المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صناعة إلهاء الشعوب


Eng.Jordan
06-02-2014, 09:17 AM
المصدر: الأهرام العربى
بقلم: وفاء فراج




لم يعد إلهاء الشعوب مجرد ألاعيب حاكم، بهدف إخضاع شعبه. يتفوق فيها صاحب الدهاء. وإنما أصبح صناعة يخطط لها. وترصد من أجل نجاحها الأموال وتقام لها الدراسات والإستراتيجيات بعيدة المدى.

http://digital.ahram.org.eg/getsubpic.ashx?eassyid=801443&picno=2

وتتعدد مفردات الإلهاء ما بين إعلام فاسد وفن هابط وافتعال مشكلات اقتصادية واجتماعية بل وفتن طائفية بين نسيج المجتمع. ولعل أحدث مولود فى مفردات الإلهاء ما يسمى بالألتراس. رغم أن كرة القدم نفسها تعد من أكبر عوامل الإلهاء. وفى بلادنا قديما صيغت لأجلها الأغانى والألحان "إنت أهلاوى ولا زملكاوى". وقديما أيضا قيل "أعطنى إعلاما فاسدا. أعطك شعبا خاضعا".
ورغم أن الألتراس التى معناها «التعصب العنيف» اختراع إيطالى منذ الستينيات وقيل فى أمريكا اللاتينية قبل ذلك بخمسين عاما، فإن نجلى المخلوع مبارك ***ا الفكرة إلى بلادنا فى عام 1995، ليكون هؤلاء الشباب الأبرياء المتعلمون (ولاد الناس) خير دعاية له فى قضية التوريث. فتلونت السياسية كالحرباء ودخلت دهاليز الرياضة ففسدت الاثنتان معا.
ورغم مرور أكثر من 500 عام على طرح أفكار ميكافيلى صاحب المقولة الشهيرة الغاية تبرر الوسيلة فى كتابه الشهير البرنس (الأمير) الذى أعطى فيه نصائح لكل ديكتاتور كيف يحكم شعبه. ومن وقتها وأصبحت تلك الأفكار النواة الأهم لصياغة سياسات كاملة لفنون وإستراتيجيات إلهاء الشعوب.
ولأن الحكام فى كل مكان وزمان لم يتغيروا على مر العصور كان هدفهم جميعا واحدا وهو البقاء فى الحكم لأجل غير مسمى، ومن أجل حفاظهم على هذا الحكم يرتكبون كل الجرائم المعادية لحقوق الإنسان ويبتكروا الحيل والألاعيب فى إلهاء شعوبهم عن قمعهم وطمعهم فى الحكم. وهى ليست حيلا وألاعيب عربية فقط وإنما سبقنا إليها طغاة الغرب. فغير خاف ما فعله جورج بوش الابن من إشعال الحروب فى كل مكان للهروب من الشائعات التى أحاطت بانتخابه وما حدث به من تزوير. ولا يزال كثير من حكامنا العرب حتى الآن يسيرون على نفس النهج ويتفننون فى خداع الشعوب ليل نهار.
وتتجلى الظاهرة فى عهد الرئيس المخلوع مبارك حيث اختلق هاجس الزيادة السكانية لتبرير سياسية التقشف وبيع القطاع العام للتغطية على فساده وفساد حاشيته.
- "انتحار جماعى"
يؤكد الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان بأن سياسية إلهاء الشعوب هى سياسة قديمة قدم الإنسان نفسه، حيث كان ملوك الفراعنة والممالك القديمة يلهون شعوبهم بابتكار الأعياد والمناسبات التى يغدق فيها هؤلاء الملوك بالأموال أو مآدب الطعام بديلا لمشاكل البلاد الاقتصادية والسياسية أو فى حالات كثيرة، كان يتم إخماد أى محاولات للانقلاب والتخلص من المعارضة بافتعال حروب خارج البلاد.
ويقول الدسوقى: مقولة التاريخ يعيد نفسه مقولة صحيحة جدا وتنطبق على نهاية كل ديكتاتور ولكن الحكام العرب لم يتعلموا أبدا من التاريخ خصوصا أنه مضت على جلوسهم فوق عروشهم ومناصبهم سنوات طويلة، وهم لا يريدون التخلى أبدا عن كراسيهم أو صلاحياتهم المطلقة وعندما بدأت الشعوب العربية تتحرك وهبت رياح التغيير هنا وهناك، وجدناهم يرتكبون نفس الأخطاء فى مواجهة شعوبهم ويطلقون عليهم نفس التهم والتفاهات كتلك التى قد أطاحت بالرئيس التونسى والرئيس المصرى والرئيس الليبى ومازال الباقون منهم ينتهجون نفس الأسلوب مثل الرئيس السورى الآن كما لو كانوا قد اتفقوا على الانتحار الجماعى، فتراهم يلجأون إلى العنف الزائد تارة والوعود بإجراء إصلاحات لا فائدة منها تارة أخرى. بل إن بعض الممالك العربية الخليجية انتهجت نهجا قديما مكشوفا مثل السعودية والكويت والإمارات فأغدقت على مواطنيها الأموال والمنح المغرية لإبعادها عن التفكير فى القيام بالثورات ضدهم.
- "استقلال الإعلام"
سياسة الإلهاء من وجهة نظر الدكتور على عجوة، عميد كلية الإعلام السابق هى سياسة نجحت بشكل كبير فى الدول النامية أكثر من الدول المتحضرة، وذلك كما يرى بسبب الاستخدام المطلق للحكام لوسائل الإعلام وتبعيتها له فى سياسته للإلهاء وتضليل الشعوب، وبعدها عن رسالتها الأساسية فى التنوير وتقديم المعلومات على عكس الإعلام فى الدول المتحضرة وسماته فى الاستقلالية والموضوعية وأهدافه فى التعبير عن واقع المجتمع ومشكلاته.
ويقول عجوة: إن صفوة المجتمع من مفكرين وسياسين وبرلمانيين ضمن أسباب خضوع الإعلام الكامل لإرادة الحاكم. وعدم الوقوف أمام هذا الانجراف ومواجهته بالإضافة إلى سبل الحاكم القهرية لإجهاض أى محاولة لتوضيح الحقيقة سواء بالنفى أو بالعزل وسط المجتمع وغيرها من أساليب بطش عديدة. فكان الإعلام الأداة الأهم فى توجيهه الناس ناحية القضايا المختلقة والفزعات المتعمدة وإبعاد الناس عن حقائق الأمور والبحث فى تفاصيلها التافهة.
ويضيف عجوة إن أساليب إلهاء الشعوب من خلال وسائل الإعلام عديدة فمنها التركيز على مبارايات الكورة وخلق فجوة بين مشجعى الفرق والتفرقة بينهم كمشجعى الأهلى والزمالك. وأحيانا خلق فجوة ومعارك وهمية بين الشعوب وبعضها كقضية مصر والجزائر بسبب مبارة كرة قدم.
ويرى عميد كلية الإعلام السابق الحل لعدم استخدام الإعلام فى سياسات الإلهاء هو استقلاله عن الحكومات وذلك ما يتوقع حدوثه الأيام المقبلة بعد الثورات العربية وإنهاء ظاهرة الخوف التى كانت تملأ قلوب الشعوب فى مصر والوطن العربى خصوصا أن الخوف هو ما يقتل ضمير الإعلامى أو المفكر.
- "الإلهاء بالإرهاب"
أما الدكتور حسن الخولى، أستاذ علم الاجتماع السياسى بجامعة عين شمس يقول إن سبل الحاكم لإلهاء الناس عديدة فقد يتعدى الأمر إلى ابتكار مشكلة أو موقف لإثارة رد فعل معين عند الناس بحيث يندفع الجمهور، مطالبا بحل يرضيه كالسماح مثلا بانتشار العنف فى بعض المناطق الحساسة أو تنظيم هجمات إرهابية دموية لأماكن بعينها حتى تصبح قوانين الأمن العام مطلوبة ولو حتى على حساب حرية الآخرين أو خلق أزمة اقتصادية يصبح الخروج منها مشروطا بقبول الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية وتفكيك بعض الخدمات العامة الحيوية، وبناء عليها يتم تقديم حلول مبرمجة لنا سلفا وواجبة القبول على أنها شر لابد منه أو تمرير لإجراء أو قانون غير مقبول من الممكن أن يثير ثورة داخلية فى البلاد، لو تم تنفيذه دفعة واحدة وتطبيقه بشكل تدريجى حتى يتم قبوله.
ويؤكد الخولى أن علم سياسية إلهاء الشعوب يتم تدريسها على المستويين الأكاديمى والسياسى لرجال الأمن وصانعى القرارات ومن يقوم على تدريسها ويضع مناهجها ويقوم بتنفيذها هى جهة الاستخبارات فى كل بلد. وإذا أردنا مثالا صارخا لذلك فهو ما حدث عند غرق العبارة السلام فى مصر منذ سنوات وتركيز الدولة الكبير فى ذلك الوقت وحشد عواطف الناس حول كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم لإلهاء الناس عن هذا الحدث الجلل الذى إن دل يدل على سوء حكم البلاد والفساد المستشرى فيه.
- "شباب ضائع"
أما ظاهرة الألتراس التى أصبحت بحق من أهم الظواهر الاجتماعية لهذا الجيل والمتهم الأول لإلهاء الشباب. ففى النظام السابق تركت لإلهائه عن مشاكل مجتمعه. وبعد الثورة استخدمت لإلهائه عن مسارها الصحيح هذا ما يؤكده الدكتور عمار على حسن الباحث السياسى والاجتماعى قائلا: إن الألتراس ارتبط اسمه أخيرا بأحداث مؤسفة منها موقعة استاد بورسعيد واشتباكات وزارة الداخلية الأخيرة وما قبلها وذلك بسبب قلة خبرة هؤلاء الشباب السياسية والفكرية. على الرغم أن تلك الظاهرة من صنع النظام السابق وقيادة جمال مبارك فى التسعينيات بهدف تكوين قاعدة كبيرة من الشباب لدعم مخططه فى حكم البلاد وكذلك إنشائه لجمعية جيل المستقبل وعدة مشاريع تختص بالشباب، فإن الشباب وجدوا أنفسهم الضائعة فى تلك التجمعات المنظمة لأنها حققت أبسط قواعد علم الاجتماع فى بحث الفرد عن فكرة أو قضية ينتمى إليها، وجاء تعبير الشباب عن أنفسهم بالعنف والهمجية ذلك ما نماه وأثقله النظام السابق بعدم التصدى له وتركه كنوع من التنفيس والإلهاء عما يجرى من حولهم.
ويضيف حسن قائلا: إن دفع الألتراس من وقت لآخر فى أحداث المجتمع أوتورطه فى المشاكل التى يستغلها فلول النظام السابق لكى يلهى الناس والأحزاب والحركات السياسية إما فى الدفاع عنهم او إدانتهم ويحدث جدل عميق وكبير بين أفراد المجتمع مقابل ترك القضايا الأساسية وأهداف الثورة الحقيقية، وأكبر مثال على ذلك ما يحدث الآن منذ أيام بعد أحداث مبارة الأهلى والمصرى فى بورسعيد والتى راح ضحيتها نحو 75 قتيلا والجدل بين براءة الألتراس البورسعيدى ورد فعل الألتراس الأهلاوى, حيث أصبح هناك ثأر بين مشجعى الناديين وهذا ما تظهره وسائل الإعلام المختلفة ومواقع الإنترنت. مشيرا إلى ردود الأفعال الغاضبة للنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعى الفيس بوك احتجاجاً على أحداث بورسعيد بعد أن أصبح لون الحداد الأسود هو اللون المنتشر على صفحات معظم النشطاء حيث جاءت تعليقات عديدة إن دلت تدل على نجاح الدولة فى إلهاء الشعب المصرى بعد اختلاق مثل تلك الأزمات ومنها "مطالبة البعض بإلغاء المنطقة الحرة فى بورسعيد كعقوبة للشعب البورسعيدى بأكمله على هذه الجريمة". وتعليق آخر يقول" فى بلدنا الكورة مبقتش يا غالب يا مغلوب دى بقت يا قاتل يا مقتول". وآخر يقول" تحولت الفترة الانتقالية إلى فترة انتقامية".
- "إستراتيجيات الإلهاء"
ومن ناحيته يقول الدكتور قدرى حفنى، أستاذ علم النفس إن فنون إلهاء الشعوب كانت فعالة فى وقت سابق، أما الآن ومع الانفتاح الإعلامى يصبح الأمر صعبا خصوصا مع تشابه آليات تلك السياسة فى كل الدول والتى لخصها حديثا المفكر الأمريكى نعوم تشومسكى فى عشر استراتيجيات للتحكم بالشعوب وهى كالتالى. إستراتيجية الإلهاء بالمجتمعات وتتمثل فى تحويل انتباه الرأى العام عن المشاكل المهمة. وإستراتيجية ابتكار المشاكل ثم تقديم الحلول. وإستراتيجية التدرج والتطبيق بصفة تدريجية. وإستراتيجية المؤجل وهى طريقة أخرى يتم الالتجاء إليها من أجل إكساب القرارات المكروهة للقبول. وإستراتيجية مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار. وإستراتيجية استثارة العاطفة بدل الفكر. وإستراتيجية إبقاء الشعب فى حالة جهل وحماقة. وإستراتيجية تشجيع الشعب على استحسان الرداءة. وإستراتيجية تعويض التمرد بالإحساس بالذنب. وإستراتيجية معرفة الأفراد أكثر مما يعرفون أنفسهم.
ويقول د. حفنى إن الشعوب العربية - ليست كما يصفها البعض - شعوب عاطفية ولا تحكم عقلها فى مجريات حياتها، فالأيام السابقة وأحداث الثورات أكدت عكس ذلك فى تفكير الشعوب المنظم وتحليلهم للأمور والأحداث ومواجهتها السياسية. مشيرا إلى دور الصفوة العاقلة فى توعية الناس والرأى العام لتفادى أى محاولة لخداعه من قبل الحكام أو المستفيدين لإجهاض الثورات بالإضافة إلى دور الإعلام المسئول الموضوعى الوطنى فى كشف المؤامرات التى تحاك ضد الشعب أو سبل إلهائه.
- "خيانة عظمى"
ومن جهة أخرى أكد الدكتور شوقى السيد الفقيه القانونى أن الإخلال من الحاكم بميثاق الشرف الذى أقسم عليه فى أن يحافظ على الوطن ومصالح المواطنين هو جريمة خيانة عظمى تستحق العقاب السياسى والجنائى. لأن أى إخلال بمسئولية أساسية تعهد بها الحاكم أو موظفوه هو إخلال جسيم بمهام وظيفته فى خدمة الشعب ومصارحته بالحقائق مما يؤدى إلى مساءلته القانونية إذا حاول القيام بحيل الإلهاء عن المصالح العامة أو المطالبة بالحقوق مقابل مصالح شخصية ومكسب فردى لهؤلاء الحكام والقادة.
ويقول د. شوقى: إن الحكام العرب وما فعلوه فى عشرات السنوات الماضية من تغييب لعقول شعوبهم وإبعادهم عن المشاكل الحقيقية مقابل مشاكل وهمية اختلقوها كصراعات طائفية أو نزعات حدودية يستحقون عليها محاكمتين: الأولى سياسية وعقوبتها العزل السياسى من المنصب والثانية محاكمة جنائية ويتم تحديد العقوبة بالحبس أو الإعدام حسب مدى الضرر الذى أصاب المجتمع من اختلاق المشاكل والأزمات والتى قد يصل بها الأمر لموت العشرات والمئات نتيجة لتلك الأزمات الوهمية.
- "فن النكسة ومبارك"
يرى طارق الشناوى، الناقد السينمائى، أن فن إلهاء الشعوب باستخدام الفن فى الأفلام السينمائية والمسلسلات والأغانى استخدم بشكل كبير فى مصر خصوصا فى أوقات الأزمات والحروب، فخير مثال على ذلك وضع السينما عقب نكسة 67 حيث ظهرت موجة الأفلام الكوميدية لفؤاد المهندس منها (شنبو فى المصيدة) و(عماشة فى الأدغال ) و(مستر إكس). وغيرها بهدف التخفيف عن الناس ورسم البسمة على وجوههم وفى نفس الوقت إلهاؤهم عن أسباب الهزيمة كذلك قلت الرقابة على الأفلام وسمحت بوجود مشاهد جنسية فى السينما بشكل كبيرومنها أفلام (حمام الملاطيلى) و(خلى بالك من زوزو) بالإضافة لترك مساحة للتنفيث من خلال نقد بعض الأشياء التى كان ممنوعا حتى التلميح عنها مثل نقد الاتحاد الاشتراكى وجاء ذلك بناء لتعليمات من الرئيس جمال عبدالناصر للتخفيف عن الروح المعنوية للشعب المصرى.
ويشير الشناوى إلى عصر مبارك الذى استخدم فيه الفن كوسيلة مهمة لإلهاء الناس عن قضايا الفقر وتردى حال التعليم والصحة فظهرت موجة أفلام المقاولات وأغانى الفيديو كليب والأفلام الكوميدية الهابطة منها فيلما (اللمبى) و(بوحة) وغيرهما الكثير وانتشار الفضائيات وقنوات الرقص والأغانى. ويقول إن إلهاء الشعوب باستخدام الفن دائما يصاحبه نوع من الفساد للمزاج العام بسبب تردى وضع المجتمع فى تلك الفترة، فيصبح الفرد لديه استعداد لتقبل أى شىء حتى لو خارج إطار المألوف.