المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرافعي والعقاد أعنف المعارك الأدبية في القرن العشرين


Eng.Jordan
05-23-2014, 12:10 PM
الخميس : 02/01/2014
الكاتب : محمد عبد الشافي القوصي: مصر

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/20141232755715.jpg



كانت حياة (الرافعي) سلسلة من المعارك، فما يكاد ينتهي من معركة إلا ليبدأ في معركة جديدة، لكن يتفق النقاد والأدباء على أن معركته مع (عباس العقاد) كانت من أعنف المعارك التي خاضها الرافعي في حياته، بل تعد أعنف معركة في ميدان الأدب بوجه عام، ذلك لأن العقاد كان -آنذاك- له شهرته المدوية وتاريخه المعروف في الدفاع عن الرموز الإسلامية، والثقافة الإسلامية الأصيلة، كما كان له في مجال الشعر قصائد ودواوين ومواقف وآراء لا يستهان بها.
وإنْ شئت قل: كان (العقاد) قد بلغ أعلى مراتب المجد والشهرة لدى جماهير القراء!
ولقد كان (الرافعي) رفيع الذوق فعلاً لا ترضيه كتابات الأدباء فيقول: (إن الأدب -يا أبا رية- منحط انحطاطاً غريباً، فأنا في هذه الأيام أقرأ كتاب (زهر الآداب) للدكتور زكي مبارك ويباهي في مقدمته بتصحيحه وما لقيه في سبيل التصحيح، فإذا فيه غلطات تدل على جهل هذا الدكتور وأنه في النهاية من الغباوة).
وعن رأيه في عصره، يقول: (ينبغي يا أبا رية أن تعلم أني غير مبال بأدب هذا الزمن ولا بأدبائه، فلا يعنيني أن يكتبوا عن شوقي أو غيره، لأن النفاق غالب عليهم، وجمهور الأمة لا يفقه شيئاً، ولو أُلحق بي منصب كبير لكتبوا عني ما لم يكتب عن أحد).
الخلفية التاريخية للمعركة!
وقيل: إن معارك الرافعي والعقاد كانت لها خلفية تاريخية تمتد إلى سنة 1911 حينما كان العقاد يكتب في مجلة (البيان) وكان الرافعي محررها الأول وصاحب الرأي في نشر واختصار وحذف ما يشاء من الموضوعات ومن بين هذه الموضوعات ما كان يكتبه العقاد، ومن هنا بدأ بينه وبين العقاد خلاف امتد إلى مفاهيم في الشعر والنثر.
وبدأ هذا الخلاف على صفحات (المؤيد) الصادر في 16 مايو 1914 حيث نجد للعقاد موضوعاً عنوانه (فائدة من أفكوهة) يدور حول اضطراب القياس عند الرافعي، حينما كتب عن جهاز النطق لدى الإنسان والحيوان. وأخذ العقاد على الرافعي تناقضه بين قوله بصدور اللغة في الحيوان عن الإحساس وبين كونه يتعلم حرفاً أو أحرفاً من لغة الناس.. ثم يستدرك الرافعي فيكتب في هامشه: أما الحيوان المروض المأخوذ بالعناية والتعليم والتلقين فقد يقتبس جملة من حروف اللغة التي يتعلم بها. وبذلك تأتى لبعض الألمانيين أن ينطق كلبه بألفاظ خالصة من اللغة الألمانية ولكنها في الجملة من حاجات الكلب الطبيعية كالأكل والشرب فلا تخرج عن معنى الإحساس أيضاً.
ويعلّق العقاد في مقالته بقوله: (إن مثل هذا القياس أفكوهة فلم يكن من سبيل أمام الرافعي إلا أن يطنب فيذكر لغة الحيوان الطبيعية الخالدة ولغة الهمج وموقف الحروف التي ينطقونها والتي لا ينطقونها).
وينهي العقاد مقالته بأن الرافعي منشئ مكين يحس اضطراب القياس لديه ويعمل القلم ولا يعمل الرأي، لأنه لا يستطيع أن يصنع غير ذلك، وإن كتاب الرافعي (تاريخ آداب العرب) في نظره كتاب أدب لا تاريخ أدب، لأن البحث في هذا الفن يتطلب من المنطق ما يتطلبه الرافعي نفسه ولا يجده في استعداده.
احتدام الصراع على أشده!
وينقد العقاد أدب الرافعي في كتابه (الديوان) فيقول في الهجوم عليه: (مصطفى أفندي الرافعي رجل ضيق الفكر مدرع الوجه يركبه رأسه مراكب يتريث دونها الحصفاء. وكثيراً ما يخطئون السباد وطالما نفعه التطوع وأبلغه كل أدبه أو جله؛ إذ يدعي الدعاوى العريضة على الأمة وعلى من لا يستطيع تكذيبه فتجور دعواه وينفق إلحافه عند من ليس يكرثهم أن يخدعوه به.. وكذلك فعل ضيق الفكر وركوب الرأس بمصطفى الرافعي فحق علينا أن نُفهمه خطر مركبه وأن قدميه أسلس مقاداً من رأسه لعله يبدل المطبة ويصلح الشكيمة)!
ثم يصفه العقاد بأنه من أدباء الجيل الماضي ويهاجمه قائلاً: هذا رجل لا يستحي أن يسمي نفسه على غلاف رسالته بنابغة كُتّاب العربية وزهرة شعرائها. ثم يهاجمه بقوة قائلاً: (إيه يا خفافيش الأدب: أغثيتم نفوسنا أغثى الله نفوسكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم، السوط في اليد.. وجلودكم لمثل هذا السوط قد خُلقت وسنفرغ لكم أيها الثقلان)!
وتشتعل نيران الخصومة بين العقاد والرافعي بسبب الصراع على صداقة الزعيم (سعد زغلول)، فالأول هو كاتب الأمة الذي أحبه سعد واحترمه، والثاني له مكانته عند سعد أيضاً.. أمراً جعله يقول عن كتابه (إعجاز القرآن) مقرظاً بعبارة: كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم.
وتتأجج الخصومة أكثر وأكثر حين يعلن العقاد بأن هذه الكلمة التي يتشدق بها الرافعي ويفتخر لم تصدر عن سعد زغلول وإنما هو خالقها ومزوِّرها.. ليصدّر بها كتابه حتى يروج عند الشعب.
وهنا جنّ جنون الرافعي، فخاض (معركته الخفية) ضد العقاد وهي عبارة عن سلسلة من المقالات السامة أو الحارقة التي نشرها -دون توقيع- في مجلة (العصور) تحت عنوان (على السفود). يقول في رسائله: (أما إغفال الاسم فهو الآن عين الحكمة لا خوفاً من العقاد، ولا مبالاة به، ولكن بمن هو فوقه، فإغفال الاسم يفتح لهؤلاء الرؤساء باب التخلص لأنهم على كل ذوي أدب وضمير، ثم نحن لا نريد المباهاة بكتاب، ولكن نريد إظهار الحقيقة، وفي إغفال الاسم قوة كبيرة لهذه الحقيقة ما دام الكتاب متيناً).
ويقول إنه سيضع مقدمة في كتابه -على السفود- بقلم العقاد نفسه، وهي جمل كتبها في مقالاته بمجلة كوكب الشرق (أجراها الله على قلمه لأضربه بها)!
(العقاد) جبّار الكتابة!
وقد كان الهدف من هذه الحملة العنيفة– كما يقول الرافعي: (لا ننسى أن العقاد الآن في رأي نفسه ورأي كثيرين هو جبّار الكتابة، فنحن نريد أن نضع أنف هذا الجبار في الأرض مقدار ساعتين على الأقل، لأنه لم يتجرأ عليه أحد حتى الآن، والذين كتبوا عنه لم ينالوا منه نيلاً، وطه حسين لم يكد يمسّه مرة حتى هرب وأخذ ينافق له و(يتملّقه)).
وقد وُجّهت للسفود عبارات نقد كثيرة، وكان الأستاذ (أبو رية) أول من كتب للرافعي في ذلك، فيقول: هذه المقالات -على ما فيها من نقد أدبي لا يستطيع غير الرافعي أن يأتي به- تحمل بعض عبارات شديدة كان يجمل بمثل قلم الرافعي أن لا يجري بها. وكان –رحمه الله– قد اقتنع بما رأينا، ووعد بأن يحذف هذه العبارات عندما يعيد طبع هذه المقالات، وكان الرافعي قد طلب إلى (أبو رية) أن يبين رأيه فيها من قبل.
الحقيقة بين السر والعلانية!
وهدأت الخصومة بين الطرفين فترة لتبدأ من جديد بعد صدور ديوان (وحي الأربعين) للعقاد، ولكن الرافعي كان قد فارق صولجانه في جريدة (البلاغ) فاستطاع العقاد عن طريق البلاغ أن يحمل عليه حملة عنيفة تحدث بها الثقلان، وسارت بها الركبان، و... وكان مما قاله العقاد آنذاك: (مصطفى صادق الرافعي رجل عامي من فرعه إلى قدمه أو من قدمه إلى فرعه، يظن كما يظن كل عامي أن المناقشة هي أن يغلِب، وأن علامة الغَلَب أن يظل يتكلم ويتكلم)! إلى أن يقول مخاطباً إياه: لا يا هذا عندي ما يشغلني عن ضغينة نفسك الصغيرة فاذهب إلى عالم الأشباح.. الذي ألقيت بك فيه منذ سنوات!
ولعل خصومة العقاد مع مصطفى صادق الرافعي، كانت في مجال الأدب، وكان الرافعي فيها عنيفاً لدِد الخصومة، بعيد المدى في الخصومة والهجاء، غير أنه ما كاد يموت الرافعي حتى نشر (الزيات) حديثاً كان قد جرى بينه وبين الرافعي، تناولا فيه الرأي في العقاد، قال الرافعي: (أما العقاد فإني أكرهه وأحترمه، أكرهه لأنه شديد الاعتداد بنفسه قليل الإنصاف لغيره، ولعله أعلم الناس بمكاني من الأدب، ولكنه ينعى عليّ قوة البيان فيتجاهلني حتى لا أجري معه في عنان).
وقد أجاب العقاد على هذا الاتهام فقال: (كنتُ أعلم أن الرافعي يقول عني أحياناً غير ما يكتب، روى ذلك محمد السباعي والأستاذ البرقوقي، وهذا يوافق ما رواه الزيات. وقد حرص الرافعي على كتمان هذه الشهادة، فلِمَ هذا الاختلاف بين السر والجهر، أو بين القول الخاص والقول العام، وهذا هو أيضاً موضع الاختلاف بين خطتي في الخصومة الأدبية والخطة التي كان يؤثرها الرافعي وبعض الأدباء، فأنا أقول الرأي بلهجة، وأقوله بلهجة أخرى، هذا قصارى ما أستبيح من الفرق بين الرضا والغضب، والصداقة والخصومة، أما الرأي في لبابه فلا يتغير ولا يتناقض.. إنني كتبت عن الرافعي مرات أن له أسلوباً جزلاً، وأن له صفحات من بلاغة الإنشاء تسلكه في الطبقة الأولى من كتاب العربية المنشئين، وقلتُ أنا لا أنكر عليه فلسفة البحث وصحة المنطق ودقة القياس. وهبنا توافقنا على المودة، ولم نتفرق في الخصومة، فهل كنت أستطيع أن أسيغ القضايا المنطقية التي كان يستكثر منها ويمعِن في الاتكاء عليها، فأنا قد شهدتُ له بالبلاغة الإنشائية وأنكرتُ عليه الفلسفة المنطقية لأنني أستطيع أن أسلكه مع الجاحظ وعبد الحميد، ولا أستطيع أن أسلكه مع كانْت وهيوم، وابن سينا).
(المرأة) التي أشعلت الصراع!
وإذا كان كثير من الأدباء والنقاد قد أجمعوا على أن الرافعي خسر معركته مع العقاد، إلا أن الرافعي حقق انتصارات عديدة في معاركه مع الشعراء أمثال: خليل مطران، والكاشف، وصبري، ونسيم، وإمام العبد، وشكيب أرسلان، وغيرهم.
لكن هناك سبباً آخر، وراء احتدام الصراع بين (الرافعي) و(العقاد). هذا السبب يدور حول الأديبة والكاتبة (ميّ زيادة) الفتاة اللبنانية الرقيقة المهذبة.
وتشتعل نيران الخصومة بين الأديبين الكبيرين بسبب ميّ، وتمتد إلى أقصى مراميها.
وكما هو معلوم- أن الرافعي كان واحداً من المتدلهين بحب (ميّ) بل كان بينهما حريق من الحب -على حد تعبير الرافعي- وكان أحد رواد صالونها الثقافي الذي كان يلتقي فيه أقطاب الفكر والأدب أمثال: إسماعيل صبري، وطه حسين، وخليل مطران، وأحمد حسن الزيات، ولطفي السيد، وأنطون الجُميّل.. وغيرهم.
وإذا كان هناك عدد كبير من الشعراء والأدباء الذين تدلّهوا بحب مي زيادة.. فإنه لم يشتعل قلب أديب من الأدباء بحب (ميّ) كما اشتعل قلب مصطفى صادق الرافعي، وقد كتب إليها الرافعي مجموعة كبيرة من رسائله، وردت عليه ذات مرة بقولها: (... سأدعوكَ أبي وأمي متهيبة فيك سطوة الكبير وتأثير الآمر، وسأدعوك قومي وعشيرتي، أنا التي أعلم أن هؤلاء ليسوا دوماً بالمحبين، وسأدعوك أخي وصديقي، أنا التي لا أخ لها ولا صديق، وسأطلعك على ضعفي واحتياجي إلى المعونة أنا التي تتخيل فيك قوة الأبطال ومناعة الصناديد...).
وكتبت أيضاً تقول له: (... سأستعيد ذكرك متكلماً في خلوتي لأسمع منك حكاية همومك وأطماعك وآمالك، حكاية البشر المتجمعة في فرد واحد، وسأتسمع إلى جميع الأصوات لعلي أعثر فيها على لهجة صوتك، وأشرح جميع الأفكار وأمتدح الصائب من الآراء ليتعاظم تقديري لآرائك وأفكارك، وسأبتسم في المرآة ابتسامتك في حضورك، سأتحول عن نفسي لأفكر فيك، وفي غيابك سأتحول عن الآخرين إليك لأفكر فيك..).
في ذات الوقت، كانت (ميّ) تطوي بين جوانحها شوقاً وإعجاباً وإجلالاً كبيراً للعقاد! وهذا مما أثار حفيظة الرافعي ضد صاحبه، وكظم في نفسه غيظاً لا يحتمل، وغضباً لا يطاق، خصوصاً عندما كان يجدها عنده، ويراها شغوفة بكلامه وآرائه..!
لكن الذي جعل قلب الرافعي يتقطع، وعقله يغلي كالمرجل، وكاد يفقده صوابه، عندما علم بحكاية الرسالة التي أرسلتها (ميّ) للعقاد من روما سنة 1925 مرفقاً بها مقالها في مناجاة ينابيع فرونديزي بروما، ثم جواب العقاد عليها بقصيدته المعروفة والتي مطلعها:
أنت في روما وفي مصر أنا
بعدت شقتنا لولا النجاء
لكننا لا نستطيع أن نجزم في كون هذا الشغف قد وصل إلى حد الغرام الجدي، وإلا لكانت العلاقة بينهما قد تطورت إلى الزواج! ولقد تضجّر الرافعي كثيراً، واشتاط غيظاً أكثر وأكثر، عندما سمع عن غيرة (مي) على العقاد، تلك الغيرة التي فعلت فعلها في نفس (ميّ) عندما علمت بعلاقة العقاد بسارة، فقصدت إلى جريدة البلاغ ودخلت مكتبه، وهناك دار بينهما عتاب صامت ختمته دمعة انحدرت من عيني (مي)!
هذا في الوقت الذي أرسل الرافعي دموعه لميّ زيادة كالسحاب! ورفضت أن تتزوجه عندما طلب الزواج منها، لأنها كانت لا تؤمن بالقيد الحديدي للرجل.. وقالت له: (يا مصطفى.. من حقك أن تحب كما تريد، ودعني أن أحب كما أشاء... )!
وتركت قلب (الرافعي) يتحطم، وروحه تتناثر كالنسيم في يد الرياح...!
كما جعلت (العقاد) يكتب لنا أروع إبداعاته العاطفية على الإطلاق.. وهي القصة الشهيرة (سارة)!