المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القصور الصحراوية: رحلة في ذاكرة التاريخ المنسي


Eng.Jordan
05-23-2014, 11:56 AM
الجمعة : 31/01/2014
الكاتب : عبدالحفيظ صالح محمد: تونس

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/201413183119400.jpg



تمثل الصحراء عالماً خاصاً متناسقاً بفضائه وحيواناته ونباتاته، يفضي من حين لآخر إلى قرى ومعالم متناثرة ولكنها شامخة على قمم الجبال أو رابضة في السهول أو مختفية تحت أنفاق الأرض إلى جانب القصور التاريخية الخالدة، حيث تتجسد معالم الحضارات السابقة في القصور والقلاع والأبراج والحمامات القديمة وخانات القوافل والحصون.
ويزخر الجنوب التونسي، وبخاصة مدينتا مدنين وتطاوين الواقعتان في عمق الصحراء، بالقصور والآثار التي يعود بعضها إلى ما قبل التاريخ والبعض الآخر إلى الفترة الرومانية، وتتميز بنمط بناء تقليدي وفريد . وعلى الأرجح يرجع تاريخ هذه القصور للعصر الروماني، وقد تم بناؤها لحماية الرومانيين من الغزاة ولتتخذها قبائل المنطقة فيما بعد حصوناً ولها فيها مآرب عديدة.
وفي الصحراء التونسية ترتكز القصور بولايتي مدنين وتطاوين ويقدر عددها بمائة وخمسين قصراً أو تزيد. وتتميز بتنوع تصاميمها وتفاوت أحجامها ودقة هندستها، ومن أشهرها بالإضافة لقصر (سلطان) و(شنني) (القصر القديم)، و(قصر العوايد)، و(قصر أولاد عون)، و(قصر أولاد عامر) و(قصر أولاد حامد)، و(قصر المقابلة)، و(قصر العين)، و(قصر كرشاو)، وقصر (الغرياني)، و(قصر الزهرة). ويتضح من أسمائها أنها تعود لقبائل عدة استوطنت تلك الربوع على غرار أولاد حامد وأولاد عون وأولاد عامر. وعلى سبيل المثال يعود تاريخ بناء (القصر القديم) – وهو أحد أقدم هذه القصور - إلى العام 475 هـ، وهو ما يتزامن تقريباً مع قدوم بني هلال إلى تونس.
وتعد القصور الصحراوية أحد أهم معالم التراث الصحراوي على الإطلاق في الجنوب التونسي، ولكنها قليلة النظير في منطقة بلدان المغرب العربي، بل وتقف هذه القصور الصحراوية بأعدادها الكثيرة وتنوع تصميمها شاهداً على عمق الوجود البشري في الصحراء التونسية.


تصميم القصور
صمم بناء القصور بشكل يسمح بإيواء قبيلة بأكملها داخله، إذ يمتد القصر عادة على مساحة تتراوح بين الهكتار الواحد والهكتارين، وفق عدد أفراد القبيلة وحجم المخزونات والمؤن لديها، ويشيد عادة على مرتفع من الأرض بهدف تسهيل المراقبة والسيطرة القتالية في حال التعرض لهجمات وغارات من الخارج.
وقد يحتوي القصر الواحد منها على أكثر من ثلاثمائة غرفة وتشتمل على عدة طوابق قد تصل إلى الخمسة. ويخصص الدور الأول منها للسكن أما الثاني فهو مخزن للمؤن الغذائية، ليكون الدور الثالث مستودعاً للأسلحة والذخيرة على غرار (قصر الدغاغرة) و(قصر الحدادة) الذي يبلغ عدد غرفه حوالي 567 غرفة تمتد على مساحة 6400 متر مربع، وقد استعان به المخرج الأمريكي جورج لوكاس ووظفه في ديكور فيلمه (حرب النجوم) عام 2000 لغرابته وجمال تصميمه وهندسته الفريدة كبناء صحراوي شيدت أركانه بطريقة فذة وعبقرية.
وفي أغلب الأحيان تكون السقيفة التي تمثل المدخل الأساسي للقصر مخصصة لاستقبال الضيوف .أما (الصحن) فهو عبارة عن ساحة داخلية للبناء، ويستخدم كذلك في تجميع الحيوانات وحمايتها. وتمثل الغرف الوحدة الأساسية للقصر، وهي تستعمل لخزن المنتجات الزراعية وتخضع هذه الغرف لهندسة خاصة تراعي شروط حفظ المحاصيل الزراعية والحيوانية لفترات طويلة، وتتوافر فيها شروط التهوية، وتفتح الغرف بعضها على بعض بواسطة مدارج، وتمتد أعمدة خشبية مغروسة في الجدران للتسلق والوصول للغرف العالية.


وظيفتها التاريخية
لعبت القصور عبر التاريخ دوراً مركزياً في حياة سكان المنطقة كمظهر من مظاهر الاستقرار، على عكس الخيمة التي مثلت مظهراً من مظاهر الترحال والانتجاع. وتعكس وظائف القصر المتعددة التداخل الذي كان قائماً بين أصناف المعيشة، والقدرة على التأقلم مع مناخ صحراوي قاس. وبرزت خصوصية الحياة البدوية في هذه المنطقة الجنوبية والصحراوية من خلال هذا التكامل بين الخيمة والقصر وهو ما يجعلها تتميز في بعض خصائصها عن أنماط البداوة في مجتمعات أخرى. فالقصر يقوم بوظيفة تخزين المنتوجات الفلاحية المحلية (كالحبوب والزيت والتين المجفف والتمر والصوف والعلف وغيرها) ما يعكس ثراء النشاط الفلاحي التقليدي وتنوعه من خلال الشواهد كمعاصر الزيت وبقايا مطامير الحبوب.
وتختلف وظيفة كل قصر وفقاً لموقعه، فالقصور الجبلية على سبيل المثال غالباً ما تستخدم لتخزين المحاصيل الزراعية نظراً لصعوبة الوصول إليها. فالوظيفة الأساسية للقصور لم تكن للسكنى والراحة كما يتبادر إلى الذهن، بل إن القصر كان يمثل مخزناً جماعياً تملكه القبيلة أو العشيرة، كما تتعدد داخل القصر الغرف التي تملكها العائلات والأفراد بينما يكون السكن زمن السلم والاستقرار خارج القصر. وتزداد وتيرة الإقامة حول القصر والتواجد به وقت التهديدات الأمنية وأثناء الجفاف. وفي فترات الرخاء تكثف القبائل من التنقل والانتشار في الأراضي السهلة حيث المراعي والزراعة والتجارة. وللقصر وظائف أخرى ثانوية تختلف وتتنوع بحسب المواسم والظروف الأمنية على غرار تأمين النشاطات التربوية والدينية والتجارية . ومن الداخل تمثل الغرفة الوحدة الأساسية للقصر، وتستعمل للخزن ولها هندسة خاصة تراعي شروط حفظ المحاصيل الزراعية والحيوانية لمدة طويلة وتفضي الغرف إلى بعضها البعض بواسطة مدارج، أو سلسلة من الأعمدة الخشبية المغروسة في الحائط.
ومن الداخل تتضمن القصور المساجد التي تقوم بوظيفتي التعبد والتعليم، ودور العبادة من الأجزاء المتممة بشكل يتفاوت بين قصر وآخر حسب الموقع وتاريخ القصر وحسب قوة وتعدد أفراد القبيلة، إلى جانب معاصر الزيتون وأبراج المراقبة والآبار. وقد يذهب البعض إلى الظن أن القصور الصحراوية تمثل قصوراً أثرية فخمة، ولكنها ليست كذلك فهي أشبه بالقلاع الحصينة التي تحمي السكان في الغالب من الاعتداءات الخارجية.
و قد اكتسبت القصور اليوم وظائف سياحية تسمح بالتعرف على تاريخ شعوب هذه الربوع الصحراوية وآثارهم الشامخة وروحها الضاربة في القدم وتكشف عن نمط معيشة أهلها، باعتبارها كنزاً تاريخياً فريداً يحق لنا أن نتعرف عليه ونطّلع على قوة وحضارة تلك الفترات التي عمر فيها أجدادنا الأرض وعاشوا في أمن وسلام قروناً مديدة، وهو جزء بسيط من تاريخهم المجيد الشامخ على الأرض في أعماق الصحراء الهادئة.