عن التدمير والفناء.