المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأثير الإسلامي على العمارة الفرنسية


Eng.Jordan
05-23-2014, 12:33 PM
الإثنين : 02/12/2013
الكاتب : أنور محمود زناتي: مصر

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/2013122919555.jpg




اقتبس المعماريون الفرنسيون من الفن الإسلامي الكثير من العناصر المعمارية المهمة والزخارف في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي, وللعرب تأثير واضح في كثير من الكنائس الفرنسية.
ويعود ذلك التأثر بداية إلى تلك الغارات الكثيرة التي شنها العرب على فرنسا بعد فتحهم إسبانيا, فدخل العرب قرشونة ونيم وليون وماكون وأوتون بعد أن فتحوا أربونة وحاصروا سنة 721م مدينة طلوشة عاصمة أكيتانيا, وانتشر العرب في وادي الرون وفي دوفينيه وبورغونيه، إلا إنها كانت مجرد غارات استهدفت تكوين قواعد لشن غارات جديدة على المناطق التي يرغبون في فتحها, وكانت أهم تلك الغارات بقيادة المجاهد الكبير عبد الرحمن الغافقي والتي تصدى لها شارل مارتل في معركة تور بواتييه سنة 732م.
كما ساعد الاتصال بين إسبانيا وفرنسا على انتقال التأثير العمراني والمعماري الإسلامي إلى عمائر الفرنسيين, ويكمن الفضل في ذلك إلى قرطبة وكنائس المستعربين Los mozarabes والآثار الإسلامية التي كانت قائمة وقتئذ في إسبانيا المسيحية، وهكذا استطاع فن قرطبة أن ينتشر في كيان الفن المسيحي دالاً على فضل الحضارة الإسلامية في الأندلس على الحضارة الغربية في فرنسا وإسبانيا.
مجموعة آثار لو بوي Le Puy
لعل من أكثر الآثار الأوروبية عجباً وتعبيراً عن التأثيرات الإسلامية، في العمارة والزخرفة المعمارية، تلك المجموعة من الكنائس التي ببنيت في مدينة بوي Puy في وسط فرنسا في الربع الأول من القرن الثاني عشر الميلادي/ السادس الهجري.
وكان آميل مال Emile Mâle، في عام 1911 ومن ثم في عام 1923 يقول إنه مقتنع بتأثير الفن الإسلامي في إسبانيا على نصب Puy-en-Velay في قلب جبال فيلاي Velay. والتي تشهد بأكبر درجة من الوضوح على التأثير الإسلامي في فرنسا. ويقول إن الشرفات المقوسة ذات مفاتيح العقد السوداء والبيضاء بالتناوب تذكرنا بالعقود البيضاء والحمراء في جامع قرطبة.
وقد استعاد أحمد فكري، تلميذ هنري فوسيون Henri Focillon، في أطروحة دكتوراه تأثير الأشكال الإسلامية في الفن الروماني الفرنسي وفي بوي آن فيلاي Puy-en-Velay. ويقارن بشكل خاص قبب بوي Puy بقبب جامع قيروان.
ونجد في إطار باب العذراء بكاتدرائية بوي، جملة عربية مقروءة واضحة المعنى بالخط الكوفي المستعار وهي (الملك لله) تجري هذه الجملة حول الإطار. وتتكرر بانتظام حول كل مصراع من مصراعي الباب، ولم يقع في تكرارها هذا غير خطأين طفيفين، أحدهما اضطر إليه النحات في ركن من أركان الإطار، ضاق المكان فيه بلفظ عن الجملة فحذفه، والخطأ الأخير كان سهواً غير مقصود في ركن آخر من الأركان، إذ تكررت لفظة (الملك) مرتين. أما فيما عدا ذلك فلا أخطاء تذكر, وقد حور النحات في أطراف الحروف ومحاجرها وأهدابها ورؤسها، ونوع في صياغتها، فهو تارة يصوغ محجر الميم، مثلاً منثنياً بوريقة من ثلاث شحمات، وتارة ينهيه بوريقة من خمس شحمات، مما يدل على اتساع مداركه بالفن العربي وخطه. ويقول آميل مال Emile Mâle في تلك المسألة : (يبين الإسلام حضوره هنا، وإذا وسعنا أن نشك في البدء، فلم يعد ذلك من حقنا الآن). واعتبر أن هذا الباب من عمل فنان مسلم. غير أن الفنان يمكن ألا يكون مسلماً بالضرورة وأن يكون قد استوحى عمله من قطع أثرية إسلامية كان تداولها يتم في المحيط المتوسطي.
الباب الخشبي كاتدرائية سيدة (بوي آن فيلاي)
وهكذا تظهر كاتدرائية بوي بمجموعة قبابها وتصميم مقرنصاتها كأنها بناء إسلامي المظهر والتكوين. وكان لها أثر كبير في المناطق القريبة منها مثل قباب سان مارتات ديني في ليون Saint-Martin d Ainy, Lyon وتورنوس Saint-Philibert de Tournus.
إن القباب القوطية Gothic التي تشاهد في الكنائس المسيحية بفرنسا لم تظهر فجأة بل هي نتاج وتأثر ما سبقها من قبوات قوطية ذات ضلوع, فإذا ما استخدمت لتغطية المسطحات الواسعة بالكنائس عوضاً عن تغطية أماكن ضيقة محصورة فإن شأنها في ذلك شأن القباب الإسلامية القوطية أو المدجنة Los Mudegeres أو المستعربة Los mozarabes.
برج ديرموساك
واستخدام العقد المتعدد الفصوصLobed arch كما نراه في، جدران البرج المركزي الذي يعلو برج (ديرموساك) Moissac في لانجدوك Languedoc وتعلوها نوافذ ومن الداخل عقود متعددة الفصوص, وأهم ما في هذا التأثير القرطبي هو القبة الوسطي حيث أقيمت في أركان المربع الذي ترتكز عليه قاعدة القبة جوفات مقوسة لتحولها إلى مثمن Octagon.
وتتوسط جوانب المثمن مساند حجرية تلتقي كل منها منبتي عقدين من الثمانية عقود التي تؤلف هيكل القبة، وتتشابك هذه العقود فيما بينها بحيث تؤلف شكلاً نجمياً وسطه أجوف، شأنه في ذلك شأن قبتي جامع قرطبة المجاورتين لقبة المحراب (Mihrab) Niche، وإحدى قباب جامع الباب المردوم بطليطلة Toledo وقباب بعض الكنائس المستعربة Los mozarabes والمدجنة Los Mudegeres التي أخذت في التطور حتى عصر النهضة Renaissance.
وكثير من كنائس فرنسا تأثرت بالهندسة والعمارة العربية ولا سيما في المدن التي كانت لها علائق كثيرة مع الشرق, فنلاحظ تأثير الفن الإسلامي على العقود الملونة في كنيسة (لامادلين) في (فيزيليه) التي أعيد بناؤها بعد أن أتت عليها النار في العام 1120م. وهي تعد واحدة من أجمل المباني التي بنيت على هذا الطراز في فرنسا. وكذلك في كنيسة سان فرون S. Front في مدينة بيريجو Périgueux التي تتميز بالعقود المدببة.
كنيسة سان فرون
والجدير بالذكر أن كنيسة نوتردام دي باري الشهيرة Notre Dame de Paris عمل فيها مهندسون من العرب، وقد أكد تلك المعلومة مسيو فياردو, حيث ذكر عبارة من كتاب (تاريخ باريس) لدولور جاء فيها أن مهندسين معماريين من العرب استخدموا في إنشاء كنيسة نوتردام الباريسية.


كنيسة رونشامب
وهناك كنيسة رونشامب, وهي إحدى أعمال المعماري المعروف لكروبوزييه, ولها نفس التصميمات التي نراها في مبنى وكالة الغوري بالقاهرة وكذلك عمارة وادي مزاب في الجزائر.
كنيسة أوبيتال سان بليز
وهناك كنيسة مستشفى أوبيتال سان بليز Hôpital Saint-Blaise, والمعروفة باسم مستشفى الرحمة- على إحدى الطرقات التي كانت تصل فرنسا بالقديس يعقوب دو كومبوستيلا Saint-Jacques de Compostelle، وتحمل مظاهر رائعة للاقتباس من العمارة الإسلامية، مثل العقود الثلاثية الفتحات والمفصصة، والكوابيل العربية أو المساند Modillos acopeux، وكذلك اشتقاق طريقة الأوتار القرطبية في بناء القبة الفرنسية، وهي تقدم عناصر نادرة إسبانية-عربية.
وتكثر في هذه الكنيسة الأمور التي تشير إلى الشرق. فإن الجناح والجناح المصالب يتقاطعان في الوسط ليرسما على الأرض صليباً يونانياً. وينتصب للقائهما برج مثمن الزوايا. وتبدو النوافذ البسيطة للغاية والمزينة بدرابزين حجري وكأنها تقدم الولاء للفرجات المسيجة بالرخام في جوامع دمشق وقرطبة.
تتوج فتحات صدر الكنيسة والبرج عقود متعددة الفصوص, وتبدو لوازم الجدران، وتفريغ زوايا الدعامات، وخرجة بعض عقود دعامات السقف؛ وكأنها تقلد تقنيات البناء بالآجر، المألوفة للغاية لدى المسلمين. غير أن القبة الصغيرة المبنية على تعاريق، والمعدة في كتلة البرج المركزي، هي أكثر إرث يرجع إلى الهندسة الإسلامية.
وتدعم قنطرتها ست عشرة تعريقة تتقاطع خارج الوسط، مشكلة نجمة ذات ثمانية رؤوس. أما الوسط، المتروك خالياً، فيصور مثمن زوايا مجرداً من الزينة.
إلا أن الأمثلة الأقدم على هذا النوع من البناء موجودة في قرطبة، في القبب الفخمة الأربعة التي تم تشييدها حوالى العام 963 بناء لطلب الخليفة الحكم الثاني قبة كابيلا دو لا فيافيسيوسا Capilla de la Villaviciosa والقبة التي تتقدم المحراب. وفي تلك الحقبة، لم يتم العثور على أي بناء من هذا النوع في أي مكان آخر.
ويرجح أن يكون مهندسو حقبة الخلافة هم من اخترع هذه الطريقة التي تسمح بتدعيم بنية القنطرة وإعطاء القسم الوسطي في الوقت نفسه محيطاً مصطنعاً. وستشهد هذه الطريقة انتشاراً مدهشاً انطلاقاً من قرطبة.
شهادة بعض المنصفين
يقول المتخصص بفن العمارة (بانيسيه فلتشر) Sir Banister Fletcher›s عن تأثير العرب في العمارة الأوروبية: (لا يجوز الشك في أن المعماريين الفرنسيين اقتبسوا من الفن الشرقي كثيرا من العناصر المعمارية المهمة والزخارف في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، ألم نجد في كاتدرائية (بوين) التي هي من أقدس العمائر المسيحية باباً مستوراً بالكتابة العربية؟ أو لم تقم في أريبونة وغيرها حصون وفق الأسلوب العربي).
وقد ذكر مسيو لانورمان: (إن تأثير العرب واضح في كثير من الكنائس الفرنسية، مثال ذلك كنائس ماغيلون 1178م, وكنيسة كانده مين ولوار أغاماش سوم).
وقد تحدث (شارل بلان) عما اقتبسه الأوروبيون عن العرب فقال: (أرى من غير مبالغة، فيما لإحدى الأمم من التأثير في أمة أخرى، أن الصليبيين Crusaders الذين شاهدوا ما اشتمل عليه فن العمارة العربي من الشبابيك وشرف المآذن والأفاريز، أدخلوا إلى فرنسا المراقب والجوامق والأبراج والأطناف، التي استخدمت في العمارات المدنية والحربية، في القرون الوسطى).