المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة المراد آبادي إلى الجزيرة العربية


Eng.Jordan
05-23-2014, 12:13 PM
الخميس : 02/01/2014
الكاتب : مجدي إبراهيم: مصر

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/20141252810949.jpg



قبل أكثر من مئتين وثلاثين عاماً، ووسط ألوف الحجاج الذين كانوا يتوافدون على بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، كان هناك شيخ من بلاد الهند تجاوز الخامسة والستين من عمره، ولخلفيته العلمية ومراسه في التدوين آثر أن يكتب مشاهداته خلال هذه الرحلة التي استمرت أكثر من سنتين، كما ألف عدداً من الكتب الخاصة في موضوعات السيرة النبوية والحديث، وهي مكتوبة باللغة الفارسية التي كانت لغة العلم والعلماء الهنود في تلك الفترة. وقد مات الرجل بعد عشرين عاماً من عودته من الرحلة، ودفن في مسقط رأسه مراد آباد. إنه رفيع الدين بن فريد الدين المراد آبادي.
الشيخ رفيع الدين بن فريد الدين المراد آبادي، هو حفيد نواب عظمة الله خان الفاروقي حاكم مراد آباد. كان مولده سنة 1134 هـ 1722م، وقد أخذ العلوم على يد العالم الهندي المعروف (شاه ولي الله الدهلوي) صاحب كتاب حجة الله البالغة، كما تتلمذ على يد علماء هنود كبار. ترك مؤلفنا العديد من المؤلفات، منها:
(سلوى الكئيب بذكر ****** – في السيرة النبوية، شرح الأربعين – في الحديث الشريف، تذكرة المشايخ، كتاب الأذكار، تذكرة الملوك، ومشاهدات حرمين شريفين أو سوانح حرمين شريفين). وقد اعتمد في ترجمة مشاهدات حرمين شريفين – محل دراستنا – على بعض النسخ الفارسية مع الاستفادة من الترجمة الأردية التي قام بها نسيم أحمد فريدي أمروهي.
بداية رحلة
بدأت رحلةالشيخ رفيع الدين من مسقط رأسه سنة 1201 هـ 1722 م، وعاد منها سنة 1203 هـ, بعد رحلة استغرقت عامين وشهرين وأسبوعين.. وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى في الخامس عشر من ذي الحجة سنة 1223 هـ/ 1808 م بعد عودته من رحلته بعشرين سنة عن عمر يناهز التاسعة والثمانين، ودفن في مسقط رأسه مراد آباد.
في مقدمة رحلته يقول رفيع الدين: كنت أتمنى منذ عنفوان الشباب زيارة الحرمين الشريفين، فقد غلبني الشوق إلى رؤيتهما، وكلما ظهرت في الأفق بوادر تبشر بسفري إلى الحرمين، ظهرت هناك عوائق وعلائق حالت دون ذلك؛ وهكذا ظل قلبي يتحرق شوقاً لتحقيق هذه الأمنية، وبعد مدة حان الوقت الذي قسمه الله تبارك وتعالى لي، فزالت العوائق، وانقطعت العلائق، وانقشع الغمام، وصفت السماء، إلا أن الحزن خيم على صفحة القلب، فقد انفتحت عين البصيرة، واستيقظت من أحلام الغفلة وأنا أفكر في أموري، فأدركت أن أوقاتي الغالية ضاعت في لهو الدنيا وأمنياتها الخادعة، وأنني أنوء بعبء جبل من الذنوب، بعد أن اقتربت شمس حياتي من المغيب.
عقدت العزم على السفر إلى روضة شفيع المذنبين، الذي هو رحمة للعالمين: محمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين والنبيين، لأنال من مشفاه (يقصد المؤلف الروضة المباركة في الحرم النبوي الشريف التي ذكر بأنها الرحمة الكاملة والشفاعة الشاملة) الدواء النافع لكل ما أعاني من أمراض، وما أقاسي من أحزان.. وكنت كلما ركبني شيطان نفسي، يبث في قلبي الرعب ويخوفني من مصائب السفر وأهواله، أنتفض على الفور قائلاً: لقد شربت دماء الكبد وأنا أعاني من ضياع العمر في المعاصي والشهوات، وشربت كؤوس الندم بعد أن تحملت الهموم والأحزان، فلا جرم أن تكون الأهوال والمصائب التي سأعانيها في رحلتي القادمة كفارة لذنوبي السابقة، وقد جاء في الحديث الشريف: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).
وهكذا أردت أن أسجل ذكريات رحلتي هذه، وما أشاهده في سفري هذا من أماكن وبلاد، وطرق ومنازل سفر، سواء كان ذلك في البر أو البحر، وأن أصف الأماكن التي أزورها في الأراضي المقدسة، وكذا المشاهد المباركة، وأذكر مَنْ أشرف بلقائهم من العلماء والأخيار أثناء رحلتي، وأنقل ما أسمعه من الثقات، وما أقرؤه من الكتب: من العجائب والفوائد والحكايات؛ حتى تبقى هذه الرحلة للأصدقاء ذكرى من العبد الفقير، ومنفعة باقية للقراء على ما فيها من نزر يسير، وحتى تكون سبباً في بث الشوق في قلوبهم لزيارة الحرمين الشريفين زادهما الله شرفاً وتعظيماً.
الروافد الثقافية لرفيع الدين
يبدأ المؤلف رحلته الممتعة إلى الحرمين الشريفين من مسقط رأسه مراد آباد صباح يوم السبت الموافق الثامن عشر من محرم الحرام سنة 1201 هـ مؤرخاً لهذا السفر بحساب الجمل بعبارة (سفرنا خير)، وتفصيل ذلك بحساب الجمل هو: حرف السين يساوي 60 + حرف الفاء ويساوي 80 + الراء ويساوي 200 + النون ويساوي 50 + الألف ويساوي 1 + الخاء ويساوي 600 + الياء ويساوي10 + الراء ويساوي كما ذكرنا 200... فيكون المجموع الكلي 1201: أي عام 1201 هـ. ويقول رفيع الدين المراد آبادى:
خرجت معتمداً على الله، حاملاً زاد التوكل، ماضياً على راحلة العزيمة، مرتدياً حلة التوفيق حتى وصلت إلى سنبهل، وبعد أن طويت سبعة منازل قضيت ليلتي في لشكر بتيل سيندها القريبة من بندرابن، وفي الصباح رحلت عنها، وبعد منزلين وصلت إلى ديك بدال هندية التي تقع على مسافة ثمانية أكواس من بهرت بور التاريخية، فشاهدت مباني سورج مل جات خربة.
وفي يوم الجمعة الثاني من شهر صفر 1201 هـ وصلت إلى بوندي وفي العاشر من صفر عبرت نهر تشنبل إلى كوته عاصمة إمارة هاروتي الخاضعة لحكام غير مسلمين، وكوته تبعد عن مراد آباد مسافة 432 كوس (حوالي 506 كلم)، ثم أقمت في مدينة أجين ثلاثة أيام، ارتحلت بعدها إلى أندور، ثم إلى راج كده، وفي السبت السابع من ربيع الثاني وصلنا إلى ديوي التي تبعد عن بهروج، ثم غادرناها عابرين نهر تابتي على مشارف مدينة سورت التي وصلت من الرقي والازدهار حداً كبيراً، وكان الميناء البحري قبل ظهور مدينة سورت في مدينة راندير. والتقيت فيها بالمحدث الشيخ خير الدين السورتي فتعلمت منه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, وتخرج في مدرسته في علوم الشريعة والطريقة كثيرون، وهو الآن ملاذ لكل مَنْ يقصد الحرمين الشريفين ونال احترام الحكام. وقرأت عليه بسرعة بعض أجزاء البخاري وبقية الصحاح، وحصلت منه على الإجازة، وللشيخ خير الدين المحدث مؤلفات ورسائل في آداب الطريقة وتربية السالكين، وفي الأذكار والأوراد.
أيضاً تطرق رفيع الدين إلى ذكر مَنْ تأثر بهم، من أمثال: مولوي ولي الله، عبد الله التجرد، خواجة محمد دهدار، وعن طائفة البهرة وعن مقابر سورت الخاصة بالسادة العيدروسيين الذين جاءوا من عدن عاصمة اليمن.
ويذكر أنه غادر مدينة سورت يوم الخميس التاسع من جمادي الثانية على متن (سفينة الرسول) ضمن 612 راكباً، وظهرت له على الأفق البعيد جزيرة سقطرى، وجبل عدن وميناء مخا، مؤكداً على ما يلاقيه المشتغلون بأعمال الملاحة وواجباتهم من عجائب السفر بالبحر ومتاعبه أثناء المرور بمخا وجبل الذكر والحديدة وقرى ساحل البحر وجزيرة كمران وميناء اللحية والقنفذة، إلى أن استقرت الباخرة ناحية جدة غرة شوال – يوم عيد الفطر – حيث نزلوا في ميناء إبراهيم ثم إلى السعودية وشاهدوا قبر السيده حليمة السعدية وأحرموا عند محاذاتهم (يلملم) باتجاه جدة، وذهبوا إلى مسجد سيدنا علي كرم الله وجهه وصلوا فيه ركعتين.
وتجلى جمال الكعبة المشرقة
ويتابع رفيع الدين المراد آبادي وصف رحلته الممتعة فيقول: بعد يومين من رحيلنا من السعودية، وفي ضحى يوم الاثنين الرابع عشر من شوال، ألقينا عصا الترحال عند بيت الله الحرام، زاده الله كرماً وتشريفاً، وتجلى لي جمال الكعبة، ألقيت عليها نظرة واحدة فإذا بمتاعب السفر قد زالت وإذا بمصائبه قد تلاشت، ولم أعد أشعر بما كنت أعاني من مشقة نتيجة المشى على الأقدام بملابس الإحرام تحت وهج الشمس المحرقة وعلى الرمال الحمراء الملتهبة مسافة تزيد على اثني عشر كيلو متراً.. إن نظرة واحدة لجمال الكعبة المشرفة أزالت عني جميع متاعبي السابقة.
ها أنا ذا أصلي صلاة الظهر داخل الحرم الشريف وأطوف بالكعبة المشرفة، وأسعى بين الصفا والمروة، ثم أتحلل من الإحرام بالحلق.
لا يمكن للمشتاق مثلي أن يعبر عما يجيش في قلبه من شوق إلى جمال المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما يصل إلى هنا، إلى هذه البقعة المنيرة وهذا المورد العذب، لا يمكنه أن يعبر عما في ضميره من سرور عندما يتقصى أثر موضع أقدام النبي وعندما يتخيل تجليات محياه المشرق على هذا المكان الطاهر.
ويفصح رفيع الدين عن سماعه من بعض أئمة مكة المكرمة أن أئمة المذاهب الأربعة تلقوا أوامر مؤكدة من السلطان بأخذ الحيطة ورعاية جميع المذاهب في باب الطهارة، وكتب في ذلك وثائق رسمية سلمت إلى مجلس السلطان حتى لا تبقى في صلاة المقيدين بأي من الأئمة شائبة كراهة من أي نوع، وذلك باتفاق العلماء، فهم يراعون جميع المذاهب ولا يتساهلون مع مَنْ يفعل غير ذلك، ويؤدي علماء هذه الأيام عادة الصلاة مع الجماعة القائمة أياً كانت.
وقد سأل المفتى عبد الملك الحنفي – وهو من أكابر علماء العصر – عن هذه المسألة فقال: نحن نصلي مع الجماعة الأولى.
في عالم الخيال
في مزيج من الحب والعشق والخشوع والرهبة، يحدثنا رفيع الدين: ذات ليلة – وبينما كان المطاف مزدحماً بالطائفين – خيل إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف حول الكعبة ومن حوله جماعة من الصحابة الكرام، وأن رسول الله دعاني لأطوف معهم.
وذات يوم وبينما كنت أتضرع إلى الله بالدعوات تذكرت قصة فتح مكة، وخيل إلى أن النبي واقف أمام بيت الله الحرام وقد اجتمع من حوله الصحابة بحسب درجاتهم، أما كفار قريش فقد أحضروا إليه وهم في خوف وذعر، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفح عنهم ويعفو عنهم ويقول لهم كما قال يوسف بن يعقوب: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم.
وبعد أن جال هذا الخيال بخاطري، أخذت أتوسل إلى الله بنبيه الكريم أن يغفر لي وأن يقضي حوائجي وحوائج أقربائي وأحبتي في الدنيا والآخرة، وتضرعت لله أن يقبل دعائي.. وكنت أشعر براحة شديدة. وكان من حسن حظي ومن بواعث سروري وغبطتي أن تشرفت بدخول الكعبة يوم الخميس الموافق الخامس عشر من ذي القعدة، وهو اليوم الذي فتح فيه باب الكعبة لدخول عموم الناس، عندها دعوت الله الوهاب أن يمنحني خير الدنيا والآخرة وأن يشملني برحمته ومغفرته.. وباب الكعبة يفتح ثماني مرات في السنة لدخول عموم المسلمين، بينما تخصص الأيام التالية لدخول النساء.
تجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام: ويكمل رفيع الدين سحر حديثه الجميل قائلاً: صليت الفجر في الحرم الشريف، ثم تلوت القرآن الكريم عند مقام إبراهيم، وبعد ذلك ذهبت إلى بئر زمزم وتصدقت على الساقي، ثم طلعت فوق البئر وألقيت نظرة على الماء – وهو مأجور من الله تعالى – ثم أدليت الدلو بنفسي وسحبته وشربت حتى تضلعت عملاً بما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعت إلى البيت واستلقيت ونمت أطلب الراحة، كان ذلك يوم الأحد الموافق للعشرين من شهر ذي القعدة، فرأيت في منامي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على طريق، وأنا أمضي وراءه أحاول أن أضع قدمي على أثر قدمه المبارك، وبينما أنا كذلك إذا برسول الله يسرع الخطو ويدخل حجرته، فرجوته أن ينتظرني وأن يحقق لي أمنياتي، أمرني الرسول بالدخول إلى حجرته فعرضت عليه ما أتمنى وأرغب، وهو تقبيل قدمه المباركة فمد رجله الشريفة كرماً منه، قبلت قدمه ولامستها بعيني، ثم تفضل علي بأشياء لم أكن أظن أنني أهلاً بها.
وفي الخامس من ذي الحجة أهلّ رفيع الدين بالحج تحت (ميزاب) الرحمة بعد الغسل بماء زمزم، وفرغ من السعي بين الصفا والمروة ليلة السابع من ذي الحجة، وفي يوم الثامن يوم التروية انطلق إلى منى، بعد أن صلى الجمعة في المسجد الحرام، ثم توجه إلى جبل الرحمة ووقف وسط جمع غفير في عرفات، حيث أقام إلى ما بعد غروب الشمس، وصلى المغرب والعشاء جمع تأخير، ووصل إلى منى وقت الضحى يوم النحر، وقام بالطواف حول الكعبة بعد رمي الجمرات وقضي النفث ووفي النذور، ثم تشرف بدخول الكعبة المشرفة، ورجع إلى منى بعد أن صلى الظهر في المسجد الحرام، وفي يوم النفر الأول – أي في الثاني عشر من ذي الحجة – غادر منى بعد رمي الجمار وصلى العصر في (المجصب) وهو المكان الذي صلى فيه رسول الله، وهو الآن مسجد قيل إن فناءه هو محل نزوله حسبما يقول رفيع الدين.. ويسن للحاج النزول به والتوقف عنده، إلا أنه صلى المغرب والعشاء في المسجد الحرام.
وذكر رفيع الدين أنه أناب شخصين صالحين للحج عن والديه، وأنه أدى العمرة والطواف مراراً وتكراراً نيابة عنهما وعن بعض ذوي الحقوق.
ثم تحدث عن نهر زبيدة وعن الحرمين الشريفين وسلاطين المسلمين، وعن مشهد منى وأشراف مكة وعلمائها وأعيانها من أمثال: السيد محمد المغربي، المفتي عبد الملك الحنفي، المفتي عبد الغني الشافعي، ملامير داد، مولوي محب الله تلميذ المولوي عبد العلي، السيد عقيل، الشيخ عبد الوهاب، السيد حسين المفتي المالكي، و محمد مداد السندي، وزيارة مقابر مشاهير الطرق الصوفية، وتحدث أيضاً عن طرق التدريس في مكة المكرمة.
من أخلاق وعادات أهل مكة
ويصف لنا رفيع الدين بعض أخلاق أهل مكة الطيبة، فيقول: جميع أهل مكة – العامة والخاصة – يتحلون بالأخلاق الفاضلة، وبحسن المعاملة، فكبار القوم هنا والعلماء يعاملون المسافرين والغرباء معاملة طيبة تتصف بالتواضع الجم وحسن الخلق، وكأنهم لم يسمعوا عن الغرور والكبر، مع أنهم من العلماء الكبار ومن أهل الفضل والشرف.
وذات يوم وبعد طواف العمرة وصلاة ركعتي الطواف، وبينما كنت بجوار الحجر الأسود، لم أذهب بعد إلى السعي بين الصفا والمروة، إذا بأحد كبار أهل الحرمين الشريفين يأتي إلى ويأخذ بيدي طالباً مني أن أدعو له، فقلت:
يا سيدي! هل أنا جدير بهذا؟! أنتم جيران بيت الله، وقد فضلكم علينا، أنت الذي تدعو لي. فقال: لا، بل أنتم أحق منا بالدعاء، فأنتم ضيوف بيت الله، وهذا شرف لكم.
تأثرت بكلامه كثيراً حتى انهمرت الدموع من عيني، وغلبني البكاء، لم أدرِ أي تأثير هذا الذي كان في كلامه، جعل الدموع تنهمر من عيني، وظل هذا الشعور يلازمني حتى صعدت جبل الصفا وأتممت الشوط الأول، وصعدت على جبل المروة.
وعن بعض عادات أهل أم القرى، يحدثنا قائلاً:
سألت عن الخطوط التي تشاهد في وجوه أهل مكة؛ فعلى خدودهم تشاهد ثلاثة خطوط، فقيل لي: إنها عادة راجت بينهم منذ زمان، فكان أهل مكة إذا ولد لهم مولود يبضعون جلد خديه بالموسى بعد مضى أربعين يوماً على ولادته، وهذه الخطوط الثلاثة تكون على خديه تحت العين، فيبقى أثرها على وجهه إلى آخر العمر، فيميزه عن غيره من مواليد المدن الأخرى، وقد ذكروا أن أول مَنْ ابتدع هذه العادة جاء بمولوده إلى المسجد الحرام ووضعه على عتبة باب الكعبة، بعدها يقومون بالدعاء، ثم يحمل إلى زمزم فيغسل بمائه، ومن ثم يحمل إلى بيته.
أما الجنائز فيؤتى بها إلى داخل المطاف، وتوضع على الأرض بالقرب من باب الكعبة، ثم تحمل بعد الصلاة عليها إلى المدافن، وقد سألت أحد العلماء عن هذه المسألة، ولماذا يعمل الناس خلاف ما أقره الفقهاء لأن الفقهاء منعوا ذلك، فقال: يؤتي بالجنائز داخل المسجد الحرام، وأيضاً يؤتى بها داخل المسجد النبوي تبركاً واستشفاعاً، وهذه من خصوصيات هذين المسجدين، وقد اختلفت آراء العلماء في غيرهما من المساجد.
وبعد ذلك عقد رفيع الدين العزم على السفر إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي وروضة رسول الله صلى الله عليه وسلم في منتصف شهر صفر قام بطواف الوداع ليلة الخميس الموافق الثامن عشر من صفر سنة 1202 هجرية، ووصل جدة وغادرها في يوم الإثنين الموافق 22 صفر إلى قرب قبر السيدة حواء، واتجهوا إلى المدينة المنورة فنزلوا في رابغ إلى مساء يوم الثامن والعشرين من صفر، وأقام يومين في الصفراء.. ووصلوا إلى المدينة المنورة صباح يوم الإثنين السادس من ربيع الأول قرب مصلى العيدين ثم اتجه إلى الروضة الشريفة ودخل من باب السلام وصلى تحية المسجد في مصلى خير الأنام وأدى السلام تأدباً، ثم فرغ من الزيارة مع مراعاة آدابها وقواعدها. وتوجه إلى مرقد أبي بكر وعمر رضى الله عنهما، ثم قام بزيارة فاطمة الزهراء رضى الله عنها، بعدها رجع للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له شرف زيارة جنة البقيع التي دفن فيها أهل البيت وصحابة النبي الكرام وسائر عظماء الأمة رضى الله عنهم أجمعين.
فلنستمع إلى رفيع الدين وهو يقول: لقد تيسر لي الدخول أكثر من مرة تحت قبة الحجرة المنورة، وبينما أنا أركن رأسي ووجهي إلى جدار الحجرة، جعلت من لحيتي مكنسة لأرضها التي يهبط عليها الملائكة العليون، واقتربت من قبره قيد ذراع، ثم دعوت آنذاك أرحم الراحمين رب العزة متوسلاً بنبيه الكريم الذي أرسله رحمة للعالمين، قلت:
يا ألله! إني أسألك بتوفيقك لهذا العبد المذنب للدخول في هذه الروضة المنيرة ألا تحوجني بعد هذا إلى الوقوف عند باب مخلوق من خلقك لقضاء حاجة، أو طلب شيء، واجعلني في حمايتك ووفقني لذكر الآخرة.