المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد البدارين يكتب : ما معنى شعارالاردن للاردنيين


Eng.Jordan
05-23-2014, 10:52 PM
http://zeyamnews.net/wp-content/uploads/2014/05/DSC5606-250x350.jpg (http://zeyamnews.net/wp-content/uploads/2014/05/DSC5606.jpg)

لم ينفعل شعبنا مع شعار ( الاردن للاردنيين ) كما انفعل به حين طلع من قلبالشاعر اول مرة ، الذي قذفه على وجه الانتداب وهو يغلي ، فانتشرت نار الغضب سريعا بين الناس ، ووضع المثقفون الوطنيون الاحرار ، مصطفى وهبي التل ، وشمس الدين سامي ، وعوده القسوس ، وصالح النجداوي ، انفسهم ، بتصرف الشيخ ماجد العدوان الذي سيقود تحركا شعبيا واسعا بمضمون وطني مشتعل ، وبقوة الصدق والشعر والسيف والبارود ، سيتمكن الاردنيون الاوائل من انجاز ثورة البلقاء الكبرى ، ضد سلطة الانتداب في ايلول من العام 1923 ، فوضعوا قضيتهم على الطاولة ، وفرضوا اصدار قانون للجنسية ، وطردوا الركابي ، وعلموا الانتداب ومدرعاته وطائراته ، درسا مبكرا في معنى الدم حين يراق على التراب.
فلاشيء ، كان اغلى على قلب عرار وصحبه ، من وطنهم المهدد ، وكرامة شعبهم وموارده المهدورة بالتقسيط الممنهج ، ولم يكن الشيخ ماجد ، الا قائدا حقيقيا ، ينظر الى الافق البعيد ، فلا يرى الا الخطر المحدق ببلقائه ووطنه وشعبه ، ففي ذلك الزمن الشاهق كان الشيوخ يولدون من بطون امهاتهم شيوخا ، ويتعرفون على الجهات الاربعة بالبداهة ، حيث لم تكن السلطة قد تدربت بعد ، على كيفية اختراعهم من العدم ، وتحويلهم الى مجرد سماسرة اجتماعيين ، يجري تعيينهم على ورق!
وبذلك الطراز الاصلي من الشيوخ ، امكن للحركة الشعبية الاردنية ان تزدهر ، وان تعقد مؤتمرها الوطني الاول في الخامس والعشرين من تموز من العام 1928 ، برئاسة الشيخ حسين الطراوانه معذّب الانتداب ، وسيظل بيان ذلك المؤتمر ذا الورقة الواحدة والبنود المختصرة ، هو الاساس الدائم لكل الانشطة الوطنية فيما بعد ، وبجدية اولئك الرجال وقوة تمثيلهم للناس ، سيتمكن وفد المؤتمر من تسليم بيانه باليد في عصر اليوم نفسه ، الى امير البلاد في مقره ، وسيضم ذلك الوفد خمسة زعماء كبار ، هم : حديثه الخريشا ومثقال الفايز وسالم ابوالغنم وعلي نيازي ونمر الحمود.
وبحنكته المعروفة ، سيحيل الامير البيان على الفور الى سلطة الانتداب ، مستقويا بارادة شعبه ، وهو يدير معركته التأسيسية المعقدة ، القابلة لكل الاحتمالات ، حتى انه يبدو من المنطقي ان نتصور دورا غير مرئي للامير في المؤتمر ، للاستعانة بالشعب في مواجهة الضغط الانتدابي ، والتصدي للاختراق المبكر لنظامه الوليد من قبل عملاء ومرتزقة اندسوا في جهاز الدولة الناشئة ، تحت لافتة الكفاءة الادارية والمعرفة والخبرة ، وهي نفس اللافتة التي تطورت مع الزمن لتضاف اليها لاحقا شروط اخرى مثل : اتقان اللغة الانجليزية ، وتقريع الرأس ، وما يسمى مهارات الاتصال ( الكذب ).
واذ نقرأ ونتدبر في ابحاث عارف العارف ومنيب الماضي وسليمان الموسى ومعن ابونوار ، وجميعهم تعبوا في الكشف والتمحيص وفق معايير علمية معتبرة ، وضحّوا في ابحاثهم بعناصر الاثارة حرصا على الموضوعية ، سنتأكد ، ان اطرافا عديدة كانت تتصارع في عمّان ، احدها فقط هو الامير ، فيما الاردن كفلسطين تتنازعه الخطط والمؤامرات والاطماع ، وفي داخل كل طرف من هذه الاطراف ، كانت هناك اطراف مختلفة ، مما زاد الامور تعقيدا فوق تعقيدها. فقد كانت اروقة سلطة الانتداب وحكومتها في لندن تشهد مزيدا من الاختلافات والاجتهادات حول القضية الاردنية ، وخصوصا بين وزارتي الخارجية والدفاع ، حيث كان ضباط وزارة الدفاع يتخوفون من عبور النهر شرقا. وحين تشتد الضغوط على الامير وتستمر حكوماته المخترقة بالتواطؤ ، سيشكو امره لله وهو يوقع على انذار المعتمد البريطاني كوكس بالاية الكريمة” انا لله وانا اليه راجعون”.
وسيدرك الامير مبكرا ان مهمته عسيرة في عمّان ، وانها تستدعي منه ان يخلق نقطة توازن تبدو مستحيلة بين تطلعات شعبه وقواه الوطنية من جهة ، وبين الانتداب وخبرائه المختلفين في لندن والقدس وعمّان من جهة ثانية ، وعملاء الداخل ومرتزقته من جهة ثالثة ، اضافة لبقية الاطراف ، وفي اشارة لهذا الوضع الصعب يقول الامير : انه كان اذا تعذرعليه الاتصال بأحد رؤساء حكوماته فان ذلك يعني انه في منزل السفير البريطاني. انها للاسف حكومات ما يسمى (احرار العرب) التي تحفظ تشرتشل من البداية على ان تضم مجرد اردني واحد هو علي خلقي الشرايري!
Churchill agreed , but he was somewhat uneasy about giving Ali Khulqi so prominent and authoritative a position
ونقرأ فيما نقرأ ان الطبقة العربية الحاكمة في حقبة التأسيس دأبت على تعيين اركان المؤسسات بمحسوبية مكشوفة ، واستمرت بحرمان الاردنيين من التوظيف في الدولة بحجة عدم الكفاءة ، فكانت كل الرتب العالية في الجهاز المدني والجيش وغالبية الرتب الدنيا في كل القطاعات ، من نصيب السوريين والعراقيين والفلسطينيين والحجازيين.فأتقدت فكرة ارتفاع القادمين الى الاردن فوق رؤوس اصحابها وابنائهم وساد شعور قوي بين الناس بأن الذين قدموا البارحة قد اخذوا كل شيء ولم يتركوا لهم شيئا.
ومن سخريات التاريخ نفسه ، انه حين اصدرت حكومة حسن خالد ابو الهدى ، مرغمة ، اول قانون للجنسية الاردنية عام 1924 ، لم يستوف شرط الاقامة القصيرة في البلد عدد من وزرائها الموقعين على ذلك القانون . لذلك لن يكون مستغربا ان الحزب الوطني الاردني الناشىء ، بزعامة علي خلقي الشرايري ، سيرفع شعار (الاردن للاردنيين) وسيناضل ضد عناصر الطبقة العربية المتنفذة المرتبطة ذيليا بالانتداب.
انها الطبقة التي يوصف احد ابرز رجالها علي رضا الركابي بانه سياسي مرتزق ساءت سمعته في البلاد الى الحضيض بسبب خضوعه المذل امام المعتمد البريطاني كوكس، واقدامه على عزل 17 موظفا بدون اسباب معظمهم من ابناء البلاد ، كما استغل نفوذه بمنح ابنه اكرم غور ابوعبيدة المسجل وقفا اسلاميا منذ زمن العثمانيين ، في حين كان موقفه من الثورة السورية في دمشق مخزيا فقد خان شعبه الذي ولد منه وارضه التي تربى عليها حسب تعبير الباحث معن ابو نوار الذي يضيف: انه لو طبق لقب المرتزقة على حسن خالد ابوالهدى لحاز عليه بجدارة عالية . ولا تبخل المراجع المعتبرة باطلاق اوصاف مماثلة على رؤساء ووزراء اخرين في ذلك العهد. حتى ان عارف العارف يصل في وصفه للأوضاع الى حد القول: لقد سيطر الفساد على البلاد وكان الموظفون منقسمين ، بعضهم مع الركابي وبعضهم مع الامير وبعضهم لم يكن لديهم ما يهتمون به الا الحبو الى دار الاعتماد البريطاني ، ووصل التدخل الانجليزي في بلادنا الى درجة لا تحتمل!
وبينما استمرت القوى الشعبية في نضالاتها بدون هوادة سنقرأ في مناقشات المجالس التشريعية ما يدل على حجم الغضب الشعبي الذي سيبلغ ذروته في معارضة المعاهدة البريطانية التي وقعتها حكومة حسن خالد ابو الهدى عام 1928 وظلت تتجدد مع تعديلات شكلية ، حتى عام 1957 حين الغتها حكومة سليمان النابلسي الوطنية المنتخبة.فانفتحت الفرصة التاريخية امام شعبنا للعبور الى العهد الوطني الزاهر بقيادة وصفي التل.
لكن الجيل الثاني والثالث من قوى التذيل والردة والاختراق والارتزاق ، سينقلبون على منجزات العهد الوطني بمجرد غياب التل ، وسيقود الطيار العراقي الهارب عبود سالم ، على الطريقة العراقية ، عملية قمع احرارانتفاضة السكر عام 1974 ، ونتيجة لذلك سيتكدس الغضب فوق بعضه في قلوب الناس ، حتى انفجرت الاوضاع كلها في نيسان عام 1989 ، ولا تزال تداعيات ذلك الانفجار وارتداداته مستمرة حتى يومنا هذا.
فهل نفهم الان حقيقة اصل الشعار الوطني الخالد (الاردن للاردنيين) ولماذا ظهر وكيف وماهي ابعاده الوطنية والقومية ، ألم يكن شعارا دفاعيا صرفا ، ضد طغمة من المندسين في حلقات الحكم وجهاز الدولة ، الذين لا تزال سلالاتهم ماضية في تنفيذ برامجها الخفية ضد شعب الاردن وعموم مواطنيه ، الم ترصد القوى المعادية من الاساس الخصائص الانثروبولوجية والنفسية لهذا الشعب الكريم ، وتدرك خطورة التصادم العلني معه ، فلجأت من البداية للوسائل والادوات الخفية والبرامج طويلة المدى لعلها تمرد حوافه الخشنة ، وتخترق بنيته الصلبة بالتدريج ، عبر نشر ثقافة ملفقة تحت عناوين التنمية والاستثمار والخصخصة والغاء العيب ، هذه الثقافة التي وضعت حملها اللاشرعي القبيح على مدى العقدين الاخيرين ، على شكل تفقير شمولي وبطالة ومديونية وازمات على كل صعيد.ألم تكن هذه هي نتائج ما يسمى برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي استهدف الإسراع في عمليات الخصخصة وجذب استثمارات القطاع الخاص في المشاريع الكبرى.بقصد الافلات من الرقابة ونهب المشروعات الوطنية، واستخلاق بشراردنيين متحولين بفعل عوامل التفقير والفساد والتحلل.
وحين يضطر اصحاب البرنامج للرد على صرخات الاعتراض الشعبي مؤخرا ، سيقولون للناس بصراحة : من انتم ، ثم ما هي هذه العادات والتقاليدالاصلية التي تتحدثون عنها ؟ الأب يقتل ابنته طعناً بسكين، أو الأخ يخنقها بيديه في جرائم «قلة شرف»، ويخرج من السجن بعد أشهر «بطلاً» تحتفي به العشيرة؟ أم تريدون أن يمثل الأردن في الخارج واحد منكم بشاربين وكشرة دائمة وثقل دم بالولادة ولغة سائقي تاكسي عمّان؟ يا ابناء أم زعل، وجروة، وبزعة، وحنيشي..الخ ، وهذا بالطبع اقصى ما سمحت به حدود الوقاحة في بيان علني ، فتخيلوا ايها الاردنيون ماذا يمكن ان يقال عنكم وبماذا يمكن ان توصفوا في التصريحات غير العلنية ، تصوروا كيف جرى ويجري تنميطكم في اطار صورة تحقيرية ساذجة متوارثة منذ زمن الانتداب. وبناء عليها فان المطلوب منكم بوضوح ان تخفوا شواربكم وتمارسوا فعل التبسم الموحي بالخضوع وان تخففوا من دمكم ، لانجاح ركنكم الهامشي في المعرض المنوّع ، وتعرضوا انفسكم كمنظر فلوكلوري يجتذب المزيد من الزائرين ، ويستحسن ان تقفوا او تقعدوا على ابواب الفنادق الكبرى تفتشون الداخلين وتصبون القهوة للضيوف ، ولا داعي ان تنكسر عيونكم الى ذلك الحد وانتم تستجدون البقشيش ، فلا عيب في اي عمل ، بل ان الجهات المانحة تشجع وتحفزعلى الانخراط بالمهن السياحية المحترمة ، فهذا القطاع الواعد غير مشبع حتى الان !!
تلك هي الحقائق الاساسية التي يجب ان نتجرأ على طرحها كما هي ، فلا داعي للالتفاف عليها كما يفعل السياسيون الانتهازيون ، وبدون تحرير المساحات الرمادية في حياة المجتمع عبر ضربها بادوات النقد الصارم ، ستظل الفرصة متاحة لكل شاطر ان يطلي وجه الحقيقة بأي لون يريد ، وسيظل الطرف القوي قادرا على خداع الطرف الضعيف واستبعاده من امكنة النفوذ والتأثير ، وبدون ان يتعرف الطرف المستضعف على حاجته الفعلية للوعي العميق بحقيقة قضيته فانه سيظل عاجزا عن الايمان بها وعاجزا عن النضال من اجلها. وهذا يقودنا لازمة التنظيم التي يعاني منها الاردن ، فالعمل التنظيمي لا ينجح الا بجهود مؤمنين بقضية ما ، فالمجموعة المؤمنة اقدر على التنظيم واقدر على التأثير ولو كانت قليلة العدد ، فكما يقول لينين : ان عشرة مؤمنين منظمين خير من الف غير منظمين.
لا يبدو شعار الاردن للاردنيين قابلا للطرح في الاردن كشعار الاردن اولا وكلنا الاردن او شعارات اخرى كلها تتحايل على قضية المواطن الاردني وحقوقه الاساسية ، رغم ان الشعار من اصله ليس موجها من مواطن اردني ضد مواطن اردني اخر ، بل هو موجه من المواطن المؤمن ضد طغم متنفذة تذيلت للقوى المضادة للمصالح الوطنية ولا تزال ، ولا يجب ان يكون الشعار استفزازيا لاي جماعة من المواطنين ، فهو مخصص لاستفزاز الطغم اللامنتمية التي استولت على كل السلطة وعلى كل الثروة الوطنية ، حتى انها تجرأت خلال العقدين الاخيرين على توزيع مناصب السلطة وادوات الثروة والنفوذ على اقارب الدرجة الاولى فقط ، واقصاء غالبية المواطنين عن كافة مساحات الفاعلية والتأثير ، والامثلة بالاسماء والصور باتت مملة من كثرة التكرار العلني الفاضح على التلفزيون.
ايها المؤمنون: قليلون كنتم ام كثيرون ، لاتهنوا ولا تحزنوا ، وتيقنوا انكم الان شرقي النهر وهم غربيه ، وتفكّروا كيف ان برامج التحفيف طويلة المدى لم تنجح بمرد حوافكم ، فسلام عليكم كل يوم ، وسلام على صايل ، وسلام على عكا غير الخائفة حتى الان من البحر!!