المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الانتماء في الشعر الجاهلي


Eng.Jordan
06-02-2014, 12:03 PM
تأليف الدكتور:
فاروق أحمد اسليم






الانتماء
في الشعر الجاهلي

* دراســــــــة *



من منشورات اتحاد الكتاب العرب
1998
















تصميم الغلاف للفنان :






الإهداء

إلى رفيقة العمر، وزميلة الدراسة
السيدة عائشة أكتع إقراراً بصبرها على ضرار هذه الرسالة
وإلى سفرائنا إلى المستقبل: شهلا، وحلا،
وأحمد ضرار، ويمان.

فاروق




بسم الله الرحمن الرحيم

مـقـدمة:
حين تنهض الأمم العظيمة من غفوتها تلوذ بتراثها لتستمد من إنجازاته الإنسانية ثقة بقدراتها، وإضاءات لمستقبلها. ونحن العرب ما نزال في حالة نهوض من إغفاءتنا المديدة في ليل القهر؛ فالعرب ما يزالون يعيشون منذ قرن ونيّف في عصر النهضة، وهم يحلمون بالوحدة والتحرر والعدالة، ويعانون من صنوف العدوان والقهر ما يحدّ من قدراتهم وطموحهم إلى القوة. وقد تنوّعت مواقفهم من العدوان، وتنوعت انتماءاتهم. ولا ضير في ذلك ما دام التنوّع لا ينفي الوحدة، وإنما يدّل على التفاعل الإنساني الخيّر فوق الأرض العربية.
بيد أن ضجيج التعصب لبعض الانتماءات فوق الأرض العربية ينذر بالتناقض لا التضاد بين العرب؛ فهم يعانون من ضجيج الداعين إلى الانغلاق والتعصب لانتماءات قطرية وقبلية وطائفية كما يعانون ضجيج الداعين إلى الرضا بالعدوان والتمزق، وفي ذلك تهديد وتشويه لنقاء الانتماء إلى العروبة الحقّ، ولنقاء رسالة العرب الخالدة إلى الإنسانية جمعاء.
إن رغبتي في تأكيد الثقة بأصالة الانتماء العربي، وبقدرة العرب على تجاوز الصعاب والأخطار من الأسباب التي دعتني إلى دراسة الانتماء في الشعر الجاهلي؛ فهو إبداع عربي أصيل، وسجلّ رئيس للأصول الأولى المكوّنة للوجود العربي، وهو ينتقل من حالة التشرذم والتناحر إلى الوحدة والوئام، ومن التبعية إلى القيادة والريادة؛ فقد شهد العصر الجاهلي إرهاصات التكوين القومي للأمة العربية إذ تكاملت فيه ثلاثة الأسس اللازمة للوجود القومي، وهي: الأرض والسكان واللغة: وأثمر جدل الإنسان الجاهلي فوق أرضه خصائصَ ماديةً وثقافية ما تزال تؤثّر في عقل الإنسان العربي ومشاعره.
وقد تطلّعت إلى دراسة ظاهرة الانتماء في الشعر الجاهلي حين وجدت مكتبة دراساته تخلو من الدراسات الراصدة لحركة المجتمع الجاهلي رصداً شمولياً، وهو يسير من عصر القبائل والتبعية إلى عصر العروبة، عدا دراسات قليلة أضاءت جوانب من تلك الحركة. ويأتي في طليعة تلك الدراسات كتاب (تاريخ الشعر) للدكتور نجيب محمد البهبيتي؛ فهو دراسة رائدة في الإشارة إلى وجود الشعور القومي عند الجاهلين، وفي الإشارة إلى أثر الشعراء في الدعوة إلى الوحدة العربية، ولكن هذه الدراسة غلب عليها الطابع السياسي والتاريخي، وغاب عنها الشعر الجاهلي إلا قليلاً.
ومن تلك الدراسات القليلة دراسات رصدت قلق بعض الجاهليين واغترابهم ومعاناتهم بسبب اضطرارهم إلى الارتحال، أو خروجهم عن المألوف، أو نبذ المجتمع لهم. ويأتي في مقدمة تلك الدراسات كتاب (الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي) للدكتور يوسف خليف.
غير أن هذه الدراسات على أهميتها لا ترصد النشاطات الإنسانية الدّالة على إرهاصات الانتقال إلى طور الوجود القومي رصداً شاملاً يستوعبها، ويربط بينها للكشف عن تنوّع تلك الأنشطة ووحدتها معاً، كما أنها، وكذلك غيرها، لم تكشف عن ظواهر اجتماعية مؤثرة في المجتمع الجاهلي، وفي تكوين الوجود العربي كظاهرة المقرفين، وعلاقة الإنسان بالأرض التي يستوطنها، والملوك والسوقة، والتسامح الديني، وغير ذلك.
وقد اخترت أن يكون عنوان هذه الدراسة هو (الانتماء في الشعر الجاهلي) لما فيه من شمول يُمَكِّنني من رصد الوجود الإنساني الجاهلي المتعدّد الانتماءات لتعدّد أنشطته وأصوله، وتنوّع أفكاره ومشاعره.
ولقد عدّت إلى المصادر الأصلية للشعر الجاهلي، فاستقريت نصوصه استقراء شاملاً ما أمكن، ودقيقاً وعميقاً قدر الطاقة، باحثاً عن أنواع الانتماء فيه، ومستنبطاً منه مظاهر تلك الأنواع، ومتعرّفاً به مواطن تلاقيها وافتراقها، وهي تتطوّر من الانتماء النسبي الصريح إلى الانتماء العربي. وقد جعلت الحديث عن الظاهرة الإنسانية مقدمة لبيان الانتماء إليها، مفترضاً أن وجود ظاهرة اجتماعية يعني وجود منتمين إليها سواء أكانوا يدركون انتماءهم إليها أم لا يدركونه.
وكان اعتقادي بأنّ الإنسان فُطر على السعي نحو الأفضل، وبأنّه قادر بعقله وإرادته وعزيمته على صنع ظروف أفضل بوسائل مختلفة باختلاف العقول والزمان والمكان وغير ذلك -دليلاً أهتدي به لفهم الشعر في هذه الدراسة، ولم أتقيد إلا بما هداني إليه النظر العميق في ذلك الشعر مستعيناً بمعرفتي بالظروف التاريخية التي أبدع فيها، وبأهمية تلك الظروف في فهم الشعر الجاهلي.
وقد جعلت هذه الدراسة في خمسة فصول وخاتمة، يسبقها مدخل بينت فيه رؤيتي للمراد بظاهرة الانتماء ثم تحدّثت عن وجودها في العُرف الجاهلي، وتلت ذلك خمسة فصول، موزّعة على النحو التالي:
الفصل الأول: الانتماء النسبي الصريح. وفيه تحدثت عن المراد بالنسب الصريح، ثم تحدثت عن ثلاث ظواهر اجتماعية فيه، وهي: أبّوه الصرحاء، وأمومة الصرحاء، والأسرة الزوجية الصريحة، مبيّناً الانتماء في كلّ منها.
الفصل الثاني: الانتماء النسبي غير الصريح. وفيه وقفت على ثلاث ظواهر نسبية هي: النسب اللصيق، والنسب المختلط، والنسب الأعجميّ، وقد بينت الانتماء في كلّ منها.
الفصل الثالث: الانتماء المكاني. وفيه تحدثت عن أهمية علاقة الجاهلي بالمكان في تطور انتمائه، وبينّت ذلك بالحديث عن القرار بالمكان، وعن الارتحال عن المكان، وعن وجود عقلين ومدَيين ينتمي إليهما الجاهليون.
الفصل الرابع: الانتماء السياسي والاجتماعي. وفيه بينّت تداخل الانتماءات السياسية بالظروف الاجتماعية، وارتباط ذلك التداخل بالواقع الاقتصادي، وقد تحدثت فيه عن طبقات الملوك والسوقة والسادة والمستضعفين، وعن ظاهرتي الحلف والجوار، وشبههما، وبينّت الانتماء في كلّ ذلك.
الفصل الخامس: الانتماء الديني والعربي. وفيه رصد لديانات الجاهليين ولتنوع انتماءاتهم الدينية، ثم رصد للأدلة على وجود الانتماء العربي، وهي أدلّة نسيجُها ولحمتها مظاهر التواصل والتطور في انتماءات الجاهليين بعامة.
وأمّا الخاتمة فقد أجملت فيها بإيجاز النتائج الرئيسية في هذه الدراسة، ثم أتبعتها بثبت المصادر والمراجع. وبالمحتوى.

د. فاروق اسليم.






مــدخـل

1 - ظاهرة الانتماء
بين الإنسان والانتماء علاقة تلازمية، يتنوّع فيها التلازم (الانتماء) بتنوع العلاقات الإنسانية في مكان وزمان محدّدين، فهو ظاهرة إنسانية قُدمَى يرقى تاريخها إلى بداية تاريخ الوجود الإنساني نفسه.
إنّ اجتماع زوجين من الناس: رجل وامرأة -يفترض وجود تفاعل مشترك بينهما، به يستمتعان بمباهج الحياة، وبه يواجهان مصاعبها، وهما يتطلّعان إلى المحافظة على وجودهما- وهو وجود مشروط بالقوانين الكلّية التي تحكم هذا الكون- وإلى تطوير ذلك الوجود واستمراريته بالإنجاب وبغيره. إنهما يبحثان معاً عن الوسائل التي تمنحهما القدرة على تملّك ما يحتاجان إليه من مجتمعنا، ومن الطبيعة التي يعيشان في كنفها. وهكذا تتكوّنُ الأسرة في المجتمع الإنساني. إنها وليدة ظروف (تاريخ) مشتركة ولها أهداف (مصير) مشتركة، ومن تلك الظروف والأهداف يَتَولّدُ لدى أفراد الأسرة شعور مشترك هو شعور الانتماء إلى الأسرة التي تستغرقهم، وتجعلهم مُدركين بصفتهم وحدة إنسانية متميزة( ).
والانتماء إلى الأسرة هو نقطة الارتكاز والانطلاق في بناء الانتماء، فكلّ إنسان ينتمي إلى أسرة، تنجب في الغالب أفراداً يبنون أسراً جديدة، والأسر الجديدة ذات الأصل الواحد، والظروف والأهداف المشتركة- تؤلّف مجتمعة أسرة كبيرة، أو عشيرة، يقودها امتدادُها الأفقي بالتوالد، وتاريخها ومصيرها المشتركان إلى طور القبيلة المؤلفة من عدة عشائر، ترجع إلى أصل واحد، وتشترك في اللغة والمنازل، وتتملّك بالجدل الخاص بين أفرادها داخل القبيلة، وبالجدل الخاص بين أفرادها وغيرهم، وبالجدل الخاص بين أفرادها والطبيعة التي يعيشون فيها، عاداتٍ وعقائدَ وأفكاراً توحّدُ أبناءها، وتمنحهم تكويناً نفسياً مشتركاً، يشعرهم بالتمايز بالانتماء إلى قبيلتهم. وهو انتماء مضاف إلى انتماءاتهم السابقة إلى أسرهم وعشائرهم، انتماءٌ يشمل هذه الانتماءات ولا يلغيها، بل يغنيها بمكتسبات تطوّر أولئك الأفراد، أفراد القبيلة، وتضعف القيود التي تمنع تحرّرهم، وانطلاقهم نحو حياة أفضل.(( )).
إن الانتماء إلى الأصل المشترك، ولا سيما الأسرة، هو الأول والأكثر أصالة واستمرارية في تاريخ الإنسان، وهو قسري وفطريّ معاً، لا خيار للإنسان فيه، ولا سويّة له بدونه، فالإنسان يولد منتمياً إلى الأسرة مضافاً إليها انتماءاتها إلى عشيرتها وقبيلتها وأمتها، وإلى الإنسانية جمعاء. وذلك الانتماء الأوّل هوانتماء مغلق، فأفراده يتفاعلون ضمن دائرة أصلهم المشترك، وهي دائرة تتوَسّعُ لتَستوعب دوائر صغيرة جديدة، تظهر بالإنجاب داخل دائرة الأصل الأوّل. ولكن الإنسان أوجد ثغرات في دوائر ذلك الانتماء المغلق. فكيف تمت تلك الثغرات؟ وماذا نتج عنها؟
إن كلّ إضافة بالولادة إلى المجتمع الإنساني، ولا سيما حين يكون صغيراً، تعني ولادة مشكلة جديدة، تحتاج إلى حلّ، غايته الحفاظ على وجود ذلك المجتمع، والسماح له بتطوير نفسه، ولذلك يجب إلى تلك الإضافة بالولادة أن تتفاعل إيجابياً مع مجتمعها، فتسهم في الحفاظ على وحدته وأمنه. ولكن بعض الإضافات تتفاعل سلبياً مع مجتمعها، فتهدّد وحدته وأمنه، وعندئذٍ تتوحد قوى المجتمع لمعارضة تلك الإضافة الخطرة، وقد تنبذها خارج دائرة انتمائها، وعند ذلك تبدأ الإضافة المنبوذة البحث عن الأمن في ظلّ انتماء آخر، فتطرق أبواب جماعة يشعر أفرادُها بالحاجة إلى تلك الإضافة المنبوذة، فيسمحون لها بدخول دائرة انتمائهم، كما هو الحال في ظاهرتي الخلع والجوار.
ولكنّ الخروج من دائرة انتماء ما، لا يعني استبدال انتماء جديد بآخر قديم، بل يعني إضافة انتماء إلى آخر في عملية جدلية تنتج انتماءً متطوّراً؛ فخروج عشيرة من دائرة قبيلتها ودخولها في دائرة انتماء قبيلة أخرى -لا يلغي انتماء تلك العشيرة إلى رابطة الدم التي تربطها بأصلها المشترك، بل يضيف إلى ذلك الانتماء انتماءً آخر مؤسّساً على رابطة الأصل المشترك مضافاً إليها رابطة الجوار أو التحالف أو غير ذلك. وهكذا تظهر علاقة إنسانية متطوّرة، تُكسب أفرادها تكويناً نفسياً مشتركا وخاصّاً، يمنحهم شعوراً بالانتماء إلى تلك العلاقة، وهو شعور يضاف إلى المشاعر الانتمائية السابقة وجوده، وبذلك تتنوع ظاهرة الانتماء.
كذلك تتنوّع ظاهرة الانتماء حين تختلف ظروف أبناء الأصل المشترك، فتقسيم العمل -مثلاً- في مجتمع ما يُدخل إضافات جديدة تُنوع انتماءات أبناء ذلك المجتمع، وقد تلتقي تلك الإضافات مع أخرى تحصل في واقع مجتمع آخر مجاور، فتتشابه المشاعر لتشابه الظروف التي توجب تشابه الأهداف، وتمهد سُبُل تلاقي الجهود التي تخترقُ دوائر الأصل المشترك، وتقيم صلاتٍ توجب تشابك تلك الدوائر (الأصول) بدوائر تطوّرها بالإضافة والحذف، كما هو الحال في رابطة الطبقة الاجتماعية؛ فهي إضافة إلى الأصل المشترك، وهي حذفٌ لبعض المضامين التي تمنع ترابط أبناء الطبقة الاجتماعية، وتعوق تطورهم.
إن تنوع الانتماء هو نتاج جدل الإنسان، وهو يبحث عن الوسائل التي ترقى به نحو التحرر، والانفلات من الظروف التي تعوق تطوره، فالإنسان يولد ضمن ظروف لا إرادة له فيها، وهذه الظروف تلزمه انتماءات لا إرادة له فيها أيضاً، وهي انتماءات قسرية كالانتماء إلى الأسرة والقبيلة والدين وغير ذلك. ولكن بني الإنسان ليسوا آليين، فتعامُلُهم مع تلك الانتماءات القسرية ليس واحداً، فبعضهم يستكين إلى تلك الظروف والانتماءات، وبعضهم يرى في جوانب منها ما يعوق تقدّمه، وبعضهم يرى ما يعوق تقدمه، ويتصوّر حلاً لمشكلته، وبعضهم يرى ما يعوق تقدمه ويتصور الحلّ، ويقرنه بالعمل اللازم لإزاحة ما يعوق التقدم، وفي أثناء ذلك يحدث الجدل، فيكون حاداً بالصراع أو هادئاً بالحوار، وفي كلا الحالين تظهر إرادة الإنسان القادر على التدخل في سير الظروف، مسلّحاً بالمعرفة البسيطة أو العميقة للقوانين التي تحكم الطبيعة والوجود الإنساني معاً. فالإنسان يُوجدُ بالعمل ظروفاً جديدة تصورّها، وقدّر أنّ وجودها أفضل من استمراريّة الظروف القديمة. ولكن خلق تلك الظروف حين تتسع دائرة المجتمع -لا يقدر عليه شخص واحد، بل يكون بتضافر جُهد مجموعة من الناس تلتقي أفكارها، ويتوحّد جهدها، فيتملّك أفراد المجموعة شعوراً مشتركاً بالانتماء إلى تلك المجموعة، وهو انتماء تملّكهُ أصحابه بإراداتهم، وأضافوه إلى انتماءاتهم السابقة.
وهكذا يمكن القول بأنّ الانتماء ليس قسرياً دائماً، ولو كان كذلك لما تطوّر المجتمع الإنسانيّ، ليس إراديّاً دائماً، ولو كان كذلك لا نقطع الإنسان عن ماضيه، والماضي تاريخ لا يمكن إلغاؤه.(( )). إن الانتماء وجودٌ ماديّ ينعكس لدى الإنسان فكراً وشعوراً وسلوكاً، لأن الإنسان يملك تاريخاً، لا يستطيع الانفلات منه، وهذا التاريخ هو الوجود المادي المحقَّق للانتماء. وقد يكون الانتماء فكراً وشعوراً يسبقان وجوده المادي، وذلك في فكر القادة ورجال الفكر وشعورهم وهم يتصوّرون أوضاعاً إنسانية مُتَطوّرة، يرغبون في إيجادها بالإرادة الإنسانية.
إن قيام مجموعة من الناس بقيادة مجتمعها -كبيراً كان أم صغيراً- نحو ظروف جديدة، تقطع استمرارية الظروف القديمة- يطرح تساؤلاً عن العلاقة بين الانتماء والولاء.
يرى د. فرج عبد القادر طه (أنّ الانتماء يعنى بالمستوى الشكلي أكثر من عنايته بالمضمون الجوهري التلقائي، بمعنى أنّ الفرد قد يكون عضواً في جماعة، ومحسوباً عليها إلاّ أنه لا يرتضي معاييرها، ولا يتوحد بها، ولا يشاركها ميولها واهتماماتها، فهو ينتمي إليها شكلاً، وليس قلباً، وفي هذه الحالة يصبح منتمياً إلى هذه الجماعة بينما يكون ولاؤه... لجماعة أخرى أو لزعيم آخر أو لمبدأ مغاير للجماعة المنتمي إليها)(( )). ولكنّ تغليب الشكل على المضمون في ظاهرة الانتماء ليس دقيقاً فالعلاقة بين الشكل والمضمون في الانتماء ليست آليّة، فنحن لا نستطيع أن نقول بوجود انتماء شكلي وآخر قلبي، فالإنسان يتفرد بين المخلوقات بأنه يتطور بتملّك الإرادة الباحثة عن الأفضل، فإن توافق مع الظروف التي ينتمي إليها تَوَلّد لديه الولاء مع المحبّة والطمأنينة والاستعداد للتضحية دفاعاً عن تلك الظروف، وإنّ عَطّلَتْ الإرادة الإنسانية ظروفٌ فسوف يتغير مظهر انتماء الإنسان إلى تلك الظروف، وقد يستبدل بالمحبة وبالطمأنينة القلقُ أو العداءُ أحياناً، ولكن الإنسان مع ذلك لا يفقد جوهر الانتماء إلى ظروفه المتضمنة ظروفاً عائقة لإرادته. ولتوضيح ذلك يمكن الحديث عن الوحدة والتجزئة في الوطن العربي.
إن الذين يوالون التجزئة في قطر ما، يمثلون ظرفاً تاريخياً يعوق تطلّعات الناس في ذلك القطر إلى الوحدة، أي يعوق الانفصاليون إرادة الوحدويين في تحقيق الوحدة، وسوف ينتج عن ذلك صراع بين الوحدويين والانفصاليين، ولكنّ هذا الصراع لا يجعل انتماء الوحدويين إلى قطرهم انتماء شكلياً، ويستوي في ذلك أن يكون الوحدويون أقلية أو أكثرية في قطرهم، فلماذا لا يكون انتماء الوحدويين إلى قطرهم انتماء شكليّاً؟ إن الإجابة عن هذا السؤال يسيرة، فالانتماء إلى الوطن العربي لا يلغي الانتماء إلى القطر العربي لأنّ القطر جزء من كلّ، والكلّ يشمل الجزء ولا يلغيه، فالوحدوي يوالي قطره، ويوالي أهل قطره، ويرى أن الوحدة هي المستقبل الأفضل لقطره ولأهل قطره، لكنّ محاربة التجزئة لاتفقده جوهر انتمائه إلى قطره بل تفقده بعض مظاهر ذلك الانتماء إذ يشعر بالقلق، وبالعداء للانفصاليين ما داموا يقفون عائقاً أمام إرادته بالتطوّر، أي بالوحدة، وتضيف محاربة التجزئة إليه حبّ أمته كلّها، وتصور الطمأنينة في ظل وحدتها، وبذلك يتطور الانتماء القطري ليشمله الانتماء القومي، ويكون الولاء للأمة متضمنّاً الولاء للقطر. وبذلك تتنوع المشاعر داخل دائرة الانتماء الواحد تنوّعاً لا يفقده وحدته بل يؤكد أنه ظاهرة إنسانية متطوّرة بالجدل الإنساني الذي يقود خُطا الناس نحو الأفضل.
إن الحديث عن العلاقة بين الانتماء والولاء متشعب، ولكنّه لا يخرج عمّا ذُكر آنفاً، ويمكن توضيح ذلك بمثال آخر، فقد ينتسب شخص ما إلى حزب معين وهو مؤمن بأهداف ذلك الحزب، ثم يقوده نضاله إلى مرحلة تتعطل فيها إرادته في التطوير داخل مؤسسته الحزبية، فماذا يفعل؟ قد يستكين للظروف التي تعطّل إرادته، وقد يحاول التدخل لمنع استمرار تلك الظروف العائقة لإرادته في التطوير، ولكن انتماءه الحزبيّ لن يفقد الولاء، ولن يكون شكلاً بغير محتوى، بل شكلاً له المحتوى القديم مضافاً إليهما تصورات ذلك الشخص عن طرائق حزبه وتقدمه، ومحذوفاً منهما ما يعوق ذلك التطوير، فالناس المنتمون إلى رابطة إنسانية معينة متقاربون، وليسوا متطابقين في المشاعر والأفكار والسلوك. والتقارب يعني وجود الخلاف، وعمل الإرادة قائدة الإنسان نحو التطور والتحرر. إن الانتماء يُوجد الولاءَ وجوداً ظاهراً أو خفياً، فالظاهر يدل على توازن شخصيات المنتمين، وتوافقها مع قيم الرابطة الإنسانية التي ينتمون إليها؛ والخفيّ يوحي بقلق شخصيات المنتمين، وبحثها عن الأفضل غالباً.
إنّ الشخصيات القلقة تعبر غالباً عن مشاعرها الرافضة لبعض قيم انتمائها التي تعوق رؤيتها للتطور، وتحدّ حرّيتها، أمّا الشخصيات المتوازنة فإنّ مشاعر ولائها لرابطتها الانتمائية تكمن في النفوس، وإن كانت قوية، ولكنها تظهر حين تواجه الأخطار والنقد، كأن يتعرض المنتمون إلى رابطة إنسانية معينة إلى خطر اعتداء أو وباء يهدّد وجودهم، أو تتعارض مشاعر أحد المنتمين المغتربين عن أوطانهم مع القيم السائدة في المهجر، فتثور تلك المشاعر في المهجر تارة، وتهدأ أخرى، معبرة بذلك عن جدل إنساني قد ينتهي بإضافة انتماء جديد، وبذلك نصل إلى أن علاقات الانتماء هي أكثر العلاقات الإنسانية أساسية كالانتماء إلى الأسرة، كما أنها أكثر العلاقات الإنسانية عموميّة كما هو الحال في انتماء الغريب إلى مجتمع الاغتراب إذا استقرّ فيه(( )).
وبعدُ، فما الانتماء؟
الانتماء ظاهرة إنسانية فطرية تربط بين مجموعة من الناس المتقاربين والمحددين زماناً ومكاناً بعلاقات تشعرهم بوحدتهم، وبتمايزهم تمايزاً يمنحهم حقوقاً، ويحتّم عليهم واجبات، وهو متطوّر بالإرادة الإنسانية الباحثة عن الأفضل تطوراً ينوّع، ويوسّع، ويربط دوائره بالحذف والإضافة وليس بالإلغاء، ولا بالخلق الجديد.
2 - الانتماء في العُرفِ الجاهلي:
إنّ الانتماء بصفته ظاهرة إنسانية متطوّرة بالجدل الإنسانيّ- لا يلزمه الوعي بحقيقة وجوده، فالانتماء في الأصل موجود بقوّة وجود ناس تربطهم علاقة ما، ومحدّدين بزمان ومكان معينين. وبذلك لا يكون النظر في انتماء الإنسان الجاهلي تمحُّلاً، ولا تنقيباً عشوائياً، ولا إنطلاقاً لأوابد بما ليس فيها، فمن الحقائق الثابتة وجود الإنسان الناطق باللغة العربية في شبه الجزيرة العربية، وفي مناطق واسعة من بلاد الشام والعراق قبل الإسلام. وكان جدل الإنسان العربي آنذاك عنيفاً بالصراعات الحربية تارة، وهادئاً في ظل التقاليد والعهود المتعارف عليها تارة أخرى، ولكن الجدل في كلا الحالين كان إرهاصاً بتحوّلات كبرى، تُطوّر الوجود الإنساني العربيّ، وتُحرّره من قيود التشرذم، والتناحر الداخلي، والعدوان الخارجي، وهي قيود تدفع الأمن والسلام والاستقرار، وتضعف قدرات الإنسان الجاهلي، بل تهدد وجوده أحياناً كثيرة.
كان جدل الإنسان الجاهلي يمحور بالإرادة الإنسانية الفاعلة، والباحثة عن الأفضل ضمن الظروف والقدرات المتاحة، والمشروطة بالفهم الجاهلي النسبي للأفضل، وذلك يستدعي وجود الانتماء الجاهلي، ويستدعي تنوّع ذلك الانتماء، لأنّ الانتماء ظاهرة إنسانية توجد بقوة وجود الإنسان نفسه، وتتنوّع بتنوّع الروابط التي تشدّ بعض الناس إلى بعض آخر، وتميز بعض الناس من غيرهم.
إنّ مفهوم الانتماء عند الجاهلي يُعرف بالقراءة الواعية، وبالتواصل الحميم مع ألفاظٍ وتراكيب وصلت إلينا منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، فالإنسان الجاهلي لم يعرف تصنيف الأفكار في كتب مؤلّفة، ولكنّه بثّ أفكاره، وكذلك مشاعره، في إبداعاته الأدبية، ولا سيما في مجال الشعر؛ فالتراث الجاهلي يفتقر إلى الصياغة المنطقية والفلسفية لظاهرة الانتماء، ولكنّ ألسنة الناس، ولا سيما الشعراء تدوالت لفظة (الانتماء) وألفاظاً أخرى تشاركها في جذرها الثلاثي تداولاً يُسعف في معرفة فهم الإنسان الجاهلي للانتماء. فكيف ذلك؟
(نحن نعلم بشكل قاطع أن الفكر الإنسانيّ مهما كان بدائياً لا يتم بدون قالب لغوي -صوتي لأنه يوجد تلازم لا ينفصم بين الفكر واللغة منذ بداية الأنسنة)(( )). واللغة العربية الجاهلية هي حاملة فكر الجاهليين ومشاعرهم، وهي لغة حيّة، يستطيع العربي المعاصر أن يفهم أكثر ألفاظها وتراكيبها، ويستطيع العودة إلى المعجمات اللغوية، والشروح اللغوية والأدبية لتراث العصر الجاهلي لفهم الألفاظ والتراكيب المهجورة بسبب البعد الزمني وتغير أنماط الحياة. واللغة العربية يمتلك أبناؤها خاصّية التواصل بها بين ماضيهم وحاضرهم بقوة يفتقر إلى مثلها أهل اللغات الأخرى، إنّها لغة حيّة، وذاكرة أمة حيّة، نعرف بألفاظها وتراكيبها مشاعر أجدادنا وأفكارهم، حيث تتراءى لنا في تلك الألفاظ والتراكيب، ولا سيما القديمة منها، الدلالات العميقة على مناحي تفكير أسلافنا، وعلى مسارب مشاعرهم. والبحث عن تلك الدلالات العميقة في لفظة (الانتماء)، وفي الألفاظ التي تشاركها في جذرها الثلاثي سيبرز لنا ظلالاً تفيء، تحتها ظاهرة الانتماء في العرف الجاهلي.
***
(الانتماء) في لفظة (الانتماء) ثلاثة حروف أصلية هي: النون، والميم، والألف المنقلبة عن ياء (نمَى يَنْمِي) أو عن واو (نَمَا- ينمو)(( ))، فمن الأول قول عبيد بن الأبرص(( )):
وخيلٍ كَأسْرابِ القَطَا قد وَزَعْتُها
بِخَيْفَانَةٍ تَنْمِي بِسَاقٍ وَعُرْقوبِ

ومن الثاني قول كعب بن مالك(( )):
أنا ابنُ مباري الرّيحِ عمرو بنِ عامرٍ
نَمَوْتُ إلى قَحْطَانَ في سَالفِ الدهْرِ

وهذا يعني أن لفظة (الانتماء) مؤسّسة على جذرين، وأنها ثنائية الأصل. والنظر في جذري (الانتماء) يُوقف على دلالة أصيلة في ظاهرة الانتماء، وهي التقارب والتعدّد في إطار الوحدة، فالانتماء وحدةٌ تَضُمّ مالا يقلّ عن شخصين متقاربين في الصفات المكوّنة لكلّ منهما.
إن تقارب الجذرين: (نَمَى) و(نَمَا) ظاهرٌ، فهما يتّفقان في الوزن (فَعَل)، وفي حرفين، هما: النون والميم، ويشتركان في اعتلال الحرف الأخير من كلّ اعتلالاً يخفي الاختلاف أكثر مِمّا يظهره؛ فالجذران يشكّلُ كلّ منهما مقطعاً صوتياً يتطابق مع الآخر، ولكن الحركة الداخلية لحروف الجذرين بالتصريف تبرز الاختلاف اليسير بينهما، مثلما يُظهر الجدلُ الإنساني الاختلافات بين المنتمين إلى رابطة ماتُوحّدُهم، وتشدُّ بعضَهم إلى بعضٍ. ومن الملاحظ أنّ أحد الجذرين (نَمَى ينمي) تَتَعَدَّد مصادره(( )) ويكثر استخدامه، وكأنّه بذلك يعلن تَفوّقه على صنوه(( ))، ويُنَبّه على أن تَساوي المنتمين إلى رابطة ماليس مطلقاً، بل يختلفُ باختلاف قدرات كلّ منهم، وأصله. وإذا عدنا إلى (اللسان) نجد أنّ المعنى العام في جذري الانتماء هو الزيادة، بل الزيادة في الأشياء الحيّة غالباً، وقُرُبَ أن يكون فاصلاً حَدّياً بين الحيّ والجامد: (فالأشياء كلُّها على وجه الأرض نامٍ وصامت: فالنامي مثل النبات والشجر ونحوه، والصامت كالحجر والجبل ونحوه)(( ))، وجاء في القاموس (والناميةُ خلق الله تعالى، ومن الكَرْم القضيب عليه العناقيد)(( ))، والنامية من الإبل السمينة، ونَمَى الإنسان: سمن(( )). وقد يوصف بتلك الزيادة غير الأحياء جاء ذلك في (اللسان)، في تركيب واحد، هو (نَمَى الماء: طَمَا)( ). فحذرا (الانتماء) يَعنِيان الزيادة المادّية ارتفاعاً وحجماً وتعدّداً وتفرّعاً(( )) وبذلك يكون للانتماء وجود موضوعي هو الزيادة في الأشياء الحيّة والجامدة، وهذه الزيادة المتَضَمَّنَة في جذري (الانتماء) تلتقي مع المفهوم المعاصر للانتماء بصفته ظاهرة إنسانية تتطور بالإضافة، أي: بالزيادة.
كذلك يدّل جذرا (الانتماء) على أنّ الزيادة في الارتفاع والحجم والتعدّد والتفرعّ -تحدث خارج الوعي الإنساني، ودون تَدَخّل الإرادة الإنسانية، فهي (الزيادة) تحدث بعمل القوانين التي نظم الله تعالى بها هذا الكون. ولكن الإنسان بإرادته، وبها ميّزه الله من سائر الموجودات، يستطيع أن يستخدم ما يعرفه من تلك القوانين لإحداث الزيادة، وبذلك جاء أحد جذري (الانتماء) متعدّياً في عبارة (اللسان) (نَمَيْتُ الشيءَ على الشيءِ رفعته علمية، وكلّ شيء رفعته، فقد نميته)(( )).
وبناء على مجيء (نَمَى) لازماً ومتعدّياً يمكن القول بأنّ جذري (الانتماء) في صيغتيهما الزمنيّتين المجرّدتين من حروف الزيادة يجمعان في إدراك الجاهلي بين ضدّين هما: القَسْر بالحدوث (بالزيادة) خارج الوعي (نَمَى الشيءُ)، والاختيار بالإحداث (بالزيادة) بالإرادة الإنسانية الواعية (نميتُ الشيءَ).
إنّ ثنائيّة القسر والاختيار في جذري الانتماء لا تنفي الوحدة، فالضدان: القسر والاختيار يتوحّدان في معنى الزيادة، وتلك الثنائية توحي بالجدل الإنساني الموصل إلى التطور بالإرادة، دون أن يطغى أحد الضدّين على الآخر إلى درجة إلغائه، فتلك الثنائية لا تعني التناقض بين شيئين يلغي أحدُهما وجود الآخر، كما هو الحال في ظاهرتي الليل والنهار؛ فظهور أحدهما في مكان وزمان معينين يلغي وجود الآخر حتماً، أمّا وجود القَسْر في ظاهرة الانتماء، كالانتماء إلى الأسرة، فإنّه لا يلغي إرادة أفرادها في تطوير ذلك الانتماء بالفكر والعمل.
وإذا سَلّمنا بأنّ الإنسان أدرك الأشياء المشخصّة بالحواس أوّلاً، وأنّه وضع لها سمات (أسماء) لغوية، وأنّه ربط ذهنياً بين تلك السمات اللغوية ومدلولاتها العينية المشخّصة(( ))، إذا سلّمنا بذلك، فإننا نستطيع القول، بأن دلالة الزيادة المادية في جذري الانتماء تسبق في الوجود دلالة الزيادة المعنوية، وأن الزيادة المعنوية هي استخدام مجازي يدل على مرحلة متأخرّة في استخدام جذري الانتماء، وهو استخدام لا يلغي الأصل (الزيادة المادية) بل يشمله، ويطوّره مثلما يشمل الانتماء الجديد انتماءات سابقة، ويعبّر عن تطوّرها. ومن الطبيعي أن نجد الاستخدام المتطوّر لجذري الانتماء وافراً في الشعر الجاهلي؛ فالشعر هو المجال الأكثر استيعاباً للجديد، بل الأكثر ابتكاراً، ولا سيما في مجال اللغة ألفاظاً وتراكيب. وباستقصاء ما أطلعت عليه وقفت على الدلالات المتطورة التالية في جذري الانتماء.
1-الزيادة في المنزلة والرفعة في الشأن. جاء في أساس البلاغة: (ومن المجاز فلان يَنْميه حَسبُه، وقد نَمَاه جَدٌّ كريم، وقال النابغة:
إلى صَعْبِ المَقادَةِ مُنذِرِيّ
نَمَاهُ في فُرُوعِ المجد نامي

يمدح المنذر بن المنذر بن ماء السماء)(( ))، فجدّ المنذر هو النامي أي الرافع منزلة المنمِيّ، وذلك لأن المجد يكون في الآباء المتقدمين في الشرف. ومثل ذلك قول عمرو بن الأهتم السعديّ يفخر بجدّية: فَدَكِيّ، وهو من قبل أبيه، والأشدّ، وهو من قبل أمّه(( )):
نَمَتْنِي عُروُقٌ مِن زُرارة للعُلَى
ومن فَدَكِيّ، والأَشَدُّ عُرُوقُ

مَكَارمُ يَجْعَلْنَ الفتى في أَرُومَةٍ
يَفاعٍ، وبعضُ الوالدينَ دَقيقُ

إنّ النّمْي إلى المجد، والمجد يشمل النسب والحسب، ونَمْيَهُ هما زيادة في المنزلة ورفعة الشأن، ولكن هذه الدلالة المعنوية تلازمها دلالة مادية تُلحظ في كثرة الأفعال المجيدة، وفي اتساع دائرة العارفين بالمنمِيّ وبالنامي. ويشاكل هذا المعنى قولنا: (نَمَيْتُ الحديث إلى فلان: رفعته وأسندته... ويقال نَمَيْتُ الحديث: بَلَغْتُه على جهة الإصلاح)(( )) فَنمْيُ الحديث هو زيادة في عدد العارفين به وبصاحبه.
2-النهوض للأمر الشريف. قال طرفة بن العبد يذكر قومه(( )):
نُبَلاءِ السَّعْي مِنْ جُرْثُومَةٍ
تَتْرُكُ الدُّنْيا، وتَنْمي لِلْبَعَدْ

وقد قال الأعلم الشنتمري في شرح (تَنْمِي للبَعَد): (أي: تنهض للأمر الشريف البعيد المرام. وذلك لشرفهم وعُلُوّ هِمَمِهم).
3-سرعة الحركة: قال عبيد بن الأبرص يصف ظبياً تلاحقه كلاب صيد(( )):
إذا خافَ مِنْهُنَّ اللْحَاقُ نَمَتْ بهِ
قوائِمُ حَمْشَاتُ الأسَافِلِ رُوْحُ

فنمت ها هنا: أسرعت.
4-الزيادة في القيمة المادية لأشياء. قال أبو ذؤيب الهذلي يصف درّة تَمَلّكها تاجرّ (رَقَاحِيُّ)(( )):
بِكَفّيْ رَقاحِيّ، يُحِبُّ نَمَاءَها
فَيُبْرِزُها للبَيْعِ، فَهْيَ فَرِيْجُ

فالدّرة لا تنمو، بل تنمو قيمتها، أي تزيد ثمنها، ويربح صاحبها.
5-الانتشار في المكان: قال عبد المسيح بن عَسَلَة الشيباني يصف الخمرة(( )):
وتُبَيّنُ الرأي السَّفيهَ إذا
جَعَلَتْ رِياحُ شَمُولِها تَنْمِي

فالخمر يظهر أثرها في العقول حينما ينتشر (ينمي) رَوْحها ويصعد، فتنطق الألسنة بما لا يُسْتحبّ، وبما لا يكون في الصّحو.
6-حَمْلُ الشيء على الشيء لتقريبه وتقديمه. قال النابغة(( )):
كأنَّ مُشَعْشَعاً مِنْ خَمْرِ بُصْرى
نَمَتْهُ البُخْتُ مَشْدُودَ الخِتَامِ

نَمَيْنَ قِلاَلَهُ مِنْ بَيْتِ رَأسٍ
إلى لُقْمانَ في سُوقٍ مُقَدمِ

وقد ذكر ابن السكّيتّ في شرحه للبيتين السابقين أنّ نمته البخت تعني: حملته ورفعته، وأنّ نمين تعني: رفعن، والرفع هاهنا يعني التقريب والتقديم كما يعني السير المرفوع؛ فقد جاء في اللسان (رَفَعه إلى الحَكَم...: قَرّبَه منه وقَدّمه إليه... والسير المرفوع: دون الحَضْرِ وفوق الموضوع يكون للخيل والإبل... ورفعَ البعيرُ في السير يرفعُ، فهو رافع، أي: بالغَ، وسار ذلك السيَّر)(( )). وأميل إلى أنّ ابن السكّيت يقصد بالرّفع في البيتين التقريب والتقديم والسير المرفوع أو التقريب والتقديم بالسير المرفوع مضافاً إلى ذلك معنى حمل الشيء (قلال الخمر) على الشيء (البخت).
7-النجاة من الأخطار جاء في اللسان (والنامي: الناجي. قال التغلبي:
وقافِيَةٍ كأنَّ السُّمَّ فيها
وليس سَلِيمُها أبداً بنامي (( ))

فالنامي، هاهنا، تعني المستمرّ في الحياة، والمقاوم الموت، فالزيادة بالنماء في عرف العربي الجاهلي هي دليل مقاومة الوجود الحيّ للهلاك، كما أنها دليل استمرارية المكارم الممتدة من الآباء إلى الأبناء في قول النابغة الجعدي(( )):
ولم تفعل كما فَعَلَ ابنُ قيسٍ
وعِرقُ الصدْقِ في الأقوامِ نام

إن سبعة المعاني المذكورة آنفاً تدلّ على أن الجاهلي عبّر بجذري (الانتماء) عن وجود الإنسان المنتمي إلى الأسرة الأبوية (نماه جَدّ كريم) وعن إرادة الإنسان المتطلّعة إلى التطوّر (نَمَاه حسبه، ونهض للأمر الشريف...) وعن رؤيته المتقدمة لمفهوم ظاهرة الانتماء إذ ضمّن جذري (الانتماء) معاني أصيلة في تلك الظاهرة؛ فالزيادة في المنزلة والرفعة في الشأن والنهوض للأمر الشريف معانٍ تمنح صاحبها شعور الطمأنينة، والتوالد والحركة والانتشار وإضافة الشيء إلى الشيء معانٍ لازمة لظاهرة الانتماء بصفتها ظاهرة متطورة بالجدل الإنساني، وأمّا المعنى السابع فهو مثير بايحاء استمرارية ظاهرة الانتماء، ومقاومتها للهلاك.
(الصيغ المزيدة لجذريّ الانتماء) والصيغة الزمنية لجذري الانتماء جاءت مزيدة بحرف وبحرفين، ومتحفظة بمعنى الزيادة في كلّ. والمزيدة بحرف جاءت على (أَفْعَل) و(فَعّلَ)، والمزيدة بحرفين جاءت على وزن (تَفَعّل) و(افْتَعَل).
أما المزيدة بحرف فصيغتاها (أَنْمَى ونَمَّى) تتفقان في المعنى حيناً وتفترقان حيناً آخر، فمن الاتفاق قولنا (أَنْمَيْتُ الشيء ونَمَّيتُه: جعلته نامِياً)(( ))، و(أنميته (الحديثَ): أذعته على وجه النميمة... ونَمّيْتُه، مُشَدّداً أيضاً: بلّغته على جهة النميمة والإشاعة)(( ))؛ ومن الافتراق قولنا من (أنمى) إذا كثرت نوامي الكرم: (أَنْمَى الكرْمُ) (( )) وقولنا من نَمّى: (نَمّيتُ النار تَنْميةً: إذا ألقيت عليها حطباً، وَذَكْيُتُها به)( ).
وأمّا المزيدة بحرفين فصيغتاها (تَنَمَّى) و(انتَمَى)، وهما -أيضاً- تتفقان في المعنى حيناً وتفترقان حيناً آخر؛ وقد جاء الاتفاق في عبارة اللسان (انتمى البازيّ والصقر وغيرهما، وتَنَمّى: ارتفع من مكان إلى آخر) (( )). ومن الافتراق اختصاص صيغة (تَنَمّى) بمعنى (اعتمد)، وشاهده (قول الأعْشى:
لا يَتَنَمَّى لها في القَيْظِ يَهْبِطُها
إلاّ الذيّنَ لَهُمْ فيما أتَوْا مَهَلُ

قال أبو سعيد: لا يعتمد عليها)(( )) ؛ وصيغة (انتمى) بمعنى أبعدَ: (يقال: قد انتمت الماشية في مرعاها، أي: أبعدتْ. حكاها أبو عمرو. ويقال للراعي ألا تَنْتَمي بإبلك، أي: تتباعد بها)(( ))
إن استمرارّية معنى الزيادة في الصيغ الزمنية لجذري الانتماء توحي، بمعنى أصيلٍ لاحظناه فيهما ألا وهو التطوّر بالإضافة إلى الأصل وليس بإلغائه. وأمّا ظاهرة الاتفاق والافتراق في معاني تلك الصيغ فتدل دلالة عميقة على أن المنتمين إلى رابطة إنسانية معينة يتقاربون، ولا يتطابقون، في مشاعرهم وأفكارهم. وهذه الظاهرة ليست خاصة بصيغتي المزيد بحرف أو المزيد بحرفين بل نجدها شاملة لصيغ المجرّد والمزيد شمولاً يدل على أصالتها، وعلى معرفة الجاهلي لطبيعة العلاقات بين المنتمين إلى رابطة إنسانية معينة، وتمثّل لذلك الشمول بمجيئ (فَعَل وأَفْعَل، وأفْتَعَلَ) بمعنى الانتساب إلى الأجداد والارتفاع إليهم وبهم؛ فمنَ الأول (فَعَل) قول زهير بن أبي سُلمى:(( ))
يَنْمي إلى ميراثِ والدِهِ
كلُّ امرئٍ لأُرومَةٍ يَنْمِي

ومن الثاني (أفْعَل) قول زهير أيضاً يمدح حصناً(( )):
حُذيْفَةُ يُنْمِيهِ وَبدْرٌ كِلاهُما
إلى باذِخٍ يَعْلُو عَلَى مَنْ يُطَاوِلُهْ

ومن الثالث (افْتَعَل) قول دريد بن الصمّة، وقد جمع بين (انتمى) و(نَمَى)(( ))
ولكنّني أَحْمِي الذّمارَ وأَنْتَمي
إلى سَعْي آباءٍ نَمَوا شَرَفي قَبْلي

ومثله قول ضرار بن الخطاب الفهري(( )):
إنّي لأنْمِي إذا انتميتُ إلى
حيّ كِرامٍ وَمَعْشَرٍ صُدُقِ

(لفظة الانتماء) إن لفظة (الانتماء) مصدر انتمى ينتمي، هي بيت القصيد في هذه الدراسة إذ تحمل المعاني الأصيلة في ظاهرة الانتماء وقد وقفنا آنفاً على معنين هما:
1-الارتفاع بالانتساب إلى الأجداد والأمجاد، وقد جاء في اللسان: (انتمى فلان إلى فلان إذا ارتفع إليه في النسب) (( )). والانتساب إلى الأجداد هو الرابطة الرئيسة في ظاهرة الانتماء، وعظمة الأجداد الأماجد ترفع منزلة أبنائهم وتمنحهم الثقة الدافعة إلى الفخر والاعتداد بالنفس وبالآباء كالذي رأيناه في بيتي دريد وضرار السابقين.
2- الإبعاد في المرعى، وهو دليل على الثقة بالنفس في المجتمع الجاهلي، فالأقوياء هم الذين يبعدون في الرعي إذ لا يخافون الغزو، ولا استلاب العدو لأموالهم. ويضاف إلى المعنين السابقين ما يلي:
3-تقريب الشيء إلى الشيء في قول الطفيل الغنوي(( )):
أَرَى إبلي عافَتْ جَدودَ فَلَمْ تَدُقْ
بها قَطْرَةَ إلاّ تَحِلْهَ مُقْسِم

وبُنْيَانَ لَمْ تُورَدْ، وقد تَمَّ ظمؤْها
تُراحُ إلى جَوّ الحياضِ وتنتمِي

وقد فسر شارح الديوان تنتمي بـ (ترفع إلى هذه الحياض). والرفع في اللسان (تقريبك الشيء من الشيء) (( ))، والانتماء ظاهرة يتقارب المنضوون تحت لوائها.
4-الهمة العالية في قول الخنساء ترثي صخراً:
"فنالَ التي فوقَ أيديهمُ

مِنَ المجدِ ثُمَّ انتمى مُصْعِدا

انتمى مصعدا، أي: عالياً للأمور)(( )) ولا يكون ذلك إلا بكثيرة الأفعال المجيدة التي لا تكاد تتحقق في المجتمع القبلي إلا في ظلّ الانتساب (الانتماء) إلى أجداد أماجد.
5-الارتفاع من مكان إلى آخر في قول أبي ذؤيب الهذلي(( )):
تًنَمّى بها اليَعْسُوبُ حتّى أقَرَّها
إلى مَألفٍ رَحْبِ المباءَةِ عاسِلِ

فاليعسوب ترفع بالنحل حتى أنزلها مكاناً تألفه، رحباً صالحاً لجني العسل. وجاء التعبير عن الارتفاع من مكان إلى آخر بالانتماء أيضاً في (قول ساعدة بن جؤية:
فبيناهُمُ يَتّابَعُونَ لِيَنْتَمُوا
بِقُذْفٍ نيافٍ مُستَقِلٍّ صُخورُها

أراد: ليصعدوا إلى ذلك القُذف" (( )). ولكن الانتماء ليس ارتفاعاً عالياً بالضرورة فقد يكون يسيراً، كقولنا (انتمى فلان فوق الوسادة. ومنه قول الجعدي:
إذا انتَمَيا فوقَ الفِراش عَلاهُمَا
تَضَوّعُ ريّا ريح مِسْكٍ وعنبر)( )

إنّ الانتماء فوق الوسادة أو الفراش يوحي بنقيض الارتفاع؛ ألا ترى أن قولك لمن يفترش الأرض (اتتم فَوْقَ الفراش) يعني الارتفاع اليسير، وأنّ ذلك القول يعني النزول إذا كان المخاطب واقفاً؟! فاجتماع الضدين: الارتفاع والنزول من مكان إلى آخر في لفظة (الانتماء) -ينسجم مع خصائص ظاهرة الانتماء، فالانتماء يمنح الفرد المنتمى منزلة عالية أو يسيرة بل قد يكون سبباً في صنعة منزلة المنتمي. واجتماع هذين الضدّين (الارتفاع والنزول) في لفظة الانتماء يوجه الأبصار نحو معنيين آخرين في تلك اللفظة، يشكّلان الجانب السلبي في معانيها، وهما:
6-الانكسار: هذا المعنى هو ضد الارتفاع؛ فالأغصان قد ترتفع عالياً أو تنكسر (تميل) نحو الأسفل بالنمو، والإنسان قد ينتمي بالأمور عالياً مفصحاً عن همّهِ متوثبة أو ينتمي بها متطامنا، وقد انكسرت حدته، وخفّ غلوائه، وهذا المعنى الأخير نلحظه في قول الأعشى يتهدد يزيد بن مهر الشيباني(( )):
أبا ثابتٍ أو تَنْتَمُونَ فإنّما
يَهيمُ لِعَيْنَيِهِ مِن الشّرّ هائِمُ

فـ (أو ينتمون) هاهنا تعني: اكسروا من حِدّتكم.
7-تبليغ الحديث على وجه الإساءة: قال بشر بن عُلَيق الطائي يهجو بني عاملة(( )):
أعَامِلَ ما بالُ الخنا تَقْذِفُونَهُ
مِنَ الغَوْرِ مُسدْىٌ بالقوافي ومُلْحِما

بُنَيَّ الرّقَاعِ ما لِقَولِكَ يِنْتَمِي
وكنتَ أَحقَّ الناسِ ألا تكَلّمَا

فقوله (ينتمي) ها هنا لا يعني تبليغ القول فقط بل يعني تبليغ القول المسيء، وهذا الحرف لم تثبته المعاجم بل أثبتت (نَمَّيْتُ الحديث تنميةً إذا بلّغته على وجه النميمة والإفساد)(( ))، وكذلك أنميت الحديث (أذعته على وجه النميمة)(( )) وضد ذلك كلّه قولنا: (نَمَيْتُ الحديث: بلّغته على جهة الإصلاح)(( )).
إن المعاني الإيجابية والسلبية في لفظة (الانتماء) -وكذلك في الألفاظ التي تلتقي معها في الاشتقاق -أمرٌ عرفة الجاهلي بدليل استخدامه تلك اللفظية في تراكيب تحمل تلك المعاني، وهذا الاستخدام يدل على دقّة لفظة (الانتماء) في التعبير عن الظاهرة التي هي موضوع هذه الدراسة؛ فالانتماء في إدراك الجاهلي ليس خيراً مطلقاً، وليس شراً مطلقاً أيضاً، ولكنه ظاهرة يجتمع فيها الخير والشّرُّ، ولكن كثرة استخدام المعاني الايجابية ترجح غلبة جانب الخير على الشر في ظاهرة الانتماء.
إنّ معاني لفظة (الانتماء) والألفاظ التي تلتقي معها في الجذر الثلاثي تظهر إدراك الجاهلي بأن الأصل في (الانتماء) هو الزيادة والكثرة الماديتان، ولكنّ الجاهلي طوّر ذلك الأصل اللغوي، فعبّر به عن الجبر والاختيار، وعن التنوع في إطار الوحدة، وعن معانٍ إنسانية أخرى تؤكد استمرارية ظاهرة الانتماء، وترفع شأن الإنسان غالباً بصفته منتمياً إلى رابطة إنسانية معينة. وقد تطورت تلك المعاني الإنسانية تطوراً يوافق حقيقة التطور في ظاهرة الانتماء، فرأينا بعض المعاني الجذر الثلاثي الجزئية تتنقل إلى الفعل المزيد بحرف، والمزيد بحرفين كمعنى زيادة المنزلة بالانتساب إلى الآباء والأمجاد، وظهرت معانٍ ضدّية كالارتفاع والانكسار، وعلو المنزلة وضعتها(( )).
جاء في اللسان: (وكلّ ارتفاع انتماء(( ))، فهل كلّ انتماء ارتفاع؟! لا ولكن بماذا سيجيب الجاهلي لو وُجّه إليه السؤال السابق؟ إن خمسة الفصول التالية هي محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، وعن غيره من التساؤلات المتعلقة بانتماءات الجاهليين.






الفصل الأول

الانتماء النّسبِيّ الصريح

ذهب القدماء من علماء الأنساب العرب إلى انقسام عرب الجاهلية إلى أصلين، تفرّعت عنهما القبائل العربية، وهما: القحطانيون والعدنانيون. ولكن نقداً كثيراً انصبّ على نظرية الأنساب العربية، فكان الشكّ في انقسام العرب إلى قحطانيين وعدنانيين، وفي كثير من تفرعات كلّ أصل منهما. واستدعى ذلك الشكّ ردوداً بأقلام، رأى أكثرها صحة أغلب ما ذكره علماء الأنساب العربية في مؤلفاتهم، وأقوالهم المبثوثة في كتب التراث الأدبية والتاريخية(( )) .
إن جدل الآراء الخاصة بالأنساب العربية في الدراسات الحديثة يشبه في شدته جدل الآراء التي احتدمت حول نسبة الشعر الجاهلي إلى عصره، ولما كانت معركة توثيق الشعر الجاهلي قد آلت إلى صحة نسبة أكثره إلى الجاهليين فإنّ نظرية الأنساب العربية قادرة على الصمود أمام النقد لأن الشعر الجاهلي يتضمن بُنْياتٍ نسبية كثيرة، صحتها تماثل صحة نسبة الشعر الجاهلي إلى أهله.
وقد يذهب قائل إلى نفي الحقائق النسبية الواردة في الشعر الجاهلي، فيرى أنّها لا تعبر عن روابط قربى دموية بل عن روابط اجتماعية اكتسبت بمرور الزمن صفة القرابة الدموية الثابتة. ولكن هذه الدراسة الأدبية غير معنية بتقصّي صدق تلك المقولة أو عدم صدقها إلاّ في ميدان الشعر الجاهلي والأخبار المتعلقة به، وبعيداً عن الدراسات الخاصة بالتاريخ البدائي للجنس البشري؛ فهي دراسات لا يصح أن تعمّم نتائجها على الإنسان الجاهلي.
إن استقراء الشعر الجاهلي يؤكّد أن روابط القرابة الدموية هي عماد الأنساب الواردة فيه، وهي أنساب تبلغ عندهم درجة الحقائق الثابتة التي يقرّها المجتمع، ويقيم علاقاته الإنسانية على أساسها؛ فهو مجتمع قبائل أبوّية، لا يتأتّى وجودها إلا بوجود النسب الذي تقوم على أساسه الفواصل والروابط بين تلك القبائل(( )) ولكنّ تلك الحقائق النسبية لا تستطيع أن تطمس جميع المعالم السابقة للعصر الجاهلي، فقد رشح إلينا ما يشير إلى الطوطمية في قول عمرو بن شأس الأسدي(( )):
ونحن بنو خَيْرِ السّباعِ أكِيْلةً
وَأحْرَبِهِ، إذا تَنَفّسَ عادِيا

بنو أَسَدٍ، وَرْدٌ يَشُقُ بنانهِ
عِظامَ الرّجالِ لايُجيبُ الرَّواقيا

فهذا الشعر يعني -إن كان قول ابن شأس على الحقيقة- أن الشاعر يعتقد بصلة ما بين قومه والأسد:
طوطمهم المقدس الذي أعطاهم اسمه. ولعل ندرة الإشارات الطوطمية الصريحة في الشعر الجاهلي، إذ لم أقف على غير الإشارة السابقة، تدفع إلى إهمال الحديث عن النسب الطوطمي في الشعر الجاهلي. وتلك الندرة تقابلها وفرة في الأشعار التي تؤكد وجود ظاهرة الأمومة، وهي وفرة تحتم دراسة تلك الظاهرة إلى جانب ظاهرة الأبوة في الشعر الجاهلي.
وأعتقد أن دراسة شاملة للانتماء النسبي الصريح في الشعر الجاهلي يجب أن تتجاوز جداول الأنساب الجاهلية التي رصدها العرب القدماء، فتلك الجداول جنحت إلى ذكر أنساب سراة العرب وأهملت عامتهم، ومن اليسير إثبات ذلك بمقارنة بين عدد أفراد بعض القبائل التي شاركت في فتح مكة سنة (8هـ) وعدد أفرادها المذكورين في كتب الأنساب، فقد ذكر (ابن إسحاق) أن مقاتلي بني سليم المسلمين يوم فتح مكة كانوا سبعمائة (وبعضهم يقول: ألفت سُليم وألفتْ مزينة)(( )) ولو أردنا أن نستقصي أسماء بني سُليم وبني مُزينة المذكورين في كتب الأنساب لوجدنا أنهم أقل من ذلك بكثير.
ويراد بالنسب الصريح عند العرب الجاهلية أن ينتمي الإنسان إلى سلسلتي نسب قبلي، عربي متعارف عليهما من جهتي الأب والأمّ، فصراحة النسب تكتسب بالأبوة والأمومة العربيتين معاً، فهل يعني ذلك أن النسب الجاهلي الصريح يتجاوز حرفية مفهومي أسرة الأبوة، وأسرة الأمومة(( ))؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تتم ببيان مظاهر الانتماء إلى الأبوة وإلى الأمومة في النسب الصريح ثم ببيان انتماء الصرحاء إلى أسرهم في ظلال الأبوة والأمومة معاً.
1- أبوّة الصّرحاء
1-الانتساب إلى الآباء
إنّ انتساب الصرحاء إلى آبائهم في الجاهلية أمر شائع، فلكلّ قبيلة أب تنحدر منه (ثم يتوالى أبناؤه وأحفاده الذكور بعده، وبهم يقوم عمود النسب في هذه القبيلة، وقد تكون هذه القبيلة نواة لقبائل أخرى تتفرع عنها، وتتوالد بدورها منقسمة إلى عشائر وبطون، وكلّ ذلك يتم عن طريق الأبناء الذكور المنحدرين من الجدّ الأول مؤسس القبيلة)(( )) وكان الجاهلي الصريح يحرص على معرفة آبائه، ويتفاخر بذلك، كقول عمرو بن كلثوم(( )):
أنا ابنُ كلثومٍ وجَدّي عَتّابْ

وذلك الحرص لا يقتصر على الآباء القريبين بل يتعداهم إلى أجداد موغلين في القدم كقول حسّان بن ثابت منتسباً إلى الجدّ الأعلى لقبيلته الخزرج(( )):
مَنْ يَكُ عَنّا مَعْشَرَ الأَزْدِ سَائِلاً
فَنَحْنُ بنو الغَوْثِ بنِ زَيْدِ بنِ مالكِ

لزيدِ بنِ كَهْلانَ الذي نَالَ عِزُّةُ
قديماً دَرَارِيَّ النُّجومِ الشّوابكِ

وقد انتسب بعضهم إلى عرق الثرى، وهو آدم عليه السلام في شرح التبريزي لقول مُتَمّمُ بنُ نُويرةَ اليربوعي التميمي(( ))
فَعَدَدْتُ آبائي إلى عِرْقِ الثّرَى
فدعوتُهُمْ، فَعَلِمْتُ أنْ لم يَسْمَعُوا

وكذلك حرص الجاهلي الصريح على معرفة أنساب غيره من الصرحاء، كقول لبيد بن ربيعة يفخر بقومه بني جعفر بن كلاب العامريين، ويشبههم بأسرتي رجلين من تميم(( )):
يَحْمِلْنَ فتيانَ الوغَى مِنْ جَعْفَرٍ
شُعْثاً كأنْهُمُ أُسُودُ الغابِ

يَرْعَونَ مُنْخَرِقَ اللّديدِ كأنّهُمْ
في العزّ أُسرَةُ حاجِبٍ وَشِهابِ

ويشبه ذلك قول المثقب العبدي يصف ظعائن(( )):
ظَعَائِنُ لا تُوفِي بهنَّ ظعائنٌ
ولا الثّاقِباتُ من لُؤَيّ بنِ غالبِ

ولا ثَعْلَبِيّاتٌ حَلَلْنَ عُبَاعِباً
ولا أُسْرَةُ القَعْقَاعِ مِنْ رَهْطِ حاجبِ

إن الشعر الجاهلي زاخر بالشواهد الدالة على معرفة الصرحاء نسبَهم الأبويّ، وهي معرفة نَسبِيّة شائعة وتدل على أن انتساب الصرحاء إلى آبائهم له وجود موضوعي متعارف عليه بينهم(( )).
وتتسع دلالات الألفاظ الخاصة بالنسب الأبويّ اتساعاً يوحي بعمق الإحساس بقرابة النسب الأبوي، وشدّة التعلق به، فقد عبر الجاهليون عن معنى لفظة الأجداد بلفظة الآباء، كقول لبيد بن ربيعة يخاطب بعض أبناء عمومته(( )):
أَبُونا أَبُوكُمْ والأَوَاصِرُ بَيْنَنَا
قريبٌ، ولم نَأمُرْ مَنيعاً لِيَأْثَمَا

وقول عمرو بن كلثوم التغلبي منوّهاً باجتماع تغلب وبكر على بعض قبائل اليمن(( )):
وكُنّا الأَيْمَنينَ إذا التَقَيْنا
وكانَ الأَيسَرُونَ بني أَبيْنا

وكانوا يدّعون البُنُوّة لأجدادهم كقول سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة منتمياً إلى جدّ أبيه(( )):
مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانها
فَأَنا ابنْ قَيْسٍ لا بَراحُ

ومثله قول خداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر(( )):
أبي فارسُ الضَّحْياء عمرو بنُ عامِرٍ
أبَى الذّمَّ واختارَ الوفاءَ على الغَدرِ

وكانت العرب (تجعل الأعمام كالآباء)(( )) ويؤكد هذه المقولة شواهد منها قول عامر بن الطفيل مفتخراً بأبيه،وعمّه أبي براء معاً(( ))
فَأنا المُعَظّمُ وابنُ فارسِ قُرْزُلٍ
وأبو بَراءٍ زَانَني ونَمَانِي

وكذلك أطلق لبيد بن ربيعة وصف الأبوة على أعمامه الذين كفلوه بعد مقتل أبيه وذلك في قوله(( )):
وَأَنْبُشَ مِنْ تَحْتِ القبورِ أُبُوّةً
كِراماً هُمُ شَدّوا عليَّ التّمائِما

لَعِبْتُ على أَكْتافِهِمْ وحُجُورِهمْ
وليداً وَسَمَّوْني مُفِيداً وَعَاصِما

وذكر عوف بن الأحوص في شعر له أنه ابنٌ وحليفٌ وناصر لأعمامه بني كعب بن ربيعة(( )). ولاغرو -والحال كذلك- أن يعبروا عن القرابة بين أبناء العمّ، ولو كانوا أباعد، بألفاظ الأخوة، كقول الحارث بن حلزة البكري مخاطباً الأرقم من تغلب(( )):
إنّ إخوانَنَا الأَرقِمَ يَغْلُو
نَ علينا، في قِيْلِهِمْ إحْفَاءُ

وبمثل ذلك خاطب الأعشى، وهو من بني سعد بن ضبيعة، بني عِباد ومالك ابني ضبيعة(( )).
لقد أكثر الصرحاء من إطلاق ألفاظ الأخوة على أبناء العمومة(( ))، فكان مألوفاً أن يرى الجاهلي الصريح أن أبناء عمّه هم قومه، سواء أكان نسبهم قريباً كما في قول العباس بن مرداس السلمي يخاطب رهط ابن عمّه خُفاف بن نُدْبة(( )):
أراني كلّما قاربتُ قومِي
نَأوا عنّي وقطعهم شديد

أم كان نسبهم بعيداً كما في قوله يخاطب بني نصر بن معاوية بن هوزان(( )):
أبى قومُنا إلاّ الفرارَ ومَنْ تكنْ
هَوازنٌ مولاهُ من الناسِ يُظْلَمِ

وفي قول بشر بن أبي خازم الأسدي(( )): (كنانَةُ قومُنا).
وعبّر عَبد يَغُوث بن وقّاص الحارثيّ، وقد أسر يوم الكُلاب الثاني، عن الجماعة الأبوية بلفظة الأخ في قوله(( )):
أَلَمْ تَعْلَمَا أنَّ الملامَةَ نَفْعُها
قليلٌ وما لومي أخِي من شِماليا

إن الدلالات اللغوية السابقة توحي بما استقرّ في عُرف الجاهليين من تعظيم لصلات الانتماء إلى النسب الأبوي الصريح ومن اهتمام بمعرفتها وهو انتماء قسريّ، ولكنّه محبب إلى النفوس؛ فهو الملاذ الأكثر أهمية في مجتمع الجاهلية القبلي المفتقر إلى الدولة المركزية، لأنه ملاذ يمنح المنتمين إليه الحماية والرعاية.
2-الحماية والتناصر
إن سلوك الجاهلي الصريح وشعوره يرتبطان ارتباطاً كبيراً بنسبه الأبوي، فقومه جبال يأوي إليها(( ))، وهم أظفاره ودعائمه(( ))، وبهم يمتنع من الضيم، ويقهر الخصوم. يقول لبيد بن ربيعة(( )):
إنّي امرؤٌ مَنَعَتْ أَرومَةُ عامِرٍ
ضَيْمي، وَقدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومُ

جَهَدوا العداوةَ كلَّها فَأَصَدَّها
عني مَنَاكِبُ عِزُّها مَعْلُومُ

ومنهم يستمد القوة الموصلة إلى الأمجاد، يقول دريد بن الصمّة(( )):
وَلَكِنّي كَرَرْتُ بَفَضْلِ قَوْمِي
فَجُدْتُ بِنِعْمَةٍ وَحَوَيْتُ بَاعَا

وبهم يُهَدّدُ الأعداء، كقول دريد بن الصمة وقد أوعده بنو عامر أن يأخذوا إبله(( )):
أَوْعَدْتُمُ إبلي كَلاًّ سيمنَعُها
بَنُو غَزيّةَ لا مِيلٌ ولا عُورُ

وقول بشر بن أبي خازم، وقد توعده أوس بن حارثة الطائي(( )):
أتُوعِدُني بِقوَمِكَ يا بْنَ سُعْدى
وَذَلكَ مِن مُلِمّاتِ الخُطُوبِ

وحولي مِنْ بَني أَسَدٍ حُلولٌ
مُبِنٌّ بَيْنَ شُبّانٍ وشِيْبِ

إن إقامة الجاهلي الصريح بين قومه تكسبه المنعة، وتدفع عنه الظلم، فحاتم الطائي لا يعطي الملوك ظلامه- وأحرِ به ألاّ يعطي غيرهم -ما دام وسط رهطه وعشيرته، يقول(( )):
وأَقْسَمْتُ لا أُعْطِي مَلِيكاً ظُلامَةٌ
وَحَوْلِي عَدِيٌّ: كَهْلُها وغرِيرُها

أبَتْ لِيَ ذا كمْ أُسْرَةٌ ثُعَلِيَّةٌ
كَريمٌ غِناها، مُسْتَعِفٌّ فَقيرُها

وكان الجاهلي الصيح يُوقن أن عَصَبَته تخفّ إلى نجدته لو دعاها، يقول الأفوه الأودي (( )):
وَسَعْدٌ لَو دَعوْتَهُمُ لَثَابُوا
إليّ حَفَيفَ غابِ نَوىً بِأُسْدِ

وكان الجاهليون الصرحاء يفخر بعضهم بنجدة بعض، ففي يوم (الهذَيل) أغار الهذيل بن هبيرة التغلبيّ على ضبّة والرباب فأنجدهما بنو سعد بن زيد مناة -وضبة والرباب وسعد يرجعون إلى أدّ بن طانجة -فقال سلامة بن جندل(( )):
وتغلبُ، إذ حربُها لاقحٌ
تُشَبُّ، وتُسعَرُ نيرانُها

غداةَ أتانا صريخُ الرِّبابِ
ولم يكُ يَصْلُحُ خِذلانُها

صريخٌ لِضَّةَ يوم الهُذَيْلِ
وَضَبَّةُ تُردَفُ نِسوانُها

تَدَاركَهْم، والضحُّى غدوةٌ
خَناذيدُ تُشْعَلُ أعْطَانُها

بأسْدٍ من الفِزْر غُلْبِ الرّقابِ
مصاليتَ لم يُخْشَ إدهانُها

وفخر عمرو بن معد يكرب بأنّه استجاب إلى استغاثة أسرى من قومه، فقاتل حتى افتكّهم(( )).
وكانت الخلافات بين أبناء النسب الأبوي تتراجع أمام واجب المناصرة؛ فقد تغاضى الربيع بن زياد العبسيّ عن خلافه مع قيس بن زهير العبسي، فأتى إليه، وعاقده على حرب بني ذبيان إذ قتلوا مالك بن زهير، وفي ذلك يقول الربيع(( )):
فإنْ تَكُ حربُكُمْ أمستْ عَواناً
فإنّيَ لم أكُنْ مِمّنْ جّناها

ولكنْ وُلْدُ سَوْدَةَ أرّثوها
وَحَشُّوا نارها لِمَن اصطلاها

فإنّي غيرُ خاذلكمْ ولكنْ
سَأسْعَى الآنَ إذْ بلَغَتْ مَداها

وادّعى أبو شهاب المازني الهذلي أن قومه أقرباء أول مقاتل من بني أعمامهم يحضر الحرب معهم. وكأنّ التخلّف عن نصرة بعضهم بعضاً ينفي صلة القرابة العَصَبية، وذلك في قوله يصف بطلاً من قومه(( )):
ونحنُ لَدَيْهِ نَضْرِبُ القومَ إنّنا
بَنُو عَمٍّ أُولانَا إذا مانُنَاكِرُ

والصرحاء ينصحون بالدفاع عن العشيرة(( ))، ويمدحون من يخف إلى نجدة عصبته، فيعين أبناء عمّه، ويشاركهم تحمّل المسؤوليات. يقول أبي ضبٍّ الهذليّ يصف فتىً(( )):
أَشَارتْ لَهُ الحربُ العَوَانُ فَجَاءَها
يُقَعْقِعُ في الأَقْرابِ أوّلَ مَنْ أتَى

ولمْ يَجْنِها لكنْ جَنَاهَا وَليُّهُ
فَآدَى وآسَاهُ ، فكانَ كمنْ جَنَى

إن تناصر أبناء النسب الأبوي يمنحهم الشعور بالأمان، ولذلك كانت نفس الجاهلي الصريح تفيض بالأسى إن ظلمه أبناء عمّه، وفي ذلك يقول طرفة(( )):
وظُلْمُ ذَوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً
على المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنْدِ

وكانت مشاعره تتجه نحو أقاربه إن دَهمته الأخطار، ولو كان بينه وبين بعضهم عداوة؛ فصخر الغيّ الهذليّ أغار على بني المصطلق من خزاعة، فأحاطوا به، جرح جرحاً مميتاً، فاستبطأ أصحابه، وتذكر بطون هذيل، وبينه وبين بعضها عداوة، كبني كبير، في أشعار منها(( )):
لَوْ أنّ أَصْحَابي بِنُو مُعاوِيهْ
أَهْلُ جنُوبِ نَخْلَةَ الشّآمِيَهْ

ورَهطُ دُهْمانَ وَرَهْطُ عادِيَهْ
وَمِنْ كَبيرٍ نَفَرٌ زَبَانِيَهْ

لَبُزِلَتْ حَوْلِي عُرُوقٌ آنِيَهْ
ما تَرَكُوني للذئابِ العَاوُيهْ

وحرصَ الصرحاءُ على إذاعة أخبار تناصرهم، فنصرة بعضهم بعضاً مفخرة يُعتز بها، ومن ذلك أن بني سُليم وادعت بني سهم الهذليين، ثم أراد السلميون أن يغزو بني لحيان الهذليين، فجمع معقل بن خويلد السهمي لبني لحيان ألف رجل من بني سهم، فقالت بنو سليم لمعقل: أتريد أن تنصر بني لحيان علينا، وبيننا وبينكم ما قد علمتم؟ فقال لهم معقل: وهل يُسلم القومُ بني عمّهم؟ إنْ تقصِروا عنهم فنحن ماكُنا عليه، وإن تقاتِلوهم لا نخذلهم، فانصرف القوم عنهم، وقال في ذلك معقل(( )):
تقول سليمٌ سالمونا وحاربوا
هذيلاً ولم تطمعْ بذلك مطمعا

فأمّا بنو لحيانَ فاعلمْ بأنَّهُمْ
بنو عَمِّنا من يَرْمِهِمْ يَرْمِنا معا

بنو عَمّنا جاءوا فَحلّوا جنابنا
فمنْ ساءَه فسيء أنْ نتجمعا

وإنّ خُذُوليهم على أنْ أمِدَّهُمْ
بألفِ إذا ما حاولوا النصرَ أَقْرَعَا

أخونا ومَنْ أخاهُ مُحَارِباً
يَذَرْهُ لمرِّ الحادثاتِ بِأَجْرَعَا

وكان الصرحاء يؤلمهم جحود المنتصرِ لهم، فيسارعون إلى بيان فضل النصرة كقول عمار بن الكاهن الصموتي الكلابي يمنّ على ابن عمه عقيل بن الطفيل، ويلومه على جحوده، وكان عمار ساعد عقيلا على النجاة يوم النُتَأة(( )):
مَنَعْتُ عقيلاً والرماحُ تَنُوشُني
جَهَاراً فما أَثْنى عَلَيَّ عقيلُ

فلو قالَ خَيْراَ أو ثَنَاءُ حَمِدْتُهُ
وقلتُ: ابنُ عمٍّ قد جَزَى وخليلُ

فلولا ابتِغَائي الحَمْدَ قاظَتْ نِساؤُهُ
أيامى وفي أجوافِهِنَّ غليلُ

لَقَاظَ أسيراً أو لَجَرَّتْ عِظامَهُ
إلى الغارِ دَرْماءُ اليدينِ ذَؤولُ

وفخر الشعراء بقيام قبيلتهم وحدها بالأعباء الملقاة عليها وعلى أبناء عمومتها، ومن ذلك فخر بشر بن أبي خازم الأسدي؛ فبنو أسد بن خزيمة قاموا بأعباء امتلاك المراعي، وكفوا بني كنانة بن خزيمة ذلك، يقول بشر(( )):
فَأَبْلِغْ إنْ عَرَضْتَ بِهِمْ رَسُولاً
كِنَانَةَ قَوْمنَا في حَيْثُ صارُوا

كَفَيْنا مَنْ تَغَيّبَ واسْتَبَحْنا
سَنامَ الأرضِ إذْ قَحِطَ القِطَارُ

وبرز في الشعر الجاهلي افتخار التجمعات القبلية الصغيرة بنصرة أصولها القبلية الكبرى. ومن ذلك فخر عمرو بن شأس الأسدي بأنّ رهطه بني سعد بن ثعلبة قد قاموا بأعباء الدفاع عن القبيلة كلّها، وذلك في قوله (( )):
بني أسَدٍ هل تعلمونَ بلاءَنا
إذا كان يومٌ ذا كواكبَ أشنعا

إذا كانتِ الحُوُّ الطِوالُ كأنّما
كساها السّلاحُ الأُرجُوانَ المُضّلْعا

نَذُودُ الملوكَ عنكمُ وتَذُودُنا
إلى الموتِ حتى تَضْبَعُوا ثم نَضْبَعَا

وَغَسَّانَ حَتْى أسلمتْ سَرواتُنا
عَدّياً وكانَ الموتُ في حيثُ أوْقَعا

ومنْ حُجُرٍ قد أَمكنتكُمْ رمَاحُنا
وقد سَارَ حَوْلاً في مَعَدٍّ وأوضَعَا

وكائن رَدَدْنا عنكمُ منْ مُتوَّجٍ
يجيءُ أمام الألفِ يَرّدي مقَنعَا

ضرَبْنا يديهِ بالسُيوفِ ورأسَهُ
غَدَاةَ الوغَى في النَّقْع حتى تكنّعَا

وكان الشعراء ينصرون قومهم بسيوفهم وألسنتهم، ومن ذلك قول بشامة بن الغدير مفتخراً بأنّه غضب لِنَسْلَي مضر: خندف وقيس(( )):
وَلَقَدْ غَضِبْتُ لِخنْدِفٍ وَلِقَيْسِهَا
لَمّا وَنَى عَنْ نَصْرِها خُذْالُها

دَافَعْتُ عَنْ أَعْراضِها فَمَنَعْتُها
ولَدَيَّ في أمثالِها أمثالُها

إنّي امرؤٌ أسِمُ القصائِدَ للعِدَى
إنّ القَصَائِدَ شَرُّها أَغْفَالُها

وكان الأخذ بالثأر من الدلالات البارزة على تناصر أبناء النسب الأبوي. وللثأر في المجتمع القبلي بعض المنافع (لأنه يكبح من جماح بعض الحمقى الذين تسيرهم شهوات القتل والقسوة) (( )). وإدراك الثأر يدفع الخزي عن قبيلة القتيل، فحين قتل نعيم بن عتاب عمرو بن واقد الرّياحيّ، وكان لقوم نعيم ثأر عند عتاب، قال نُعيم(( )):
ما زلتُ أرْميْهمْ بِثُغرَهِ
وَفارِسِهِ حَتْى ثَأَرْتُ ابنَ واقِدِ

أُحاذِرُ أن يُخْزَى قَبيلي وَيُؤثرُوْا
وَهُمْ أُسْرَتي الدُّنيا وأقْرَبُ والدي

والثأر واجب على أقرب الناس للقتيل فقيس بن الخطيم ثأر لأبيه وجده بنفسه، لأن ذلك الثأر مسؤوليته، في ذلك يقول(( )):
ثَأَرْتُ عَدِياً والخَطيمَ فَلَمْ أضِع
ولايَةَ أَشيْاءٍ جُعِلْتُ إزاءَها

وفي يوم الغدير حارب دريد بن الصمة الجشمي غطفان طلباً بثأر أخيه، فقال(( )):
فتلنا بِعَبْدِ اللهِ خَيْرَ لِدَاتِهِ
وَخَيْرَ شَبابِ الناسِ لو ضُمَّ أجمْعَا

ذؤابَ بنَ أسماءِ بنِ زيدِ بنِ قاربٍ
مَنِيَّتُهُ أَجرَى إليها وَأوْضَعَا

إنّ تحمّل أقرب الناس إلى القتيل واجب الثأر له لا يمنع مشاركة الأباعد من الأقرباء في إدراك الثأر، ففي يوم الغدير أيضاً ثأر دريد بن الصمة لأخيه كما ثأر لبني سُليم أبناء عمومة قبيلته هوزان، وفي ذلك يقول دريد(( )):
فَأبْلغْ سُليْماً وَألْفَافَها
وقد يَعْطِفُ النّسَبُ الأكبَرُ

بِأنّيْ ثَأرتُ بإخوانِكمْ
وَكُنْتُ كأنّيْ بِها مُخْفِرُ

صَبَحْنا فَزارَةَ سُمْرَ القنا
فَمَهْلاً فَزَارَةُ لا تَضْجَرُوا

وكان أبو ضبّ أخو بني لحيان الهذليين (لا يقتل مِنْ هُذَيْلِ قتيلٌ إلاّ قَتَل قاتِلَهُ)(( )) وهذا الخبر، على ما فيه من تهويل، يبرز أهمية النسب في التناصر. ونجد في الشعر تعظيماً لمن يثأر لقومه، كقوله رجل من بني لحيان يذكر فضل أبي ضب المذكور آنفاً(( ))
فِدىً لأبي ضَبٍّ تِلادِي فإنّنا
تَكَلْنا عليهِ دَاخلاً ومُجَاهِرا

إنّ موقف أبي ضبّ يظهر شدّة إحساسه بالمسؤولية الخاصة بنصرة عصبته، ويشبه ذلك الإحساس إعلان عبد هند بن زيد التغلبي أنّه يحمل نفسه مسؤولية الدفاع عن قبيلته حتى آخر رمق فيه. يقول عبد هند(( )):
ألا لَيْتَ شِعري مِنْ بَني الجَوْنِ مَالِكٍ
إذا متُّ مَنْ يَحْمِي ذِمَارَهُمُ بَعْدي

سَأَحْمِيْهُمُ ما دُمْت حَيّاً وإنْ أَمُتْ
يَقُومُوا على قَبْرِ امرئٍ فاجِعِ الفَقْدِ

وقد عزّ على بشر بن أبي خازم أن يموت ولما يشف قلبه من أعداء قبيلته، فأفصح بذلك عن إحساس عميق بالمسؤولية تجاه أقاربه في قوله(( ))
فَعَزّ عَليّ أنْ عَجِلَ المنايا
ولما ألقْ كَعْباً أو كِلاَبَا

ولما ألْقَ خَيْلاً من نُمَيْرٍ
تَضِبُّ لِثَاتُها تَرْجُو النّهَابَا

ولمّا تلتبسْ خيلٌ بِخَيْلٍ
فَيَطّعِنُوا ويَضْطرِبُوا اضْطرابَا

وفي مقابل ذلك كان خذلان بعض أبناء النسب الأبوي بعضهم الآخر أمراً معيباً، وموهناً لقوى الجماعة الأبوية، فالصريح يعزّ بابن عمّه، ويذلّ به، وفي ذلك يقول طرفة(( )):
وأعلمُ عِلْماً لَيْسَ بالظنِّ أنّهُ
إذا ذَلّ مَوْلَى المَرْءِ فَهْوَ ذَلِيلُ

وأظهر طرفة استياءه من قومه إذا أسلموه لعمرو بن هند، ولم يخفّوا إلى نصرته، ورضوا بذل التخلّي عن ابن عمّهم، في قوله(( )):
أَسْلَمَنِي قومي وَلَمْ يَغْضَبُوا
لِسَوْءَةٍ حَلْتْ بِهِمْ فادِحَهْ

ويشبه ذلك قول يزيد بن قنافة الطائي، وقد تخَلّى عنه ابن عمّه حاتم(( )):
لَعَمْرِي وما عَمْري عَلَيَّ بِهَيّنٍ
لَبِئْسَ الفَتَى المدْعُوُّ بالليلِ حَاتِمُ

وذكر القالي أن ثلاثة نفر من بني مازن خرجوا ليغيروا على بني أسد فقُتل واحد وجُرح آخر، ونجا الثالث متخلّياً عن رفيقه الجريح،وأتى قومه فأخبرهم أن رفيقيه قد قُتلا، ثم برأ الجريح ، وجاء القوم، فانسلّ الكذوب، فقال الجريح، وهو أوفى بن مطر المازني، أبياتاً يؤنّب فيها ابن عمّه، ومنها قوله(( )):
فَلَيْتَك لم تَكُ مِن مَازنٍ
وَلَيْتَكَ في الرِّحْمِ لم تُحْمَلِ

ولَيْتَ سِنانَكِ صِنّارةٌ
وليت رُمَيْحَكَ مِنْ مِغْزَلِ

واشتهرت أبيات قريط بن أنيف العنبري الذي ساءه ألاّ يغضب قومه له وقد استباح بنو ذهل بن شيبان إبله، فراح يفخر ببني مازن، وهم من أبناء عمومة قومه، نكاية ببني العنبر، قومه، وبعثا لهم على الانتقام. يقول قريط(( )):
لَوْ كُنتُ مِنْ مَازِنٍ لم تَسْتَبِحْ إِبِلي
بَنُو اللّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بن شَيْبَانا

إذاً لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ
عند الحفيظةِ إنْ ذُو لَوثةٍ لاَنَا

قَوْمٌ إذا الشَّرُ أبدَى نَاجذَيْهِ لَهُمْ
طَارَوا إليهِ زَرَافاتٍ ووُحْدَانا

لا يَسْألونَ أخاهُمْ حِيْنَ يَنْدبُهُم
في النّائِباتِ على ما قَالَ بُرْهَانا

لكِنَّ قَوْمِي وإنْ كانوا ذَوي عدَدٍ
ليْسُوا مِنَ الشّرّ في شيءٍ وإنْ هَانا

يَجْرُونَ من ظُلْمِ أهْلِ الظُلْمِ مَغْفِرَةً
ومِنْ إِسَاءَةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسَانا

كَأَنَّ رَبّكَ لم يَخلُقْ لِخَشيْتِهِ
سِوَاهُمُ مِنْ جَميعِ النْاسِ إنْسَانَا

والأدهى من الخذلان الوشاية بأبناء العم، ومهادنة الأعداء، أو مساعدتهم، فمن الوشاية قول الخرنق لعبد عمرو حين وشى بأخيها طرفة إلى عمرو بن هند(( )):
أرى عَبْدَ عَمْروٍ قد أشَاطَ ابنَ عمِّهِ
وأَنْضَجَهُ في غَلَيْ قِدْرٍ وما يدْري

ومن مهادنة الأعداء قول قيس بن عاصم المنقري يذكر سكوت بني يربوع عن غزو الحوفزان، الحارث بن شريك الشيباني لأبناء عمومتهم(( )):
جزى الله يَرْبوعاً بأَسْوَأ سَعْيها
إذا ذُكِرَتْ في النائِباتِ أمورُها

وَيَوْمَ جَدودٍ قَدْ فضحتُمْ أباكُمُ
وَسَالمُتمُ، والخَيْلُ تَدْمَى نُحورُها

ومن ممالأة الأعداء ومساعدتهم قول حاتم الطائي يخاطب بني جديلة الطائيين(( )):
متى تَبْغِ وُدّاً مِن جدَيلَةَ تَلْقَهُ
مع الشَّنْء منه باقيا مُتَأَثّرا

فإلاّ يُعادُونا جهارا تُلاقِهِمْ
لأعْدائنا رِدْءاً دَليلاً وَمُنذِرَا

إن الجماعات الأبوية تستاء من تخاذل أبناء عمّها مثلما يستاء الفرد الصريح من تخاذل أبناء عمه، ومن إلحاقهم الضرر به، ففي يوم التحاليق (يوم لبكر على تغلب) صبرت بكر كلها، وتقاعس بنو يشكر وبنو لجيم وبنو ذهل البكريون فهجاهم بذلك سعد بن مالك البكري(( ))، فالصرحاء لا يرون أي خير في قبيلة تُسلم أبناء عمّها، وفي ذلك يقول الأفوه الأودي(( )):
ما خَيرُ حِمْيَرَ أنْ تُسَلّمَ مَذْحِجاً
أو خيرُ مَذْحجَ أنْ تُسَلّمَ حِمْيرا

إنّ رابطة النسب الأبوي إذ توجب التناصر كانت تسهم في وجود تجمعات قبلية أبوية كبيرة تقف في وجه الأخطار المحدقة بها، وهي تجمعات تشمل جماعات قبلية أصغر منها، ولا تلغيها، ومن الشعراء الذين حملوا لواء الدعوة إلى مثل تلك التجمعات عمرو بن معد يكرب الزبيدي في قوله داعياً إلى تجمع بطون مدجج لمواجهة بني مَعَدّ(( )):
وأَوْدٌ ناصري وبنو زُبَيْدٍ
ومَنْ بالخَيْفِ مِنْ حَكَمِ بنِ سَعْدِ

لَعَمْرُكَ لو تَجَرّدُ مِنْ مُرادٍ
عرانينٌ عَلى دُهْمٍ وجُرْدِ

وَمِنْ عَنْسٍ مُغَامِرَةٌ طَحُونٌ
مُدَرّبَةٌ ومِنْ عُلَةَ بنِ جَلْدِ

ومِنْ سَعْدٍ كتائِبُ مُعْلِماتٌ
على ما كانَ من قربٍ وبُعْدِ

ومِنْ جَنْبٍ مُجَنّبَةٌ ضَروبٌ
لهامِ القومِ بالأبطالِ تُردي

وتُجمع مَذْحِجٌ فيرَئّسُوني
لأَبْرَأتُ المناهِلَ من مَعَدِّ

وكانت تجمعات النسب الأبويّ الكبير، على الرغم من تصارعها، إرهاصاً يؤذن بوجود الأمة التي تضم بين جناحيها تجمعات قبلية عديدة(( )).
3-الصراعات الداخلية:
إن حاجة أبناء الجماعة الأبوية إلى التناصر حَبّب إليهم تجَنّب الصراعات الداخلية، وقد عبر عن تلك الحاجة، وعن الرغبة في تجنب تلك الصراعات أوس بن حجر في قوله(( )):
يا راكباً إمّا عَرَضْتَ فَبَلّغَنْ
يزيدَ بنَ عَبْدِ اللهِ ما أنا قائِلُ

فقومُكَ لا تَجْهَلْ عليهمْ ولا تكنْ
لَهُمْ هَرِشاً تغتابُهُمْ وتُقاتِلُ

وما يَنهضُ البازي بغَيْرِ جَناحِهِ
ولا يَحْمِلُ الماشِينَ إلاّ الحوامِلُ

ولا سابقٌ إلا بساقٍ سَليمةٍ
ولا باطشٌ ما لم تُعِنهُ الأنامِلُ

ولذلك تخوّفّ أبناء النسب الأبوي من تفرّق جماعتهم، وضعف قواهم بالصراعات الداخلية، ومن ذلك التخوف قول قيس بن الخطيم(( )):
فَقُلْتُ لها: قَوْمي أخافُ عَلَيْهِمُ
تَبَاغِيَهُمْ، لأيُبْهِكُمْ ما أحاذِرُ

فلا أَعْرِفَنْكُمْ بَعْدَ عِزُّ وثَرْوةٍ
يُقالُ: ألا تِلْكَ النّبيتُ عَسَاكِرُ

فلا تَجْعَلُوا حَرْباتِكُمْ في نُحورِكُمْ
كما شَدَّ ألواحَ الرّتاجِ المَسَامِر

وقول الأعشى مخاطباً أبناء عمومته (( )):
فلا تَكْسِرُوا أَرْمَاحَكُمْ في صُدورِكُمْ
فَتغْشِمَكُمْ إنّ الرّماحَ مِنَ الغَشْمِ

ودعا عامر بن جوين الطائي قومه بني جديلة إلى مصالحة أبناء عمهم، والإقامة معهم، ورأى أنهم يفتقرون إلى العقل إذ يحاربون أبناء عمومتهم، ولهم يقول(( )):
لَقَدْ أَعجبْتُمُوني مِنْ جُسُومٍ
وأَسْلِحَةٍ ولكِنْ لا فُؤَادا

لقد أدرك العقلاء خطر الانقسام الناتج عن الصراعات الداخلية، ومنهم النابغة الذبياني الذي بكى على بني عبس حين فارقوا أبناء عمومتهم الذبيانيين بسبب حرب داحس والغبراء(( )):
أبلغْ بني ذُبْيَانَ ألاّ أخَالهُمْ
بِعَبْسٍ إذا حَلّوا الدّمَاخَ فَأَظْلَما

ولذلك كان التخوف من تفرق أبناء النسب الأبوي الواحد يدفع المنتمين إليه من التغاضي عن ظلم بعضهم بعضاً أحياناً؛ فقد تغاضى مرّة بن همّام الشيباني عن جرأة ابن عمّه عليه إبقاءً على وحدة العشيرة، وتجنّبا لايقاع الشرّ بينها، وفي ذلك يقول مُرّة(( )):
يا عَوفُ وَيْحَكَ فِيمَ تأخُذُ صِرْمتي؟
ولَكُنْتُ أسرَحُها أمامَكَ عُزَّبا

تا للهِ لَولا أَنْ تشَاءَى أَهْلُنا
-وَلَشرُّ ما قال امرؤُ أنّ يكذِبا-

لَبَعَثْتُ في عُرضِ الصُّرَاخِ مُفَاضَةً
وَعَلَوتُ أَجْرَدَ كالعَسِيبِ مُشَذّبا

ولكن العصر الجاهلي شهد صراعات مريرة وطاحنة بين جماعات تنتمي إلى نسب أبوي واحد، كحرب البسوس، وداحس والغبراء، وبُعَاث، فكان المتنوّرون من الصرحاء يميلون إلى فَضّ الخلافات الحاصلة بين أقاربهم، مُتعظين بمن سبقهم، فحين سعى دريد بن الصمة الجشمي في الصلح بين العباس بن مرداس وخفاف بن ندبة السُلميين، قال دريد مخاطباً بني سُليم وهم إخوة قومه هوازن(( )):
سُليمُ بنَ منصورٍ أَلَمّا تُخَبّرُوا
بما كان مِنْ حَرْبَيْ كُلَيبٍ ودَاحِسِ

وما كان في حَرْبِ اليَحَابرِ مٍنْ دَمٍ
مُباحٍ وجَدْعٍ مُؤلمٍ للِمَعاطِيسِ

وما كانَ في حَرْبَيْ سُلِيْمٍ وَقَبْلَهُمْ
بحَرْبِ بُعَاثٍ من هَلاكِ الفَوارِسِ

تَسافَهَتِ الأحلامُ فيها جَهَالَةً
وأضْرِمَ فيها كلُّ رَطْبٍ ويَابسِ

فَكُفُّوا خُفَافاً عنْ سَفَاهَةِ رَأيهِ
وَصَاحِبَهُ العبَّاسَ قَبْلَ الدَّهارِسِ

وإلاّ فَأنتمْ مِثْلُ مَنْ كانَ قَبْلكمْ
وَمَنْ يَعْقِلُ الأمثالَ غيرُ الأكايسِ؟


ودعوات التصالح بين أبناء العمومة المتخاصمين لم تصدر عن ضعف بل كانت وليدة قناعات بأهميتها وضرورتها، ولذلك لا نجد في الدعوة إلى التصالح استخذاء ولا استجداء بل نجد في الغالب إظهار القدرة على الحرب إن كان لا بدّ منها. ولا شك أن إظهار المقدرة الحربية هو ضمان لقيام علاقات متكافئة، تراعي مصالح الأطراف المتحاربة. ومن تلك الدعوات قول لبيد بن ربيعة مخاطباً بعض أبناء عمومته(( )):
وإنْ لم يَكُنْ إلاّ القِتَالُ فإنّنا
نُقاتِلُ مَنْ العَرُوضِ وخَثْعَما

وإذا وقع القتال بين أبناء العمومة، وقتل بعضهم بعضاً استوطن الأسى في نفوسهم وعن مثل ذلك يقول الحُصين ابن الحُمام مخبراً عن وقعة بين قومه وبني عمومتهم(( )):
ولمّا رأيتُ الوُدَّ لَيْسَ بنافِعي
وإنْ كانَ يوماً ذا كواكبَ مُظْلِما

صَبرْنا وكان الصَّبْرُ منّا سَجيَّةٌ
بأسيافنا يَقْطَعْنَ كَفّا وَمِعْصَما

يُفَلّقْنَ هَاماَ مِنْ رِجَالٍ أعِزَّةٍ
عَلَيْنا وَهُمْ كانُوا أعَقَّ وأظْلَما

وآلم قتيلة بنت الحارث العبدريّة أن يُقتل أخوها يوم بدر صبراً بأيدي أبناء عمه الهاشميين، فأنشدت أبياتاً منها قولها (( )):
ظَلتْ سُيُوفُ بني أبيه تَنُوشُه
للهِ أرحامٌ هُناكَ تَشَقّقُ

وحدّث قيس بن الخطيم عن وقعة مماثلة، فقال(( )):
نَفْلي بِحَدِّ الصَّفيحِ هامَهُمُ
وَفَلْيُنا هامَهُمْ بنا عُنُفُ

إنّا وَلَوْ قَدَّمُوا التي عَلِمُوا
أكبادُنا مِنْ وَرَائِهِمْ تَجِفُ

قال لنا الناسُ: مَعْشَرٌ ظَفِروا
قلنا: فَأنّى بقومِنا خَلَفُ

فقتل أبناء العم عنف، وفعلهم المنكر لا يمنع الإشفاق عليهم، وقتلهم لا يعدّ نصراً إذ لا أحد يخلفهم.
لقد أدرك العقلاء من الصرحاء أن تقاتل أبناء العمّ يضعف جماعتهم الأبوية، فكانوا يتردّدون في الإقدام على قتل أبناء عمومتهم، ومن الشعر الدال على ذلك قول الحارث بن وَعْلَةَ الذهليّ(( )):
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا، أمَيْمَ، أخِي
فإذا رَمَيْتَ يُصِيبُني سَهْمِي

فَلَئِنْ عَفَوْتُ لأعْفُوَنْ جَلَلاً
وَلَئِنْ سَطَوْتُ لأُوهِنَنْ عَظْمِي

فإذا وقع القتال أدرك القاتل بعد فوات الأوان أنّه قد أضعف جماعته. يقول قيس بن زهير(( )):
قتلتُ بإخوتي ساداتِ قوْمي
وهُمْ كانوا الأمانَ على الزَّمانِ

فإنْ أكُ قد شَفَيْتُ بذاك قلبي
فلم أقطعْ بهمْ إلاّ بَناني

وبسبب الأضرار الجسيمة التي ألحقتها الصراعات بين أبناء النسب الأبوي الواحد، توجه العقلاء جهة الإصلاح بين المتحاربين، وحقن الدماء، ولقي ذلك التوجه قبولاً حسناً، وآية ذلك افتخارُ المصلحين بتوجهاتهم السليمة، وقصدُ الشعراء لهم بالمديح، وممن افتخر بمساعيه السلمية معاوية بن مالك العامري، وقد أصلح بين بطون بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، في قوله:(
رَأبْتُ الصّدْعَ مِنْ كَعْبٍ فَأَوْدى
وكانَ الصّدْعُ لا يَعِدُ ارتِئابا

فأمْسَى كَعْبُها كَعْباً وكانتْ
مِنَ الشّنآنِ قد دُعِيَتْ كِعابا

وتغنى الشعراء بمدح الذين يصلحون بين الأقارب المتحاربين؛ فحين أصلح الحارث بن عوف وهرم بن سنان المرّيَّيْن بين عبس وذبيان وقف زهير بن أبي سلمى كثيراً من شعره على مدحهما، ومن ذلك قوله(( )):
سَعَى سَاعياً غَيْظِ بنِ مُرّةَ بَعْدَما
تَبَزّلَ ما بينَ العَشيرةِ بالدّمِ

فأقْسَمْتُ بالبيتِ الذي طافَ حَوْلَهُ
رجالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُريشٍ وَجُرْهُمِ

يَميناً لَنِعْمَ الّسّيدانِ وُجدُتُما
على كل حالٍ من سَحيلٍ وَمُبْرَمِ

تَداركتُما عَبْساً وذُبيانَ بَعْدَمَا
تفانَوا ودَقُّوا بينهمْ عِطْرَ مَنْشِمِ

عَظِيميْنِ في عُلْيا مَعَدّ وغيرِها
ومَنْ يَسْتَبحْ كَنْزاً مٍن المجْدِ يَعْظُمِ

وإن حاجة أبناء النسب الأبوي إلى التناصر أشعرتهم بضرورة التسامح والإغضاء عن الهفوات، فعمرو بن النبيت الطائي يتغاضى عن عتب ابن عمه، ويدافع عنه وينصره على أية حال كان فيها، يقول عمرو(( )):
إنّي وإنْ كان ابنُ عَمّي عاتِباً
لمقاذفٌ من دونه وورائِهِ

ومعدُّه نصري وإنْ كان أمراً
متزحْزِحاً في أرضِهِ وسمائِهِ

وكان الساعي إلى وأد الخلافات في جماعته الأبوية يحدوه الأمل بأنْ يجازى بالمثل من أبناء عمّه إن نزلت به نازلة أو حاق به مكروه، وفي مثل ذلك يقول عبيد بن عبد العزى السّلامي(( )):
ولا أدفعُ ابنَ العَمّ يَمْشِي عَلى شَفاً
ولوبَلَغَتْنِي منْ أذاهُ الجَنادِعُ

ولكن أواسيهِ وَأنْسَى ذُنوبَهُ
لترجِعَهُ يَوْماً إليّ الرّواجِع

وأُفْرِشُهُ مالي وأحفَظُ عَيْبَهُ
ليسمعَ إني لاأُجازيهِ سامعُ

وحسبُكُ من جهلٍ وسُوءِ صَنيعَةٍ
مُعَاداةُ ذِي القُربى وإنْ قيلَ قاطعُ

فَأسلِمْ عَنَاكَ الأهلَ تَسْلَمْ صُدورُهُمْ
ولا بُدَّ يَوْماً أنْ يروعكَ رايعُ

فتبلُوهُ ما سَلّفْتَ حتّى يَرُدَّهُ
إليكَ الجَوازي وافِراً والصَّنَايعُ

فإن تُبْلِ عَفْواً يُعْفَ عَنْكَ وإن تكُن
تُقارعُ بالأخرى تُصِبْكَ القوارعُ

فإحساس الصريح بأنّ عصبته هي ملاذه كان دافعاً له إلى تمتين صلاته بها، حتى يُجازى بالإحسان إحساناً.
واعتقد بعض الصرحاء أن حسن صلة الصريح بأقربائه واجب ديني، يتقرب العبد به إلى ربّه؛ فالأعشى اليائس من مقابلة معروفه لدى أبناء عمّه بالمعروف- يعتقد أنّ الله سيثيبه على معروفه وفي ذلك يقول مخاطباً أبناء عمّه(( )):
هُنَالِكَ لا تجزُونَني عِنْدَ ذاكُمُ

ولكِنْ سَيجزيْنِي الإِلَهُ فَيُعْقِبا

ولحرصهم على وأد الخلافات كانوا يتصنعون الحلم أحياناً فيما بينهم، ومنهم حاتم الطائي الذي يقول(( )):
تَحَلّمْ على الأدْنَيْنَ واستَبْقِ وُدّهُمْ
ولن تستطيع الحِلْمَ حَتْى تَحَلْما

وهو الذي يقابل السيئة بالحسنة، فيقول(( )):
وَعَوْراءَ أَهْداها امرُؤٌ مِن عَشِيرتي
إليّ، وما بي أنْ أكونَ لها أهْلا

وأَجْزيِهِ بالحُسْنَى إذا هي زُجِّيَتْ
إليَّ، ولا أجزي بِسَيِّئةٍ مِثْلا

وسلوك الحلم ليس ذلاً ولا ضعفاً بل وليد إحساس بعمق العلاقة بين أبناء الجماعة الأبوية، وبحاجة بعضها إلى بعضها الآخر، وبتساويهم في المنزلة؛ فحاتم الذي أكثر من الفخر بالتغاضي عن هفوات أبناء عمومته كان يشعر بتساوي أبناء الجماعة الأبوية في المنزلة إذ يقول(( )):
إذا أنا لمْ أرَ ابنَ العَمِّ فَوقِي
فإنّي لا أرَى ابنَ العَمِّ دُوني

وكان حاتم الطائي يمتلك إحساساً عالياً بالمسؤولية تجاه أقاربه، فكانت رغبته في الإصلاح بين أبناء جماعته الأبوية سبباً في موقف *** له الذّمّ من بعض أقاربه؛ فقد اعتزل حاتم قومه في حرب الفساد التي قسمت قومه إلى حزبين متصارعين هما: حزب جديلة، وحزب الغوث، وارتحل حاتم عن قومه، وأقام في غيرهم، فهجاه بذلك زيد الخيل الطائي(( ))، ولكن حاتم لم يأبه لذلك؛ فموقفه نابع من تصوره لعاقبة الحروب بين الأقارب، ولاعتقاده بأن نصرة الأقارب ليست واجبة إن كان القريب طالب النصرة ظالماً، وفي ذلك يقول(( )):
وَأَغْفِرُ إنْ زَلّتْ بِمَوْلايَ نَعْلُهُ
ولا خَيْرَ في المَوْلَى إذا كان يُقْرَفُ

سأنْصُرُهُ إِنْ كان للحقّ تابِعاً
وإنْ جَارَ لم يَكْثُرْ عليه التّعَطُّفُ

وهو القائل أيضاً(( )):
تَبَغَّ ابنَ عَمِّ الصِّدْقِ حيثُ لَقِيْتَهُ
فإنَّ ابنَ عَمِّ السُّوءِ إنْ سَرَّ يُخْلِفُ

وحاتم يؤسس بذلك قيماً جديدة، تهذّب سلوك المنتمين إلى رابطة النسب الأبوي وترقى بهم بعيداً عن التعصب المقيت الذي سنرى صوراً منه في صفحات تالية.
إنّ الانتماء إلى النسب الأبوي الصريح يوجب على المنتمين إليه التناصر، ويدفعهم إلى تجنب الصراعات الداخلية؛ فهي تضعف قواهم، وتعوق قدرتهم على مجابهة أخطار مجتمعهم القبلي المتصارع من أجل حياة أفضل، والإنسان الجاهلي الصريح يشعر بالطمأنينة إذ يحتمي بنسبه الأبوي، وتتولد عنده القدرة على أن يكون واثقاً بنفسه، ومستعداً للقتال إلى جانب عصبته مثلما هي مستعدة لمثل ذلك، ولكن بعض الصرحاء سَعَوا إلى إطفاء نيران الحروب، ولم يتسرّعوا إلى نصرة أقاربهم إن كانوا ظالمين لغيرهم.
4-التكافل الاجتماعي
إن ظاهرتي تناصر أبناء النسب الأبوي الصريح في مواجهة أخطار الحروب وافتقاد الأمان والرغبة في تجنب الصراعات الداخلية تتآزران مع ظاهرة آخرى، هي التكافل الاجتماعي في مواجهة مصاعب الحياة المعيشية والاجتماعية؛ فهذه الظواهر تمنح الإنسان الصريح الحماية والرعاية، فيتولّد لديه إحساس الثقة بالنفس وبالأقارب المحيطين به بسيوفهم وأموالهم ومشاعرهم.
كان الانتماء الأبوي الصريح باعثاً على تكافل أبناء العيشرة ورعاية بعضهم بعضا، فعامر بن الطفيل يفخر بأنه يخلف ابن عمّه -والإيعاد شرّ، ويصدق وعده- والوعد خير- في قوله(( )):
لا يرهبُ ابنُ العَمِّ صَوْلهً
ولا أَخْتَتي من صولةِ المتهدِّدِ

وإنّي إنْ أوعدْتُهُ أو وَعَدْتُه
لأَخُلفُ إيعادي وَأنْجِزُ مَوْعِدِي

وفي ظل الانتماء الأبوي الصريح حظي المحتاجون من الصرحاء برعاية أقاربهم الأغنياء؛ فقد كان الفقراء يتطلعون إلى أبناء عمهم، يرجون عطاءهم وكفالتهم؛ فالأعلم الهذلي تذكّر، وهو في الغزو، أولاده الشعث الذين لا مال لهم، وهم يتطلعون إلى من يأتيهم من أقاربهم بشيء يأكلونه، يقول الأعلم(( )):
وَذَكَرْتُ أهلي بالعَرَاءِ وحَاجَةَ الشُّعْثِ التّوالِبْ
المُصْرِمينَ مِنَ التِّلادِ اللاّمِحِينَ إلى الأَقَارِبْ
وكان أبناء العم يكفلون أقاربهم الصغار إذا فقد معيلهم؛ فقد فخر أبو ذؤيب الهذلي بأنّ قومه قتلوا رجلاً غزاهم، وردّوا أمر بنيه إلى كفالة بني عمهم، وذلك في قول أبي ذؤيب(( )):
وَسَائِلَةٍ ما كانَ حِذْوَةُ بَعْلِها
غَدَاتِئذٍ مِنْ شَاء قِرْدٍ وكاهِلِ

ردَدْنا إلى مَوْلَى بَنِيْها فَأَصْبَحَتْ
يُعَدُّ بِها وَسْطَ النّسَاءِ الأَرَامِلِ

ويرى الصرحاء أن لبعض المنتمين إلى نسب أبويّ واحد حقوقاً في أموال بعضهم الآخر، فهذا طرفة بن العبد يندفع إلى إبل لشيخ من قومه، فيعقرها، غير ملاق مقاومة من صاحبها، وغاية ما فعله الشيخ أن دعا قومه إلى إبعاد الإبل عن طرفة، وقد حكى طرفة ذلك فقال(( )):
فقال: ذَرُوْهُ إنّما نَفْعُها لهُ
وإلاّ تكُفُّوا قاصِيَ البَرْكِ يَزْدَدِ

وكان الكرماء من الصرحاء يندفعون إلى مساعدة عمومتهم غير آبهين بمن يحذرهم من عاقبة إنفاق أموالهم على أقربائهم، ومنهم ضَمْرة بن ضَمْرة الذي خاطب عاذلته بقوله(( )):
أأَصُرُّها وبُنَيُّ عَمَي ساغِبٌ
فَكَفَاكِ مِنِ إبَةٍ عَلَيَّ وَعَابِ

أَرَأَيْتِ إنْ صَرَخَتْ بِليْلٍ هاَمَتي
وخَرَجْتُ منها بَالياً أَثْوابي

هل تَخْمِشَنْ إبلي عَلَيَّ وُجُوهَها
أم تَعْصِبَنَّ رؤوسَها بِسِلابِ

فضمرة يرى أن بناء علاقة إنسانية متينة مع أقاربه تكسبه حبهم أنفع له وأعظم عنده من أمواله، فالمال لا يحزن لمصاب صاحبه، ولا يجزع لفقده. ومثل ذلك عروة بن الورد فهو لا يجد مدفعاً لطالبي العطاء من الأقارب الذين ينتمون إلى جدّه زيد، ولذلك قال لزوجه العاذلة(( )):
وَمُسْتَهْنِئٍ زيدٌ أبوهُ، فلا أَرَى
له مَدْفعاً، فاقْنَي حَيَاءَكِ واصبري

وعلى الصريح أن يكرم جار ابن عمّه أيضاً، وإلاّ تعرّض للذم، ولا نتقاص منزلته الاجتماعية، ومن ذلك قول الأعشى يذم رجلاً(( )):
أَتَزُمُ للأكْفاءِ ما أنتَ أَهْلُهُ
وتَخْتَالُ إذ جَارُ ابْنِ عَمِّكَ مُرْهَقُ

وإذا تحمّل جاهلي صريح حمالة أمضى أبناء عمه حمالته، وساعدوه في جمع الأموال اللازمة لها.
يقول زهير بن أبي سلمى يمدح بني مُرّة(( )):
وإنْ قامَ فيهمْ حامِلٌ قال قاعدُ:
رَشَدْتَ، فلا غُرْمٌ عليكَ ولا خَذُلُ

ويقول معاوية بن مالك العامري مفتخراً بقيامه بالأعباء العظيمة بفضل عطاء قومه له(( )):
وكنتُ إذا العظَيمةُ أَفْظَعَتْهُمْ
نَهَضْتُ ولا أدِبُّ لها دِبَابا

بحمدِ الله، ثُمَّ عطاءِ قَوْمٍ
يَفُكُونَ الغَنَائِمَ والرِّقَابا

وأبناء النسب الأبوي ملزمون بشكر من يحسن إلى واحد منهم مثلما رأينا التزامهم بعقوبة من يسيء إلى واحد منهم؛ فحين أطلق أوس بن حارثة الطائي سراح بشر بن أبي خازم، وكاد عزم أن يقتله، قال بشر يمدح أوساً(( )):
فإنْ تَجْعَلِ النّعماءَ مِنْكَ تِمامَةً
ونُعْمَاكَ نُعْمَى لا تَزَالُ تَفِيضُ

يكنْ لكَ في قومي يَدٌ يَشْكُرُونها
وأيدي النّدَى في الصالحينَ قُروضُ

وكانوا يوجبون التناصح، وفي ذلك يقول أوس بن حجر(( )):
أتاني ابنُ عَبْدِ اللهِ قُرْطٌ أخُصّهُ
وكانَ ابْنَ عَمٍّ نُصْحُهُ ليَ بارِدُ


وفخر أوس بأنه يحسن نصيحة ابن عمّه إن استشاره(( )):
وإنْ قالَ لي: ماذا تَرَى يَسْتَشيرُني
يَجدْني ابنَ عَمِّ مِخْلَطَ الأمْرِ مِزْيَلا

وحدّثنا طرفة بن العبد عن أقربائه الذين نصحوه أن يترك الجهل وذلك في قوله(( )):
وما زال شُربي الرَّاحَ حتّى أشَرَّني
صَدِيقي، وحتّى ساءَني بعضُ ذَلِك

وحتّى يَقولَ الأقربُونَ نَصَاحَةٌ
ذَرِ الجَهْلَ واصْرِمْ حَبْلَها مِنْ حِبالِكِ

وكان الصريح يلقى لدى أبناء عمّه، إنْ نزل بهم، الرعاية التامة لشرفه، يقول حاتم الطائي مفتخراً بذلك(( )):
ولا يُلْطَمُ ابنُ العَمِّ وَسْطَ بُيُوتِنا
ولا نَتَصَبَّى عِرسَهُ حينَ يَغْفُلُ

إنّ السلوك الاجتماعي لأبناء النسب الأبوي الصريح يبرز متانة الصلات بين المنتمين إلى ذلك النسب؛ فهم غالباً متسامحون فيما بينهم، يرعى قويهم ضعيفهم، ويصفح حليمهم عن مسيئهم، وينصح حكيمهم جاهلهم، وبذلك يتضافر السلوك الاجتماعي مع ظاهرتي التناصر وتجنب الصراعات الداخلية في تمتع أولئك المنتمين بالضمان الاجتماعي والحماية الأمنية، وبذلك تتوازن ذوات المنتمين إلى النسب الأبوي الصريح؛ فهم متماثلون في السلوك والمشاعر، يدافعون عن انتمائهم ويحبونه، ويعيشون به وله.
5-الاعتداد بالأبّوة الصريحة
إنّ توازن الذات الصريحة في ظلّ انتمائها الأبوي يفسّر لنا شدّة الاعتداد بذلك الانتماء؛ فالصرحاء اتخذوا من الانتماء إلى آبائهم شعيرة يتقوّون بها حين يجابهون الأخطار، فهذا ربيعة بن مُكَدّم الكناني يتقدم نحو عدّوه منتمياً بقوله(( )):
أنا ابنُ عبد اللهِ محمود الشِّيِمْ

ووصف عمرو بن معد يكرب فارساً تَقَوّى بالانتماء إلى أبيه بقوله(( )):
لمّا انتَمى لأبيه شَدَّ بِصَارِمٍ
يَفْري الجَمَاجِمَ تَحْتَ زَرْدِ المِغْفَرِ

وكذلك كانت الجماعات تنتمي إلى آبائها في أثناء المعارك كقول أنيف بن حكم النبهاني الطائي(( )):
دَعَوْا لِنِزارٍ وانْتمينا لِطَيّئٍ
كِأُسْدِ الشَّرَى إقْدَامُها وَنِزَالُها

وقد علّل المرزوقي انتماء الصرحاء إلى آبائهم في أثناء المعارك بقوله: (يستعملون الاعتزاز في مثل هذه الحالة تهويلاً للأمر، وتكثيراً للعشيرة ليستشعر كلّ من الفريقين الرعب من صاحبه والتهديد له)(( ))، وهذا المعنى يؤكده حَمَصيصة بن جندل الشيباني في قوله يجيب طريف بن تميم العنبريّ(( )):
ولَقيتَ حَيّاً في الحروب مَحَلّهُمْ
والجيْشُ باسْمِ أَبيهِمُ يُسْتَهْزَمُ

وكان توازن الذات الصريحة مع انتمائها الأبوي كبيراً؛ فالفروق بين الذات المنتمية والجماعة الأبوية المنتمى إليها تكاد تتلاشى، فحين سئل أبو ذرّة الهذليّ من أنت؟ قال معبّراً عن الذات بضمير الجماعة التي ينتمي إليها(( )):
نَحْنُ بَنُو مُدْرِكَةَ بنِ خِنْدِفِ

مَنْ يَطْعُنُوا في عَيْنِهِ لا يَطْرِفِ

ومَنْ يَكُونُوا عِزَّهْ يُغَطْرِفِ

كأنّهمْ لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدِفِ

وقد تلاشت ذات الحارث بن حلّزة اليشكري في معلقته، وهو يعدد مناقب قومه ويفخر بهم(( )). وأما نّده عمرو بن كلثوم التغلبي فقد فخر في معلقه بستة وتسعين بيتاً، منها اثنان وتسعون فخر فيها بقومه، وأربعة فخر فيها بنفسه (( ))، والأبيات التي فخر فيها بذاته وردت في أثناء فخره بآبائه وأجداده، وكأنها إضاءة تشير إلى أن الانتماء الأبوي يسيطر على الذات، ولكنه لا يلغيها، يقول عمرو بن كلثوم(( )):
وَرِثْنا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بنِ سَيْفٍ
أَباحَ لنا حُصُوْنَ المَجْدِ دِيْنا

وَرِثْتُ مُهَلْهِلاً والخَيْرَ مِنْهُ
زُهيراً نِعْمَ ذُخْرٌ الذْاخِريْنا

وَعَتّاباً وكُلْثُوماً جَمِيْعاً
بِهِمْ نِلْنَا تُراثَ الأكرمِيْنا

وذا البُرَةِ الذي حُدِّثْتَ عَنْه
به نُحْمَى، ونَحْمِي المُحْجَرِيْنا

ومِنّا قِبْلَهُ السّاعي كُلَيبٌ
فَأيُّ المجدِ إلاّ قَدْ وَلينا

إن غياب ذات الحارث وتضاؤل ذات ابن كلثوم في معلقتهما مرتبط بالموقف الذي أنشدت فيه المعلقتان؛ فكلاهما يدافع عن قبيلته أمام الآخر(( ))، وهذا يعني أن شدّة التوافق بين الشاعر وجماعته الأبوية، وشعوره بحاجتها إليه وحاجته إليها يدفعان به إلى الاعتداد بها، فيفخر بها متناسياً ذاته، أو يفخر بها وبذاته غير شاعر بالفروق بين الذات والجماعة؛ فتميم بن أبي- مثلاً- خاطب في القصيدة الثالثة والعشرين من قصائد ديوانه بنت آل شهاب أربع مرّات(( ))، وقد اتبع الخطاب الأول بالفخر بنفسه، فقال:
أني أتُمِّم أَيْسَارِي بذي أَوَدٍ
مِنْ فَرْعِ شَيْحاطَ صَافٍ لِيطُهُ قَرِعُ

ثم أتبع الخطاب الثاني بالفخر بقبييلته، فقال:
أَنْا نَقُومُ بِجُلاّنا، ويَحْمِلُها
مِنْا طَويلُ نِجَادِ السَّيفِ مُطّلِعُ

ثم أتبع الخطاب الثالث بالفخر بقبيلته أيضاً، فقال:
أَنّا نَشُدُّ على المِرّيخِ نَثْرَتَهُ
والخيلُ شاخِصَةُ الأَبْصَارِ تَتّزِعُ

ثم أتبع الخطاب الرابع بالفخر بنفسه، فقال:
إنّي أُنَفَّرُ قَامُوصَ الظهيرة والـ
حِرْبَاءُ فوقَ فَرُوعِ السَّاقِ يَمْتَصِعُ

وفخَر لبيد بن ربيعة في معلقته بنفسه أولاً ثم بقبيلته (( ))، ومزج سلامة بن جندل بين الذات والجماعة إذ فخر بانتمائه إلى جماعته الأبوية المتميزة بالقوة والتماسك، يقول سلامة(( )):
إنّي امرؤ مِنْ عُصبةٍ سَعْدِيّةٍ
ذَرْبى الأسِنّةِ كلَّ يومِ تلاقي

لا ينظرونَ إذا الكتيبةُ أحْجَمَتْ
نَظَرَ الجمالِ كُرِبْنَ بالأوساقِ

يَكْفُونَ غائبهُمْ، ويُقْضَى أمْرُهُمْ
في غيرِ نَقْصٍ منهُمُ وَشِقَاقِ

إن ظهور الذات المتوافقة مع انتمائها الأبوي الصريح أمر تقبل به الجماعة الأبوية، وترضاه، لأنها وهي تعيش في حالات صراع مع الآخرين ومع الطبيعة بحاجة إلى منتمين أقوياء، واثقين بأنفسهم؛ فهم وحدهم القادرون على الدفاع عن قبيلتهم، وعلى تأمين الحياة الأفضل لها. ومن الجدير بالملاحظة أن القيم التي يسبغها الصريح المتوافق مع جماعته الأبوية على ذاته هي في الغالب القيم ذاتها التي يسبغها على تلك الجماعة، وبذلك يشتد التداخل بين الذات والجماعة بحيث يمكن أن نقول بأن الفخر بالذات هو فخر بالجماعة، وبأن الفخر بالجماعة هو فخر بالذات. وحين يُفتقد التوافق بين الذات والجماعة يتلاشى الفخر الجماعي، وتبرز الذات الساعية إلى تحقيق رغباتها الوجودية الخاصة، وبذلك يمكن أن يُعَلّل خلوّ معلقتي طرفة وعنترة من الفخر الجماعي، واحتفالهما بالفخر الذاتي؛ فطرفة تجّنبه قومه لسلوكه المخالف للأعراف، وعنترة هجين يتأرجح بين انتماءين: صريح وأعجمي.
إنّ تماثل الأفراد المنتمين إلى جماعة معينة يُولد لديهم شعوراً، هو (شعور اجتماعي عفوي مزدوج قوامه: الاتفاق والافتراق: اتفاق التماثل في المشاركة بصفات اجتماعية معينة، وافتراق بتمايز المشترك عن صنوه(( )). وتماثل المنتمين إلى نسب أبوي صريح هو حصيلة ظروف مشتركة، تفاعل فيها أولئك المنتمون فيما بينهم كما تفاعلوا مع الآخرين، ومع الطبيعة التي يعيشون في كنفها، وتلك الظروف تشكل تاريخ أولئك المنتمين، وهو تاريخ اشتركوا في إيجاده فاكتسبوا به قيماً ومشاعر مشتركة، هي نماذج مثلى، ومصطفاة للسلوك الإنساني السويّ للجماعة الأبوية الجاهلية، تنتقل من جيل إلى آخر، ويتمثلها الأبناء مقتدين بالآباء، وهم في غاية الاعتزاز بالتاريخ الذي صنعه آباؤهم. قال لبيد مفتخراً بقومه(( )):
مِنْ مَعْشَرٍ سنَّتْ لَهُمْ آباؤهُمْ
وَلِكُلِّ قومٍ سُنّةٌ وإمَامُها

وقال النابغة يمدح ملك الحيرة(( )):
إلى صَعْبِ المَقَادَةِ مُنْذِرِيّ
نَماهُ في فروعِ المجدِ نامِ

أَبُوهُ قَبْلَهُ وأبُو أبيهِ
بَنَوا مَجْدَ الحَيَاةِ على إمامِ

فأفعال الآباء أمجاد يحرص الأبناء على إعلان وراثتها بكلّ فخر، يقول حاتم الطائي(( )):
وكم لِيْمَ آبائي فما كَفَّ جُودَهُمْ
مَلامٌ، ومِنْ أيْديِهمُ خُلِقَتْ يَدِي

ويقول عدي بن زيد(( )):
وإنيّ لابْنُ ساداتٍ
كِرامٍ عَنْهُمُ سُدْتُ

والصريح لا يفتخر بوارثة آبائه وأجداده فقط بل بوراثة أعمامه وأبناء أعمام آبائه، إنه يعتز بأمجاد كلّ فرد من جماعته الأبوية يقول معاوية بن مالك العامري(( )):
إنّي امرؤ منْ عُصبْةٍ مشْهُورةٍ
حُشُدٍ لَهُمْ مَجْدٌ أَشَمُّ تَليدُ

ألْفَوا أباهُمْ سَيّداً وأَعانَهُمْ
كَرَمٌ وأعمامٌ لَهْمْ وَجُدودُ

ومدح الأعشى هوذة بن علي الحنفي بأنّه ورث عن أبيه، وعن أعمامه: طلقٍ وشيبانَ ومالكٍ ما بنوا من أمجاد فقال:(( ))
وَجَدْتَ عَليّاً بانِياً فَوَرِئْتَهُ
وطَلْقاً وشَيْبانَ الجَوادَ ومَالِكَا

ويقول العباس بن مرداس السلمي في مثل ذلك(( )):
لنا شِيَمٌ غيرُ مجهولةٍ
توارثها الأكبرُ الأكْبَرُ

وكان الصرحاء يخافون أن تضيع الأمجاد المتوارثة بالضّعف وعدم الحيطة؛ يقول لقيط بن يعمر الإيادي محذّراً قومه من غزو كسرى لهم(( )):
يا قومُ إنّ لكمْ مِنْ عزّ أوّلكم
إرثاً قَدَ اشفَقْتُ أنْ يودي فينقطعا

وما يَرُدُّ عليكم عزُّ أوَّلكم
إنْ ضاعَ آخره أو ذَلَّ فاتّضعَا

وكانوا يفخرون بالعمل على استمرارها فيهم بالقتال الباسل دفاعاً عنها يقول عمرو بن كلثوم(( )):
ورِثْنا المْجدَ قدْ عَلِمَتْ مَعَدٌ

نُطاعِنُ دُونَهُ حتّى يَبِيْنَا

ويقول بشر بن أبي خازم الأسدي(( )):
شَوازباً كالقَنَا قُوداً أَضَرَّبها
شُمُّ العرانينِ أبْطالٌ هُمُ خَلَفُوا

آباهُمُ ثُمّ ما زالوا على مُثُلٍ
لا يَنْكُلُونَ، ولا هُمُ في الوغَى كُشُفُ

وبإكرام الضيوف وإطعام المحتاجين؛ يقول النابغة الذبياني يمدح النعمان بن جبلة الجلاحِيّ الكلابي(( )):
لَهُ بفِنَاءٍ البَيْتِ دَهْمَاءُ جَوْنَةٌ
تَلَقَّمُ أوْصَالَ الجَزُورِ العُراعِرِ

بَقيِّةُ قِدْرٍ منْ قُدورٍ تُوُرّثَتْ
لآلِ الجُلاحِ كَابِراً بَعْدَ كابرِ

وبالجملة كان الصرحاء يتمثلون مكارم الأخلاق التي وجدوها في آبائهم، يقول زهير بن أبي سلمى يمدح هرماً:
وعَوَّدَ قومَهُ هَرِمٌ عليهِ
وَمِنْ عاداتِهِ الخُلُقُ الكَريمُ

كما قد كانَ عَوَّدَهُمْ أَبُوهُ
إذا أَزَمَتْهُمُ يَوْماً أَزُومُ

وإن وراثة أمجاد الآباء لا تكون إلاّ بالسير على هدْيها، وبتقليدها، يقول عدي بن زيد العبادي يخاطب امرأته(( )):
وما دَهْري اطْبَأنّكِ غيرَ أنّي
بَنَى لي والدي بَيْتاً يَفَاعاً

أخّذْتُ بَدأبِهِ فَوَرِثْتُ عَنْهُ
مَكارِمَ لم تكنْ منهُ ابْتِداعا

وفخر الأعشى بأنه من قبيلة بنى أمجادها أمواتها وأحياؤها، وذلك في قوله شيبان بن شهاب الجحدريّ(( )):
أبا مِسْمَعٍ إنّي امْرؤٌ مِنْ قبيلَةٍ
بَنَى ليَ مَجْداً موتُها وحَيَاتُها

والصرحاء يرون أن عجز الأبناء عن الحفاظ على أمجاد الآباء بمثابة فقدان حق الانتماء إلى النسب الأبوي يقول دريد بن الصمة متوعداً بني الحارث بن كعب من مذحج(( )):
لستُ للصّمّةِ إنْ لَمْ آتِكُمْ
بالخناذِيذِ تَبارَى في اللُجُمْ

وكان الصرحاء الأحياء يحرصون على توريث أبنائهم قيمهم الكريمة، وينصحون بذلك كما في قول زهير بن أبي سلمى(( )):
فلو كانَ حَمْدٌ يُخْلِدُ الناسَ لم تَمُتْ
ولكنَّ حَمْدَ النّاسِ ليسَ بِمُخْلِدِ

ولكنَّ مِنْهُ باقياتٍ وراثَةٌ
فَأوْرِثْ بَيِنكَ بَعْضَها وتَزَوّدِ

وتوريث الأمجاد مظهر ثقافي يدل على حرص الصرحاء على انتقال ثقافتهم من جيل إلى آخر، وكي تنتقل الثقافة من جيل إلى آخر (لا بد أنْ توَرّث الناشئة تراث القبيلة وروحها، فنورثهم نفعها ومعارفها وأخلاقها وتقاليدها وعلومها وفنونها سواء كان ذلك التوريث عن طريق التقليد أو التعليم أو التلقين)(( )). وقد قام الصرحاء الجاهليون فضلاً عن تقليد آبائهم بتلقين أبنائهم معالم حياتهم الثقافية، فقد أوصى قيس بن عاصم المنقري عند وفاته بنيه بوصية حسنة قال في آخرها(( )):
إنّما المجدُ ما بَنَى والد الصّدْ
قِ وأَحيَا فَعَالهُ المولودُ

وكمالُ المجدِ الشَّجَاعَةُ والحِلْـ
مُ إذا زانَهُ عَفَافٌ وجُودُ

وافتخر ابن حريم الهمداني بقوله(( )):
بذلكَ أوصاني حَريمُ بن مالك
بِأنَّ قَليلَ الذَمِّ غيرُ قليلُ

وقال كعب بنو مالك(( )):
وَعَلْمنَا الضَّرْبَ آباؤنا
وسوفَ نُعَلّمُ أيضاً بَنينا

جلادَ الكُمَاةِ وبَذْلِ التَّلا
دِ عنْ جُلِّ أحسابنا ما بقينا

إذا مَرَّ قِرْنٌ كَفَى نَسْلُهُ
وَأَوْرَثَهُ بَعْدَهُ آخرينا

وكان الصرحاء يفخرون بتوريث أبنائهم بعض مظاهر الحياة المادية التي تساهم في صنع الأمجاد، كقول عمرو بن كلثوم يذكر خيل قومه(( )):
وَرِثْنَاهُنَّ عَنْ آباءِ صِدْقٍ وَنُوْرِثُها إذا مُتْنا بَنِيْنا
وكانوا يفخرون بوصايا الآباء، ويثلجون صدورهم بتقبلها، ومن ذلك قول حسان بن ثابت(( )):
أوصَى أبُونا مَالِكٌ بِوَصَاتِهِ
عَمْراً وَعَوْفاً إذْ تَجَهْزَ غَادِيا

بأنْ اِجْعَلُوا أَمْوالكمْ وسُيُوفكُمْ
لأغْرَاضِكُمْ ما سَلْمَ اللهُ واقِيا

فَقُلْنا لَهُ إذْ قالَ ما قالَ: مَرْحبا
أَمَرْتَ بِمَعْروفٍ وَأَوْصَيْتَ كَافيا

إن حرص الصرحاء في الجماعة الأبوية على وراثة أمجاد الآباء وتوريثها الأبناء يقود إلى نماء تلك الأمجاد ورسوخها في المجتمع. يقول طرفة مفتخراً بقومه(( )):
والمجدُ نُنْمِيهِ ونُتْلِدُهُ
والحَمْدُ في الأكفاءِ نَدّخِرُهْ

كما يقود إلى تضافر الأمجاد وإلى تقارب الجماعات الأبوية، وذلك لأن تشابه تجارب حياة تلك الجماعات ينتج قيماً مشتركة ومشاعر مشتركة، وقد لمس قيس بن الخطيم تضافر تلك الأمجاد في قوله(( )):
أبى الذمّ آباءٌ نَمَتْني جُدودُهُمْ
ومَجْدي لمْجدِ الصّالحينَ مُعينُ

ونستطيع بالنظر في الصفحات السابقة أن نلمس تشابه نظرات الشعراء إلى الأمجاد على الرغم من انتمائهم إلى جماعات أبوية مختلفة، وهذا عامل توحيد لتلك الجماعات، فالأخلاق طبقاً لجدل الإنسان ليست (تزيداً غير ذي قيمة بل هي تراث حضاري يكون الأساس الأول الذي يجب أن تستقيم عليه علاقات الناس في المجتمع... إنها تجسيد للحلول التي توصلوا إليها على مدى تاريخهم لتلك المشكلات الدقيقة التي تطرحها علاقتهم كبشر)(( )). إنها مظهر تقدمي يتجاوز في حقيقته الانتماء الأبوي الضيّق إلى رحاب الانتماء القومي الأشمل، وذلك التجاوز لا يلغي الجماعات الأبوية بل يؤكد وجودها بصفتها مجموعات متشابهة تحويها دائرة الأمة الواحدة، وبذلك يكون الفخر بأعضاء الجماعة الأبوية الذين يتمتعون بتلك الأخلاق المشتركة مظهراً تقدمياً مشروطاً بالظروف الزمانية والمكانية التي عاشت فيها تلك الجماعات، ومن ذلك الفخر قول دريد بن الصمة(( )):
ولكِنْني أحْمِي الذّمَارَ وأنْتَمي
إلى سَعْي آباءٍ نَمَوا شَرَفي قَبْلي

وقول أوس بن حجر(( )):
فلا وإلهي ما غَدَوْتُ بِذِمَّةٍ
وإنَّ أبي قَبْلي لَغَيْرُ مُذَمَّم

وقول قحافة بن عوف بن الأحوص العامري(( )):
إنّي إذا ما نُسِيَ الحياةُ
وضاعَ يوم المشهدِ اللواءُ

أنْمِي وقد حُقَّ لي النّماءُ
إلى ذُكورٍ ذِكْرُها سَناءُ

وإلى جانب فخر الصرحاء بآبائهم نجدمهم يطربون إلى ذكر الآباء الأماجد في المديح، كقول زهير يمدح حصناً(( )):
حُذَيْفَةُ يُنميْهِ وَبَدْرٌ كِلاهُما
إلى باذِخٍ يَعْلُو عَلَى مَنْ يُطاوِلُهْ

وفي الرثاء أيضاً، كقول حسان يرثي عبد الله بن رواحة(( )):
وينمي رَوَاحَةَ آباؤُه
إلى كلِّ ذِي غُرَّةٍ أبْلَجِ

واعتزاز الصريح بآبائه وأجداده يتضمن اعتزازه بأعمامه وأبنائهم، فأولئك وأولاء يؤلّفون مجتمعين جماعته الأبوية التي تورثه القيم والمجد. وكان الصرحاء لذلك يصرحون بالفخر بآبائهم وأعمامهم معاً، كقول معاوية بن مالك العامري(( )):
إنّي امرؤٌ من عُصْبَةٍ مَشْهورةٍ
حُشُدٍ لَهُمْ مَجْدٌ أَشَمُّ تَليدُ

ألْفَوا أباهُمْ سَيّداً وأَعانَهُمْ
كَرَمٌ وَأعمامٌ لَهُمْ وَجُدودُ

وقول النابغة الجعدي(( )):
وعمّي الذي حامى غَداةَ مَناجِلٍ
عنِ القوم حتّى فادَ غيرَ ذميمِ

وكانوا لا يجدون حرجاً في تقديم الأعمام على الآباء، مظهرين بذلك عمق ترابط الجماعة الأبوية، وشدة تواصل اللاحقين منها مع السابقين، وشدة تواصل الجماعات الأبوية عبر القيم المشتركة التي يتوارثونها ويعملون بها، ومن ذلك قول عمرو بن هُميل اللحياني(( )):
خُزيمَةُ عَمُّنُا وأبي هُذَيْلٌ
وكلُّهُمُ إلى عِزٌّ وَلِيتُ

ولقد أدرك بعض الصرحاء العقلاء أهمية رسوخ قيم الأمجاد المتوارثة في بناء مجتمعهم بناء سليماً، فكانوا يذمون من ينبذ تلك القيم ظِهريّا؛ فالأفوه الأودي القحطاني توجه بالهجاء إلى معاشر من قومه لم يسهموا في بناء أمجاد قبيلتهم، بل قادهم الغيّ والجهل إلى إفساد سمعة عشيرتهم، وإلى إضعاف منزلتها، ورأى أنهم نذير شؤم بهلاك قومهم، وذلك في قوله (( )):
فِيْنا معاشرُ لم يَبْنُوا لقومِهِمُ
وإنْ بَنَى قومُهمْ ما أَفْسَدُوا عادُوا

لا يَرْشُدُونَ ولنْ يَرْعَوْا لمُرْشِدِهِمْ
فالغيّ منهمْ معاً والجهْلُ ميعادُ

كانوا كمثل لُقَيْمٍ في عَشيرته
إذْ أُهْلِكَتْ بالذي قَدْ قَدَّمَتْ عادُ

أو بَعْدَه كَقُدارٍ حينَ تابَعَهُ
على الغَوايةِ أقوامٌ فقد بادوا؟

وأنكر لبيد بن ربيعة العامري العدناني خروج قومه على القيم المجيدة بالإغارة ظلماً على الأبرياء وبالإساءة إلى ذوي الفضل، وباتباع الفواحش، والانقياد إلى متبعيها، فقال(( )):
هُمُ قَوْمي وقد أنْكَرْتُ مِنْهُمْ
شَمَائلَ بُدّلُوها من شِمَالي

يُغارُ على البَرِيِّ بِغَيْرِ ظُلمٍ
ويُفْضَحُ ذو الأمانَةِ والدَّلالِ

وأَسْرَعَ في الفواحشِ كلُّ طِمْل
يَجُرُّ الخزياتِ ولا يُبالي

أطعتمْ أمْرَه، فَتَبِعْتُمُوهُ
ويأتي الغيّ مُنْقَطِعَ العقَالِ

ولم يتورع عدي بن زيد العبادي عن هجاء والده إذ عجز عن حماية إبله؛ فقد أغارت خيل لأهل الشام على إبل لزيد بن أيوب، والدعدي، فأتى الصريخ أباعدي فوجده جالساً يشرب، فأتى عَديّاً، فانطلق بأناس من الصنايع، فاستنقذ وهامنهم، وقال عديّ(( )):
لِلشّرَفِ العَوْدُ فَأكْنَافُهُ
ما بَيْنَ جُمْرانَ ويَنْصوبِ

خَيْرٌ لها إنْ خَشِيَتْ حَجْرَةٌ
من رَبِّها زيدِ بنِ أيوبِ

مُتّكِئاً تُقْرَعُ أَبْوابُهُ
يَسْعَى عليه العَبْدُ بالكوبِ

لا يَستفيقُ الدّهْرَ مِنْ شُرْبِها
ما حَنّتِ النّيبُ إلى النّيبِ

وحرص سادة الصرحاء على تجنب ما يخزي جماعتهم الأبوية، وفي ذلك يقول الطفيل الغنوي(( )):
ولا أُجَلّلُ قومي خِزْيَةٌ أبداً
فيها القُرُودُ رُدَافاً والتّنَابيلُ

وكانت مكارم الأخلاق أساساً للتفاضل بين أبناء النسب الأبوي الواحد، فحين قدّم الحطيئة آل بغيض على آل الزبرقان مهد لذلك بإدعائه أن بني عوف ليسوا سواء إلاّ أن تكون أخلاقهم سواء(( )).
وكانوا يدفعون عن جماعتهم الأبوية من لا يلتزم بأخلاقها، ومن الشعر الدالّ على ذلك قول الحُصين بن الحمام المرّي يخاطب رجلاً من قومه(( )):
فإنْ كنتَ عنْ أخلاقِ قَومِكَ راغباً
فَعُذْ بِضُبَيْعٍ أو بِعَوفِ بنِ أصْرَما

وقد قال التبريزي في شرح هذا البيت: (إنْ زهدت في الانتماء إليهم فانتقل عنهم إلى بني ضُبيع أو بني عوف، فالشكل يطلب شكله). والظاهر أن التبريزي يرى أن الانتماء إلى الجماعة الأبوية له جانب سلوكي وفكري يتجلى في تمثّل أخلاق تلك الجماعة، وعبارة (الشكل يطلب شكله) توحي -مثلما يوحي بيت الحُصين- بأنّ لكلّ جماعة سلوكاً معيناً يسمها، ويميزها من غيرها، وأن بعض الجماعات تتشاكل أخلاقياً. ومن الإبعاد عن الجماعة الأبوية بسبب الخروج عن أعرافها إفراد طرفة بن العبد عن قومه بسبب إيغاله في شرب الخمور، وتتبع اللذات، وإتفاق الأموال، وفي ذلك يقول طرفه(( )):
وما زالَ تَشْرابي الخُمورَ وَلذْتي
وبَيْعِي وإنْفاقي طَريفي ومُتْلَدي

إلى أنْ تَحامَتْني العَشِيرةُ كلُّها
وأُفْرِدْتُ إفرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ

فطرفة أفرده قومه، وتركوه ولذّاته لأنه خرج على أخلاقهم.
وقرن سلامه بن جندل بين الانتساب إلى الآباء الأماجد، والانتساب إلى السلوك الحسن في قوله لصعصعة بن محمود بن عمرو بن مرْثد(( )):
فإنْ يكُ محمودٌ أباكَ فإنّنا
وَجَدْنَاكَ مَنْسُوباً إلى الخيرِ أروعا

وافتخر الحادرة بحسبه وأصله معاً، فقال(( )):
فِيئي إلَيْكِ فإنّني رَجُلٌ
لم يُخْزِني حَسبَي ولا أصْلي

واشتهر من شعر عمرو بن معد يكرب قوله(( )):
إنَّ الجمالَ مَعَادنٍ
ومَنَاقِبٌ أورثْنَ مَجْدا

فهو يعتقد أن جمال الإنسان يكمن في أصوله الزكية، وأفعاله الكريمة معاً، ومثل ذلك قول عامر بن الطفيل(( )):
فإنّي وإنّ كنتُ ابْنَ فارسِ عامرٍ
وفي السّرِّ منها والصريحِ المُهذْبِ

فما سَوَّدَتني عامِرٌ عَنْ وِراثةٍ
آبَى الله أنْ أَسْمُو بأمِّ ولا أبِ

ولَكِنْني أَحْمِي حِمَاهَا وأتّقي
أَذَاها وأَرْمي مِنْ رَمَاها بِمِقْنَبِ

وبذلك يتراءى لنا جانب منير من تفكير الصرحاء، فهم تجاوزوا مفاهيم الوراثة والتقليد إلى مفاهيم الأخذ والتجديد؛ فالإنسان لا يكفيه نسبة ومجده بلّ لا بد له من حسب يحافظ به على أمجاده ويطّورها. ولكنّ عديّ بن زيد العبادي كان أكثر تطوّراً من غيره في تجاوز مفاهيم التعصب المقيت للآباء والأجداد، فهو لم يتورع عن إلقاء اللوم على أبيه لأنّه عجز عن حماية إبله -وليس فيما وقفت عليه من الشعر الجاهلي ما يشبه ذلك، والأهم من ذلك أن عديّاً هو الذي يقول(( )):
وَسَائِسِ أمْرٍ لم يَسُسْهُ أبٌ لَهُ
ورائِمِ أسْبابِ الذي لم يُعَوَّدِ

ووارثِ مَجْدٍ لم يَنَلْهُ، وماجدٍ
أصَابَ بِمَجْدٍ طارفٍ غَيْرِ مُتْلَدِ

فعديّ يرى أن الإنسان يستطيع أن يرقى بنفسه إلى منازل عالية بجدة وجهده، وليس بإرث آبائه وأجداده، وبذلك يُفسَح المجال لكلّ إنسان كي يعمل صالحاً؛ فالعمل الصالح ليس إرثاً ثابتاً، ينتقل من الآباء إلى الأجداد كما تنتقل الأموال من يد إلى أخرى. ولعل إقامة عديّ بالحيرة، وانفتاحه على العالم المحيط به من أسباب تراجع العصبية عنده، وأنه كان يعتمد على ذاته لاعلى عصبته، حتى كاد ديوانه أنّ يخلو من مظاهر الاعتداد بالآباء والأجداد، ومن مظاهر طلب نصرتهم حين أقيم في حبس النعمان ملك الحيرة.
إنّ للمنتمين إلى النسب الأبوي الصريح سلوكاً وفكراً يحققان لهم الحماية والرعاية؛ فهم يتناصرون في مواجهة الأخطار، ويتكافلون في مواجهة مصاعب الحياة، ويمتلكون قيماً توجب التناصر والتكافل، وهي قيم من مكارم الأخلاق، يفخرون بها، ويحرصون على انتقالها من جيل إلى آخر، فيعظّمون من يتمثّلها، ويذمّون من يخرج عليها، ويسعون إلى زيادتها ونمائها، وبذلك قوي ترابط الجماعات الأبوية الصريحة، إذ تشابهت تجارب حيواتها تشابها شدّ بعضها إلى بعضها الآخر بخيوط خفية، غير أنها قادرة على أن تُسهم في توحيد تلك الجماعات. ولكن تلك الخيوط الخفية كانت تصطدم بأوهام المغالين بالتعصّب للجماعة الأبوية، فكيف كان ذلك؟
6-المغالاة في التعصّب
إن المغالاة في التعصب للجماعة الأبوية كانت معلماً نقيضاً للتواصل بين الجماعات الأبوية الصريحة، فالمغالاة قادت أصحابها إلى تضخيم الذات والجماعة على حساب الآخرين، وأدت إلى حروب طاحنة، وظلم كثير، وأوهام تعوق التطور والتقدّم.
لقد كان الفرد الصريح يرى أنّه خير الناس، ومن ذلك قول ربيعة بن مكَدّم الكناني(( )):
أنا ابنُ عبدِ اللهِ محمودُ الشّيَمْ

مُؤْتَمَنُ الغيبِ وَفيٌّ بالذّمَمْ

أَكْرَمُ مَنْ يمشي بساقٍ وَقَدَمْ

ويرى امرؤ القيس أنه (فتىً لم تحمل الأرضُ مثله)(( ))، وافتخر عمرو بن كلثوم بأنّه خيار من خيار في قوله(( )):
إنْ تَسْألَي تَغْلِباً وإخوتَهُمْ
يُنْبُوكِ أنّي مِنْ خيرهمْ نَسَبا

أنْمَى إلى الصّيدِ مِنْ رَبيعةَ والـ
أَخيْارِ مِنْهُمْ إنْ حُصِّلُوا نَسبَا

ويرى العباس بن مرداس السلمي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن لا يفضلانه، وذلك لأن حصنا وحابساً لا يفوقان مرداساً(( ))، ويرى عامر بن الطفيل أنّ أمثاله قليل في قومه بني عامر إذ يقول(( )):
إنّني والذي يَحُجُّ لَهُ النّا
سُ قليلٌ في عامرٍ أَمْثَالي

وهذا تعصب ظاهر إذا عرفنا أن عامراً وأمثاله لا يقدّمون أحداً على قومهم، فالتعصب جعل الصريح يرى أن عشيرته خيرٌ من قبيلته، ومن ذلك قول أبي محجن الثقفي(( )):
لقد عملتْ ثقيفٌ غير فخرٍ
بأنّا نحنُ أجودها سيوفا

وقول أوس بن حجر التميمي(( )):
لنا مَرْجَمٌ نَنْفِي بهِ عن بلادِنا
وكُلُّ تميمٍ يَرْجُمونَ بِمرْجَمِ

وجعله يرى قبيلته خيراً من أختها؛ فعبس وذبيان أخوان، ولكنّ عبساً تفضل ذبيان في قول الحطيئة العبسي(( )):
أخُو ذُبيَانَ عَبْسٌ ثُمَّ مَالتْ
بنو عَبْسٍ إلى حَسَبٍ وَمَالِ

فما إنْ فَضْلُ ذُبْيانٍ عَليْنا
بِشَيْءٍ غَيْرَ أقوالِ الضّلالِ

وقاد الإغراق في التعصب الشاعر الصريح إلى أن يرى أن قبيلته خير من الجذم الذي تنتمي إليه كقول بشر بن أبي خازم الأسدي مفتخراً بقومه بني أسد(( )):
هُمُ فَضَلُوا بِخَلاّتٍ كِرامٍ
مَعَدَّاً حَيْثُما حَلّوا وَسَارُوا

وقول سلامة بن جندل التميمي(( )):
وَمَجْدُ مَعَدٍّ كان فوقَ عَلاَيَةٍ
سَبَقْنا به إذْ يَرْتَقُونَ ونَرْتقي

والمبالغة في التعصب أنست سلامة بن جندل صلات قبيلته بأجدادها فافتخر عليهم بقوله(( )):
هَمَّتْ مَعَدٍّ بناهَمَّا فَنَهْنَهها
عَنّا طِعَانٌ، وضربٌ غيرُ تَذبيبِ

إن الإغراق في التعصب للجماعة الأبوية ضخم مشاعر الاعتزاز بالذات وبالجماعة، وجعل على عيون المغرقين في التعصب غشاوة، حجبت عنهم رؤية حقيقة وجود الجماعات الإنسانية المحيطة بهم؛ فعمرو بن كلثوم يرى أن قومه يستطيعون أن يقفوا(( )):
حُدَيّا الناسِ كُلّهِمُ جَمِيعاً
مُقَارَعَةً بَنِيْهِمْ عن بَنِيْنا

ويقول عمرو بن شأس الأسدي(( )):
فَلَو طُفْتَ بين الشرقِ والغَرْبِ لم تجدْ
لِقومٍ على قومي ولو كَرُمُوا فَضْلا

وفخر حسان بن ثابت بأنه ينتمي إلى أسرة لا تضاهى، في قوله(( )):
إلى أسرةٍ طَابَتْ وَعُولِي فَرْعُها
فليس لِفَرْعٍ غَيْرَها أنْ يَطُولَها

وحسان هو القائل في الإسلام مفتخراً بجماعته الأبوية(( )):
أُولئكَ قَوْمِي خَيْرُ بِأسْرِهمْ
فَما عُدَّ مِنْ خَيْرٍ فَقَوْمِي لَهُ أَهْلُ

وهو القائل أيضاً(( )):
نحن الخِيارُ مِنَ البَرِيّةِ كُلِّهَا
وَنِظَامُها وزِمَامُ كلِّ زِمَامِ

ويعتقد حسان أن قومه هم الذرى من نسّل آدم(( ))، وهم الكرام، فلا حيّ يفاخرهم(( )) ويرى عبيد بن عبد العزى السّلامي أن لقومه ذرى المجد، وقيادة الناس كلّهم في قوله(( )):
لنا الغُرَفُ العُلْيا مِنَ المْجدِ والعُلَى
ظَفِرْنا بها والناسُ بَعْدُ توابِعُ

ويفخر عمرو بن معد يكرب بأن قومه يمتلكون سمة التفوق مجتمعين ومنفردين في قوله(( )):
فما جَمْعٌ لِيَغْلِبَ جمعَ قومي
مُكاثرةٌ ولا فردٌ لِفَرْدِ

ويعلن بشر بن أبي خازم أن قومه هم (أهل المآثر ما لهم عدل(( )))، ويقول خُراشة بن عمرو العبسي: (ولا قومَ إلاّ نحنُ)(( )). والشواهد على الإغراق في التعصب كثيرة(( ))، وهي دليل على تقطّع الصلات بين الجماعات الأبوية، ولا سيما حين يكون التعصب للجماعة الأدنى، كالرهط والعشيرة.
إن الإغراق في التعصب للنسب الأبوي ضخم إحساس الصريح بذاته وبجماعته الأبوية، وقادة إلى تضييق دائرة نسب الجماعة التي ينتمي إليها، وإلى وضع حدود فاصلة وحدّية بين جماعته والجماعات الأخرى المحيطة به، فالمغرق في التعصب لا يرى جماعة تستحق التعظيم إلا جماعته الأبوية، ولا يجد في الجماعات الأخرى إلاّ وجوداً إنسانياً أدنى منزلة من جماعته، وقد أدرك ذو الإصبع العدواني هذه الحقيقة في قوله مخاطباً ابن عمّه، وهو مدرك النتائج الخطيرة للتعصب(( )):
أَزْرَى بنا أنّنا شَالتْ نَعَامَتُنا
فَخَالَني دُونَهُ بَلْ خِلْتُهُ دُوني

وذو الإصبع هو القائل لأبناء عمّه(( )):
ماذا عَلَيّ وإنْ كُنْتُمْ ذَوِي رَحِمي
ألاّ أُحِبَّكُمُ إنْ لم تُحِبُّوني

لو تَشْرَبُونَ دمي لَمْ يُرْوَ شارِبُكُم
ولا دماؤكُمُ جَمعاً تُرَوَّيني

فالإغريق في التعصب يُفعِم القلوب بالأحقاد، فيعرض بعض الأقارب عن نصرة بعضِ في الشدائد، وفي ذلك يقول ذو الإصبع مخاطباً أبناء عمّه(( )):
ماذا عَلَيَّ إذا تَدْعُونَنِي فَزَعاً
ألاّ أُجِيبَكُمُ إذْ لا تُجيبُوني

وقد أعرض الحارث بن وَعْلَة الجَرميّ يوم الكُلاب الثاني عن إنقاذ رجل من بني نهد، وعلّلَ ذلك بوجود حرب ووحشة بين نهد وجرم وذلك في قوله(( )):
يَقولُ لي النّهْدِيّ: هَلْ أنتَ مُرْدِفي؟
وكيف رِدافُ الفَلِّ؟ أُمُّكَ عابِرُ

يُذَكِّرُني بالرحْمِ بَيْني وبَيْنَهُ
وقَدْ كانَ في نَهْدٍ وَجَرْمٍ تَدابُرُ

والإغراق في التعصب كان من أسباب حروب طاحنة، فالأعشى يصرح بأن رهطة لا يتورّعون عن قتل أبناء عمومتهم، وذلك في قوله(( )):
كلاّ زَعَمْتُمْ بِأنّا لا نُقَاتِلُكُمْ
إنّا لأمْثالِكُمْ ياقَوْمَنا قُتُلُ

مهلهل التغلبي يغلق أبواب المصالحة مع البكريين في قوله(( )):
لا أَصْلَحَ الله مِنّا مَنْ يُصَالحكم
ما لاحَتِ الشمسُ في أَعْلَى مجاريها

وبذلك كثرت المظالم فتفانت قبيلة عدوان، وفي ذلك يقول ذو الإصبع(( )):
غّذيرَ الحَيِّ مِنْ عَدْوَا
ن كانُوا حَيَّةَ الأرْضِ

بَغَى بَعْضُهُمُ بَعْضاً
فَلَمْ يُبْقُوا عَلَى بَعضِ

وتفرقت بكر وتغلب، وفي ذلك يقول طرفة البكري(( )):
والظلم فَرَّقَ بَيْنَ حَيَّيْ وائلٍ
بَكُرٌ تُسَاقيها المنايا تَغْلِبُ

وألجأ الصراع بين بني كعب وبني كلاب العامريين بني كعب إلى الدخول في بني يحابر المذحجيين، وفي ذلك يقول خداش بن زهير العامري(( )):
وإنّ كِلاباً لا كِلابَ لأَهْلِها
وقد جَعَلَتْ كعبٌ تكونُ يَحَابِرا

تماريتُمُ في العِزِّ حَتّى هَلَكُتمُ
كما أَهْلَكَ الغارُ النساءَ الضرائِرا

ومثل بني كعب جماعات أبوية أخرى تسببت العصبية الضيقة في تفرقها وشتاتها(( )):
وبسبب التعصب الشديد للأقارب برزت ظاهرة المغالاة في الأخذ بالثأر، فكان ذوو القتيل المتعصبون يأبون أخذ الدّية، فحين أراد عمرو بن معد يكرب أن يصالح أبناء عمّه، ويأخذ منهم دية أخيه عبد الله قالت أخته كبشة(( )):
أَرْسَلَ عبدُ اللهِ إذْ حَانَ يَوْمُهُ
إلى قَوْمِهِ لا تَعْقِلُوا لَهُمُ دَمِي

ولا تأخذوا مِنْهُمْ إفَالاً وَأَبْكُراً
وُأتْرَكَ في بَيْتٍ بِصَعْدَةَ مُظْلِمِ

وَدَعْ عَنْكَ عَمْراً إنَّ عَمْراً مُسِالِمٌ
وَهَلْ بَطْنُ عَمْروٍ غَيْرُ شِبْرٍ لمَطْعَمِ

فكبشة أهاجت بهذا الشعر أخاها، ودفعته إلى الأخذ بثأر أخيه(( ))، وقد أشارت في البيت الثاني إلى اعتقاد العرب بأن قبر المقتول يضيء إذا ثأر أهله به، فإن أهدر دم القتيل أو قُبلت ديته كان قبره مظلماً(( ))، وذكر التبريزي في شرح قول ذي الإصبع العدواني يتوعد ابن عمّ له:
يا عَمْرُو إلاّ تَدَعْ شَتْمِي ومَنْقَصَتِي
أضْرِبْكَ حَتّى تَقولَ الهامَةُ: اسْقُوني

إن العرب كانوا يقولون: (إنّ المقتول إذا لم يُدرَكْ ثأره يخرج من رأسه هامةٌ، يصَوّتُ على قبره: اسقوني اسقوني، فإذا قُتِل قاتلُهُ أمسك). وكانوا يذمّون من يأخذ الدية(( ))، ويفخرون بإدراك الثأر.
وقد أشير آنفاً إلى بعض منافع إدراك الثأر في المجتمع القبلي الأبوي، ولكن المغالاة في التعصب لأبناء النسب الأبوي دفعت إلى الإمعان في القتل طلباً لشفاء النفوس الموتورة فكان أهل القتيل يعرضون عن القاتل أحياناً، ويتوجهون إلى قتل من يرون أنه كفء لقتيلهم. ولكن ذلك لا ينهي الصراع بل يفتح صفحة ثأر جديد؛ فالأعشى تهدد بعض أبناء عمّه، وكان لهم ثأر عند قومه، بقوله(( )):
لئن قَتَلْتُمْ عَمِيداً لم يَكُنْ صَدَداً
لَنَقْتُلَنْ مِثْلَهُ مِنْكُمْ، فَنَمْتَثِلُ

وفخر دريد بن الصمة بأن قومه قتلوا بأخيه خير لداته، وخير شباب الناس، وذلك في قوله(( )):
فَتَلْنَا بِعَبْدِ اللهِ خيرَ لِدَاتِه
وخَيرَ شبابِ الناسِ لو ضُمَّ أَجْمَعَا

ذؤابَ بنَ أسماءَ بن زيد بن قاربٍ
مَنِيَّتُه أجرى إليها وَأوْضَعَا

وكان بعض الصرحاء المغالين في التعصب لا يرون لقتيلهم كفئاً، فقد قتلَ عبدُ الله بن جذل الفِراسيّ الكناني رجلين من سادات بني سُليم وجرح ثالثاً ثأراً لربيعة بن مكدّم، ثم قال لهم(( )):
فصبراً يا سليمُ كما صَبَرْنَا
وما فيكمْ لواحِدِنا كِفَاءُ

وقتل قوم لبيد بقتيلهم تسعة سادة صرحاء عدا الموالي، وذلك في قوله(( )):
قتلنا تسعة بأبي لُبَيْنَى
وألحقنا المواليّ بالصَّمِيم

وقتل بنو سليم بعبّاس بن الأصم الرعلي السُّلمِيّ سبعين سيدّاً من خَثْعَم وفي ذلك يقول العباس بن مرداس(( )):
أبلغْ قحافةَ عنّا في ديارهمُ
والحربُ تَكْشِرُ عنْ نابٍ وأضراسٍ

أنّا قتلْنا بِتَرْجٍ من سَراتِهِمُ
سَبعينَ مُقتبِلاً صَرْعَى بِعَبَّاسِ

وافتخر عامر بن الطفيل بأنّ قومه قتلوا من أعدائهم مائةٌ بشيخ(( ))، وهجا حسان بن ثابت الخزرجي أبناء عمومته الأوسيين بقوله(( )):
قَتَلْتُم واحداً مِنّا بِألْفٍ
هلا للِهِ ذا الظّفَرُ المبينُ

وادّعى دريد بن الصمة أنه قتل بأخيه قبيلة عبس وإخوتها(( ))، وهذا كلام مجازي، ولكنه ينوء بالمبالغة وكذلك الأرقام، سبعون بواحد، ومائة بواحد، وألف بواحد، فيها مبالغات لا تخفى، ولكنها تبرز الإيغال في التعصب، وبه نفسرّ قول مهلهل يخاطب بني بكر، معلناً عزمه على إدراك ثأره عندهم(( )):
ليس أَخُوكَمْ تاركاً وِتْرَةُ
وليس عن تَطْلابِكُمْ بالمُفِيقْ

وقوله معلناً أن من قُتل من بكر لايفي بدم كليب إلاّ أن ينال القتل آل هَمّام، وهم بيت بكر(( )):
كُلُّ قتيلٍ في كُلَيبٍ حُلاّمْ
حَتّى ينالَ القَتْلُ آلَ هَمّامْ
وقوله لما أسرف في الدماء ثأراً بكليب معلناً حزنه لذلك مقروناً بعزمه على ملاحقة بني بكر كلّهم(( )):
أكثرتُ قَتْلَ بني بَكْرٍ برَبّهمُ
حَتّى بكيتُ وما يَبْكي لَهُمْ أَحَدُ

آليتُ باللهِ لا أرضَى بِقَتْلِهمُ
حَتّى أُبهْرِجَ بكراً أينما وُجِدوا

والإسراف في القتل طلباً للثأر قاد الجماعات الأبوية إلى ظلم بعضها بعضاً وإلى تقطيع أواصر العلاقات الإنسانية التي تشدّ بعضها إلى بعضها الآخر.
ومن الإيغال في التعصب للجماعة الأبوية أن تقرّ نفس الصريح بظلم غيره؛ فالطفيل الغنوي يفخر باجتماع كلمة قومه اجتماعاً يقدرهم على ظلم الآخرين مثلما يقدرهم على درء المظالم عن أنفسهم، يقول الطفيل ( ):
ألفيتنا رُمْحاً على الناسِ واحِداً
فَنَظْلِمُ أو نَأبَى على مَنْ تَظَلّما

ويفخر لبيد بن ربيعة بأنه ينصر ابن عمّه نصراً ينتقل به من وضع المظلوم إلى منزلة الظالم، ويقول(( )):
وَمَوْلىً قد دَفَعْتُ الضَّيْمَ عَنْهُ
وقد أمْسَى بمنزلَةِ المَضيِمِ

ولعل تجارب الحياة القاسية التي يتكرر فيها الظلم، ويكسب فيها الظالم في ظلّ شريعة السيوف والرماح المتصارعة من أجل البقاء الأفضل، وفي غياب القوة القادرة على فرض حكومتها على تلك السيوف والرماح -هي التي أوحت إلى زهير بن أبي سلمى بقوله(( )):
وَمَنْ لا يذُدْ عن حَوضِهِ بسلاحِهِ
يُهَدّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ

وجعلت دريد بن الصمّة يقول(( )):
وهَلْ أنا إلاّ من غزيّةَ إنْ غَوَتْ
غَوَيْتُ وإنْ ترشُدْ غَزِيّةُ أَرْشَدِ

ومن مظاهر ذلك الإيغال في التعصب أن الصرحاء يعتدّون بآراء جماعاتهم الأبوية دون غيرها؛ فالصريح المغالي في التعصب يرى أن معرفة قومه بأفعاله تغنيه عن معرفة الآخرين بها، جثامة بن قيس الكناني(( )):
إذا لاَقَيْتِ قَوْمِي فاسألِيهِمْ
كَفَى قَوْماً بِصَاحِبِهمْ خَبِيرَا

وكان الصرحاء يعتدون بإشهاد قبيلتهم على مفاخر عشيرتهم كقول عمرو بن شأس الأسدي(( )):
وقد عَلِمَتْ بنو أَسَدٍ بِأنّا
نُطاعِنُ بالرّماحِ إذا لُقينا

وبإشهاد جذمهم على مفاخر قبيلتهم كقول عمرو بن شأس أيضاً(( )):
وقد عَلِمَتْ عُلْيَا مَعَدِّ بِأنّنا
على الهَوْلِ أهلُ الراكبِ المُتَغَلْغِلِ

إنّ اعتداد الصريح بآراء جماعته الأبوية دون غيرها، ولا سيما حين تضيق دائرة تلك الجماعة، مظهر انغلاقي، يناقض مشاعر الاهتمام بآراء الآخرين، ويحدّ من مظاهر التواصل معهم، ويعرقل مسيرة وحدة تلك الجماعات الأبوية وتقدمها، ومثل ذلك مظهر التمادي في تعظيم الآباء والأجداد.
وإنّ تمادي الصرحاء في تعظيم آبائهم وأجدادهم عاق فرص تطور الإنسان الجاهلي إذ رسّخ في ذهنه مفاهيم خاطئة، ومن تلك المفاهيم أن السلوك الاجتماعي إرث يتناقله الأبناء عن الآباء والأجداد. إنّ خيراً فخيرُ، وإنْ شرّاً فَشَرُّ؛ فالإنسان ينتمي لأرومة تضعه أو ترفعه، وفي ذلك يقول زهير بن أبي سلمى يرثي هرماً(( )):
يَنْمِي إلى مِيراثِ والدِهِ
كلُّ امرئٍ لأرَومَةٍ يَنْمِي

فيها مُرَكّبُهُ وَمَحْتِدُهُ
في اللّؤْمِ أو في الموْضِع الفَخْمِ

وادّعى عامر بن الخُرشب الأنماريّ أن عامر بن الطفيل يحذر حذو والده في الفرار في قوله(( )):
وإنّك يا عامِ ابنَ فارسِ قُرْزُلٍ
مُعيدٌ عَلَى قِيلِ الخَنَا والهَواجِرِ

ويقول عمرو بن شأس الأسدي(( )):
ومَنْ لا تكُنْ عادِيَّةٌ يُهْتدَى بها
لوالِدِهِ يُفْخَرْ عليه ويَفْسَلِ

ومن اعتقادهم بتوريث اللؤم والمجد قول زهير بن أبي سلمى في المديح(( )):
إلى مَعْشَر لم يورثِ اللُؤْمَ جَدّهُمْ
أصاغِرَهُمْ وكلُّ فَحْلٍ له نَجْلُ

وقوله أيضاً(( )):
فما يكُ من خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنّما
تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ

وهَلْ يُنْبِتُ الخَطّيَّ إلاّ وَشيجُهُ
وتُغْرَسُ إلاّ في مَنَابِتِها النْخْلُ

والصورة الفنية في البيتين السابقين تأتي بياناً لفكرة تعلق الأبناء بالآباء فهم يغرسون النخل في منابتها، ولا يرون إمكانية غرسها في غير الأماكن التي ألفوه فيها. وكذلك حال السلوك الاجتماعي، إنه إرث لا يتحول من أسرة إلى غيرها، وفي ذلك يقول عمرو بن شأس(( )):
عَزَزْنا فَمَا للمجدِ مِنْ مُتَحَوّلٍ
سوى أهْلِهِ من آخرينَ وَأوَّا

ويقول خُراشة بن عمرو العبسي(( )):
قُرومٌ نَمَتْنا في فُرُوعٍ طَويلةٍ
بحيثُ امتناعُ المَجدِ أنْ يَتَنَقْلا

ومن لا مجدَ له لا حسب له في قول زهير يمدح هرماً(( )):
لَهُ في الذاهبينَ أُرُومُ صِدْقٍ
وكانَ لِكُلِّ ذي حَسَبٍ أُرُومُ

وارتبط بمفهوم ثبات المجد، وعدم انتقاله من أسرة إلى أخرى اعتقاد بعض الصرحاء أن خير ما يفعله الإنسان أن يَتْبَعَنَّ أعراقه(( ))، وأن أقصى ما يستطيع فعله أن يكون نسخة مأخوذة عن آبائه وأجداده أو تابعاً لهم، وقد صاغ هذا المعنى زهير بن أبي سلمى في قوله يمدح هرماً(( )):
يَطْلُبُ شَأْوَ امرأَيْنِ قَدّمَا حَسَناً
نالا المُلُوكَ، وبذّا هذه السُّوَقا

هو الجوادُ فإنْ يلحقْ بشَأْوِهما
على تَكاليفِهِ فَمِثْلُهُ لَحِقَا

أو يَسْبِقاهُ على ما كانَ مِنْ مَهَلٍ
فَمِثْلُ ما قَدّما من صالحٍ سَبَقَا

وقول زهير خطوة متقدمة قياساً إلى من يعتقد أن الأبناء لا يستطيعون أن يصلوا إلى منزلة الآباء أبداً، فهذا حجر بن خالد الضبعي يقول(( )):
وَجَدْنَا أَبَانَا حَلَّ في المَجْدِ بَيْتُهُ
وأْعْيَا رجَالاً آخَرِينَ مَطالِعُهْ

فَمَنْ يَسْعَ مِنْا لا يَنَلْ مِثْلَ سَعْيَهِ
ولكنْ مَتَى ما يرتَحِلْ فهو تابِعُهُ

فأقصى ما يستطيع الأبناء فعله بعد استفراغ مجهودهم أن يكونوا تابعين لأبيهم بعد موته.
وقد افتخر حسان بن ثابت بأنه لا يستطيع أن يخلف أباه، فحين قال أبو سفيان بن الحارث(( )):
ألا مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ أَنّي
خَلَفْتُ أبي وَلَمْ تَخْلُفْ أَبَاكا

أجابه حسان بقوله(( )):
وإنّ أبي خِلافَتُهُ كَبيرٌ
وإنَّ أباكَ مِثْلُكَ ما عَدَاكا

وبقوله أيضاً لأبي سفيان(( )):
إنّي لَعَمْرُ أبيكَ شَرٌّ مِنْ أَبِي
وَلأَنْتَ خَيْرٌ من أبيكَ وأَكْرَمُ

وذكر حسان في موضع آخر أن الناشئ من شباب قومه لا يطيق فعال الشيخ منهم، ولو كان ذلك الناشئ أكثر حيلة وكرماً من أقوام آخرين(( ))، فالإنسان الصريح يستشعر العار إن قيل له: إنّك خير من أبيك، وبذلك تضيق تطلعات الإنسان وتحدّد طموحاته في تقليد آبائه وأجداده، وهو مكبّل وعاجز عن إعادة النظر فيما فَعَلَه الآباء والأجداد، فإنّ وجد ضعفاً في قومه نسب ذلك إلى عجز الأبناء عن مجاراة الآباء كقول أوس بن حجر(( )):
وَرِثْنَا المجْدَ عن آباءِ صِدْقٍ
أَسَأْنا في ديارِهِمُ الصّنيعا

إذا الحَسَبُ الرّفيعُ تواكَلَتْهُ
بُنَاةُ السُّوءِ أَوْشَكَ أنْ يَضِيعا

ومن تعظيم الآباء أن ينظر الأبناء إلى آبائهم نظرة إعظام تبلغ درجة تقديس قبورهم، وتأليههم وفي ذلك يقول بشر بن أبي خازم يهجو بني لأم الطائيين(( )):
جَعَلْتُمْ قَبْرَ حَارِثَةَ بن لأْمٍ
إلاهاً تَحْلِفُونَ بهِ فُجُورَا

وهذا الهجاء يعني أن من الصرحاء من كان يأبى رفع الآباء إلى منزلة تفوق صفاتهم الإنسانية، ويشير إلى جانب من تصارع قيم المنتمين إلى النسب الأبوي، قيم المغالين في التعصب الذين يريدون استمرارية القديم، وقيم الذين يريدون قطع تلك الاستمرارية بإدخال نسغ جديد إلى شجرة الحياة في مجتمعهم القبلي الموّار بالجدل الإنساني المتمثل بالصراع بين نوعين من القيم: قيم الانغلاق والتشرذم، وقيم الانفتاح والتوحد؛ فمغالاة الصريح في التعصب لجماعته الأبوية جعلته يعتقد أنّه وقومه خير الناس؛ فكانت الحروب الطاحنة التي مزقت أوصال الجماعات، وحدثت المظالم التي قطعت الأواصر، وتكونت مفاهيم خاطئة ترى أن السلوك الإنساني إرث ثابت ينتقل من الآباء إلى الأبناء، وأن الأبناء لا يستطيعون تجاوز دوائر السلوك التي عاش فيها آباؤهم.
إن القيم الناتجة عن الإيغال في التعصب تضخّم الذات والجماعة الأبوية الصريحتين، إلى درجة عدم الاقتدار على التوافق مع الواقع المعاش، فتظهر بذلك العدوانية، وينتاب القلق النفوس. وفي مقابل ذلك وجدنا قيم الانفتاح والتوحد، حيث التناصر والتكافل بعيداً عن الظلم، وحيث مكارم الأخلاق القابلة للانتقال من يد إلى أخرى بالإرث والعمل معاً، أو بالعمل وحده أيضاً.
لقد أكسبت قيم الانفتاح والتوحد نفوس الصرحاء توازناً تجلّى في الثقة بالنفس وبالرغبة في التصالح والعيش المشترك مع الآخرين، وفي بناء الأمجاد (مكارم الأخلاق) المشتركة.
هكذا كان جدل الحياة لدى الصرحاء في ظل انتمائهم إلى جماعاتهم الأبوية فكيف كان انتماؤهم في ظل أمومتهم الصريحة؟
2- أمومة الصرحاء
1-الانتساب إلى الأمّهات
إنّ أمومة الصريح تعدل أبوّته في لزومها لصحة نسبه، ولذلك احتفل الصرحاء بأنساب أمهاتهم، فكانوا (يعظمون الأمّ، ولا يعزّون المرأة إلاّ أنْ تكونَ أمّاً)(( ))، فانتسبوا إليها غير محرجين، وأظهروا لها الاحترام والتقدير وأقاموا علاقات طيبة مع أخوالهم في أحايين كثيرة.
ومن أشهر الأمهات اللواتي نُسب إليهن ليلى بنت حُلوان القضاعية، خندف، أم أولاد إلياس بن مضر، وقد استقر في عرف الجاهليين أن أبناء مُضَرَهُم: بنو خندف وبنو عيلان (قيس عيلان)(( ))، وكثر ذكر ذلك في أشعار الجاهليين، ومنها قول سلامة بن جندل(( )):
ألا هَلْ أتَى أفناءَ خِنْدِفَ كُلّها
وعيلانَ إذْ ضَمّ الخميسينِ يَتْرَبُ

وقول عمرو بن شأس يخاطب رجلاً(( )):
متى تدعُ قيساً ادعُ خِنْدِفَ إنّهم
إذا ما دُعُوا أسمعتَ ثَمَّ الدَّواعيَا

وعدل بعض الشعراء عن النسب الأبوي إلى نسب الأمومة في نعت بعض القبائل؛ فبنو ربيعة ابن عامر بن صعصعة: كلاب وكعب وعامر وكلب، ولدَتهم مجد بنت تيم بن غالب بن فهر، وإياهم عنى لبيد بن ربيعة في قوله(( )):
سَقَى قومي بني مَجْدٍ وَأَسْقَى
نُمَيْراً والقبائلَ مِنْ هِلاَل

ونسب المتلَمّسُ الضبعي قوم طرفة بن العبد إلى جدتهم قِلابةُ بنت الحارث بن قيس اليشكرية في قوله(( )):
أبني قِلابَةَ؛ لم تكُنْ عاداتُكُمْ
أَخْذَ الدّنَّيةِ قَبْلَ خُطّةِ مِعْضَدِ

ونسب عمرو بن شأس الأسدي ولد الحارث وسعد ابني ثعلبة بن دودان بن أسد إلى أمهم سَلمى بنت مالك في قوله(( )):
إنّ بني سَلْمَى شُيُوخٌ جِلّهْ

وكان الصرحاء ينسبون بعض أبناء الجماعة الأبوية إلى أمهاتهم للتمييز بين الإخوة غير الأشقاء؛ فبنو فزارة بن ذبيان خلا عَدِيّا أمهم منولة التغلبية، ومنهم زبّان بن سيار الذي يقول(( )):
أبَنِي مَنُوْلَةَ قَدْ أَطَعْتُ سَراتَكُمْ
لو كانَ عَنْ حَرْبِ الصَّديقِ سَبِيلُ

ولزبّانٍ وقومه يقول الحادرة(( )):
لَعَمْرُكَ لا أهْجُو مَنُولَةَ كُلَّها
ولكنّما أهجو اللثامَ بني عَمْرِو

وكذلك أنتسب ملوك العرب وساداتهم إلى أمهاتهم في أحايين كثيرة؛ فقد مدح بشر بن أبي خازم الأسدي عمرو بن الحارث الكندي بقوله(( )):
فإلى ابْنِ أُمِّ إياسَ عَمْروٍ أَرْقَلتْ
رَتَكَ النعامةِ في الجَدِيبِ السَّبْسَبِ

ونسب بشرٌ حجر بن الحارث الكندي إلى أمه فقال(( )):
سَمَوْنا لابْنِ أُمِّ قَطَامَ حتّى
عَلَوْنا رأسَهُ البِيْضَ الذّكُورَا

ونسب زهير بن أبي سلمى هرم بن سنان إلى أمه إذ مدحه بقوله(( )):
أبى لابنِ سَلْمَى خَلّتانِ اصطَفَاهما:
قِتالٌ إذا يَلْقَى العَدُوَّ ونائِلُ

وانتسب بعض الصرحاء إلى أمهاتهم ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة(( ))
وبذلك تتضح لنا صور من انتساب الصرحاء إلى أمهاتهم تدل على أن الانتساب إلى الأمهات لم يكن منكراً في المجتمع الجاهلي بل كان أمراً مألوفاً، يدّل على تعظيم الصرحاء لأمومتهم، وفيما يلي بيان لذلك.
***
2-تعظيم الصرحاء لأمهاتهم
إنّ انتساب الصرحاء إلى أمهاتهم في العصر الجاهلي له وجود موضوعي، ولكنه ليس شائعاً بخلاف النسب إلى الآباء. وقد ذهب د. حسني عبد الجليل يوسف إلى أنّ الحالات الشاذة التي (نسب فيها الرجل الحرّ إلى أمّه.. لا تمثل نمطاً سائداً، وقد تتصل بخصائص متميزة لهذه الأمّ يتجاوز وظيفة المرأة في عصرها، وقد يرتبط بالكهانة...)(( ))، وقد يرتبط، في رأي د. ليلى صباغ، بأثر سياسي أو ديني متميّز(( )). ولكن الأشعار والأخبار الجاهلية تدل على أنّ انتساب الأحرار إلى أمهاتهم يرجع إلى اقتدارهن على إنجاب الذكور، وعلى تغذيتهم بلبان القيم العليا السائدة في المجتمع، وعلى دفعهم نحو إبراز تلك القيم فكراً وسلوكاً. فالنابغة الذبياني يمدح قوماً بحسن الغذاء، وبالانتماء إلى أمّ وَلَدت ذكوراً كثيرين، في قوله(( )):
لم يُحْرَمُوا حُسْنَ الغِذاءِ وأُمُهُمْ
طَفَحَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكِارِ

وفخر سلامة بن جندل بقومه بني سعد، أبناء البيض المناجيب، في قوله يخاطب القحطانيين(( )):
لمّا رَأَوا أنّها نارٌ يُضَرِّمها
مِنْ آلِ سَعْدٍ بنو البيضِ المَناجيبِ

وَلَى أبو كَرِبٍ منّا بِمُهْجَتِهِ
وصاحباه على قُودٍ سَراحيبِ

وبمثل ذلك فخر زهير بن مسعود الضبّي بقومه، فقال(( )):
يَنْمِي بهمْ آباؤهُمْ لِلعُلَى
ونِسْوَةٌ بِيضٌ مَنَاجِيبُ

واشتهرت عدة نساء في الجاهلية بالإنجاب، فكُنّ مفخرة لأبنائهن وأحفادهن، إذ ولدن رجالاً أبطالاً كرماء سادة، ومنهن أمّ البنين زوج مالك بن جعفر بن كلاب، وقد فخر بها لبيد بن ربيعة في مواطن عدة(( ))، ومنهن ربطة بنت سعد بن سهم أمّ أولاد المغيرة المخزومين(( )) وفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، أم الكَمَلَةِ العبسيين(( )).
وكان الصرحاء يرون أن أبناء الحرائر المنجبات هم أهل المكارم، وهم القادرون على خوض غمار المعارك، وعلى الذياد عن المحارم، ومن الشعر الدال على ذلك قول جعفر بن علبة الحارثي(( )):
لا يَكْشِفُ الغَمَّاء إلاّ ابنُ حُرَّةٍ
يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثُمّ يَزُورُهَا

وقول طرفة بن العبد(( )):
ولم يَحْمِ فَرْجَ الحيِّ إلاّ ابنُ حُرّةٍ
وعَمَّ الدُّعَاءَ المُرْهَقُ المُتَلَهِّفُ

وكان إعجاب دريد بن الصّمة ببسالة ربيعة بن مكدّم، حامي الظعائن سبباً في تساؤله عن نسب ربيعة، فمثله لا يُجهل أبواه، يقول دريد(( )):
يا ليتَ شِعرِي مَنْ أبوهُ وأمُهُ
يا صَاحِ مَنْ يَكُ مِثْلَهُ لا يُجهَلِ

والرجل الصريح يرى أن عجزه عن الاقتدار على إتيان المكارم يساوي نفي انتسابه إلى أمِ حصان، فقيس بن الخطيم يتوعد الخزرج بقوله(( )):
فلستُ لحاصنٍ إنْ لم تَرَوْنا
نُجَالِدُكُمْ كأنّا شَرْبُ خَمْرِ

ويقول عمرو ذو الكلْب الهذلي مُتوعداً قوماً(( )):
فلست لحاصنٍ إنْ لم تَرَوْني
ببطنِ صَرِيْحَةٍ ذاتِ النِّجَالِ

وأمُّي قَيْنَةٌ إنْ لم تَرَوْنِي
بعَوْرَشَ وَسْطَ عَرْعَرِها الطّوَالِ

إن القدرة على إنجاز الإيعاد تدل على حصانة الأم في عرف الجاهلين الصريح، وخلاف ذلك يدل على عبوديتها ورقها، وعدم حصانتها. والأمر لا يقتصر على إنجاز الإيعاد بل يتعداه إلى قضايا أخرى تتصل بتربية النفس على كبح الأهواء؛ فإياس بن قَبيصة الطائي يعلن أنّه ليس ابن امرأة كريمة من ربيعة إن شايع الهوى، وتابعه في طلب امرأة، وذلك في قوله(( )):
مَاوَلَدَتْني حَاصِنٌ رَبَعِيّةٌ
لَئِنْ أنا مَالأْتُ الهَوى لاتّبَاعهَا

إن امتلاك ابن الحرّة القيم الفاضلة لا يعني الوراثة الطبيعية لها من جهة الأم بل يعني أن الأمّ الحرّة هي القادرة على غرس تلك القيم في نفوس أبنائها، بمعايشتها لهم، وبتنشئتهم عليها، وبدفعهم إلى السلوك الموصل إليها.
والأم الحرة هي الكريمة من النساء نسباً وحسباً، ولذلك أبرز الصرحاء كرم نسب أمهاتهم، ومن الشعر الدّال على ذلك افتخار الرّقاص بن عدي الكلابي بنسب أمه الثاقب(( ))، ومدح حذيفة ابن غانم العدوي لأبي لهب بن عبد المطلب بكرم منبت أمّه لبنى بنت هاجر الخزاعية السّبئِيّة في قوله(( )):
وأمُّكَ سِرٌ من خزاعةَ جَوْهَرٌ
إذا حَصَّلَ الأنْسَابَ يوما ذوو الخبر

إلى سبأ الأبطال تُنمى وتنتمي
فَأكْرِمْ بها منسوبة في ذرا الزُّهْرِ

ويتجلى حَسَبُ الأم الحرّة في حصانتها خاصة؛ فالعفّة هي المعلم الرئيس في سلوك الأمّ الحرّة، وبه كان الأبناء يعتدّون؛ والأم الحصان هي الأساس المادي اللازم لصحة النسب الصريح الموجب لامتلاك مكارم الأخلاق السائدة في المجتمع الجاهلي. ومن اعتداد الأبناء بالأم الحصان قول يزيد بن سنان بن أبي حارثة يخاطب النابغة الذبياني(( )):
لو كنتُ هيّاباً أو ابن لَئيمةٍ
لأعطيتُ ماترضي به سَخَطَ الخصْمِ

ولكنْ تَمَطّتْ بي حَصانُ نَجيبَةُ
جَميل المُحيَّا من نساءِ بني غَنْمِ

وفخر الشّماخ الذبياني بأن نسبه خالص، لم يُدّنّس بغيّ(( ))، ونعت النابغة الذبياني نساء قومه بأنّهن عفيفات، يُخلِفْنَ رأي من يظنْ بهنّ سوءاً،في قوله(( )):
شمسٌ موانعُ كلَّ لَيْلَةِ حُرةٍ
يُخْلِفْنَ ظَنَّ الفاحِشِ المِغْيَارِ

وحفاظاً على طهارة أرحام الأمهات الحرائر حرص الصرحاء على حماية نسائهم، وجعلوا تلك الحماية عنوان الحياة الكريمة، وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم يذكر نساء قومه(( )):
إذا لم نَحْمِهِنَّ فلا بقِيْنا
بخَيْرٍ بَعْدَهُنَّ ولا حَيِينْا

ومن الفخر بحماية النساء قول قيس بن الخطيم يخاطب قبيلة معادية لقومه(( )):
وإنّا مَنَعْنا في بُعَاثٍ نِسَاءَنا
وما مَنَعَتْ مِ المخْزِيَاتِ نِساءَها

ومن الذين اشتهرو بالدفاع عن المحارم، حامي الظعائن ربيعة بن مكدّم الفراسي، وله في ذلك أخبار وأشعار مشهورة(( )):
ومن الغيرة على الأمهات الحرائر أنّ بعض الصرحاء لا يقدمون على هتك أعراض الحرائر، ولو كنّ من الأعداء، يرونه أمراً معيباً، وقد افتخر النابغة الجعدي بذلك في قوله(( )):
مَلَكْنا فَلَمْ نكشِفْ قِناعاً لِحُرَّةٍ
ولم نَسْتَلِبْ إلاّ الحديدَ المُسَمَّرا

ولو أنّنا شئنا سِوَى ذاك أصبحتْ
كرائِمُهُمْ فينا تُباعُ وَتُشْتَرّى

ولكنَّ أحساباً نَمَتْنا إلى العُلَى
وآباءَ صِدْقٍ أنْ نرومَ المُحَقّرَا

وحِرْصُ النابغة على نساء أعدائه الحرائر يوحي بشدّة غيرته على نسائه؛ فالصراع بين القبائل دول، وما يفعله الصريح بنساء أعدائه، وهو منتصر، قد يفعله أعداؤه بنسائه إن انتصروا عليه.
وفي مقابل الامتداح والافتخار بالأم الحصان كان الهجاء بافتقار الأمّ إلى العفة والتعقل؛ فقد اتّهم حسان بن ثابت أمّ بني المغيرة المخزوميين يتجنّب العفّة في قوله يخاطبهم(( )):
هَلاّ مَنَعْتُمْ مِنَ المَخْزاةِ أمَّكُمُ
يَوْمَ الثّنِيّةِ من عَمْرو بنِ يَحْمُومِ

ونعت قيس بن الخطيم أمّ بني الخزرج بأنّها حمقاء في قوله يخاطبهم(( )):
أرني كُلْما صَدَّرْتُ أَمْراً
بَني الرَّقْعاءِ جَشَّمَكُمْ صَعُودا

وهجا حسان بن ثابت أبا البختريّ الأسديّ بأمّه العبدريّة التي قُطعت يدها في الجاهلية لسرقة سرقتها، في قوله(( )):
وما طلَعَتْ شَمْسُ النّهار ولا بَدَتْ
عَلَيْكَ بِمَجْدٍ يا بن مَقْطُوعَةِ اليَدِ

لقد اعتد الصرحاء بالأمهات اللواتي تلازم فيهن الحسب والنسب الثاقب، وبرثت أرحامهن من الرجس، فكنّ رمزاً للطهارة المشرفة التي يعتز بها الأبناء والأحفاد، ويعظمونها تعظيماً جليلاً، وليس أدلّ على ذلك من التفدية بالأمّ والاستغاثة بها، وهما مظهران من مظاهر الإقرار بالمنزلة الرفيعة للأمومة؛ فالصريح كان يفدّي ما يعظمه بأمّه كقول أبي قيس صيفيّ بن الأسلت يمدح قوماً(( )):
ألا فِدّى لَهُمُ أُميّ وما وَلَدَتْ
غَداةَ يَمْشون إِرْقَالَ المصاعيبِ

وقول أوس بن حجر يمدح فضالة بن كلدة(( )):
وَفَدتْ أمّي وما قَدْ وَلَدَتْ
غَيْرَ مَفْقُودٍ فَضَالَ بن كَلَدْ

وكان الصريح يستغيث بأمّه، ومن أمثال العرب (إلى أمّه يلهف اللهفان... وبأمّه يستغيث اللّهف، يقال ذلك لمن اضطّر فاستغاث بأهل ثقته(( ))؛ فكأن الأم أضحت في خلَد الصريح رمزاً للأمان، ومعقلاً يلوذ به الابن إن عضّه الزمان بنابه. ومن الشعر الدال على ذلك قول الأسود بن يعفر يرثي صديقاً له(( )):
يا لهفَ أُمّيَ إذْ أَوْدَى وفارَقني
أودى ابنُ سَلْمَى نَقِيَّ العِرْضِ مَرْمُوقا

ومن تقدير الأمومة ذكرها باعتبارها رابطة نسب بين الأخوة. وقد كثر ذلك في شعر الرثاء كقول أبي خراش الهذلي يرثي إخوته(( )):
فَقَدْتُ بَني لُبنى فلمّا فَقَدْتُهُمْ
صَبَرْتُ، ولم أقْطَعْ عَلَيْهِمْ أَبَاجِلي

وقول متمم بن نويرة اليربوعي يرثي أخاه مالكاً(( )):
وَفَقْدُ بني أمِّ تَوَلّوا فلم أكُنْ
خلافهُم أنْ أستكِينَ فأخضعا

ولعل كثرة الانتساب إلى الأمهات في مواطن رثاء الإخوة يرتبط بذكريات طفولتهم، وبإحساسهم بعظمة رابطة الأمومة التي أسهمت في وجود سمات وقيم ومشتركة، بين الإخوة، وقد عبر دريد بن الصمة عن مثل ذلك في قوله يرثي أخاه(( )):
أعَاذِلتي كلُّ امرئٍ وابنُ أُمّهِ
مَتَاعٌ كَزَادِ الراكبِ المتزَوِّدِ

أخي أَرْضَعَتْني أُمُهُ بِلِبَانِها
بِثَدْي صَفَاءٍ بَيْنَنَا لم يُجَدَّدِ

وثمة صرحاء جمعتهم رابطة الأمومة وحدها، فكانت كافية للتواصل والتآزر والتعاطف، فقد رثت سعدى بنت الشمردل الجهنية أخاها لأمها أسعد بن مجدعة الهذلي(( ))، ورثت الخرنق بنت بدر أخاها لأمها، طرفة بن العبد(( ))، ورثى أعشى باهلة أخاه لأمّه، المنتشر بن وهب(( )).
ولعظمة نسب الأمومة كان الصرحاء يذمون من يقصّر في مؤازرة شقيقه، ومن ذلك قول حسان بن ثابت يهجو الحارث بن هشام المخزومي، وقد فرّ يوم بدر عن أخيه أبي جهل(( )):
هَلاّ عَطَفْتَ على ابْنِ أُمِّكَ إذ ثَوَى
قَعِصِ الأَسِنّةِ ضائِعَ الأسْلاَبِ

تلك صور من اعتداد الصرحاء بأمهاتهم، فهل تعارض ذلك مع اعتدادهم بآبائهم؟ فيما يلي إجابة عن التساؤل السابق.
***
3-التوازن بين الأبوّة والأمومة
إنّ اعتداد الصرحاء بالانتماء إلى الأم الحصان المنجبة المربّيَة هو الوجه الآخر لاعتدادهم بالانتماء إلى آبائهم؛ فتلك الأمّ الحرّة هي ضمان صحة الانتساب إلى الآباء، وهي الأرض الطيبة التي تنبت عَصبة الإنسان الصريح، وتغذيها بمكارم الأخلاق الجاهلية، ولذلك كثر الافتخار بالأبوة والأمومة معاً، وهو افتخار يتجاوز في أغلب الأحيان نطاق الأسرة الزواجية ليعبّر عن الانتماء إلى الأجداد والجدات بل عن الانتماء إلى الجماعات الإنسانية التي ينتمي إليها الأجداد والجدات، وذلك ظاهر في إدعاء الصريح أنه مُعَمٌّ مُخْوَل، أي: أنّه كريم الأعمام والأخوال بل كريم الأجداد والجدّات؛ فالعرب (تجعل الأعمام كالآباء، وأهل الأمّ كالأخوال(( ))،)، وتعبّر بلفظة الأب عن الجد من قبل الأم(( )) كما تعبّر بلفظه الأمّ عن الجدة، مثلما عبرت الألفاظ الأبوة عن الجدّ من قبل الأب، وقد جمع ذلك قصي بن كلاب في قوله مفتخراً(( )):
أُمّهتي خِنْدِفُ والياس أبي

إن المعمّ المخول نسب يبعث في نفوس أصحابه الاعتزاز، ومن ذلك الاعتزاز قول امرئ القيس(( )):
وأنا الذي عَرَفَتْ مَعَدٌّ فَضْلَهُ
ونَشَدْتُ عن حُجْرِ بنِ أمِّ قَطَامِ

خالي ابنُ كَبْشَةَ قد عَلِمْتَ مكانَهُ
وأبو يَزيدَ وَرَهْطُهُ أَعْمامي

وقول حسان بن ثابت(( )):
جَدِّي أبو ليلى وَوَالِدُهُ
عَمْرٌ وأخوالي بنو كَعْبِ

وافتخار الصريح بأعمامه وأخواله معاً يعبر عن تقديره للأبوة والأمومة، وقد مَرّ بنا اعتداد الصرحاء بنسبهم الأبوي، وها نحن أولاء نرى الاعتداد بالأمومة إلى جانب الأبوة وهو اعتداد بالمفاخر التي تملّكها الأجداد؛ فالصريح يفخر بأجداده لأنهم أصحاب مآثر يورثونها أبناءهم وأحفادهم، ومن الشعر الدال على ذلك قول عوف بن الأحوص(( )):
ولكنْ نلتُ مَجْدَ أبٍ وخالٍ
وكان إليهما يَنْمِي العلاءُ

وكلا قيس بن المكشوح المرادي(( )):
كِلا أَبَوَيّ مِنْ عَمِّ وَخالٍ
كما أنبيتُه للمجدِ نامِي

ومن الشعر الدال على إقرار الصرحاء بأن الإنسان يرث شمائل أصْليْة: الأبويّ والأميّ- قول امرئ القيس يمدح سعد بن الضباب، وكان تربى في حِجْر والد امرئ القيس(( )):
وتَعْرِفُ فيه من أبيه شمائلاً
ومنْ خاله، ومنْ يزيدَ ومِنْ حُجُرْ

سَماحَةَ ذا، وبرَّذا، ووفاءَذا
ونائلَ ذا، إذا صَحَا وإذا سَكِرْ

والاعتداد بالأصلين: الأبويّ والأميّ، الصريحين يظهر علاقة الصريح المتوازنة بهما، فهو ينتمي إليهما، يرى فيهما الأساس الماديّ لوجود المتميز في مجتمعه، فنجابة الأبوين هي ضمان نجابة الابن وكرمه، وفي ذلك يقول كعب بن زهير(( )):
إذ كان نَجْلُ الفَحْلِ بين نَجيبَةٍ
وبين هِجَانٍ مُنْجِبٍ كَرُمَ النّجْلُ

وعاتبت قُتيلة بنت النضر العبدرية الرسول (ص) بقولها له(( )):
أَمُحَمَّدٌ ولأنْتَ نَجْلُ نَجِيبةٍ
مِنْ قَوْمِها، والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ

وفخر حسان بن ثابت بقومه أولاد عمرو بن عامر؛ فهم أصحاب شرفٍ عالٍ، وهم ملوك وأبناء ملوك ينتمون(( )):
لِكلٍّ نَجِيبٍ مُنْجِبٍ زَخَرَتْ بهِ
مُهَذْبَةٌ أَعْراقُها لم تُرْهَقِ

فالنسب الأبوي لا يكفي وحده لإنجاب الأبناء الكرام بل لا بدّ له من أمومة طيبة طاهرة.
وكان ارتباط بعض القبائل بنسب أبوة وأمومة مشترك ملاذاً تؤول إليه إن وقع بينها خلاف، يتذكّره العقلاء منهم، فيدعون إلى مراعاته، وإلى وأدِ الخلافات إجلالاً للقرابة النسبية التي تربط بينهم، ولهم في ذلك أشعار تؤكد إعلاءهم لشأن الاشتراك في رابطتي النسب الأبوي والأميّ(( )).
لقد تمتعت الأم بمنزلة لا تقلّ عن منزلة الأب عند أبنائها لأنها أحد أصلين صريحين لا يتحقق النسب الصريح للأبناء إلاّ بهما معاً، ولذلك كانت الأم تشارك في صنع أحداث عامة مهمة، بدفع أبنائها إلى المشاركة فيها؛ فدريد بن الصمّة حضته أمّه بشعر لها على الطلب بثأر أخيه عبد الله، فقال يخاطب أمّه(( )):
ثَكِلْتِ دُرَيداً إنْ أتَتْ لكِ شَتوةٌ
سِوى هذه حتّى تَدُورَ الدّوائِرُ

وشَيَّبَ رأسي قَبْلَ حِين مَشِيبهِ
بُكاؤُكِ عَبْدَ اللّهِ والقلبُ طائرُ

إذا أنا حاذَرْتُ المَنِيّةَ بَعْدَهُ
فلا وألَتْ نَفْسٌ عليها أحاذِرُ

وكان بعض الصرحاء لا يجدون غضاضة في تقديم الأمومة على الأبوة؛ فعميرة بن جُعَل التغلبي، هجا قومه، فاستثنى الأمهات، وردّ مخازي قومه إلى آبائهم، وذلك في قوله(( )):
كَسَا الله حَيَّيْ تَغْلِبَ بنةِ وائلٍ
من اللُؤْمِ أظفاراً بَطِيئاً نُصُولُها

فَمَا بهمُ ألاّ يكُونُوا طَرُوقَةً
هِجاناً، ولكنْ عَفّرَتْها فُحُولُها

ترى الحاصنَ الغَرّاءَ منهمْ لِشَارِفٍ
أخِي سَلّةٍ، قَدْ كانَ مِنْهُ سَلِيلُها

فهو يرى أن لؤم قومه لم يأت من قبل أمهاتهم، بل من قبل آبائهم، ومدح المثقب العبدي الملك عمرو ابن هند، فنسبه إلى جماعة أمه أولاً، ثم نسبه إلى جماعة أبيه، في قوله(( )):
حُجُرِيٌّ عائِدِيٌّ نَسَباً
ثُمَّ للمُنْذِرِ إذْ جَلّى الخَمَرْ

إنّ اشتراط صراحة أصليّ الإنسان الصريح لصحة نسبه -مظهر متعصب للصرحاء على غيرهم، وهو عائق لتمازج الصرحاء مع الأجماس الإنسانية الأخرى، ولكنه في الوقت ذاته مظهر متطور ومشروط بظرفة التاريخي؛ فهو يُعلي شأن المرأة، الأم ، ويُعين على ترابط الجماعات الأبوية الصريحة؛ فأمّ الصريح قد تكون من جماعته الأبوية، وقد تكون من جماعة أبوية أخرى، فتغدو الأمّ حينئذٍ وسيلة تقارب بين أبناء الأخت وأخوالهم، بل بين جماعة أبوية وأخرى؛ فأبناء الأخت يمدحون أخوالهم ويفخرون بهم، والأخوال يعتزون بأبناء الأخت، ويتقرّبون إليهم.
ومن شعر الصرحاء في تعظيم الأخوال قول زهير بن أبي سلمى المزنيّ يذكر أخواله بني سهم، وهم من بني مُرّة بن عوف الذبيانيين(( )):
قَومٌ هُمُ وَلَدوا أبي، وَلَهُمْ
جُلَ الحِجازِ، بُنُوا عَلَى الحَزْم

مَنَعُوا الخَزَايةَ عن بُيوتِهِمُ
بِأسِنّةٍ وَصَفَائحٍ خُذْمِ

وقول معقل بن خويلد الهذلي مفتخراً بأخواله الأبطال، الأجواد، الذين ينمون منازل أبناء أخواتهم صعداً(( )):
بَنُو فَالجٍ قوْمي، وهُمْ وَلَدُوا أبي
وَخَالِي ثِمَالُ الضَّيْفِ مِنْ آلِ فَاتِكِ

مَحَابسُ في دار الحِفَاظِ مَحَاشِدٌ
عَلَى تَرَعِ المِقْرَى لِطَافُ المَحَابِكِ

كأنَّ امْرَءاً كَانُوا هُمُ أَهْلَ أُمِّهِ
نَمَى رَحْلُهُ عِنْدَ النُّجُومِ الشَّوَابكِ

وقول الأسود بن عمرو بن كلثوم جاعلاً فضل خاله الثُّوير بن هلال النمري فوق كل فضل(( )):
خالي بذي بَقَرٍ حَمَى أَصْحابَهُ
وَشَرَى بُحْسنِ حَدِيِثِه أنْ يُقْتلا

ذاكَ الثُّوَيْرُ فَما أُحِبُّ بَفضْلِهِ
عِنْدَ التّفَاضُلِ فَضْلَ قومٍ أَفْضَلا

وكان أبناء الأخت يرجون الخير لأخوالهم، ومن الشعر الدال على ذلك قول عامر بن الطفيل العامري يذكر أخواله من بني غَنِيّ من غطفان(( )):
ألا يا ليتَ أخوالي غَنِيّا
عليهِمْ كلّما أمْسَوا دُوَارُ

بِبِرِّ إلهِهِمْ ويكُونُ فيهمْ
عَلَى العَافينَ أيامٌ قِصَارُ

ويسعون في إصلاح أمور أخوالهم كما في قول معدان بن جَوّاس الكندي(( )):
تَدَارَكْتُ أَخْوالي من الموتِ بَعْدَما
تَشَاءوا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرِ مَنْشِم

ويفدّون ما يقّدرونه بأخوالهم وخالاتهم مؤكدين بذلك على شدّة تعظيم الخؤولة. ومن ذلك قول عمرو بن قميئة: (فدىً لأولئك عمّي وخالي)(( )). ويشبه ذلك قول الطفيل الغنويّ: (لك الأمُّ منّا في المواطن والأب)(( ))
وقول طرفة بن العبد( ):
فَقَداءٌ لِبَني قَيْسٍ عَلَى
ما أصَابَ النَّاسَ منْ سُرٍّ وَضُرْ

خالَتي والنَّفْسُ قِدْماً إنَّهُمْ
نَعِمَ السَّاعُونَ في الْقَومِ الشُطُرْ

فهو يفدّي قيس بخالته ونفسه لأنهم يسعونَ في الغرباء أحسن سعي.
وفي مقابل إكرام أبناء الأخت لأخوالهم كان الأخوال يكرمون أبناء أخواتهم، ويفخرون بهم، ومن ذلك قول عمرو بياضة النجاري لعبد المطلب بن هاشم وكانت أمه نجاريّة( ):
وَلَدْناكَ يا شبية المكرما
تِ ، ساقِيَ زُوَّارِ أرْضِ الحَرَمْ

وقد ينسب الأخوال ابن الأخت إلى أمّه لإظهار نسبه إليهم من جهة الأم( )، ويقبلون شفاعته ونصحه؛ فقد قبل بنو ربيعة بن عجل نصيحة ابن أختهم الأسود بن يعفر، وشفاعته في جار لهم، أخذوا إبله، وأخفروا ذمته وذلك حين أنشد الأسود أخواله قوله( ):
يا جارَ طَلْحَةَ هَلْ تَرُدُّ لَبُونَهُ
فتكونَ أدْنَى للوفاءِ وأكْرَمَا

تاللَّهِ لو جاوَرْتُمُوهُ بأَرْضِهِ
حَتَّى يُفَارِقَكم إذا ما أَجْرَما

وكان الأخوال يكرمون ابن الأخت ويتجنبون إهانته، ويرون في ذلك مفخرة يعتزون بها، كقول زهير بن أبي سلمى، يذكر رحلة له برفقة ابن أخته بيهس( ):
لَعَمْركَ إنّي وابْنَ أُختي بَيْهَساً
لَرادان في الظَّلْماءِ مُؤْتَسِيانِ

إذا ما نَزَلْنا خَرَّ غَيْرَ مُوَسَّدٍ
وِساداً ، وما طِبِّيْ لَهُ بهَوانِ

إن إكرام الأخوال لإبناء أخواتهم له جانب مادي لا يخفى؛ فهم يرون أن نسب الخؤولة يحتم واجبات وحقوقاً على المنضوين تحت لوائه، وقد خاطب المرقش الأكبر رجلاً بقوله( ):
فَنَحنُ أخوالُكَ عَمْرَكَ، والـ
خالُ، لَهُ مَعَاظِمٌ، وَحَرَمْ

ولذلك كان الأخوال لا يرون غضاضة أن يستغيثوا بأبناء أخواتهم إن أصابهم مكروه، أو تهدّدهم عَدوّ، فقد اسْتَعْدَت خُوَيْلة الرئامِية ابن أختها مرْضاوي بن سَعْوَة المهري ليثأر لأخواله من أولاد عمومتهم، بني ناعب وبني داهن، وأنشدته في ذلك شعراً، ومنه قولها( ):
يا خيرَ مُعْتَمدٍ وأَمَنَعَ مَلْجَأ
وَأَعَزَّ مُنتقمٍ وأَدْرَكَ طالبِ

هذي خَنَاصِرُ أُسْرَتي مَسْرُودَةً
في الجيدِ مني مثل سِمْطِ الكاعِبِ

فابْرُدْ غَليلَ خَوَيلة الثكْلى التي
رُمِيتْ بأثْقَلَ من صُخورِ الصاقبِ

وتَلافَ قَبلَ الفَوْتِ ثأري إنّهُ
عَلِقٌ بِثَوبَيْ داهنٍ أو ناعبِ

فحلف لها مرضاوي أن يثأر لها، وقال في ذلك شعراً ، ومنه قوله( ):
أخالَتَنا سِرُّ النساءِ مُحرَّمٌ
عَلَيَّ وَتَشْهادُ النَّدامَى عَلَى الخَمْر

فَوَارِي بَنَانَ القومِ في غامضِ الثَّرى
وَصُوري إليكِ مِن قِناعٍ ومن سِتْر

فإنّي زعيمٌ أنْ أُرَوّيَ هامَهُمْ
وأُظْمِئَ هاماً ما انْسَرَى الليلُ بالفَجْرِ

ثم خرج في مَنْسَرٍ من قومه، فطرق ناعباً وداهناً فأوجع فيهم.
وشدَّ سَلَمةَ بن الخُرشُب الأنماريّ أزره بابن أخته الربيع بن زياد العَبْسي، فخاطب قوماً أرادوا حربه بقوله( ):
أتيتُمْ إلينا تَرْجُفُونَ جماعةً
فَأينَ أبو قيسٍ وأينَ ربيعُ

وذاك ابنُ أُختٍ زانَهُ ثوبُ خاله
وأعمامه الأعمام وهْو نَزيعُ

إن نسب الصريح من جهتي أبيه وأمه أكسبه نفسيِّة متوازنة، عبّر عنها بافتخاره بذلك النسب المثالي.
وكان لأمومة الصريح مظهر إيجابي تقدمي تجلى في إقامة صلات حسنة بين جماعات أبوية متباعدة، فغدت الأمومة وسيلة تقارب بين تلك الجماعات ، ولكن واقع الحياة الجاهلية أظهر ما يناقض ذلك ويعوق تقارب تلك الجماعات، ويهدّد توازن نفسية الصريح.
***
4- التَّعصُّب للأبوّة على الأمومة:
إن انتساب الصريح إلى أمه وأخواله خلا من مظاهر التعصب المقيت التي لحظناها في انتسابه إلى جماعته الأبوية، وكان انتساب الصرحاء إلى أمهاتهم وأخوالهم هو أحد مظاهر مقاومة الإيغال في التعصب للجماعة الأبوية، ولكن المغالين في التعصب قاوموا نسمات الانفتاح؛ فأعلوا شأن تقارب نسبي الأبوة والأمومة، وأظهروا تعصباً لنسبهم الأبوي على نسبهم من جهة أمهاتهم وأخوالهم.
وقد عُرِفَ مصطلح (مقابل الأعمام) في الجاهلية، ويراد به الصريح الذي أبوه، وأمّه من قبيلة واحدة( )، وكان تمتع الصريح بهذه الصفة يكسبه منزلة متَمّيزة لدى المغالين في التعصب للنسب من أبناء جماعته الأبوية؛ فقد فخر حسان بن ثابت في الجاهلية بسادة قومه، ذوي النسب المقابل الأعمام( ):
وكائنْ ترى من سَيِّدِ ذي مهابَةٍ
أبوه أَبُونا ، وابنُ أختٍ مَكَرَّما

وَلَدْنا بني العَنْقَاءِ وابني مُحَرّقٍ
فأكرمْ بنا خالاً وأَكْرمْ بنا ابْنَمَا

واستشهد صاحب (اللسان) للنسب المقابل يقول شاعر يفتخر( ) :
إن كُنْتَ في بكْرٍ تَمُتُّ خُؤُولةً
فَأنا المُقابِلُ في ذَوِي الأعمامِ

وافتخر لبيد بن ربيعَة العامري بجدته أم البنين العامرية، وجعل أبناءها خير بني عامر بن صعصعة( )، وكذلك افتخر أوس بن حجر بنسبه من جهة أبيه وأمه إلى تميم( )، وأعلى امرؤ القيس القيمة الجمالية لعذارى، نسبُهن مقابل في عشيرتهن، وذلك في قوله( ):
فعنَّ لنا سِرْبٌ كأنَ نِعَاجَهُ
عَذارى دَوارٍ في المُلاءِ المُذَيَّلِ

فَأَدْبَرْنَ كالجَزْع المفصَّلِ بينَه
بجيدِ مُعَمٍّ في العَشيرةِ مُخْوَلِ

ومن الملاحظ أن أغلب الشعراء لم يكونوا اصحاب مواقف ثابتة من مسألة النسب إلى الأمومة، فترى الشاعر منهم يحمد نسب الأمومة القريب من نسب الأبوة تارة، ويحمد نسب الأمومة البعيدة عن نسب الأبوة تارة أخرى، ولكن بعض الشعراء كانت لهم مواقف ثابتة من مسألة قرب نسب الأمومة وبعده، ومنهم عروة بن الورد العَبْسِيْ؛ فقد كانت أمه نَهْدِيّة وكان قومه يُعّيَرونه بنسبه من جهة أمّه، ولعلّ كثرة تعييّره بأمه جعله، وهو السيد الكريم، يعتقد صحة مايدعيه قومه، فكان يقول( ):
ما بي مِنْ عارٍ إَخالُ عَلمتُه
سوى أنّ أخوالي إذا نُسِبُوا نَهْدُ

إذا ما أردتُ المجد قَصَّر مَجْدُهُمْ
فَأعيا عَلَيَّ أنْ يُقاربَني المجدُ

واعتقاد عروة بصحة ما يدّعيه قومه دفعه إلى إلقاء اللوم على والده، فهو قَيْسِيّ ماجد، ولكنه شارك في نسبه قبيلة نهد، فهدّت حسبه ومجده، ووضعت منزلة ابنه، في ذلك يقول عروة( ):
لا تَلُمْ شيخي فما أدري به
غَير أنْ شاركَ نهداً في النَّسَبْ

كان في قيسٍ حَسيباً ماجِداً
فَأَتَتْ نَهْدٌ على ذاك الحَسَبْ

ولو استنطقنا أخبار أم عروة لنقف على معايبها، فسوف يدهشنا سكوت تلك الأخبار، وخُلّوها من الإشارة إلى أي عيب فيها، إلا أن يكون عارها بُعْدَ نسب عروة الأبوي ويؤكد ذلك أن عروة قال، وقد عرف أن إرضاء الناس غاية لا تدرك( ):
هُمْ عَيَّرُوني أنَّ أُمِّي غريبةٌ
وهل في كَريمٍ ماجدٍ ما يُعَيَّرُ

وأن عروة أكد أهمية النسب (المقابل الأعمام) في قوله( ):
تداركَ عَوْذاً، بعدما ساءَ ظَنُّها
بماوانَ عرقٌ من أُسامةَ أَزْهَرُ

فأمّ عوذ من بني أسامة، والقبيلتان من عبس.
وكان تعصب بعض الصرحاء يبلغ الغاية في الإيغال للأبوة على الأمومة؛ فتراه لا يقدم نسب أمه مهما كان قريباً وعظيماً على نسب أبيه، ولا يساوي بينهما، ومن أولئك الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي الذي افتخر واعياً بآبائه وأجداده، وكان مقابل الأعمام، في معلقته، ومنها قوله( ):
وَرِثْتُ مهلهِلاً والخَيْرَ مِنْهُ
زهيراً، نِعْمَ ذُخْرُ الذّاخِرِيْنا

فمهلهل هو جد ّ عمرو كلثوم لأمه، وزهير بن جشم هو جده الأعلى من جهة أبيه، والجدّان من تغلب، ومن ساداتها، ومهلهل أشهر من زهير، وأعظم منزلة، ومع ذلك قدم الشاعر زهيراً على مهلهل في موقف لا يستدعي المفاضلة بين الجدين، ولكن عصبية عمرو الشديدة لأبوته أبت إلا أن تظهر، وتحكم بتفضيل الأبوة على الأمومة( ). ومن التعصب للأبوة على الأمومة الادعاء بأن الصريح الكريم يرتفع بآبائه، ولا يتكل على أخواله، وبذلك مدح الحطيئة رجلاً في قوله( ):
رَفَعَتْهُ الآباءً في سَقْبِ العِــ
زِّ ولم يَتَّكِلْ على الأخْوالِ

ويظهر تعصب الصرحاء لنسبهم الأبوي على نسب أمومتهم جلياً حين وقوع الصدام بين أعمام الصرحاء وأخواله فكان أبناء الأخت وأخوالهم يسرعون إلى بعضهم بالشّر، والأخبار والأشعار الدالة على ذلك كثيرة، ومنها أن الربيع بن زياد العَبْسِيّ أغار على سروح بني جعفر وبني الوحيد ابني كلاب العامِري فغنمها وافتخر بذلك، فتصدى له لبيد بن ربيعة العامِريّ - وأمه عبسية تَرَّبت يتيمة في حجر الربيع- وتهدّد ربيعاً وقومه بني بغيض بن غطفان- وإلى بغيض ترجع عبس وذبيان- فقال لبيد( ):
لستُ بِغَافِرٍ لبني بَغيضٍ
سفاهَتَهُمْ ، ولا خَطَلَ اللسانِ

سآخُذُ من سَرَاتِهمُ بِعِرْضي
وليسوا بالوَفَاءِ ولا المُدَاني

فإنَّ بَقَّيَة الأَحْسابِ مِنّا
وَأصحابَ الحَمَالة والطَّعَانِ

جَراثيمٌ مَنَعْنَ بياضَ نَجْدٍ
وأنتَ تُعَدُّ في الزَّمَعِ الدَّواني

وأغارت دوس على بني الحارث، فقصد مربان بن سعد الدوسي أختاً له، متزوجة في بني الحارث، فأخذ منها ابنها، وقتله، وأنشد في ذلك شعراً افتخر فيه بفعلته الشنعاء( )، وتربى هِجْرُسُ بن كليب بن ربيعة التغلبي في حجر خاله جسّاس، قاتل كليب، فَلَمّا شبّ قال( ):
أصاب أبي خالي، وماأنا بالذي
أُمَثّلُ أمري بين خالي ووالدي

ثم قتله وقال( ):
ألم تَرَني ثَأَرتُ أبي كُليباً
وقد يُرجَى المَرَشَّحُ للذحُولِ

غَسَلْتُ العارَ عن جُشَم بنِ بَكْرٍ
بِجَسَّاسِ بنِ مُرَّةَ ذي التُّبولِ

ولكن الصراع بين الأصهار كان يترك في نفوس بعضهم جراحاً لا تندمل، ومن الأخبار والأشعار الدالة على ذلك أن دُبَيَّة السلمّي كان دليل قومه على أخواله الهذليين في يوم أَنْفِ عاذٍ، فقتله رجل من هذيل، وقد علموا خداعه، فرثاه عبد مَنَاف بن رِبْعٍ الهذلي بقصيدة منها قوله( ):
فَيَا لَهْفَتيْ على ابنِ أُخْتيَ لَهْفَةً
كما سَقَطَ المَنْفُوسُ بَيْنَ القَوَابلِ

تَعَاوَرْتُمَا ثَوْت العُقُوقِ كِلاكُما
أبٌ غيرٌ بَرٍّ وابْنُمٌ غيرُ واصِلِ

فَقَلْصِي ونَزْلي ما عَلِمْتُمْ حَفِيلةٌ
وشَرِّي لكُمْ ما عِشْتُمُ ذُو دَغَاوِل

فَما لَكُمُ والقَرْطَ لا تَقْرَبُونَهُ
وَقَدْ خِلْتُهُ أدْنَى مآبٍ لِقَافِلِ

فَعَيْنِي ألاَ فابْكي إنَّهُ
وَصُولٌ لأَرِحامٍ ومعطاءُ سَائِل

وقد باتَ فيهمْ لا يَنَامُ مُسَهَّدا
يُثّبِّتُ في خَالاتَهِ لِجَعَائِلِ

فواللهِ لو أَدْركْتُهُ لَمَنَعْتُهُ
وإنْ كانَ لم يَتْرُكْ مَقَالاً لِقائِلِ

إن الشاعر يأسف لأن أبا دُبّيَّة غير بَرّ بأصهاره، ولأنّ دُبَبَة غير بَرٍّ بأخواله، وهو يأسف لمقتل دُبَبَة الذي رضي أن يخدع أخواله، ويدل على قومه مقابل جعالة، وهذا فعل قبيح لا عذر له فيه، ومع ذلك أقسم الشاعر، الخال، أنه لو أدرك ابن أخته لدافع عنه، ومنعه من قومه.
وحرصَ بعضُ الصرحاء على مراعاة أواصر قرابة الأصهار، وحدّوا بذلك من غلواء العصبية الأبوية حين وقوع الخلاف بين الأصهار. ومن ذلك أن عباس بن مرداس السُّلَمِيّ تعرض في أبياتٍ له لأخواله بين لحيان من هذيل، فأجابه رجل منهم بشعر اكتفى فيه بالدعاء على عباس، وأعرض عن الإساءة إليه إكراماً لقرابة الصهر، وذلك في قوله( ):

جَزَى اللَّهُ عَبّاساً على نَأْي دارِهِ
عُقُوقاً كَحَرِّ النارِ يَأْتِي المَعَاشرا

فو اللهِ لولا أنْ يُقَالَ ابنُ أُخْتِهِ
لَفَقَّرْتُهُ إنّي أُحِبُّ المَفَاقرَا

ودعا هذلي آخر إلى الرفق ببني عليّ الكنانيين، لأن بين هذيل وعليّ قرابة من قبل أمهم، وهم منقطعون إلى هذيل بتلك القرابة، وإن كان في ودّهم مين وقلقَ وذلك في قول الهذلي( ):

رُوَيْداً عَلِياً جُدَّ ما ثَدْيُ أُمِّه
إلينا، ولكنْ وُدُّهُمْ مُتَنَابرُ

ومن الحرص على حسن العلاقة بين الأخوال والأعمام قول قيس بن رفاعة الأوسي( ):

وَأُنبئتُ أخوالي أرادوا عُمُومَتي
بِشَنْعَاء فيها ثامِلُ السُّمِّ مُنْقَعا

سَأْرْكَبُها فيكمْ وأُدْعَى مُفَرِّقاً
فإن شْتُمُ مِنْ بَعْدُ كنتُ مُجَمّعَا

إن قيساً يأبى أن يعتدي أعمامه على أخواله ويتهددهم بتفريق كلمتهم، ولكنه لا يغلق نوافذ التوحد والسلام إن انتفى ظلم أعمامه لأخواله( ).
***
إن أمومة الصرحاء تعدل أبوتهم؛ فهما أصلان لازمان لصحة نسب الصريح، ولقد انتسب بعض الصرحاء إلى أمهاتهم في الجاهلية، وعبروا بذلك عن عظمة منزلة الأم الحصان المربية، فهي ضمان صحة النسب الأبوي، وحسن تربية الأبناء، وكان اعتداد الصرحاء بأمهاتهم وجهاً آخر لا عتدادهم بالانتماء إلى آبائهم ولذلك كثر الافتخار بالآباء والأمهات، ومن ثمَّ بالأعمام والأخوال، وحصل بذلك تقارب بين جماعات أبوية متباعدة في النسب الأبوي، كما حصل توازن في نفسية الإنسان الصريح الذي تمتع بنسب مثالي في مجتمعه، فاعتز به وافتخر.
ولكن المجتمع الجاهلي لم يخل من مظاهر قاومت التقارب الحاصل بالأصهار بين القبائل المتباعدة نسباً، وأحدثت شرخاً في نفوس الصرحاء، حين توزع انتماؤهم بين النسب إلى الآباء، والنسب إلى الأمهات، ولاسيما في أثناء احتدام الصراع بين النسبين المذكورين.
وثمة جوانب أخرى للعلاقة بين أبناء الأخ والأخوال، تبرز تنوع تلك العلاقة الإنسانية وغناها بالمواقف، وسنقف عند بعضها في أثناء الحديث التالي عن الأسرة الزواجية الصريحة.
-3- الأسرة الزواجية الصريحة:
1- تكوينها:
إن رابطة الدّم هي أساس التنظيم الأسري في مجتمع الصرحاء الجاهلي؛ فالعشيرة الأبوية أسرة كبيرة( )، تحمي أفرادها، وترعاهم، وتمنحهم الطمأنينة، ولكنّ انتماء الصرحاء إلى جماعتهم الأبوية لم يكن مغلقاً تماماً، فثمة منافذ انطلقت منها أواصر التقارب بين الجماعات الأبوية، وكانت المصاهرة أحد المنافذ الرئيسة لذلك التقارب الذي وقفنا على بعض مظاهره في وجود علاقات ودية بين الأخوال وأبناء أخواتهم، وسنقف الآن على مظاهر أخرى، ونحن نتتبع خيوط العلاقات الإنسانية داخل الأسرة الزواجية الصريحة كتلة اجتماعية صغرى، تضمها العشيرة، ولا تلغيها، والمعنى اللغوي للفظة الأسرة يوحي بذلك؛ فقد جاء في اللسان: (الأسرة: عشيرة الرجل، وأهل بيته)( ).
والأسرة الزواجية الصريحة تنشأ برابطة تقوم بين صريح وصريحة، ينظمها العرف الجاهلي (ويحلّ بموجبها للرجل (الزوج) أن يطأ المرأة ليستولدها، وينشأ عن هذه الرابطة أسرة تترتب فيها حقوق وواجبات تتعلق بالزوجين والأولاد............ وفي الجاهلية كان الزواج هو الأصل، وَيُسمَّى عندهم زواج البعولة،وينشأ بالخطبة والمهر والعقد)( ).
وزواج البعولة عند الصرحاء يُشترط له الكفاءة بين الزوجين في المنزلة الاجتماعية ولعلّ هذا الشرط علاقة بإيثار الصرحاء والزواج من نساء العشيرة على الزواج من خارجها( )؛ فرجال العشيرة أكفاء لنسائها، لتحقّق شرط رئيس في الكفاءة، وهو النسب المشترك، وقد نُعت نتاج زواج الصرحاء الداخلي بمصطلح (النسب المقابل، أو مقابل الأعمام)، وكان نسب ذلك النتاج مفخرة المغالين في التعصب لجماعتهم الأبوية.
إن زواج الصرحاء الداخلي مظهر اجتماعي متخلّف؛ فهو يعوق تواصل الجماعات الأبوية الصريحة كما يعوق تطور أفرادها الجسمي والعقلي، وقد أدرك بعض الصرحاء ذلك بالخبرة والممارسة، ومنهم غيلان بن سلمة الثقفي الذي أحصن عشراً من نساء العرب في الجاهلية، والذي أوصى أولاده بقوله: (يابني قد أحسنت خدمة أموالكم، وأمجدت أمهاتكم، فلن تزالوا بخير ماغذوتم من كريم، وغذا منكم، فعليكم ببيوتات العرب فإنها معارج الكرم)( )، وهذه الوصية تلحظ المحاسن المادية والمعنوية لزواج الصرحاء من خارج إطار جماعتهم الأبوية، ولكنها تشترط الكفاءة في المنزلة الاجتماعية ، وقد ذكر صاحب العقد الفريد أخبار عدّة زيجات جاهلية حرص أصحابها على إبراز شأن تكافؤ الزوجين في الحسب والنسب، ومن تلك الأخبار أن زُرَارة بن عُدَس حرّض ابنه لقيطاً على الزواج من بنت قيس بن مسعود الشيباني، فتزوجها، وحين بعث قيس بابنته إلى زوجها، خرج لقيط يتَلقَّاها في الطريق، ومعه ابن عمّهُ قراد، فقال لقيط( ):
هاجت عليكَ ديارُ الحيِّ أشجانَا
واستقبلُوا من نَوى الجِيرانِ قُربانا

تامت فؤادك، لم تقضِ التي وَعدتْ
إحدى نساء بني ذُهل بن شيبانا

فانظر، قُرادُ، وهل في نظرة جزع
عُرض الشقائق هل بَيَّنْتَ أظعانا

فيهِنَّ جاريةٌ نَضْحُ العَببيرِ بها
تُكْسَى تَراَئُبها دُرّاً وَمَرْجانا

وافتخر النابغة الجعدي بأنّ قومه أكثروا بالزواج بالغربيات، وذلك في قوله( ):
وما عُلِمَتْ من عُصْبَةٍ عَرَبيَّةٍ
كَمِيلادِنا مِنّا أَعَزَّ وَأكبرا

وأكثر مِنّا ناكِحاً لِغَريبةٍ
أُصيبتَ سباءً أو أرادت تَخَيُّرا

وأظهر امرؤ القيس حرصه على زواج أخته زواجاً يليق بها، فدعاها إلى اختيار بعل يكون عاقلاً وسيماً شجاعاً( ).
وكان الصرحاء يرمون بشباك الهوى نحو الأكفاء من النساء، ثم يفخرون بذلك، ولما كان الحب مدخلاً إلى الزواج فإنّ ميل الصريح إلى محبّة ذات الحسب والنسب يدل على حرص الصرحاء على الزواج بمثلها، ولهم في ذلك أشعار عفيفة، تدل على احترام المحبوبة، وتوحي بالرغبة في الزواج منها، ومن تلك الأشعار قول أبي بكر الهذلي( ):
وَجَليلةِ الأْنسابِ لَيسَ كَمثْلِها
ممَّن تَمَتَّعُ قد أَتَتْها أَرْسُلِي

وتَعَشَّق حسان بن ثابت ذات حسب ونسب، فقال( ):
تَنْمِي كماتَنْمِي أَرُومَتُها
بِمَحَلِّ أَهْلِ الْمجدِ والفَخْرِ

يعتادُني شَوْقٌ فَأذْكُرُها
مِنْ غير ما نَسَبٍ ولا صِهْرِ

وقد يَتَعَشَّق فتاةً كريمةً من أعدائه، ومما يدل على ذلك قول الطفيل الغنوي( ):
وأعتقد أن حباً كحب الطفيل يعطف قلبَ المحب على أعدائه؛ فهو يخفف من غلواء تعصب المحب لجماعته على جماعة ******.
وقد حَبّب إلى الصرحاء تجنّبَ الزواج الداخلي إدراكُهم أن الزواج الداخلي بالقريباتِ يضعف النسل، ومن الشعر الدال على ذلك قول حسان بن ثابت يصف نجابة قتلى المشركين ببدر، وقوتهم( ):
ومُرَنَّحِ فيه الأسِنَّةُ شُرَّعاً
كالجَفْرِ غير مقابلِ الأعمامِ

من صُلْبِ خِنْدفَ ماجدٌ أعراقُهُ
نَجَلَتْ به بيضاءُ ذات تمامِ

فقول حسان يدل على إدراكه أن مقابلَ الأعمام، ضعيفٌ ضاو، وأن غير مقابل الأعمام قويّ نجيب وقد عبّر عن ذلك أيضاً أن النابغة الذبياني في قوله في بعض الروايات:
فتىً لم تَلِدْهُ بنتُ أُمِّ قَرِيبَةٍ
فَيُضْوي ، وقد يُضْوي رَديدٌ الأقارب

وكذلك أشعار أوردها ابن قتيبة (في المعاني الكبير) تظهر إدراك أصحابها أن الزوج الغريبة أنجب من القريبة( ).
وقد جُوبه زواج الصريح بحرّة من خارج نطاق عشيرته الأبوية بمعارضة المغالين في التعصب الذي شجعوا الزواج الدّاخلي، وأنفوا من تزويج بناتهم لغير أبناء عشيرتهم بحجة عدم الكفاءة، ومن الأخبار الدالة على ذلك أن مهلهل بن ربيعة التغلبي لحق بأرض اليمن، فنزل في بني جَنْب بن يزيد بن حرب، فخطب إليه أحدهم ابنته، فَأَبَى أن يفعل، فأَكرهوه، فأنكحها إياه، وقال مهلهل في ذلك( ):
أنكحَها فَقْدُها الأراقمَ في
جَنْبٍ وكانَ الحِبَاءً مِنْ أَدَمِ

لو بأَبانَيْن جاء يخطبُها
ضُرِّجَ ما أَنْفُ خاطبٍ بِدَمٍ

أصبحتُ لا مُنْفِساً أصبتُ ولا
أبْتُ كريماً حُرّاً منَ النَّدَمِ

هانَ على تَغلب بما لقِيت
أختُ بني المالِكيِنَ من جُشَمِ

لَيْسوا بِأكفائنا الكرام ولا
يُغْنُون من عَيْلَةٍ ولا عَدَمٍ

وهذه الأبيات تشير إلى أن الصريح كان يأنف أن يزوج ابنته إلاّ من الأكفاء، ولكن الأبيات توحي بإمكانية أن يسدّ المالُ ثلمة عدم التكافؤ بالنسب، فالمهلهل يأسف في الأبيات لأمرين: الأول أنّ الزوج غير كفء، والثاني أنّ الزوج لم يدفع له المهر المناسب.
وكان بعض الآباء الصرحاء يأنفون من تزويج بناتهم، فيعضلونهن، ويمنعونهن الأكفاء، ولكن إشعار البنات لآبائهن، بالرغبة في الزواج، كان كافياً لموافقة بعض الآباء عليه، وقد أورد (القالي) في أماليه خبرين أفاد ذلك، وتضمنا أشعاراً توحي برغبة الفتيات بالزواج، وبموافقة الآباء عليه( ).
ولم يملك الرجل الصريح حرية اختيار الزوجة وحده، بل عُرف هذا الحق لبعض النسوة الصريحات اللواتي تمتعن بقدر من الحرية في اختيار شريك الحياة، ومن الشعر الدال على ذلك قول عتبة بن ربيعة يخاطب ابنته هنداً، وقد خطبها سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب( ):
أتاكِ سهيلٌ وابنُ حربٍ وفيهما
رِضاً لك يا هندَ الهُنود ومَقْنعُ

وما منهما إلا يُعاش بفضِلْهِ
ومامنهما إلاّ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ

ومامنهما إلا كَريمٌ مُرَزَّأ
وما منهما إلاَ أَغَرُّ سمَيْدَعُ

فدونكِ فاختاري فأنت بصيرةٌ
ولا تُخدعي إنَّ المُخادعُ يُخدعُ

ومن الشعر الدال على حرية المرأة في اختيار البعل قول أبي خراش الهذلي( ):
ولولا دِرَاكُ الشَّدِّ قاظَتْ حَلِيلَتي
تَخَيَّرُ مِنْ خُطَّابِها، وهْي أَيِّمُ

ولم تكتف بعض النساء بحرية الاختيار بل أضافت إليها الاشتراط على الخاطب قبل إتمام الزواج، فقد اشترطت امرأة من قوم عمارة بن الوليد المخزومي عليه حين خطبها أن يترك الزنا والشرّاب، فقبل ذلك، وتزوجها، ثم مكث حيناً لا يشرب الخمر، ثم شربها، فلامته، فلم يغضب، ولم ينكر لومها، بل حاول أن يُسوّغ إقدامه على الشراب بقوله( ):
ولسنا بِشَرْبٍ أمَّ عمرو إذا انتشوّا
ثيابُ الندَّامى عندهم كالغَنَائِمِ

ولكننا يا أمَّ عَمْروٍ نديمُنا
بمنزلةِ الرّيانِ ليس بعائمِ

أَسَرَّكِ لمّا صرّع القومَ نشوةٌ
أنَ اخْرُجَ منها سالماً غير غارِمِ

خَلِيّاً كأنّي لم أكن كُنتُ فيهمُ
وليس الخِداعُ مرتضىً في التّنادُمِ

لقد عرف الصرحاء زواج البعولة القائم على الخطبة والمهر والعقد وفق أعرافهم الجاهلية.
وبذلك وُجدت الأسرةُ الزواجية الصريحة، وكان من الطبيعي أن يظهر في الأسرة شعور انتمائي متمتيز يضاف إلى انتماءات الزوجين السابقة على الزواج، فما حقيقة ذلك الانتماء الأسريّ؟ ومامدى التغيرات الحاصلة في انتماء كلّ من الزوجين؟
***
2- ولاية البعل:
إن بناء الأسرة الزواجية الصريحة يوجب انتقال الزوج إلى كنف بعلها التي تنتسب إليه الأسرة المحدثة، وبذلك يغدو البعل ولي أمر الزوجة، وقد عبّر الشعراء عن ولاية البعل على زوجه بألفاظ توحي بالولاية اللازمة لتنظيم الأسرة، وتنفي ولاية السيطرة والاستبداد، فالبعل مَلِكٌ لزوجه في قول الأعشى يصف امرأة( ):
لها مَلِكٌ كان يَخْشَى القِرافَ
إذا خَالَطَ الظَّنُّ منهُ الضَّميرا

وهو أمير لها في قول الشّماخ يصف امرأة متزوجة( ):
فإنْ تَكُ قد شَطَّتْ وَشَطَ مَزَارُها
وَجَذَمَ حَبْلَ الوَصْلِ منها أميرُها

والملك والأمير في عرف الجاهليين لهما حقّ القيادة، وليس لهما حقّ الاستعباد ولا الاستبداد فالمرأة يحكمها الرجل الزوج، ولا يستعبدها، ويؤكد ذلك أن الصرحاء نعتوا البعل بلفظة الأب، فقد ذكر ابن حبيب في شرح قول معقل بن خويلد الهذلي( ):
أَلَمْ تَخْشيْ خليلَك أو تُجلّي
أباكِ -هُضَيْبَ- عن بعض الخطابِ

أن الشاعر أراد بالأبِ الزوج، وأن العرب تدعو الزوج أباً، وهذا يعني أن الصرحاء كانوا يرفعون منزلة البعل إلى منزلة الأب، إذ يحلّ مكانه في الرعاية والحماية للمرأة التي انتقلت من كنف أسرتها الأبوية إلى كنف أسرة زواجية محدثة، ويؤكد إلقاء تبعية رعاية الزوجة وحمايتها على بعلها إطلاق لفظة (جارة) عليها كقول عمرو بن قميئة يخطاب زوجه سُليمى( ):
أرى جَارَتي خَفَّتْ وخَفَّ نَصِيحُها
وحُبَّ بها لَوْلاَ النَّوى وطُمُوحُهَا

وقد جاء في اللسان : (والمرأة جارة زوجها لأنه مُؤتَمرٌ عليها، وأُمِرْنا نحسن إليها، وأن لا نعتدي عليها لأنها تمسكت بعقد حرمة الصهر، وصار زوجها جارها لأنه يجيرها ويمنعها ولا يعتدي عليها)( ).
وللصرحاء أشعار تدل على إعزاز الزوجة، فعبد يغوث بن وقّاص الحارثي، تذكر، وهو مقدّم للقتل عند آسريه، زوجه مُليكة، فأشهدها على كريم فعاله إذ قال( ):
وقد عَلِمَتْ عِرسْي مُلَيْكَةُ أنَّني
أنا الليثُ مَعْدِيَّاً عَلَيَّ وعاديا

وكان عامر بن الطفيل شديد الاهتمام بمعرفة زوجه لفعاله، وهو اهتمام يوحي بإقدام الصريح على القيام، بمايعجب زوجه، ويشدّها إليه، لقد هدّد عامر زوجه بالطلاق إن لم تسأل عن حسن بلائه.في الحروب، فقال( )
طُلّقتِ إنْ لمْ تَسأَلي، أيُ فارسٍ
حَليلُكِ إذْ لاقى صُداءً وَخثعَما

أكُرُّ عليهِمْ دَعْلجاً وَلَبَانُهُ
إذا ما اشتكَى وَقْعَ الرّماحِ تَحَمْحَمَا

ومن البديهي أن ذكر الزوجة آنفاً تكريم لها، فالصريح يُشهد من يكرمهم ويحترمهم على امتلاكه الفضائل، لأنه يثق بهم، ويشعر بقوة ارتباطه بهم أيضاً.
وقد يفخر الصريح بزوجه، وهذا قليل، كقول خفاف بن ندبة السُلمي وهو هجين يتمثل أخلاق الصرحاء، يخاطب العباس بن مرداس السلمي( ):
أدِبُّ على أَنْماطِ بيضاءَ حُرَّةٍ
مُقابلةِ الجِدَّينِ ماجدةِ العَمِ

وأنت لحنفاءِ اليَدينِ لو أنها
تُباعُ لما جاءتْ بِزَندٍ ولا سَهْمِ

ومن إعزاز الزوجة الإعراض عن ضربها، والإقرار لها بملكية البيت، وبالتحكم الدائم فيه، إلا ساعة ينزل فيه ضيف، وفي ذلك يقول مُشمِّتُ بن عبدة( ):
وما أنا بالساعي إلى أمّ عاصمٍ
لِأضر بَها إنّي إذاً لَجَهُولُ

لكِ البيتُ إلاّ فينةً تُحْبَسينها
إذا حانَ مِنْ ضيفٍ عَلَىَّ نُزولُ

وما أنا بالمُقتاتِ ما في وعائها
لأعلمه إنّي إذاً لَسَؤُولُ

لقد نص الشاعر مشمّت بن عبدة على ملكية الزوج شبه المطلقة لبيتها الزوجي، ويؤكد هذه الملكية كثرة الأشعار التي تُبينُ استياء المرأة من إسراف زوجها وتعويض أسرته لخطر الفقر ومن جيّد تلك الأشعار قول عمرو بن كلثوم( )
بَكَرَتْ تَعْذُلُني وَسْطَ الحِلالِ
سَفهاً بِنتُ ثُويْرِ بن هِلالِ

بكَرَتْ تَعْذُلُني في أن رَأتْ
إبلي نَهْباً لِشرْبٍ وفِضَالِ

لا تلوميْني فإني مُتْلِفُ
كلَّ ما تَحْوي يَمِيني وشمالي

لستُ إنْ أَطْرَفْتُ مالاً فَرِحاً
وإذا أتلفتُهُ لَسْتُ أبالي

يُخْلِفُ المالَ- فلا تَسْتَيِئْسِي
كَرِّيَ المُهْرَ على الحيِّ الحِلالِ

وابتذالي النَّفسَ في يوم الوغى
وطِراَدي فوقَ مُهْري ونِزالي

وَسُمُوِّي بخميسٍ جَحْفَلٍ
نَحْوَ أعدّائي بِحَلّي وارتحالي

فالزوجة تعطي نفسها الحقَّ بأن تسائل زوجها عن إنفاقه المال، والزوج لا يرى في مساءلة زوجه تجاوزا لحدود العلاقة الزوجية، بل يرى فيه سوء تقديره، ولذلك يسوغ فعلته، ويطمئن زوجه بأنه قادر على اكتساب المال بغزو الأغنياء، وبانتهاب نَعَم الأعداء.
إن إقدام الزوج على مساءلة بعلها عن إنفاقه أمواله، وهو الذي كسب المال بجهده، يدّل دلالة صريحة على ثقة المرأة بنفسها، وعلى مشاركتها في تحمّل أعباء تنظيم حياة الأسرة وعلى إقرار البعل بذلك؛ فهو يستمع إليها، ويسوغ فعلته أمامها، وبذلك ينتفي القول بتبعية الزوج المطلقة لبعلها. وإن وفرة الأشعار التي تعذل المرأة فيها زوجها على إنفاق المال توحي بأن البعل ينفرد بالإنفاق، ويغالب إرادة زوجه بالإقتار لأنه صاحب المال، والقادر على كسبه، ويؤكد ذلك ندرة الأشعار التي تظهر رغبة الزوجة بالإنفاق، واستياءها من حرص بعلها على جمع المال وإصلاحه، فقد أورد ابن قتيبة قول الشماخ يخاطب زوجه، وقد لامته على إمساك المال( ) :
أعائش ما لأهلك لا أراهم
تضيعون الهجان مع المضيعِ

لمالُ المرءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي
مَفَاقِرةُ أَعَفُّ من القُنوعِ

ثم علّق ابن قتيبة على ذلك بقوله: "ولم نسمع بامرأة عاتبت على إصلاح المال غير هذه، وإنما العادة في وصفهن الحثّ على الجمع والمنع والعذل على الإنفاق"( )
ولكن الزوج ليس المالك الوحيد للمال في الأسرة الزواجية الصريحة؛ فالزوجة كانت تتمتع بحق الملكية الخاصة. وهذا مِمّا يعزز موقعها في أسرتها ومن الشعر الدال على ذلك قول عِلباء بن أرقم البكري يتحدث عن زوجه( )
فَيَوْما تُريدُ مَالَنا معَ مَالِها
فإنْ لم نُنِلْها لم تُنِمْنَا ولم تنَمْ

وتمتع الزوجة بحق الملكية الخاصة يلقي الضوء على ظاهرة كثرة لوم الزوجة لبعلها على إسرافه في الإنفاق ؛فالزوجة العاذلة قد تكون صاحبة المال، أو شريكة للزوج فيه.
وثمة رجال أفصحوا عن عظيم تقديرهم لأهل الزوجة، ومهم زبّان بن سيّار الذي تمنى أن يصبح ولده منظور شبيهاً بجده لأمه، قِهْطِم بنت هاشم، يقول زبّان لابنه:( )
وإنّي لأرجو أنْ تكونَ كهاشمٍ
وإنّي لأرجو أنّ تسودَ بني بَدْرَ

ولعل أبرز مظاهر إعزاز الرجال للزوجات يتجلى في حمياتهن والحفاظ على طهارتهن، ومن أولئك الرجال ربيعة بن مكدّم الفِراسي، وله في ذلك أخبار، ومنها أن دريد بن الصمة الجشمي خرج في فوارس من قومه يريد الغارة على بني كنانة، فالتقوا بربيعة ومعه ظعينة، هي زوجه ريطة بنت جذل الطعان، فلحق به بني جشم، فصرعه ربيع ثم لحق به آخر، وآخر، فصرعهما على التوالي، وقد قال ربيعة للظعينة حين لحق به الأول:
سِيري على رِسْلك سير الآمنِ
سير ردَاحٍ ذات جأشٍ ساكنٍ( )

إنّ انثنائي دون قِرني شائني
وبالي بلائي واخبُرِي وعايني

ثم قال ربيعة حين صرع الفارس الثاني:
خَلِّ سبيلَ الحرةِ المنيعه
إنَّكَ لاقٍ دونها رَبيعَهْ

في كفه خطِّيةُ مُطِيعه
او لا فخذها طعنهً سريعه

فالطعن منّي في الوغَى شريعه

ثم قال حين لحق به الفارس الثالث:
ماذا تريد من شتيمٍ عابسِ
ألم تر الفارسَ بعد الفارسِ

أرْداهما عاملُ رُمْحٍ يابسِ؟

وحين لحق دريد بربيعة رآه لا رمح معه، فانثنى عنه قائلاً : أيها الفارس إنّ مثلك لا يُقتلْ
ورجع دريد إلى أصحابه فثبطهم عن ربيعة، ثم أثنى على ربيعة بأبيان منها قوله( ):
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ بمْلِهِ
حامي الظعينةِ فارساً لم يُقتلِ

يُزجي ظَعينتهُ وَيَسْحَبُ رُمْحَهُ
مِثْلَ البُغاثِ خشِيْنَ وَقْعَ الأجدْلِ

وترى الفوارس من مخافةِ رُمْحِهِ
متوجَهاً بِمُناهُ نحو المنزلِ

وافتخر مالك بن أبي كعب الخزرجي بأنه يحمي زوجه في قوله( ):
لعمروُ أبيها لا تقول خليلتي
ألاَ فَرَّعَنّي مالك بن ابي كعبِ

إن اقتدار البعل على حماية زوجه مكرمة يفخر بها الصريح، وهي تستدعي ثناء الأحبة الأقارب، وتنتزع إعجاب الأباعد، وهي مطلب ترغب فيه الزوجات، ويحثثن الرجال على القيام باعبائه، وقد احسن عمرو بن كلثوم تصوير ذلك في معلقته، حيث يقول( ):
على آثارِنا بيْضُ حِسَانُ
نُحاذِرُ أن نُفَارِقَ أن تَهُونا

ظَعَائِنُ مِنْ بَني جُشَمَ بن بَكْر
خُلِطْنَ بِمِيْسِمِ حَسَباً ودينا

أخذنَ على فوارسهنَّ عَهْداً
إذا لاقَوا فوارس مُعْلمَينا

لَيَستَلِبُنَّ أَبْداناً وَبيضاً
وأسْرى في الحَديْد مَقَرَّنينا

يَقُدْنَ جيادَنا ويَقَلْنَ لستُمْ
بُعُولَتَنا إذا لم تمْنَعُونا

إذا لم نحمِهِنَّ فلا بَقِيْنا
بخيرِ بَعْدَهُنَّ ولا حَيِيْنا

لقد أظهر عمرو في الابيات السابقة تعلق الرجال والنساء بالحماية، فالنساء يشترطن لاستمرار العلاقة الزوجية(البعولة) أن يحمي الرجال زوجاتهم، والرجال يرضون بذلك، ويسترخصون أرواحهم في سبيل حماية الزوجات، ولا يرون إلا شراً إن عجزوا عن ذلك .
وحماية الصرحاء لزوجاتهم ترتبط باهتمامهم بصحة أنسابهم، فالنسب الأبوي هو أساس التنظيم الأسري والعشائري عندهم، ولا يصح ذلك النسب إلا بعفة الصريحات وباقتدار الرجال على صون تلك العفة وحمايتها، فالزوجة الحرة حَرَمُ لا يلجه إلا بعلها، وكان البعل لذلك يحرص على زوجه البكر ليلة يبني بها، ولا يرضيه أن يجدها ثيباً، فقد ذكر صاحب الأغاني أن دريد بن الصمة تزوج امرأة بكراً، فوجدها ثيباً، فأخذ سيفه، فأقبل به إليها ليضربها فتلقته أمُّها لتدفعه عنها، فَحزَّ يديها، ثمّ نظر إليها بعد ذلك وهي معصوبة فقال( )
أقرَّ العينَ أنْ عَصَبَتْ يديها
وما إن تُعْصَبانِ على خَضابِ

فأبقاهُنَّ أنَّ لَهنَّ جَداً
وواقيةً كواقيةِ الكلاب

وكان ميل الزوجة إلى غير بعلها لا يمر بغير عقاب، فقد أسر زياد بن الهبولة هند بنت ظالم، زوجة حجر بن عمرو، أكل المرار، فمالت إلى آسرها، وأظهرت له بغضها لزوجها، ولكن زوجها استخلصها من آسرها، ثم ربطها بين فرسين، ثم ركضا بها، حتى قطعاها قطعا، وقال أكل المرار في ذلك مظهراً انعدام ثقته بالنساء بعد غدر هند( )
إنَّ منْ غَرَّهُ النِساءُ بشيء
بعد هندٍ لجاهلُ معرورُ

حُلوةُ القول واللسانِ ومُرِّ
كلُّ شيء أَجَنَّ منها الضميرُ

كلُّ أنثى وإنْ بدا لكَ منها
آية الحبِّ حبُّها خيْتَعُورُ

وروي أن النعمان بن المنذر أي المنخل اليشكري في وضع مريب مع زوجه المتجردة، فأخذ النعمان المنخّلَ بذلك، فحبسه وقتله، ولم تشفع له صداقته للنعمان، ولا منزلة قومه لدى النعمان، ولا الأشعار التي انشدها قبيل قتله( )وكان انتهال حرمة الزوجات مذلة فرضها بعض الأقوياء على الضعفاء، فقد روى ابن الكلبي أن الغطاريف، بني عامر بن بكر بن يشكر كانت لهم على دوْس إتاوة، يأخذونها كلّ سنة، وأنّ الرجل منهم كان يأتي بيت الدوسي، فيضع سهمه أو نعله على الباب، ثم يدخل فيجئُ الدّوسِيّ، فإذا أبصر ذلك انصرف، ورَجَعَ عنْ بيته، ولكنّ الدوسيين انتفضوا على ذلك بقيادة عمرو بن حمحمة، وأبطلوا تلك السّنة الشنيعة( )وكان إتيان النساء أمراً معيباً، لا يفخر به إلا فاجر، وقد اشتهر بذلك الملك الضليل، امرؤ القيس الذي افتخر باقتحام المخاطر لغشيان النساء المحصنات كقوله( ):
وبَيْضَةِ خدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها
تَمَتْعتُ مِن لَهْوٍ بها غيرَ مُعْجَلِ

تَجاوزتُ أحراساً وأهوالَ معشرٍ
علىَّ حِراصٍ لو يُشِرُّون مَقْتَلي

وقوله( ):
فأصبحتُ مَعْشُوقاً وأَصبْحَ بَعْلُها
عليه القَتَامُ سَيّئَ الظنِّ والبالِ

ولكن أمثال امرئ القيس في الجاهلية قليل، فإتيان المحصنات أمر معيب، والأخبار التي تؤكد ذلك كثيرة، ومنها استنكار عمرو بن العاص محاولة ابن عمه أن يغوي امرأته، لأن ذلك قد يثمر ولادة منكرة، يدعى فيها ابن العمّ ابناً . وهذا أمر شنيع، ولا يقّره المجتمع، وقد أنشد
عمرو في ذلك ( ):
تَعَلَّمْ عُمَارُ أنّ من سرّ‍ِ شِيمةٍ
لملِكَ أنْ يُدْعَى ابنْ عَمٍّ له ابْنَمَا

وإنْ كنتَ ذا بُرْدَينِ أَحْوَى مُرَحَّلاً
فَلَسْتَ براعٍ لابن عمّك مَحْرَمَا

إذا المرءُ لم يتركْ طعاماً يُحِبُّه
ولم يَنْه قلباً غَاوياً حيثُ يَمَّما

قَضَى وَطَراً منه يسيراً وَأصحبتْ
إذا ذُكِرَتْ أمثالُها تملأ الفَما

وإغواء المحصنات القريبات بالنسب والجوار معيب جدّاء لتعدّد انتهاكات المحارم فيه، وقد جوبه ذلك الإغواء بعقوبات اجتماعية صارمة، كقول أبي جابر الطائي لابن أخيه برج بن مسهر الذي انتشى، قَقَبَّلَ زوج عمّه: ((اذهب، فو الله، لا تجمعني وإيّاك محلّة، ولا غزوة ولا نجتمع في بلدٍ، ولا أكلّمك أبداً))( ). وكان حرص بعض الرجال على نسائهم يدفعهم إلى تجنب مخالطة الأقارب بالسكن، وقد مرّ بنا ما يدل على ذلك، في قول الأعشى( )
لَها مَلِكُ كان يَخْشَى القِرَافَ
إذا خاَلّط‍َ الظنُّ مِنْهُ الضَّميرا

إن العلاقة الزواجية مغلقة في عرف الصرحاء، إنها علاقة ثنائية بين الزوج وبعلها، وامتداد الاسرة الزواجية بالتوالد، وبزواج الأبناء الذكور لا يحدث تداخلاً في العلاقات الزواجية، بل تضاف ثنائيات جديدة إلى الأسرة الزواجية الكبيرة، وكان انتهاك تلك الثنائيات داخل الأسرة الكبيرة وصمة عارٍ، تخزي أصحابها، ومعولاً يهدم أمجادهم، فحين أراد حسان بن ثابت أن يبالغ في هجاء الحماس (قبيلة من بني الحارث بن كعب) قال فيهم ( ):
يريدونَ أنْ يُخْفُوا من الله لعنةً
إذا ما أتوها، وهي بادٍ غِطاَؤُها

نِساؤكُمُ كِناتكُمْ وَبَناتُكُمْ
مَيَامِيسُ أُحْدَانُ الفُلُوسِ عَطَاؤُها

وسواء أكان قول حسان حقيقة أم باطلاً، فالمؤكد أنه رماهم بداهية يأنف منها كلّ صريح، وتعرض عنها كلّ صريحة، ولفظاعة ذلك كان الصرحاء الذين ألفوا استمالة المحصنات يستبعدون الكنات من دوائر تصيدهم ، وكذلك الجارات، ومنهم قيس بن الخطيم الذي خاطب امرأة بقوله( ):
وَمِثْلَك قَدْ أصبيتُ ليست بكَنَّةٍ
ولا جارةٍ، أَفْضَتْ إليَّ حَيَاءَها

إنّ حماية الزوجات وصون عفافِهن من مظاهر إعزازهِنّ واحترام إنسانيتهنّ في مجتمع الصرحاء الجاهلي، ومن الواضح أن أحكام العفة السارية على الزوج الصريحة لا تنطبق على الزوج الصريح ؛ فالبعل كان يقدم على ما يمنع زوجه منه، وقد فخر بذلك امرؤ القيس في قوله( ):
ألا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ اليومَ أَنَّني
كَبِرْتُ وألاّ يُحْسِنُ اللَّهْوِ أمثالي

كَذَبْتِ لقد أُصْبِي على المرءِ عِرْسَهُ
وَأَمْنَعتُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بها الخالي

فالعُرف الجاهلي يوجب على الزوجة الصريحة أن تقصر علاقتها على زوجها وحده، ولكن الزوج يستطيع تجاوز ذلك بوسائل شَتى منها المنكر كإتيان المحصنات، والبغايا، ومن الشعر الدال على ذلك امتداح الخرنق بنت بدر لعفة قومها في قولها( ):
النازلونَ بكلّ مُعْتَركٍ
والطيّبين معاقد الأُزُرٍ

ومنها ما يقرّه العرف كتعدد الزوجات ( ).ومن الظاهر أن صحة النسب الأبوي كانت عاملا رئيساً في سيادة تلك القيم إضافة إلى المهمة الرئيسة الموكلة بالاسرة وهي إنجاب الأولاد.
وثمة مظاهر أخرى لإعزاز الزوجة، أذكر منها رثاء بعض الشعراء لزوجاتهم، وهذا قليل ولكنه يوحي بتقدير البعل لزوجه إذا يحترم ذكراها، ويأسف لفقدها في مجتمع، عماد نظامه سواعد الذكور، ومن ذلك الرثاء قول عمرو بن قيس بن مسعود المرادي يرثي امرأته( ):
سُعَيْدَ قُومِي على سُعْدَى قبكِّيها
فَلَسْتِ مُحْصِيةً كلَّ الذي فيها

في مأتمٍ كَظِباء الَّرَّوْضِ قد قَرِحَتْ
مِنَ البكاءِ عَلَى سُعْدَى مَآقيها

وفي مقابل إعزاز البعل لزوجه كانت الزوج تحترم بعلها، وتجله. وقلة الشعر الدال على ذلك ترجع إلى إعراض المرأة عن البوح بمشاعرها، فإظهار المرأة لمشاعرها تجاه زوجها أو خطيبها أو حبيبها أمر تأباه طبيعة المرأة التي اعتادت أن تكون مرغوبة لاراغبة، وأن تظهر مشاعرُ حبيبها، وتخفى مشاعرُها. وثمة مجال كانت تظهر فيه مشاعر المرأة في الشعر الجاهلي، وهو رثاء الأقارب، ومنهم الزوج، كقول الخرنق بنت بدر ترثي زوجها( ):
آلا أَقْسَمْتُ آسى بعد بشْرً
على حيِّ يَمُوتُ ولا صديقُ

وقولها تُبَيّنُ أسى الزوجات لمقتل أزواجهن( ):
وبيضٍ قد قَعَدْنَ وكُلُّ كُحْلٍ
بأَعْيُنهنَّ أَصبحَ لا يَليقُ

ومن إكرام الزوجة لزوجها ولأسرتها الزواجية أن تمدح أهل زوجها، وتعلي شأنهم كقول ضباعة بنت عامر القشيرية، وهي ترقص ابنها المعيرة بن سلمة المخزومي ( ):
نَمَى به إلى الذُّرَى هِشَامُ
قَرْمُ وآباءُ له كرامُ

جَحَاجِحُ خضَارِمُ عِظامُ
من آلِ مَخْزومٍ هُمُ الأعلامُ

الهامَةُ العَلياءُ والسَّنامُ

إن العرف الجاهلي يحتم على الزوج أن تكون مخلصة لزوجها، وأن تتفانى في بناء أسرتها الزواجية فبذلك تحمد، وبنقيضه تذمّ. يقول عمرو بن شأس يصف ظعائن كريمات من بني ليث بن بكر( ):
ظعائِنُ مِنْ لَيْثِ بنِ بَكْرٍ كأنها
دُمَى العِينِ، لم يُخْزِينَ عَمَّا ولا بَعْلا

هِجانُ إذا استيقظنَ من نومة الضُّحَى
قَعَدْنَ فباشرْنَ المساويكَ والكُحْلا

لقد قرن عمرو الانتماء إلى الأبوة بالانتماء إلى الأسرة الزواجية، فابتعاد النساء الكريمات عن الفواحش هو إكرام لأسرهن الأبوية والزواجية معاً. ومن الملاحظ أن الشاعر أتبع إكرام المرأة لعمها وبعلها باهتمامها بنظافتها وزينتها، ولا شك أن هذا الاهتمام هو من مظاهر احتفال المرأة بعلاقتها بزوجها، وحرصها على تمتين تلك العلاقة .
ومن إكرام الزوجة لبعلها مراعاة أهلها له، فعمرو بن معد يكرب أحجم عن غزو همدان لزواج أخته كبشة من الأجدع بن مالك فارس همدان وشاعرها، وفي ذلك يقول عمرو يخاطب أخته ( ):
لَعَمْرُكِ لولا أَجْدَعُ الخيرِ فاعلمي
لَقُدْتُ إلى هَمْدانَ جيشاً عَرْمرَما

لَقُدْتُ إلى هَمْدان أَلْفَ طِمِرَّةٍ
وألفَ طِمِرٍ من كُميتٍ وأَدْهَمَا

ومدح زهير بن أبي سلمى سنان بن أبي حارثة المريّ بتفضله على المصهرين إليه، وذلك في قوله( ):
بَلِّغْ قبائلَ شَتَّى في مَحلّهِمُ
وَقَدْ يَجيءُ رَسُولُ القَومِ باَلخَبر:

لولا سِنانُ، ودَفْعُ من حُمُوَّتِهِّ
ما زالَ منكم، أسيرُ عن مُقْتَسِرِ

وهكذا نجد أن العلاقة بين البعل وزوجه في الأسرة الزواجية الصرحية تحمل سمات إنسانية عميقة، تحفظ كرامة الزوجين، وتحقق للزوجة الرعاية والحماية، وللزوج الإكرام والوفاء، وذلك يتمتع الزوجان بانتماء جديد يضاف إلى انتماءاتهما السابقة، وبه تستقر نوازع النفس إلى الدفء الإنساني، وإلى استمرارية الوجود بالإنجاب.
***
3- الطلاق
إنّ العلاقة الزواجية ليست ملزمة لطرفيها إلزاماً دائماً، فقد يحدث ما يودي إلى انفصام عراها بسبب عجز طرف عن تحقيق نوازع الطرف الآخر الموجود في ظلال الأسرة الزواجية، وقد تنفصم عرى الزواج بسبب تصادم انتماءات الزوجين، ولا سيما انتماءاهما الأبويان . ولقد أقر مجتمع الصرحاء الطلاق مثلما أقر زواج البعولة. والطلاق في حقيقته مظهر لتمتع كل زوج بالحرية، وهي حرية تجعل الزواج عقداً بالتراضي يجمع بين إنسانين، وليس قيدا ينفي إنسانية الزوجين، فالحرية هي شرط الوجود الإنساني . ولكن إساءة استعمال الحرية أمر ممكن، وبه يظلم أحد الزوجين الآخر - سوف نقف على نماذج من شعر الصرحاء تبين تنوع الخلافات الزوجية، ومدى تمتع الزوجين بامتلاك حقّ الاستمرار في الحياة الزوجية، أو فصم عرى تلك الحياة.
تبين لنا ان الأسرة الزواجية يبنيها قطبان متكافئان في الحسب والنسب، وأن لأحد القطبين، وهو البعل، حق الولاية على الآخر، وليس له حق السيطرة والاستعباد. والتكافؤ في المنزلة بين الزوجين يجعل الجدل الإنساني بينهما جدلاً متميزاً، يتسم بقدرتهما على الانسجام والمساهمة في بناء أسرتهما الزواجية، كما يتسم بقدرتهما على التناقض بِندّية قد توصل إلى الإفتراق والطلاق.
والخلافات الزوجية ظاهرة إنسانية موجودة بقوة وجود الأسرة الزواجية، ولكنها تختلف حدة وضعفاً بين أسرة وأخرى، وقد سجل الشعراء بعض الخلافات الزواجية كقول زهير بن أبي سلمى لأم ولده كعب( )
وقالتْ أمُّ كعبٍ: لا تَزُرْني
فلا، واللهِ، مالَكَ مِنْ مَزارِ

رأيتُكَ عِبْتَني وَصدَدْتَ عَني
وكيف عليكَ صبري واصْطباري؟

فلمْ أُفْسِدْ بَنِيْكَ، ولم أُقَرِّبْ
إليكَ مِنَ المُلمّاتِ الكِبارِ

أقيمي، أمَّ كَعْبٍ، واطمئني
فإنّكِ، ما أَقَمْتِ بِخَيْرِ دار

وهذه الابيات تصور باختصار خلافا بين زوجين يشبه ما يجري في مجتمع بلغ درجة عالية من التحضر والرقيّ، فالزوجة تعي قيمتها الإنسانية، فهي تدرك حقوقها وواجباتها، إنها ترفض استقبال زوجها لاعتقادها أنه سيزورها ليعيبها ويهجرها بعد ذلك، وهي تسوغ استخدام ذلك الحق بقيامها بواجباتها الأسرية، فهي منجبة عفيفة، ولدت فرسانا أشرافا، ولم توطئ فراش زوجها غيره( )
وفي مقابل ذلك يبرز موقف زهير الحكيم من زوجه، فهو لا يغضب من امتناعها وإدلالها عليه، بل نراه يدعوها إلى الإقامة في بيتها مكرمة، وهي دعوة فيها ترغيب وتحبيب . ويعلي شأن رقي تلك الدعوة أن زهيراً ترك لزوجه حرية البقاء في بيتها مكرمة أو الرحيل عنه. ولكن الخلافات بين الأزواج لم تكن لتُحَلَّ على هذا المنوال المتحضر دائماً، فالخلافات بين الزوجين كانت توصل أحياناً إلى طرق تنتهي بالطلاق، ومن تلك الخلافات تناقض موقف الزوجين من إنفاق الأسرة، ولقد اشرت إلى عزل الزوجة لبعلها على إسرافه في الإنفاق، وأنّ تقبّل الزوج لذلك يُعَدّ من مظاهر إعزاز الزوجة وإكرامها. ولكن لجاج بعض النساء في اللوم، وإصرار الرجال على الإسراف كانا طريقاً معبدة توصل إلى الطلاق، ومن الشعر الدال على ذلك قول المرقش الأصغر ( ):
آذَنَتْ جَارَتِي بِوَشْكِ رَحيلِ
باكِراً، جاهَرَتْ بِخَطْبٍ جَليلِ

أزْمَعَتْ بالفِراقِ لَمّا رَأَتني
أُتْلِفُ المالَ، لا يُذَمُّ دَخِيلي

أِرْبَعِي إنَّ ما يَرِيبُكِ مني
إرْثُ مَجْدٍ وَجِدُّ لُبٍّ أصيلِ

والأبيات السابقة تنص على أن الطلاق خطب جليل، ولكن حدوثه أمر يقع باختيار أي طرفٍ من الزوجين مادام التوافق متعذراً بينهما؛ فهو يسرف للمحافظة على مجد أسرته الأبوية، وهي تدعوه إلى الإقتار للحفاظ على اقتصاد اسرتها الزوجية. وبمثل ذلك خاطب لبيد زوجه فدعاها إلى ترك اللجاج في لومه على إنفاق المال أو إلى الطلاق، فهي ترضى بأن يُثَمّر زوجها المال، وهو يأبى إلا أن يكون كريما يسدّ خَلّة من يلوذ به من أبناء عمّه( )
إن خوف بعض الزوجات من إنفاق مسرف يوصل إلى الفقر دفعهن إلى طلب الطلاق فثمة زوجات لم يستطعن الصبر على فقر أزواجهن، فطلبن الطلا ق، ومنهن زوجتا نبيه بن الحجاج السهمي، فقد سألتاه الطلاق، فقال( ):
تلكَ عِرْسايَ تَنطِقانِ بهُجْرِ
وتقولانِ قولَ زُورٍ وَهِتْرِ

تَسْألاني الطَّلاق أن رأتاني
قلَّ مالي. قد جئتماني بِنُكْرِ

ومن الملاحظ أن نُبيهاً يرى أن الطلاق أمر قبيح وتلك إدانة واضحة لحلٍّ لا يرغب فيه، ولا يملك دفعه.
وكان من أبرز أسباب الطلاق أن تنشز المرأة بزوجها. والمرأة النشاز على زوجها هي التي ((ارتفعت عليه، واستعصت عليه وأبغضته، وخرجت عن طاعته، وفركته))( ). وكان النشوز سببا كافيا للطلاق؛ فالنشوز يقوض شرطا رئيسا لبناء الأسرة، وهو ولاية الرجل على زوجه. ومن أسباب النشوز أن ثمة رجالاً كانوا عاجزين عن إرضاء زوجاتهم لِعُنّة أو ما يشبهها، ومِمّن اشتهر بذلك امرؤ القيس، والأضبط بن قريع الميمي، وكان إذا شهد حَربا، تقدم ثم قال( ):
أنا الذي تَفْرُكُهُ حلائِلُهْ
ألا فَتى مُعَشَّقُ أُنازِلُهْ

لقد كان الاضبط مَفَرَّكاُ، ومُحْصِناً في الوقت نفسه لعدة نساءه وهذا يعني أن عجز الرجل عن إشباع رغبات زوجه ليس موجبا لطلب الطلاق، ولكن بعض الزوجات كن يفركن أزواجهن، ويسارعن إلى الطلاق، فقد نشزت على الأضبط بن قريع إحدى زوجاته، وكان تزوجها على مال ووصيفة، ففارقها ولم يعطها ما كان ضمن لها، وقال في ذلك( ):
ألم تَرَها بانتْ بغيرِ وصيفةٍ
إذا ما الغواني صاحبتها الوصائفُ

لَوَانّ رَسُولَ اللَّهْوِ سَلَّمَ واقفاً
عليها لَرَامَتْ وَصَلَهُ وَهْوَ واقفُ

فالرجل لم يكن بقادر على تقويم الناشز، فكان الطلاق هو الحلّ، وقد تسبب ذلك في ضياع مهرها، واتهامها باتباع أهواء النفس، وبأنها تسارع إلى وصل من يرمي عليها شباك الهوى. ومن الشعر الدال على ذلك أيضا، قول عمرو بن قميئة في زوجه سُلَيْمى، وكانت قد نشزت عليه، وطلبت الطلاق( ):
أرَى حارتي خَفَّتْ، وَخَفَّ نَصِيحُها
وَحُبَّ بها لولا النوى وطُمُوحُها

فإن تَشْغَبِي فالشّغْبُ مِني سَجسيَّةُ
إذا شِيمتِي لم يُؤْتَ مَنْها سَحِيحُها

فالشاعر بعْل يحب زوجه ويكرمها لولا ارتحالها وطموحها، والمرأة الطامح هي التي تبغض زوجها، وتنظر إلى غيره، ولعلّ ارتحالها هو الذي جعله يتهمها بالطموح؛ فهو يشغب على من يشغب عليه. وبعض الشعراء ذهبوا إلى ابعد من اتهام الزوجة بالطموح، فاتهموا نساء قومها كلهنّ بذلك، ومنهم الشماخ بن ضرار الذبياني الذي قال في زوجه السّلمية، وقد فارقته( ):
وإنكِ من قَوْمٍ يَحِنُّ نِساؤُهمْ
إلى الجانبِ الأقْصى حنينَ المَنَائِحِ

وثمة نساء تزوجن، فوجدن أزواجهن أقلّ مما قيل عنهم، ودون أملهن فيهم، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول مقُرّن بن مطر التميمي، وقد ازدرته امرأته( ):
تقولُ المالكِيّةُ أمُّ قيسٍٍ
رأيتُ مُقَرٍّنا دُونَ المعيبِ

رأيتُكَ دونَ ما قالوا وأنَّى
فلاحُ المرءِ من بعدِ المشيبِ

وما يدريكِ ما حسبي إذا ما
وجوهُ القومٍ كانت كالصَّبِيْبِ

فالزوجان يرى كلّ منهما خيبة أمله في الآخر، وقد افصح الزوج عن السبب الحقيقي لخيبة الأمل، وهو كِبرُ السنّ، فَلعَلّه توقع أن تصير عليه لمنزلته العالية في قومه، ولعلها توقعت أن تجد لديه أمراً آخر لا تقوم المنزلة مقامه عندها. وثمة زوجات رغب رجالهن عنهن، فلقين منهم الهوان وخيبة الأمل لكبر سنهن( ). ومن الشعر الدال على خيبة أمل الزوجة في بعلها أيضا قول أبي خراش الهذلي( ):
تَقُولُ: فَلَولاَ أنتَ أُنكِحْتُ سَيِّداً
أُزَفُّ إليهِ، أو حُمِلْتُ على قَرْمِِ

لَعُمْرِي لَقَدُ مُلّكْتِ أَمْرَك حِقْبَةً
زَمَاناً، فَهَلاّ مِسْتِ في العَقْمِ والرَّقْمِِ

فَجَاءتء كَخَاصيِ الَعَيْرِ لَمْ تَحْلَِ جَاجَةْ
ولا عاجةً منها تَلُوحُ على وَشْمِِ

فالزوجة تتدعي أن زواجها بأبي خراش أبعد عنها فرص الزواج بسيد غيره، ولكن البعل رد عليها، فهي لم تستطع أن تحظى برجل أحلامها، وكان أمرها إليها، وهذا ما جعلها تأوي إلى أبي خراش، معطلة من الحلي والوشم.
إن خيبة أمل أحد الزوجين أو كلٍّ منهما بالآخر من المظاهر المألوفة في الأسر الزواجية المحدثة؛ فالزوجان قد ينجحان في التقارب اللازم لاستمرار الحياة الزوجية ونجاحها، وقد يخفقان فيحدث الطلاق. ولكن نجاح الزوجين في بناء أسرة زواجية لا يعني لزوم استمرار الانسجام بينهما، فقد تدرك الزوجُ بعد زمانٍ من الزواج فارق السن بينها وبين بعلها فترغب بالطلاق. يقول عبيد بن الأبرص( )
تِلْكَ عِرْسِي غَضْبَى تُرِيْدُ زيالِي
أَلَبَيْنٍ تُرِيدُ أَمْ لِدَلالِ

إنْ يَكُنْ طِبُّكِ الفِراقَ فلا أحْـ
فِلُ أنْ تَعْطِفي صُدُور الجمالِ

أن يكُنْ طِبُّكِ الدَّلالَ فَلَوْفي
سالِفِ الدَّهْرِ واللَّيالي الخَوالي

ذاكَ إذْ أنتِ كالمهاةِ وإذْاً
تِيْكِ نَشْوانَ مُرْخياً أَذْيالي

فَدعِيْ مَطْ حاجبَيْكِ وَعِيْشِي
مَعَنَا بالرَّجاءِ والتَّأْمالِ

زعَمَتْ أنني كَبِرْتُ وأنّي
قَلَّ مالِي وضَنَّ عَنّي الموَالي

وصحا باطلي وأصبحْتُ شَيْخاً
لا يُواتي أمثالها أمثالي

أَنْ رَأَتْنِي تَغيَرَ اللونُ مَني
وَعلا الشَّيبُ مَفْرقِي وقَذالي

فالزوجة غضبي،والشاعر متحيّر؛ أغضُبها رغبة بالطلاق، ام رغبة بالدلال؟ فإن كانت ترغب بالطلاق فلها ذلك، وإن كانت ترغب بالدلال فهذا متعذّر، وغير مناسب لزوجة فقدت جمالها، وبعل أدركته الشيخوخة، ولكن البعل أسلمته الرغبة في استمرار العلاقة الزوجية إلى أن يقول لزوجة : ((فارفضي العاذلين، واقنْي حياءً)) فهو يدعوها إلى نبذ كلام العاذلين ظِهريّاً، وإلى التزام بيتها. وَلَعله دعاها إلى البقاء في بيت الزوجية لأنه تخوف الأقاويل وتذكر طول المعشارة، وانجابها الأبناء فلم يهن عليه الفراق، ولم يأنس لابتعادها عن أبنائها.
وشبيه بذلك موقف كعب بن زهير في قوله لأم اولاده، وقد نشزت عليه بعد طول معاشرة، فرأى أن يصبر على أذاها، وأن يجاملها( ):
لَوْ أَنها آذَنَتْ بِكْراً لقلتُ لها
يا هَيْدَ مالكِ، أو لو آذَنَتْ نَصَفا

لولا بَنُوها وقولُ الناسِ ما عُطِفَتْ
عَلَى العِتابِ وَشَرُّ الودّ ما عُطِفَا

فَلَنْ أَزالَ وإنْ جَامَلْتُ مَضْطغِناً
في غير نائرةٍ ضبًّا لها شَنفَا

ولكن بعض الأزواج ليس لهم صبر عبيد بن الأبرص ولا صبر كعب بن زهير، ولا استعدادهما للمجاملة، ومن اولئك الأزواج بن أرقم البكري؛فقد عاني من نشوز زوجه، وحار في مواقفها منه، فهي تصدّ بوجهها عنه، وتزعم لجاراتها أنه ظالم، وقد توافيه مظهرةً جمالها وزينتها، وقد تجادله في ضم أمواله إلى أموالها، فيبيتان في خصومة بعد أن تصل أصواتهما إلى مسامع الجيران. والظاهر أنها تتطاول عليه لكبر سنه، فما كان منه إلا أن هدّدها بالطلاق إن لم تنته عما هي فيه من نشوز ( ).
إن الطلاق هو حلّ أخير يلجأ إليه احد الزوجين أو كلاهما حين يتعذرالتفاهم بينهما لاختلاف الأمزجة الحاجات والمفاهيم الخاصة بالرابطة الزواجية، ومن أوضح الأشعار التي تظهر ذلك قول عامر بن الطفيل( )
وقد أصبْحَتْ عِرْسي الغَداةَ تَلُومُني
على غَير ذَنْبٍ هَجْرُها وَصدُودُها

فإنّي إذا ما قُلْتُ قوْلِيَ فانْقَضَى
أَتَتْني بأُخرَى خُطَّةً لا أُريدُها

فلا خيرَ في وُدٍّ إذا رَثَّ حَبْلُهُ
وخيْرُ حبالِ الوَاصِلينً جَديدُها

ولا أريد أن أشير هنا إلى امتلاك البعل حق طلاق زوجه، فهو أمر مسَلم به في المجتمعات الأبوية، ولكني أودّ أن أشير إلى امتلاك الزوجة حق فسخ عقد زواجها وقد مرت بنا شواهد كثيرة تدل على ذلك، وثمة أمر جدير بالاشارة إليه هنا، وهو موقف زوج العباس من مرداس السلمي منه حين أسلم، فقد تركته، وقوضت بيتها، وارتحلت إلى قومها، وقالت تُؤنبه( ):
ألْم يضنهَ عباسَ بن مِرداسَ أنَّني
رأيتُ الوَرَى مَخْصُوصَةً بالفجائعِ

لَعَمْري لئنْ تابعتَ دينَ محمدٍ
وفارقتَ إخوانَ الصَّفا والصَّنائعِ

لَبدَّلتَ تلك النَّفْسَ ذُلاٍّ بِعزَّةٍ
غداةَ اختلافِ المُرءهفاتِ القواطع

وامتلاك المرأة الحق في فسخ عقد زواجها في مجتمع الصرحاء الأبوي والجاهلي يدل دلالة ظاهرة على توازن العلاقة بين البعل وزوجه،وعلى امتلاك المرأة الصريحة حريتها وإنسانيتها في ظل انتمائها إلى اسرتها الزواجية، فالعلاقة الزواجية عقد بين رجل وامرأة يستمر بالاتفاق بينهما، وينتهي برغبة أحدهما أو كليهما بفسخه. ولقد أبانت الأشعار المستشهد بها أن الطلاق أمر مُنكَرُ، لا يُقْدِم عليه إلا من اقتنع بتعذر استمراره وهذا يعني أنّ الطلاق لم يكن شائعاُ، ولكنه حلُّ لمشكلات إنسانية تقع بين زوجين لاختلاف الأمزجة الحاجات والمفاهيم الخاصة بالرابطة الزواجية.
إن الرابطة الزواجية انتماء جديد يضاف إلى انتماءات كلّ واحد من الزوجين، ولا يلغيها، والإضافة تعني التفاعل الجدلي الإنساني بين انتماء محدث، وانتماءات سابقة على وجوده، وهذا التفاعل قد يكلل بالنجاح، ببناء أسرةٍ زواجية متوازنة ترى فيها حرمةُ العلاقة الزواجية، وتُثمر أبناءً وعلاقاتٍ حسنة بين أهل الزوج وأهل الزوجة . وقد يتخذ الجدل بين الرابطة الزواجية المحدثة والانتماءات السابقة شكلاً عنيفاً، يؤدي إلى التصادم بين الزوجين، وغالباً ما يحصل ذلك بسبب تعصب أحد الزوجين أو كليهما لنسبه الأبوي تعصبا شديداً، يعوق بناء الأسرة الزواجية بناء سليماً، ويوصل إلى الطلاق في أحايين كثيرة. وثمة أخبار وأشعار بالغة الدلالة على ذلك، فدريد بن الصمة بلغه أن زوجه سبّت أخاه، فطلقها، وقال( ):
أَعَبدَ اللهِ إنْ سَبَّتْكَ عِرسِي
تَسَاقَطَ بعضُ لَحمي قبلَ بَعْضِ

مَعَاذَ اللهِ أنْ يَشْتُمْنَ رَهْطي
وأنْ يَملِكْنَ إبْرامي ونَقْضي

لقد استشعر دريد إهانة كبيرة أنْ سبت عِرسه أخاه عبد الله، فطلقها، ثم جعل تلك الحادثة المفردة قضية عامة، فأعلن أنه لا يسمح لنسائه أن يشتمنَ أحداً من أقاربه، ولا يرضيه أن يملين عليه رغباتهن. وللجميح بن الطماح الأسدي أبيات يصور فيها نشوز زوجه، ومنها قوله( ):
فإنْ يكنْ أَهلُها حَلُّوا على قِضَةٍ
فإنَّ أهْلِيْ الأُلَى حَلُّوا بِمَلْحُوبِ

ولقد قال (التبريزي) في شرح البيت السابق: ((كأنه ظهر له منها تبجح بعشيرتها، بعد ما رأى من سلاطتها، وتجردها للمساءة إليه طلبا للبينونة منه، فقال : إن كان أهلها بالقرب منها، وهم عُدّة لها، فإنَّ أهليَ أعلى شأناً منهم)). ومن مفاخر كل واحد من الزوجين بنسبه الأبوي قول حسان بن ثابت، وقد ولدت له زوجه الأسلمية غلاماً( ):
غُلامُ أَتاهُ اللؤمُ من نَحْو خالهِ
له جانِبٌ وافٍ وآخرُ أكشَمُ

فقالت أمّهُ:
غُلامُ أَتاهُ اللّؤومُ من نَحْو عَمِّهِ
ومن خَيْرِ أعراقِ ابن حَسَّانَ أَسْلَمُ

وثمة زوجات لم يستطعن الاندماج في مجتمع الاسرة الزواجيةن فكن يشعرن بالغربة، فينتابهنّ حنين جارف إلى الأهل، ومن الجلي أن بعد النسب والدار من أسباب ذلك الشعور . ومن اللواتي عَبّرن عن الإحساس بالغربة في رحاب الأسرة الزواجية أسماء المرية صاحبة عامر بن الطفيل في قولها( ):
أيا جَبَليْ وادي عريْعِرَةَ التي
نَأتْ عَنْ ثَوَى قَوْمي وَحَقَّ قُدومُها

ألا خلّيا مَجْرَى الجَنُوبِ لَعَلّهُ
يُداوي فُؤادي منْ جَواهُ نَسيمُها

وكيف تُداوي الريحُ شَوْقاً مُمَاطِلاً
وعَيْناً طويلاً بالدموعِ سُجُومُها

وقولا لِرُكْبَان تَميمِيةٍ غَدَتْ
إلى البيتِ تَرْجُو أنْ تُحَطَّ جُرُومُها

بأنَّ بأكنافِ الرَّغامِ غَريبةً
مُوَلَّهةً ثكْلى طوِيلاً نئِيمُها

مُقطَّعةً أحشاؤُها مِنْ جَوَى الَهَوى
وتَبْرِيحِ شَوْقِ عاكِفٍ ما يَرِيمُها

وكانت الطامة الكبرى أن يقتتل أهل الزوج وأهل الزوجة، فتقع بينهما الدماء، وتفعم القلوب بالإحن. ومن أكثر أخبار الجاهليين مأساوية خبر جليلة بنت مُرّة البكرية، فقد قَتَل أخوها جساسُ زوجها كليبَ بن وائل التغلي، فأبعدت نساءُ تغلب جليلةَ عن مأتم زوجها لأنها أخت القاتل، فلحقت بأهلها، وسجلت عمق معاناتها بقصيدة تفيض بالألم والحسرة، ومنها قولها( )
يا قيتلا قَوّضَ الدّهرُ به
سَقْفَ بيَتيَّ جميعاً منْ عَلِ

هَدَم البيتَ الذي استحدثتُهُ
وانثنى في هدمِ بيتي الأولِ

إنَّني قاتِلةٌ مقتولةُ
ولَعَلَّ الله أنْ يرتاحَ لي

إنها تنعى بيتها المحدث (أسرتها الزواجية) وبيتها الأول (نسبها الأبوي) فهي قاتلة مقتولة، تفوض أمرها إلى الله، وترجوه أن يريحها من عنائها وشقائها.
وقد يتصادم الانتماء إلى الأسرة الزواجية بالانتماء إلى الأمومة، فيتطامن الانتماء المحدث أمام الانتماء القديم، ولصخر بن الشريد السُّلمي بيت يكثف فيه تجربة خاصة، وهو قوله:( )
فَأَيُّ امرئٍ سَاوَى بأُمٍّ حَلِيلةً
فلا عاشَ إلا في أّذىً وَهَوانِ

ومن أخبار التصادم بين الانتماءين المذكورين أن حسان بن ثابت تزوج امرأة من الأوس، وكانا متحابين، فأسر الأوسيون رجلاً من أخوال حسان، فتكلم في أمره بكلام أغضب زوجه، فعيرته بأخواله، وفخرت عليه بالأوس، وكان حسان يحب أخواله، ويغضب لهم، فطلقها، ومن شعره في ذلك قوله ( ):
سأَلتْ حَسّانَ مَنْ أَخْوَالُه
إنّما يُسألُ بالشيءِ الغُمُر

قُلْتُ أخوالي بنو كعبٍ إذا
أسلمَ الأبطال عَوْراتِ الدُبُرْ

ومن الظاهر أن تصادم الانتماء إلى اأسرة الزواجية بالانتماء إلى الأبوة والأمومة ينتهي بتراجع المحدث أمام التالد، بل يتراجع المتحول أمام الثابت، فالأبوة والأمومة انتماءان قسريان، لا خلاص منهما، والأسرة الزواجية انتماء الزوجين إليها اختياري، والانفلات منه ممكن بالطلاق. فهل ينهي الطلاق الصلة بين الزوجين المنفصلين؟
إنّ الطلاق لا ينهي الصلة بين طرفيه، فما يحدث في مجال العلاقات الزواجية قبل الطلاق يصبح وجوداً لا يمكن إلغاؤه، وتجربة مشتركة لها آثار مختلفة في نفوس أصحابها، ومن أبرز تلك الآثار النفسية التي ظهرت في الشعر الجاهلي الحنين إلى الزوجة، والأسى لفراقها كقول علباء بن أرقم اليشكري في زوجه تُماضِر التي لحقت بقومها لاستهلاكه المال، وتعريضه نفسه لمخاطر( ):
حَلّتْ تُماضِرُ غَرْبَةُ فاحْتَلَّتِ
فَلْجاً، وأَهْلُكُ باللّوى فالْحِلتِ

وكأنما في العَيْنِ حَبُّ قَرَنْفُلٍ
أو سُنْبُلاً كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ

وذكر صاحب الأغاني أن زهير بن أبي سلمى طلق زوجه أم أوفى ثم ندم، فقال( )
لَعَمْرُكَ والخطوبُ مُغَيّراتُ
وفي طول المُعاشرةِ التَّقالي

لقد باليتُ مَظْعَنَ أمِّ أوْفَى
ولكنْ أمُّ أوفَى ما تُبالي

لقد اقرّ زهير أنه قد اهتم لفراق زوجه، وأن زوجه لم تهتم لفراقه، وعدم مبالاة أم أوفى ربما لا يكون حقيقة، وربما اصابها الهم والأسى للطلاق، ولكنها كتمت مشاعرها أنفة، وامتثالاً لقيم اجتماعية ضاغطة، تخظر على المرأة تعبّر عن مشاعرها تجاه الرجل، الزوج، ويؤكد صحة ذلك أني لم أجد في مصادري شعر امرأة ذكرت فيه معاناتها من الطلاق. ويقابل ذلك وفرة في أشعار الأزواج الذين أظهروا مشاعرهم تجاه مطلقاتهم( ).
لقد تبين لنا مظاهر العلاقة الزواجية الصريحة التي أبرزها الشعراء الجاهليون، ولكن الاسرة الزواجية غينية بعلاقات إنسانية أخرى ينتجها جدل الأفراد المنتمين إلى تلك الأسرة، ولقد وقفنا على جوانب كثيرة منها في حديثنا عن أبوة الصرحاء وأمومتهم، وسوف ألمّ الآن بجوانب أخرى خاصة بالأبناء المنتمين إلى الأسرة الزواجية محاولاً بذلك استكمال تصوير الشعر الجاهلي لتلك الأسرة.
***
4- إنجاب الأبناء ورعايتهم:
إن لزواج البعولة غاية رئيسة محددة، هي المحافظة على استمرار الوجود الإنساني بالإنجاب .
ولما كان مجتمع الصرحاء مفعماً بالصراعات فقد حرصوا على إنجاب الأبناء الأقوياء، وعلى تنشئتهم تنشئة تكسبهم القوة الجسدية والنفسية التي يستطيعون بها مواجهة الأعداء، وتحدي الطبيعة القاسية. ومن أجل ذلك كان البعل يختار ذات الحسب والنسب ليقترن بها لاعتقاده بقدرتها على توريث القوة الجسدية لأبنائها، وعلى تربيتهم تربية يتمثلون بها قيم مجتمعهم، ويتلو اختيار الزوجة اخيتار الوقت المناسب للحمل، فقد اعتقد الجاهليون أن الزوجة إذا حملت وهي فزعة، ومكرهة على طرق بعلها إياها، فجاءت بغلام- فإنهاتلد غلاماً لا يطاق، ومن جيد الشعر الدال على ذلك قول أبي كبير الهذلي يصف
صاحباً له( ):
ولقد سَرَيْتُ على الظَّلام بمغشَم
جَلْدٍ مِنَ الفِتْيانِ غَيْر مُهَبلِ

مِمَّا حَمَلْنَ بهِ وَهُنَّ عَواقِدٌ
حُبُكُ الثّيَابِ فَشَبَّ غَيْرَ مُثَقّلِ

حَمَلتْ به في لَيْلَةٍ مَزْؤُودَةٍ
كَرُهاً وعَقْدُ نِطَاقِها لَمْ يُحْلَلِ

فَأتَتْ به حُوْشَ الجَنَانِ مُبَطَّناً
سُهُداً إذّا ما نَامَ لَيْلُ الهَوْجلِ

ثم أضاف أبو كبير صفات أخرى تلزم لاستكمال قوة المولود الجسدية، فقال( ):
ومُبَرَّأ من كلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ
وَفَسَادٍ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْيِلِ

وقد بين (السكّري) في شرحه البيت السابق أن الأم لم تحمل على مولودها، فتسقيه الغيل( )، وإنه لم يُصب بداء شديد معضل. فالأسرة الزواجية تنزع إلى انجاب الأبناء الأقوياء باختيار أسلوب الحمل المناسب في رأيها لذلك، وبتغذية المولود بلبن اعتقدت بلزومه لصحة الأبناء . ومن الواضح أن الزوجين- و لا سيما الأنثى منهما- يتكبدان عناء نفسياً في سبيل إنجاب المولد بطريقة مثلى، وفي سبيل إرضاعه بلبان الصحة والقوة.
وكانت الأسرة الزواجية تطمح إلى أن يَشُبَّ أبناؤها على مثال ترتضيه. وفي أشعار ترقيص الأطفال ما يظهر اهتمام الأسرة،بتربيتهم، وبتنشئتهم على القيم العليا التي يرتضيها المجتمع، ومن تلك الأشعار قول هند بنت عتبة وهي ترقص ابنها معاوية ( ):
إن بُنَي مُعْرِقُ كريمُ
مُحبَّبُ في أهله حَليمُ

ليس بفَحّاشٍ ولا لئيمٍ
ولا بِطُخْرُورٍ ولا سَئُومِ

صَخْرُ بني فَهْرٍ به زَعِيم
لا يُخْلِفُ الظَّنَّ ولا يَخيِمُ

والصفات التي تسبغها هند على ابنها ليست فيه، فهو صغير ولكنها صفات تأمل أن يتربى عليها، ويتملكها حين يشب عن الطوق . وشبيه بذلك أبيات لصفية بنت عبد المطلب في ابنها الزبير بن العوام، تُبين فيها أنها تحسن تربية ابنها، وأنها تقدم على ضربه ليعقل وليشبّ رجلاً جواداً شجاعاً( )وزعمت أم عمرو بن كلثوم التغلي أن آتيا جاءها في الليل، فأشار إلى ابنها عمرو، وقال:( ):
إني زعيم لكِ أمَّ عَمْرو
بماجِد الجَدِّ كريم النَّجْر

أشجعَ مِنْ ذي لِبَدٍ هِزبْرِ
وَقاصِِ أقرانٍٍ شديدِ الآسْرِ

يَسُودُهُمْ في خمسةٍ وَعَشْرِِ

والخيال في الخبر السابق واضح، ولكنه لا ينفي إمكانية أن تقول الأم ذلك الشعر في نومها، غير واعية، وفي أن تنسبه إلى ذلك الآتي الذي تراءى لها في منامها، فتحدثت بلسانه عما يجيش في صدرها من احلام تتعلق بطفلها. واختصاص الأمهات بالأشعار الخاصة بتربية الأطفال يويح بتحمّلهن مسؤولية تربيتهم( )، ولكنه لا ينفي مشاركة الرجال لهن، وكذلك توحي تلك الأشعار باهتمام الأسرة بالأبناء الذكور دون الإناث ولم أقف في الشعر الجاهلي على ما يظهر اهتمام الرجال بتربية الأطفال غيرقول أمية بن أبي الصلت يعاتب ابنه:( ):
غَذوتُكَ مولوداً وعُلتُكَ يافعاً
تُعَلُّ بما أدنى عليك وتنهلُ

إذا ليلةُ نابَتْكَ بالشكوِ لم أبتْ
لِشَكْواكَ إلا ساهراً أتَمَلْمَلُ

كأني انا المطروقُ دونكَ بالذي
طًرقْتَ به دُوني وعينيَ تُهمُلُ

تخاف الرَّدَى نَفسي عليكَ وأنها
لتعلم أن الموت حَتْمٌ مؤجلُ

وكذلك أشعار للزبير بن عبد المطلب في ولد أخيه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وفي أخويه،العباس وضرار ابني عبد المطلب( )ولم أقف في شعر الجاهليين على ما يظهر الاهتمام بتربية الإناث غير قول الزبير بن عبد المطلب وقد دخلت عليه ابنته أم الحكم( ):
يا حَبّذا أُمَّ الحّكّمْ
كأنها رِيْمُ أَحَمّْ

يا بَعْلها ماذا يّشَمّْ
ساهَمَ فيها فَسَهَمْ

ونستيطع مما سبق أن نذهب باطمئنان إلى القول بامتلاك الأسرة الزواجية الصريحة المقومات اللازمة لبناء الإنسان القادر على مواجهة الحياة بقوة؛ فهي أسرة تراعي فيها حرية الاختيار في إبرام عقد الزواج، وفيها يتحمل الزوج مسؤولية حماية زوجته ورعايتها، وتتحمل الزوجة مسؤولية رعاية الزوج، وتربية الأبناء، مع الحفاظ على كلّ ما يصون شرفها، ويضمن صحة انتساب أبنائها إلى بعلها، فيتربي الأبناء في ظلال أسرتهم تربية يكتسبون بها قيم مجتمعهم، ومنها قيم ترابط الأسرة وتضامن أفرادها في مواجهة الأخطار التي تهددها أو تهدّد أيّ فرد منها.
والأشعار التي تدل على ترابط الأسرة الزواجية كثيرة ومتنوعة، ومنها أن يعتد الأب بأبنائه، فيفرح بهم لامتلاكهم المناقب الحميدة، ويهتم بأمورهم كقول ذي الإصبع العدواني يصف ابنه بالقوة والكياسة والكرم، ويتساءل أغيبته لنفع أهله أم لشيء آخر( ):
وما إنْ أسيدُ أبو مالكٍ
بوَاهٍ ولا بضَعيفٍ قُوَاهُ

ولا بألدَّله نازعُ
يُغاري أَخاهُ إذا ما نَهاهُ

ولكنهُ هَيِّنُ لينٌ
كعاليةِ الرمحِ عَرْدُ نَسَاهُ

ولكّنه غيرُ فْحِلافةٍ
كريم الطبائع حُلوٌ ثَناه

إذا سُسْتَهُ سُسْتَ مِطْواعةً
وَمَهْمَا وَكلتَ إليه كفاهُ

ألا منْ يُنادي أبا مالكٍ
أفي أمْرِنا أَمْرُهُ أم سِوَاهُ

أبو مالكٍ قاصرُ فَقْرَهُ
على نَفْسِهِ وَمُشيعُ غِنَاهُ

وكان الأب يشعر بمسؤوليته عن مناصرة وحمايته، وقد يعجز الأب عن ذلك، فتفيض نفسه بالحسرة والألم، وقد عبر عن مثل هذا الموقف عتيبة بن الحارث بأبيات حين فرّ عن ابنه حَزْورة ( ):
وكان الآباء يشعرون بالاغتراب لفقدان الأبناء ومنهم زهير بن أبي سُلمى الذي رثى ابنه سالماً، فأظهر افتقاده لأيام الهناء التي كان ينعم فيها بصحبة ابنه ( ) وذكر ( القالي) أن سبعة أخوة هلكوا معاً في الجاهلية، فرثاهم والدهم ، وهو رجل من ضبّة، بأبيات منها قوله:( ):
أحينَ رَماني بالثمانين مَنْكبٌ
من الدَّهرِ مُنحٍ في فؤادي بأسْهُمِ

رُزئْتُ بأعضادي الذين بأَيْدِهِمْ
أَنُوءُ وَأَحْمِي حَوْزَتَيَّ وأَحْتَمِي

فإنْ لم تذُبْ نفسي عليهم صَبَابةٌ
فَسَوْفَ أشُوبُ دَمْعها بعدُ بالدَّمِ

فالأب مسؤول عن حماية أبنائه، وهم مسؤولون عن رعايته وحمايته حين يشتد عودهم ويذري عوده، ولذلك كان الرجل العقيم يفتقد الأبناء حين يضعف ، فهم مرتكز عَصَبَةِ الرجل في المجتمع الأبويّ. ومن الأخبار المؤثرة أن فارس بني عامر أبا براء، عامر بن مالك، ملاعب الأسنة، ضعّفه بنو أخيه لما أسنّ وخرّفوه ولم يكن له ولد يحميه، فأنشأ يقول:( )
دَفعتُكُمُ عَنّي، وما دَفْع راحةٍ
بِشيَءٍ إذا لم تَسْتَعنْ بالأناملِ

يَضعِّغُني حِلْمي وكثرةُ جَهْلِكُمْ
عَلَيَّ وأنّي لا أصُولُ بجاهِلِ

وكان الأبناء يرتبطون بآبائهم برباط وثيق، ولقد وقفنا على ذلك في أثناء الحديث عن ( أبوة الصرحاء) وكان عجز الأبناء عن القيام بالواجبات تجاه آبائهم مؤلماً لهم،وباعثاً على تأنيب الذات، ومن المواقف الدالة على ذلك أنّ ورقاء بن زهير العبسي لم يستطع استنقاذ والده من سيف خالد بن جعفر العامري، فقال ورقاء( )
رأيتُ زهيراً تحت كَلْكَلِ خالدٍ
فأقبلتُ أسعى كالعجول أُبَادِرُ

إلى بَطَلَينِ يَنْهَضانِ كلاهما
يُريدان نَصْلَ السيفِ نادرُ

فَشُلّتْ يميني يوم أضرِبُ خالداً
ويَمْنَعُهُ مِنّي الحديدُ المثظاهرُ

فيالتي أنّي قبل أيامِ خالدٍ
ويم زُهيرٍ لم تَلِدْني تُماضَرُ

لعمري لقد بُشِّرتِ بي إذْوَلدْتِني
فماذا الذي رَدَّتْ عليكِ البشائرُ

ومن الجدير بالذكر أن عقوق الأبناء لا يكاد يظهر في الشعر الجاهلي، فقد وقفت على اتهام بشر ابن أبي خازم ليُجير بن أوس بن حارثة بالعقوق ( )، وعلى أبيات لأمية بن أبي الصلت يشكو فيها عقوق ابنه( ) ومنها :
فَلمَّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ التي
إليها مَدى ما كنتُ فيك أُؤمِّلُ

جعلتَ جزائي غِلْطةً وفظاطةً
كأنكَ أنتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّل

وندرة الأشعار الدالة على عقوق الأبناء من المظهر التي تؤكد شيوع الانسجام بين أفراد الأسرة الزواجية الصريحة.
وللبنات منزلة خاصة في الاسرة لدى الآباء، فهن أشد حاجة إلى الحماية والرعاية من الأبناء، وهنو أقدر على إظهار المشاعر نحو الآباء من الأبناء، فالبنات ينتظرن أوبة الآباء من الغزو والارتحال بقلوب واجفة. وقد أظهر الشعر الجاهلي بعض ذلك كقول بشر بن ابي خازم، وقد أصابه سهم قاتل، فتذكر انتظار ابنته له ( ):
أسائلةٌ عُمَيْرَةُ عن أبيها
خلالَ الجيشِ تَعْترِفُ الرِّكابا

فإنَّ أباكِ قدْ لاقى غُلاماً
من الأبناء يَلتهِبُ التهابا

وإنَّ الوائِليَّ أصابَ قَلْبي
بِسَهْمٍ لم يَكُنْ يُكْسى لُغَابا

وقول أبي خراش الهذلي، وقد نجا من القتل بصعوبة( ):
تَقُول ابنتي لمَّا رَاَتْني عَشِيّةً
سَلِمْتَ وما إنْ كِدْتَ بالأمسِ تَسْلَمُ

والآباء يتذكرون بناتهم ساعة الخطر خوفاً من أن يصيبهن حيف بعد همْ، وشفقةً عليهن من شدة الحزن عليهم( ).
وصور الأعشى تعلق البنات بالآباء حين يزمعون الرحيل، فها هي ذي ابنته تنظر إليه، وقد أزفت لحظة ارتحاله، فتدعو ربها أن يحفظ والدها من الأوجاع والآلام، وكانت قد بذلت جهدها لتمنع أباها عن الارتحال، ولكن مطالب الحياة كانت أقوى من العواطف، فارتحل الأب، وهو يدعو لابنته بمثل ما دعت له، ويوصيها بأن تستخبر عنه، وتنتظر إيابه، وبألا تفقد الأمل بعودته، وذلك في قوله( ):
تقول بنتي وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلا
يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأوصابَ والوجَعَا

و استَشْفَعَتْ من سَرَاةِ الحيِّ ذا شرفٍ
فقد عَصَاها أبوها والذي شَفَعا

مهلاً بُنَيَّ فإن المرء يبعثُهُ
همٌّ إذا خالط الحيزومَ والضِّلعا

عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي
يوما فإن لجنبِ المرءِ مُضْطجَعا

واستخبري قافِلَ الرُّكبانِ واْنتَظِري
أوْبَ المسافرِ إن رَيْثاً وإن سَرَعَا

كوني كمثل التي إن غاب وافِدُها
أهدَتْ له من بعيدٍ نظرةً جَزِعا

ولا تكوني كَمنْ لا يرتجي أوَباً
لِذي اغترابٍ ولا يَرْجُو له رجعَا

وصور الأعشى في قصيدة أخرى رغبة ابنته الشديدة في بقائه إلى جانبها، فهي تشعر- إن يرتحل- باليتم، وتتخوف موته بعيداً عنها، وتخبره بمجافاة الناس لها بعده( ). وتصوير الشعراء لمواقف الوداع يعبر عن عمق الترابط الأسري بين الآباء والبنات( ).
وللزوجات، الأمهات، اهتمام بشؤون الأبناء الرجال، ولا سيما الاقتصادية، فقد يحضضن أبناءهن على الغزو طلباً للمال ( )، وقد يعاتبن أبناءهن على الإسراف في إنفاق المال، ومنهن رُهْم بنت العباب التي عاتبت ابنها حُطائط بن يعفر على إسرافه من أمواله وأموالها، وقد علل حُطائط فعله بأبيات منها( ):
تقول ابنةُ الَبَّابِ رُهْمُ حَرَبْتَني
حُطائِطُ لم تَتْركْ لِنَفْسِكَ مَقْعدا

ذَريتي يكنْ مالي لعِرِضي وقايةً
يقي المالُ عِرْضي قبل أنْ يتبدّدا

أجارةَ أهلي بالقصيمةِ لا يكنْ
عَلَيَّ - ولم أَظلمْ- لسانُكِ مِبردا

ومن الدلائل على ترابط الأسرة الزواجية تناصر الإخوة، ويتجلى ذلك واضحا في شعر الرثاء، حي يظهر اعتداد الأخ بأخيه، فيذكر محاسنه، ويتألم لفقده، ويسعى لإدراك ثأره إن مات مقتولاً. ومن الشعراء الذين اشتهروا بذلك دريد بن الصمة في رثاء أخيه عبد الله ( )، ولبيد بن ربيعة في رثاء أخيه أَرْبَد ( )، وبشر بن أبي خازم في رثاء أخيه سُمير ( )، وغير ذلك كثير( ).
ومن ترابط الأسرة أيضاً اهتمام الأخوات بشؤون إخوتهم وإظهار الألم لفقدهم، ومن اللواتي اشتهرن بذلك الخنساء، فقد حفل ديوانها برثاء أخويها: صخرٍ ومعاوية ؛ وهند بنت عتبة( )، وكبشةُ بنت معد يكرب ( )،وغيرهن( ).
ومن ترابط الاسرة أيضاً أن يهتم الأخ بشؤون أخته، كأن ينحصها في أمر زواجها ( ) ويشتاق إليها إن بعد عنها كقول امرئ القيس يدعو لأخته بالسقيا( ):
فأسقى به أختى ضعيفة إذْ نأتْ
وإذ بَعُدَ المزارُ غيرَ القريضِ

***
لقد عرف العرب الصرحاء زواج البعولة، وبه ينشأ انتماء جديد يضاف إلى انتماءات الزوجين السابقة على الزواج؛ فالزوجة تنتقل إلى كنف زوجها الذي يجب عليه أن يرعاها، ويحيمها، ويكرمها إكراماً يليق بإنسانيتها بصفتها شريكاً في بناء أسرة جديدة، وتكوين انتماء جديد يسهم في استقرار نوازع نفس كلّ منهما نحو الجنس الآخرن ويحقق الرغبة المشتركة لهما في استمرارية الوجود الإنساني بالإنجاب في إطار علاقة زواجية تنغلق فيها الزوجة على بعلها كي تصح نسبة أبنائها إليه، وهذا الانغلاق هو أبرز مظاهر إعزاز المرأة لنفسها ولأهلها في مجتمع الصرحاء.
والعلاقة الزوجية ليست أبدية، فقد تنتهي بالطلاق، فالتكافؤ بين الزوجين في المنزلة يسمح ببناء أسرة إذا تحقق الانسحام بينهما مثلما يسمح بالافتراق، وإنهاء عملية بناء الأسرة الزواجية إذا تعذر التوافق. ولكن الانتماءات السابقة لانتماء الاسرة الزواجية المحدث قد تصطدم به، فتعوق إمكانية استمرارية العلاقة بينهما، وتوصل إلى الطلاق، ولاسيما حين يقع التصادم بين انتماء الأبوّة وانتماء الأسرة الزواجية. والأسرة الزواجية الناجحة تتكلل غايتها بإنجاب الأطفال، ويشترك الزوجان في تربيتهم، وتنشئتهم على القيم الاجتماعية السائدة، ومنها قيم ترابط الأسرة الزواجية وتعاضد أفرادها تعاضداً يقوون به فيمنحهم الأمان والشعور بالاستقرار النفسي في ظل الأسرة التي ينتمون إليها.
***
5 - أسرٌ أخرى
وثمة أسر زواجية صريحة نشأت وفق أسس تخالف زواج البعولة، وقد وقفت في الشعر الجاهلي على ثلاثة أنواع منها، وهي : زواج المقت، وزواج الأخيذة، والاستبضاع. فأما زواج المقت فيكون بأن يرث الابن زوج أبيه المتوفى، فيتخذها زوجاً له، أو يعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، وللوارث أن يفعل ذلك بزوج المتوفى إذا ألقى عليها ثوبه قبل أن تذهب إلى أهلها( ). وزواج المقت أقره عرف الصرحاء في الجاهلية ولكن اسمه يدل بعمق على كراهتهم له،وعدم شيوعه بينهم، ولقد عده أوس بن حجر التميمي نكاحاً منافياً لخصوصية المجتمع الجاهلي، فقال يهجو قوماً ( ):
والفارسيةُ فيهمْ غَيْرُ مُنْكَرَةٍ
فكُلُّهُمْ لأبيهِ ضَيْزَنُ سَلِفُ

وهجا حُجُرُ بن معاوية بن عيينة منظور بن زبان الذي خلف أباه على زوجه؛ فاتهمه بأنه كان يتعرض لزوج أبيه قبل وفاته، وذلك في قول حجر( ):
لَبِئس ما خلفَ الآباءَ بَعْدَهُمُ
في الأُمَّهاتِ عجانُ الكلبِ منظورُ

قد كُنْتَ تغمِزُها والشيخُ حاضِرُها
فالآنَ أنتَ بطولِ الغَمْزِ مَعْذورُ

وكراهة الصرحاء لزواج المقت تدفع إلى القول بأن العلاقة بن الزوجين واهية في إطار المقيت، فهو زواج مبني على الإكراه، وعلى رغبة الرجل بالتملك لزوج أبيه. وليس في الشعر الجاهلي ما يدل على متانة العلاقة بين طرفي زواج المقت، وأميل إلى الاعتقاد بأن الزوج قد يكون أكثر تَعَلّقاً بزوجه منها به؛ فالزوج هو الرابح في زواج المقت لأنه صاحب الإدارة في وجوده، والزوجة هي الخاسرة لأنها هي المكرهة على الاقتران بابن زوجها، ولمنظور بن زبان أشعار تحدث فيها عن تعلقه بزوج أبيه، فقد تزوجها بعد وفاة والده، وشعر بالسعادة قربها، ولكنه لم يشر إلى سعادتها بقربه( ) ومن الشعر الدال على نفور الزوجة أن عمرو بن يكرب تزوج امرأة أبيه بعده في الجاهلية فَقَلتْهُ، فقال فيها ( ):
فلو لا إخوتي وبنيَّ منها
ملأتُ لها بذي شُطَبٍ يميني

إن زواج المقت فيه استهانة بمشاعر الزوجة، فلا خطبة فيه، ولا مهر وكذلك زواج الأخيذة؛ فهي سبَّيةٌ صريحة النسب، يتخذها آسرها زوجة له، أو يجعلها زوجة لأحد أقربائه؛ فالأخيذة تُكْرَهُ على الزواج بغير خطبة ولا مهر، ومن الشعر الدال على ذلك قول الحطيئة يمدح عيينة بن حصن الفرازي( ):
وبَكْرٍ فلاها منْ نعيمٍ، غَريرةٍ
مُصَاحبَِةٍ على الكرَاهينِ فارك

يَقُلنَ لها لا تَجْزَعي أنْ تبدَّ لي
بأهْلِكِ أهلاً والخُطُوبُ كذلكِ

إن المديح السابق يبين كراهة الأخيذة لمن تجبر على مصاحبته، فهي مكرهة على أن تستبدل بأهلها أهل آسرها ، وهذا أمر عظيم، لكنه أيضاً من خطوب الحياة الجاهلية القاسية .
وقد تضطر الأخيذة إلى إظهار المودة والمحبة حتى تجد فرصة للخلاص من زوجها الآسر فتتركه غير حافلة بحسن معاشرته لها؛ فقد سبى عروة بن الورد ليلى بنت شعواء العامرية، فمكثت عنده زماناً تريه أنها تحبه، ثم استزارته أهلها ، فحملها حتى أتاهم بها، فلما أراد الرجوع أبت أن ترجع معه. ولعل ليلى أحبت عروة ، ولكنها آثرت العودة إلى أهلها تعصباً لهم ، وهرباً من عار الأيسر وهو عار لايمحوه الزواج، ولاتستره المعاملة الحسنة( ) ولعروة بن الورد نفسه شعرٌ افتخر فيه على بني عامر بانه أخذ ابنة شعواء، فاستمتع بحسنها وشبابها ، ، ثم ردها إلى أهلها وشعرها أشيب، وذلك في قوله لعامر بن الطفيل العامري الذي افتخر بسبي امرأة عبسية( ):
إنْ تأخذوا أسماءَ موقف ساعةٍ
فمأخذُ ليلى وهي عذراءُ أعجبُ

لبسنا زماناً حسنها وشبابَها
وَرُدَّتْ إلى شعواءَ والرأسُ أشيبُ

فالزوجة الأخيذة مكللة بعار الأسر والقهر، ولذلك كانت معاملة الزوج الحسنة لأخيذته لا تردعها عن ترقب الفرصة المناسبة للخلاص منه. وقد يتولد الحب بين الزوج وأخيذته، ولكن القيم الاجتماعية التي تزدري الأخيذة تدفعها إلى الاستهانة باسرتها الزواجية وإلى العودة رحاب نسبها الأبوي . وللنمر بن تولب تجربة إنسانية عميقة في هذا المجال؛ فقد سبى أخوهُ جَمْرَةَ بنت نوفل الأسدية، فوهبها للنمر، ففركته فحبسها حتى استقرت وولدت له أولاداً، ثم استزارته أهلها، وواثقته لترجعنّ إليه، فلما أطل بها على حيّ قومها تركته واقفاً، وانصرفت إلى منزل بعلها، ولم ترجع إليه، وقد ذكر النمر ذلك في اشعار كثيرة( )، تبيّن حبه لها، وتعلّقه بها، كما تبيّن أنها تركته غير كارهة له، بل تركته امتثالاً لقيم اجتماعية تحتم عليها ألا تظل في كنف آسرها، ومن شعره الذي يبين حيرة جمرة، وقد تركته( )
وصدّتْ كأنَّ الشمسَ تحتَ قِناعِها
بدا حاجِبٌ منها، وضَنتْ بحاجبِ

فغضب النمر من جمرة لا يخفي تعلُّقه بها؛ فهي كالشمس، وعودتها إلى أهلها وبعلها الأول لا تنفي ميلها إليه، فهي تريه بعض جمالها لأنها توده، وتخفي عنه بعض جمالها لأنها أقدمت على مفارقته.
وزواج الصريح الأخيذة الصريحة يمنحها حقوق زوجة البعولة عدا حق الحرية في مفارقة زوجها، فهي مكرمة منعمة، تختلط بنساء قبيلة زوجها وآسرها، وكأنها واحدة منهن، ونسبت إلى حاتم الطائي أبيات واضحة الدلالة على ذلك منها قوله( ):
وما أنكَحُونا طائِعين بناتِهمْ
ولكنْ خَطَبْناها بأسيافنا قَسْرا

فما زادَهَا فِينا السِّباءُ مَذَّلةً
ولا كُلِّفَتْ خبْزاً ولا طبختْ قَدْرا

ولكنْ خَلَطنَاهَا بخير نِسائِنا
فجاءَتْ بِهِمْ بيضاً وَجَوهمُ زُهْرا

وكائنْ تَرَى فينا من ابن سَبيَّةٍ
إذا لقي الأبطالَ يَطْعُنُهُمْ شَزْرا

فالأخيذة تكره على الزوج من آخذها، ولكنه لا يستعبدها، بل يستعبدها، بل يعاملها كزوجة حرة صريحة ( )، تلد صرحاء أحراراً. وكان كرم آباء الأخيذة مفخرة يعتد بها الآخذ، فهم أخوال أبنائه، ولأسود بن يعفر بيت واضح الدلالة على ذلك، وهو قوله في ابنه جراح- وكانت أمه أخيذة، أخذها الأسود من بنى نهد في غارة أغارها عليهم( )
فآباءُ جرّاحٍ ذُؤابةُ درامٍ
وأخوالُ جراحٍ سَراةُ بني نهدِ

وأما(الاستبضاع) فهو نوع غريب من الزواج، تقدم المرأة أو تجبر عليه طلبا لنجابة الولد، فتستطرق رجلاً قوياً شجاعاً كريما غير بعلها أملا في إنجاب ولد مثله( ).وهذا النوع من الزواج لم يكن شائعاً بين الصرحاء، بدليل ندرة الأشعار التي تشير إليه، فليس في مصادري من العشر غير بيت للخنساء وابيات للنمر بن تولب يشير فيها إلى خبر جاهلي عن أخت لقمان ؛ فقد كانت تلد لزوجها أولاداً ضعافاً، فاحتالت على أخيها لقمان، فأسكرته واندست له، فوقع عليها لقمان، وقيل إنها ولدت منه ولداً سمته(لُقَيْماً)، وكان أحزم الناس، وذلك في قول النمّر( ):
لُقَيْمُ بن لُقمانَ من أُخْتهِ
فكانَ ابنَ أختٍ له وابْنما

لياليَ حمقَ فاسْتُحْصِنَتْ
إليه فغُرَّ بها مُظْلما

فأحبلها رجل نابة
فجاءتْ به رَجُلاً مُحْكما

وأما بيت الخنساء فهو قولها في رثاء أخيها( ):
لكنَّ أخي اروعُ ذو مرةٍ
مِنْ مِثْلِهِ تَسْتَبْضع الباغية

وهذا البيت قد لا يشير إلى زواج الاستبضاع بقدر ما يشير إلى رغبة النساء في مباضعة صخر بالزواج أو بغيره، فالباغية في البيت هي المرأة التي تبتغي زوجا، وهي البغي الفاجرة أيضا.
إن زواج الاستبضاع لم يكن شائعا في مجتمع الصرحاء، ولعله بقية شيء كان شائعاً في عصور قديمة. ومن المفيد الإشارة إلى أن المولود بالاستبضاع كان ينتمي إلى الاسرة الزواجية التي نشأ في كنفها، فيربط بها، ويعمل من أجلها وكانت معرفته لوالده الحقيقي لا تدفعه إلى التخلي عنها( )
***
لقد تم في هذا الفصل استعراض الانتماء إلى النسب الصريح، فعر فنا انتماء الصرحاء في ظلال الأبوة والأمومة، ثم في ظلال الأسرة الزواجية الصريحة . والصرحاء يمثلون الكتلة البشرية الرئيسية لوجود الإنسان الجاهلي، وسوف يخصص الفصل التالي للحديث عن كتل بشرية أخرى، بها يكمل الحديث عن الوجود الموضوعي للناس في المجتمع الجاهلي.





الفصل الثاني

الانتماء النسبي غير الصريح

عرفنا في الفصل السابق الانتماء إلى النسب الصريح، وسنقف في هذا الفصل عند مجموعات بشرية لا تنطبق عليها صفات النسب المثالي (الصريح) في العصر الجاهلي .وقد عاشت تلك المجموعات مندمجة على نحو ما بالتجمعات الأبوية الصريحة، أو مجاورة لها.
ومن الملاحظ أن أكثر المجموعات الصريحة لم تحظ باهتمام النَّسّابين ؛ فقد أظهروا اهتماما بجماعات صريحة انتمت إلى غير نسبها الحقيقي، ولكنهم لم يحتفلوا بأخبار الزواج الحاصل بين العرب والاعجميات إلا في حدود ضيقة، ولم يلتفتوا إلى الولادات الناتجة عن زواج العربيات بالأعاجم، وكذلك لم يحتفلوا بالأقوام والأمم المجاورة للقبائل العربية كالنبط والفرس والروم. وفي هذا الفصل محاولة لرصد تلك التجمعات غير الصريحة، وهي تسير نحو التواصل والتوحّد عبر خنادق الانقسام، ومزالق التشرذم. وقد استقر الرأي بعد استقراء الشعر الجاهلي على انتظام تلك التجمعات غير الصريحة في ثلاث منظومات نسبية، هي: النسب اللصيق، والمختلط، والأعجمي. وفيما يلي بيان للانتماء إلى كل منها:
1- النسب اللَّصيق
1- وجوده وشيوعه
يُراد بالنسب اللصيق أن يدّعي الإنسان الانتساب الأبويّ إلىغير جماعته الأبوية الحقيقية؛ فقد جاء في اللسان ((الملصق : الدّعِيّ و....هو الرجل المقيم في الحيّ وليس منهم بنسب))( )وقد يُنسب الإنسان إلى غير جماعته الأبوية بغير إرادة ولا علم منه.
وللنسب اللصيق وجود موضوعي متعارف عليه في المجتمع الجاهليّ، وتردد ذكره كثيراً في اشعار الجاهليين؛ففي الجاهلية صرحاء، وأناس يَدَّعون الانتساب إلى الصرحاء، ومن الشعر الدال على ذلك قول عروة بن الورد( )
أيا راكباً :إما عَرَضْتَ فَبَلّغْنْ
بني ناشبٍ عني ومن يَتَنشبُ

فثمة قوم هم بنو ناشب، وثمة جماعة تتنشب، أي : تدعي الانتساب إلى بني ناشب.
وللأعياء أصول مختلفة، فثمة أدعياء يرجعون بنسبهم إلى بعض القبائل البائدة، فقد روي أنه لم يبق من ثمود إلا ثقيف في قيس عيلان، وبنو لجأ في طيىء، والطفاوة في بني أعْصُر( )ومن القضايا النسبية الخلافية المشهورة الخلاف في نسب ثقيف، فقد ذكرت هند بنت النعمان بن المنذر أن رجلين دخلا على والدها، أحدهما من هَوازن، والآخر من بني مازن، كلّ واحد منهما يقول إنَّ ثقيفاً مِنّا، فأنشأ أبي يقول( ):
إنَّ ثقيفاً لم يكنْ هَوازنا
ولم يناسبْ عَامراً ومازنا

إلاّ قريباً فانشرِِ المحاسنا

وادعت قبائل قيس في الجاهلية أن بني إياد ليسوا من نزار، وأنهم يرجعن إلى ثمود، وقال في ذلك عامر بن الظّرب( ):
قالتْ إيادُ قد رأينا نَسَبا
في ابنيْ نِزَارٍ ورأينا غَلَبا

سيري إيادُ قد رأينا عَجَبا
لا اصلُكمْ مِنا فَسَامِي الطلبا

دار ثمودٍ إذْ رأيتِ السببا

وثمة أدعياء يرجع نسبهم إلى أصول صريحة، ومنهم بنو عامر بن سدوس، فهم ينتسبون إلى بني خناعة بن سعد بن هذيل، والناس يعدِلونَهُم إلى خزاعة، ولهم يقول المعطّل الهذَلي( ):
إخالكمُ من أُسْرَةٍ قمعيَّةٍ
إذا نَسَكُوا لا يَشْهَدُونَ المُعَرَّفَا

وكذلك بنو مرّة الغطفانيون؛ فجدهم مرة ينسب إلى بني لؤيّ بن غالب القرشيين( ):
وثمة أناس اتهموا بأن أصولهم أعجمية، فقد اتهم عمرو بن الأهتم قيس بن عاصم المنقري بأنه رومي الأصل إذ قال يخاطبه( ):
إنْ تُبْغِضُونا فإنَّ الرُّومَ أصلُكُمُ
والرومُ لا تملكُ البغضاءَ للعَرَبِ

وثمة صرحاء اتهموا بأنهم عبيد الصقوا بنسبِ أحرارٍ صرحاء يقول حسان بن ثابت يهجو الوليد بن المغيرة المخزومي( ):
وَصَقْعَبُ والدُ لأُبيكَ قَيْنُ
لئيمٌ حَل َّ في شُعَبِ الأرومِ

وقوله يهجو سعد بن ابي سَرْح العامري القرشي ( ):
أعَبْدُ هَجيِنٌ أَحْمَرُ اللونِ فاقِعُ
مُوَتّرُ عِلْباء القَفَا جَعْدُ

وكان أبو سرْحٍ عَقيماً فَلَمْ يكنْ
لَهُ وَلَدُ حتى دُعِيت لَهُ بَعْدُ

وقول بشر بن عليق الطائي يهجو رجلاً ( ):
عَهِدْتُكَ عبداً لَسْتَ من أصلِ مَعْشَرٍ
عنِ المجدِ مقطوعَ السَّواعدِ أَجْدَما

وهل كنتَ إلاّ فَقْعَ قاعٍ بِقَرْقرٍ
وساقِطَةً بينَ القبائلِ مُسْلَما

تلوذُ بقومٍ لستَ منهمْ وَتَعْتزي
إليهمْ ولم تُعْصَمْ مِنَ الذُّلِّ مَعْصَما

والأشعار السابقة قد يكون في بعضها تحامل واتهام لصرحاء بأنهم ملصقون أدعياء( )، ولكنها تؤكد في الوقت ذاته ظاهرة النسب اللصيق بل شيوعها وتعدد مظاهرها تعدداً يوحي بتعدد أسبابها فما تلك الأسباب؟
وكان النبي (ص) من الأسباب الرئيسية لوجود ظاهرة النسب اللصيق، فثمة جماعات أبوية خطيرة تسيب النبي إلى انتسابها إلى غير نسبها الحقيقي ومنها عامر بن صعصعة، فقد روي أنَّ صَعْصَعَة بن معاوية بن بكر بن هوزان تزوج عَمْرَةَ بنت عامر بن الظرب العدواني، وكانت يوم تزوجت نسْئاً (في أوّل حَبَلها) من ملك يمان يقال له الغافق الأزدي، فولدت على فراش صعصعة عامر بن صعصعة، وفي ذلك يقول حبيب بن دهمان بن نصر بن معاوية يخاطب رجلاً عامرياً ( ):
أزعمتْ أنَّ الغافقيَ أبو كمُ
نسِسْئاً بعامِر كمولما يُوْيَدِ

وذكر ابن الكبي أن أمّ سعد بن الضباب كان تحت حجر أبي امرئ القيس فطلقها، وكانت حاملاً، وهو لايعرف، فتزوجها الضباب، فولدت فولدت سعدا على فراشه ،فلحق نسبه به( ). وهذا التبني فرضه الإسراع في تزويج النسيء المطلقة أو الأرملة قبل أن يظهر حملها، وتضع ولدها. وقد يكون لغلام يافع معروف النسب، حتمت عليه ظروف صعبة أن يكون في موطن قوم أكرموه وقربوه إليهم( )، فلصق نسبه بهم، وانتمى إليهم ؛وقد يسترقُّ قومُ غلاماً صغيراً، فيغفلون نسبه الحقيقي، ويلصقونه بنسبهم( ).
ويضاف إلى التبني الارتحال عن منازل القبيلة، والإقامة في منازل غيرها. وكان للارتحال طابع فردي وآخر جماعي أسهما في شيوع ظاهرة النسب اللصيق. والارتحال الفردي قد يكون قسريا أو اختيارياً، ومن القسريّ ارتحال عمرو بن قميئة وطرفة بن العبد عن قومهما. وكان الارتحال القسري يصرف القلوب عن الأقارب، ويميل بها نحو الأباعد، ويجعلها مُهيَّاة لقبول الانضمام إلى نسب جديد تجد لدى أصحابه الأمن والرعاية، ومن الشعر الدال على ذلك قول عمرو بن قميئة ( ):
أولئك قومي آلُ سَعْدِ بن مَالكٍ
فَمَالُوا على ضِغْنٍ عَلَيَّ وإلْغَافِ

أكَنُّوْا خُطوباً قد بَدَتء صَفَحَاتُها
وأَفئدة لَيْسَتْ عَلَيَّ بأرْآفِ

وَكُلُّ أُناسٍ أَقْربُ اليومَ منهمُ
إليَّ وإنْ كانوا عُمَانَ أُولي الْغَافِ

إنّ عمراً يفصح عن ميله إلى أباعد أحسنوا إليه، وانصرافه هن أقاربه الذين حقدوا عليه، وجاروا، وأكرهوه على الارتحال عنهم. ولكن طرفة بن العبد ظلّ مُحبّاً لقومه الذين طروده، ومتعصباً لهم، ويدل على ذلك قوله، وقد نزل في غير قومه( )
رأيتُ سُعُوداً من شُعوبٍ كثيرَة
فلمْ تَرَ عَيْني مِثْلَ سَعْدِ بنِ مَالكِ

أَبَرَّ وأَوْفى ذمَّةً يَعْقِدُونَها
وَخَيْراً إذا ساوى الذُّرَا بالحوارِكِ

وقد يكون الارتحال الفردي اختياريا، فينتقل الإنسان من قومه إلى غيرهم، كانتقال عتيبة بن الحارث اليربوعي فارس قومه وسيدهم إلى بني مالك بن حنظلة ؛فالأخبار لا تذكر أنه أكره على معادرة قومه، ولكنها تذكر أنه كان نقيلاً في بني مالك بن حنظلة، وأنه حارب معهم، ونصرهم على أعدائهم، وقال في ذلك( ):
ألا مَنْ مُبْلِغُ جَزْءَ بنَ سَعْدٍ
فكيف اصاتَ بعدكمُ النقيلُ

أُحامِي عَنْ ذِمارِ بني أَبيكُمْ
وَمِثْلي في غَوائِبِكُمْ قَليلُ

ومن الظاهر أن الإنسان الجاهل تنازعته مشاعر الارتباط بقبيلته والانفصال عنها حين يغادرها مكرهاً أو مختاراً، ولكن ذوي العصبة القوية كانوا يحرصون على الاحتفاظ بأنسابهم، ولا يرضون استبدال نسبٍ بنسب آخر، ولذلك احتفظ الشعراء : ابن قميئة وابن العبد وابن الحارث بأنسابهم، ولم يدفعهم التنقل إلى الالتصاق بغيرها( ).
وأمّا الارتحال الجماعي فكان يحدث أحياناً لوقوع خلاف بين بطون القبيلة الواحدة، فيرتحل بعض أبنائها حقناً للدماء، وينزلون في قبيلة أخرى، فيؤدي ذلك أحياناً إلى التصاق نسب المرتحلين بنسب المرتحل إليهم. وثمة إشارات كثيرة في أخبار الجاهلية وأشعارها إلى الارتحال الجماعي، كارتحال بجيلة وتفرقها في بطون بني عامر( )، وتحدث بشر بن أبي خازم الأسديّ عن ارتحال بعض القبائل ومنهم بنو هاربة الذين تحوّلوا إلى الشام بسبب حرب بينهم وبين قومهم غطفان، فنزلوا في بني ثعلبة بن سعد، فبادت هاربة إلاّ بقية يسيرة( )وذكر لبيد بن ربيعة تفرق بطون بني عامر وارتحال بعضها إلى اليمن، ثم عودة تلك البطون إلى الائتلاف حين أدرك بعضُ المرتحلين خطورة الارتحال والتفرق( )، وقد اشار خداش بن زهير العامري إلى جانب من تلك الخطورة إذ تحدث عن ميل بني كعب العامريين إلى الدخول في نسب بني يحابر المذحجيين، وذلك في قوله(5):
وإنَّ كلاباً لا كلابَ لأهلها
وقد جعلتْ كعبٌ تكون يَحَابِرا

لقد عرفنا بعض مظاهر النسب اللصيق واسبابه، ومن المنطقي ان تكون ظاهرة الإلصاق أكثر شيوعاً مما أفصح عنه الشعراء والإخباريون؛ فأكثر الذين ألصق نسبهم بغيرهم لم تصل إلينا أخبارهم؛ فالزمن أدرج أكثر الملصقين في زواياه المعتمة، ولكنّ لغة الشعر أفصحت عن كثرة النازلين عند غير أقوامهم بألفاظ توحي بتشكيلهم طبقة ملحقة بكلّ قبيلة، ومن تلك الألفاظ (الأعراء)، وهم الذين ينزلون بغير قبائلهم، واحدهم عُرْيُ( )، وقد ورد ذلك في قول النابغة الجعديّ( ):
وأمهلتُ أهلَ الدارِ حتى تظاهروا
عَلَيَّ وقال العُرْيَ مِنْهم، فأهْجَرا

وكذلك (الأوغال)، واحدهم وَغْل، وهو المدّعي نسبا ليس منه ( )،وقد ورد ذلك في قول طرفة بن العبد( ):
فلو كُنتُ وَغْلاً في الرجالِ لَضَرَّني
عَداوَةُ ذي الأصْحَابِ والمتَوَجِّدِ

ومثل ذلك 0الدخيل)و(المُدْخَل)، وهو ((الدّعِيّ...وهم في بني فلان دَخَلُ إذا انتسبوا معهم في نسبهم))( )ومن ذلك قول أحيحة بن الجلاح( ):
هنالك لا يُشَاكِلُني لَئِيمُ
له حَسَبُ أَلَفُّ ولا دَخيلُ

ومثل ذلك ايضاً(الزَّنيم)، وهو المستلحق في قوم ليس منهم، وهو الدَّعي الملزق(الملصق)، ومن ذلك قول حسان بن ثابت( ):
وأنتَ زنيمٌ نيط في آل هاشمِ
كما نِيطَ خلفَ الرّاكِبِ الَقَدحُ الفرد

ويستطيع المستقصي أن يقف على ألفاظ أخرى تدل على ظاهرة النسب اللصيق(6)، ولعله سيجد فيها معنى الضعف والذلة الذي توحي به أصول الألفاظ التي أشرنا إليها آنفاً. فهل كان الانتماء النسبي الملصق مهينا لأصحابه؟ ولماذا؟
***
2- مهانة اللّصقاء وتَمَرّدهم
تكثر الإشارات في الشعر الجاهلي إلى مهانة اللصيق؛ فقد افتخر الصرحاء بصحة انتماءاتهم النسبية الصريحة، ونفوا عن ذواتهم الالتصاق بغير نسبهم الأبوي الحقيقي، فها هو ذا حاتم الطائي يعلن انتماءه إلى قومه بني ثُعَل، وينفي ميله إلى الالتصاق بغيرهم في قوله( ):
بَنُو ثُعَلٍ قَوْمِي فما أنا مَدَّعٍ
سِواهُمْ إلى قَوْمٍ وما أنا مُسْنَدُ

وافتخر راشد بن شهاب اليشكري بأن قومه ليسوا أُشابة (أخلاطاً من الناس) وأنهم لا نقص في أخلاقهم ولا غدر في طباعهم( )، وكأنه بذلك يريد أن يقول: إن الأخلاط في أخلاقهم نقص وفي طباعهم غدر. وافتخر عثمان بن الحويرث الأسدي بنسبه الصريح فهو مقابل الأعمام، وألصق بمهجوه(الوليد بن المعيرة) تهمة الإلصاق النسبي، وأضاف إليها صفات اخرى مهينة، وذلك في قول عثمان( ):
وإني امرؤٌ من جذْمِ كَعْبٍ مقابلُ
وأنتَ ضعيفُ الجدَّ ألْصَفُ مُلْصَقُ

من القومِ نَذْلُ ليس يعلمُ علمَهُ
من الناس إلا العالم المتَعَمِّقُ

وامتدح الأعشى النعمان بن المنذر أنه يكيد أعداءه كيد صريح لا ملصق، وذلك في قوله:
تَعَمْرُ الذي حَجّت قريش قطينة
يغمر في الأمور ولا مُضَافِ

ومدح بشر بن ابي خازم أوسَ بن حارثة، فنفى عنه أن يكون غمراً في الأمور أو مضافا (مسندا إلى غير آبائه )فقال ( ):
وما أُوْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنٍ لأمٍٍ
بِغُمْرٍ في الأمُورِ ولا مُضَافِ

وهذا شبيه بقول الطفيل الغنّوي يفخر بقومه: ((وليس لنا حيٌّ نضاف إليهم))( ).
إن مجتمع الصرحاء يحتقرالنسب اللصيق، ويدمع أصحابه بالنذالة والجبن والضعف، ويكاد يساويهم بالعبيد في قول الأعشى يهجو رهطاً من قبيلته( ):
إنَّ بِني قَمِيئةَ بْنِ سَعْدِ

كُلُّهُمُ لِمُلْصَقٍ وعَبْدِ

ويمكن إرجاع احتقار الصرحاء للملصقين إلى حالة الضعف التي ألجأت الملصق إلى ترك نسبه والالتصاق بغيره، فمجتمع الصرحاء الجاهلي تسوده النسبية المحميّة بسواعد الصرحاء الأقوياء، فهو مجتمع قوة وعنجهية، يُحترم فيه الأقوياء، ويُحتقر فيه الضعفاء.
ولذلك عانى اللصقاء، وأحسّوا بالقلق في ظل انتمائهم الجديد، وقد عبّ‍رت الخنساء عن مشاعر الملصق القلقة في قولها تصف حالتها في قومها بعد مقتل أخيها صخر( ):
تركتني وسطَ بني عَلَّلةٍ
كأنَّني بَعدَكَ فيهمْ نقيلْ

وإلى جانب ذلك لقي اللصيق رفضاً ونبذاً من بعض المتعصبين لنقاء نسبهم الأبويّ وخلوه من الغرباء، ومن أولئك المتعصبين عمرو بن كلثوم التغلبي؛ فقد خاطب عمرو الهذيلَ بن هبيرة، وكان يتنقل بانتسابه بين القبائل، بقوله( ):
هَلَكْتَ وأَهْلَكْتَ العَشيرَةَ كُلَّها
فَنَهْدُكَ نَهْدُ لا أرى لك أرقمَا

وفي البيت دعوة إلى عودة الهذيل إلى نسبه الأبوي الحقيقي، إلى بني نهد بن زيد القضاعيين، ودعوة إلى ترك الانتساب إلى الأراقم التغلبيين، وقد استنكر ابن كلثوم في موضع آخر على الهذيل أن ينتقل بنسبه من قوم إلى آخرين، وذلك في قوله( ):
أَنَهْديّاً إذا ما جئتَ نَهْداً
وتُدْعى بالجزيرة مِنْ نِزارِ

ودلّل ابن كلثوم على حرصه على نقاء نسب قومه من الملصقين مرة أخرى في قوله ينفي نسب بني قتيبة إلى بني وائل ( ):
زَعمَتْ قُتَيْبَةُ أنّها مِنْ وائلٍ
نَسَبُ بَعيدُ يا قُتَيْب فَاصْعِدي

وكذلك لقي بعض المتهمين في نسبهم هجاء من أقوام بعداء ومنهم حسان بن ثابت الذي اشتهر بهجاء المشركين القرشيين بأنسابهم، وكان يدعوهم إلى ترك الانتساب إلى قريش، وإلى اللحاق بأنسابهم الحقيقية، ومن ذلك قوله يهجو الحارث بن هشام المخزومي ( ):
يا حارِ لَسْتَ كأقوامٍ تَمُتُّ بِهِمْ
فالحقْ بِأصلكَ من شِجْعٍ إذا نُسِبُوا

إنّ احتقار الصرحاء للّصقاء، ومحاولة دفعهم عن نسبهم اللصيق من الاسباب التي دفعت بعض الملصقين إلى الثورة على نسبهم اللصيق، ومحاولة الانتقام من الذين استغلوا ضعفهم، وألصقوهم بهم بغير إرادتهم، ومن الأخبار الدالة على ذلك أن هَمّام بن مُرّة البكري، وجد غلاماً مطروقا (ضعيفا ليناً) فالتقطه، ورباه وسماه (ناشرة)، فلما شبَّ الغلام تبين أنه من تغلبَ، فانتهز (يوم القصيبات) غَفْلَة من هَمّام، فشدَّ عليه بالعَنَزةِ، فقتله، ولحق بقومه، فقال باكي هَمّام في ذلك( ):
لقدْ عَيَّلَ الأقوامَ طعنةُ ناشِرةْ
أناشيرَ لازالتُ يمينُكَ آشِرَهْ

ومن أوضح الدلائل على رفض الجاهلي للنسب اللصيق ثورة الشنفري الجامحة، حين عرف أن بني سلامان استعبدوه، وهو صغير، وألصقوه بنسبهم، فقال لهم: أما إني لن أدعكم حتّى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني. لقد اتخذه احد السلاميين ابناً له، وأحسن إليه، وأعطاه، ولكن ذلك لم يشفع للسلامي عند الشنفري الذي رأى في إلصاقه ببني سلامان استعباداً له، وقد جعل محور حياته أن يقتل مائة سلامي( )،بل غدا قتله إياهم أمراً ممتعاً له، إنَّ قتلهم هواية له في قوله ( ):
وأنّي لأهوى أنْ ألفَّ عَجَاجتي
على ذي كساءٍ من سَلامانَ أو بُرْدِ

ومن الملاحظ أن ثورة اللصيق على نسبه الإلصاقي كانت تنطلق من أناس الصقوا بغيرهم إلصاقا لا إرادة لهم فيه، ولا معرفة، ولكن موقف هؤلاء يختلف عن موقف الذين ولدوا الآباء أو أجداد ملصقين، فكيف كان ذلك؟
***
3- اندماج اللصقاء بالصرحاء
إنَّ أبناء اللصقاء وأحفادهم أقدر على التعايش مع الواقع النسبي اللصيق؛ فطول الإقامة في منازل الملصق بهم تُحدث جدلاً إنسانياً مشتركاً بين الملصقين والملصق بهم، وهذا الجدل يتوج - حين تطول مدته- بشعور طرفيه بحاجة كل منهما إلى الآخر، فيحصل بذلك الالتحام بين اللصيق والملصق به، ويغدو اللصيق واحداً من أبناء الجماعة الابوية التي ينتمي إليها، له ما لأبنائها، وعليه ما عليهم ( ).وليس في الشعر الجاهلي ما يدل على بلوغ اللصيق تلك المنزلة، ولكن ذلك لا ينفيها؛ فالشاعر الجاهلي يعبر عن الواقع النسبي المتعارف عليه، فإذا غدا اللصيق في عُرف الجماعة الأبوية واحداً منهم (صريحاً) فسوف تكون صورته كذلك في الشعر.
ولكن التحام أحفاد لصيق بالملصق بهم حدث له وجود موضوعي، ولذلك لا يمكن أن تطمس حقيقة وجوده؛ فثمة أخبار وأشعار توحي به إيحاء، وتلك الأخبار والأشعار تتحدث عن سادة قبائل اتهموا بأنهم لصقاء، والعرف يقضي بأن يكون سادة القبائل صرحاء، لاشية في نسبهم، فكيف يتوصل بعض الرجال إلى سيادة جماعة أبوية كبيرة ثم يُتّهمون في الركن الرئيس الذي تتحقق به السيادة، وهو الانتماء النسبي الصريح إلى تلك الجماعة؟
إن الإجابة عن التساؤل السابق تستدعي الإقرار بأهمية الجدل الإنساني بين اللصقاء والملصق بهم، فذلك الجدل هو الكفيل بتحقيق الالتحام بحيث يغدو أحفاد اللصيق أبناء ينتمون إلى الجماعة الأبوية التي التصق جدّهم بها انتماء حقيقياً في عرف المجتمع الذي يعيشون فيه، وربما استطاع بعض اولئك الأحفاد أن يستكمل مقومات السيادة الأخرى، فيغدو سيداً من سادات الجماعة الأبوية التي التصق جده بها، ولكن ذاكرة بعض أبناء الجماعة الأبوية قد تكون أكثر من غيرها قدرة على استقصاء الأصول النسبية لجماعتها، فتنبش حين تغضب عن المستور، وتظهر حقيقة نسب من تغضب عليه.
ومن أبرز الأدلة على ان اللصقاء يمكن أن يصبحوا سادة قول ابن اسحاق عن بنْي مرة بن عوف بن لؤي الذين التصق نسبهم بني سعد بن ذبيان الغطفانيين:((وكان القوم اشرافاً في غطفان، هم سادتهم وقادتهم، منهم هرم بن سنان بن أبي حارثة، وخارجة بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف، والحصين بن الحمام، وهاشم بن حرملة))( )فهؤلاء لصقاء أضْحَوا سادةً، والناس يعرفون أمر التصاقهم. فأحر بمن نُسي أمر التصاقه أو جهله الكثيرون أن يَتبوّأ مثلهم منزلة رفيعة بين الصرحاء الملتصق بهم. ومن الأشعار الدالة على أن أولئك السادة المريين كانوا ملصقين بغطفان قول الحارث بن ظالم المرّي، وكان طريداً، يطلبه النعمان بن المنذر، ولا يقدر قومه على حمايته( ):
فما قومي بثَعْلبَةَ بن سَعْدٍ
ولا بفَزارَةَ الشُّعْرِ الرِّقابا

وقَوْمِي إنْ سألتِ بنُو لُؤيٍّ
بمكَّةَ عَلمُوا مُضَرَ الضِّرابا

سَفِهْنا باتباعِ بني بَغيضٍ
وتَرْكِ الأقربين لنا انتسابا

فما غَطَفانُ لي بأبٍ ولكنْ
لُؤَيٌّ والدِي قَوْلاً صَوابا

إنه ينفي انتسابه إلى غطفان، ويعلن الحقيقة النسبية لقومه بني مُرّة.
وروى ابن إسحاق شعراً للحصين بن الحُمام المرّي يردّ فيه على الحارث بن ظالم، وينتمي إلى غطفان، وهو قوله يخاطب قريشاً( ):
ألا لَسْتمُ منا، ولسنا إليكمُ
برئنا إليكم من لؤيّ بن غالبِ

أَقَمْنا على عزّ الحجازِ وانتمُ
بمُعْتَلجِ البطحاءِ بين الأخاشبِ

ثم ندم الحصين على ما قال، فانتمى إلى قريش وأكذب نفسه، فقال ( ):
ندمتُ على قولٍ مَضَى كَنْتُ قُلْتُهُ
تَبَيَّنْتُ فيه أنه قُوْل كاذبِ

فليت لساني كان نصفينٍ منهما
بكيمُ، ونصفُ عند مجرى الكواكبِ

أبونا كنانيُ بمكةَ قَبْرُهُ
بِمُعْتلجِ البطحاء بين الأخاشبِ

ومن الجدير بالذكر أن الأبيات التي نفى الحصين فيها انتماءه إلى قريش تنسب إلى الحارث بن ظالم، وقد ذُكر أنه قالها حين أبت قريش أن تقبل جواره( )، وبذلك تكون أبيات الحصين النادمة- إن صحّت- ردّاً على قول آخر لم يصل إلينا. وتكون تلك الأخبار والأشعار تأكيداً، أنّ اللصيق قد يتنازع نفسه انتماءان نسبيان فيميل إلى هذا تارة، وإلى ذاك أخرى.
والحديث عن نسب بني مرة اللصيق يتخذ في ديوان النابغة منحى آخر، فقد ذُكر عن سنان بن أبي حارثة- وقد عرفنا أنه مرّي، ومن سادة غطفان- انه من مزينة، وأنّ النباغة قال له( ):
إنا اُنُاس لاحِقُونَ بأَرضنا
فالْحَقْ باصْلِكِ، خارجُ بْنَ سِنَانِ

فإلى من ينتسب خارجة بن سنان المرّي؟ أهو مزنّي الأصل أم قرشي؟ أكثر الأخبار تؤكد أن بني مرة يرجعون إلى قريش، فَلِمَ نسب النابغة خارجة إلى مزينة؟ أعتقد أن تنافساً كان يحدث داخل بني ذبيان الغطفانيين على السيادة وعلى الزعامة الشعرية فيها، وأن الطعن في الأنساب كان احد الأسلحة التي استخدمت في ذلك التنافس، ويؤكد ذلك أن يزيد بن سنان ساب النابغة، وقال له: والله ما أنت من قيس، ولا أنت إلا من قضاعة، فأقرّ النابغة بذلك، وقال ليزيد بن سنان( ):
عَيَّرْتني النسبَ الكريمَ وإنّما
ظفَرُ المفاخِرِ أنْ يُعَدَّ كريما

وأميل إلى الاعتقاد بأن الصلة الوثيقة بين آل سنان بن أبي حارثة وزهير بن ابي سلمى المزني كانت لا تروق للنابغة، وأنه كان يحسد زهيراً، وهذا ما جعله يلصق نسب خارجة بن سنان بمزينة، ولا يرجعه إلى أصله القرشي أملاً بالوقيعة بين زهير وآل سنان إن نالوا من مزينة، ونفوا نسبهم إليها.
لقد كان السنب الإلصاقي من الوسائل المتاحة لإنسان المجتمع الجاهلي كي يخترق حدود جماعته الأبوية الصريحة المعلقة، فيخرجُ أو يُخرجُ من قبيلة ليدخُلَ أو يُدخلَ في أخرى، وكذلك كان النسب الإلصاقي من الوسائل المتاحة لتواصل العرب مع الأمم المجاورة؛ فقد ألصق بعض الأعاجم بجماعات أبوية صريحة. ولكن عملية الإلصاق النسبي كانت تجابه بتعصب بعض الصرحاء لنقاوة نسبهم من الأخاليط، وكان بعض اللصقاء يأبون نظرة الاحتقار التي يرى فيها الصرحاء المتعصبون اللصقاء المستضعفين، واتخذ إباء بعض اللصقاء مظهراً عنيفاً فانتقموا من الجماعة التي ألصقتهم بها.
إن تأرجح اللصيق بين الرفض والقبول جعله قلقاً في مجتمعه، ولكن اقتدار اللصيق على التعايش في ظلال الجماعة التي التصق بها كان أمراً ممكناً. ولا شك أن مجموعات لصيقة كثيرة غدت بجدلها الإنساني الإيجابي مع الجماعات الملتصق بها جزءاً من تلك الجماعات. وأميل إلى الاعتقاد أن امتلاك اللصقاء للقوة المادية والمعنوية هو السبب الكامن وراء قبول الصرحاء باندماج اللصقاء بهم؛ فضعف اللصقاء كان العامل الرئيسي في دخولهم دائرة النسب اللصيق، وفي نظرة الاحتقار من الصرحاء إليهم، وفي ثورة بعض اللصقاء على تلك النظرة. وامتلاك اللصقاء للقوة يجعلهم في موقع تتوازن فيه ذواتهم، فيعلنون انتماءهم إلى الجماعة التي التصقوا بها، وهم غير متهيّبين من احتمالات الرفض؛ فالقوة التي امتكلوها تمنحهم وثيقة انتماء لا تقبل الإلغاء، وفي أشعار آل مرة بن عوف بن لؤي الملصقين بغطفان ما يدل على ذلك، ومنها قول الحصين بن الحمام المري في بعض الصراعات القبلية الغطفانية الداخلية يتهكم على بني ذبيان( ):
وقلتُ لَهُمْ: يا آلَ ذُبيان ما لَكُمْ
تَفَاقدْتُمُ، لم تَذْهَبُوا اليومَ مَذْهَبا

تَدَاعَى إلى شرِّ الفَعالِ سَراتُها
فأصبحَ مَوْضُوعُ بذلك مُلْتَبا

وقد رد عليه عامر المحاربي بأبيات نسب فيها الحصين إلي بني ذبيان ولم ينفه عنهم، وذلك في قوله يذكر فريقي ذبيان المتحاربين، ومنهما قوم الحصين( ):
منْ مُبْلغُ سعدَ بن قَيسٍ مَآلكاً
وسَعْدَ بن ذُبيانَ الذي قد تَخَتْما

فريقيْ بني ذُبيان إذ زاغَ رأيُهُمْ
وإذْ أُسْعِطُوا صاباً، عَلَينا، وشُبْرُما

ومما يؤكد اعتداد اللصيق بنفسه حين يمتلك القوة، وإقرار الملصق بهم بصحة انتمائه إليهم- أني رجعت إلى أشعار بني مُرّة المروية في المفضيات، فوقفت على سبع مفضليات(9،11،12،88،90،122) ولم أجد في أي منها ما يشير إلى انتماء هؤلاء إلى غطفان، بل وجدتهم ينتمون إلى بني مرة لا غير، ووجدت الحارث بن ظالم ينفي انتسابه إلى غطفان، ويعلن رغبته في العودة إلى نسبة الحقيقي، إلى قريش في المفضلية رقم (89).
وهكذا كان الألصاق مظهراً من مظاهر الجدل الإنساني المفضي إلى تواصل الناس في المجتمع الجاهلي، فبه تم اختراق حدود انغلاق الجماعات الأبوية، وبه بدأت بوادر تَمَثْل العرب لبعض العناصر الإنسانية الأعجمية. وكانت نظرة الاحتقار التي رمى الصرحاء المتعصبون بها اللصقاء، تُشْعِر اللصيق بالقلق، وتفقده التوازن اللازم لبناء شخصيته بناء سليما يرتضيه المجتمع، ولكن ذلك لا يقلل أهمية المكاسب التي حققها المستضعفون بالنسب اللصيق؛ فقد امتلكوا به الحماية والرعاية، وبهما توفرت الأسباب ليشبّ أبناء اللصيق ثم أحفاده في ظروف جديدة، يمتلكون بها قيم الجماعة التي التصقوا بها، والفرص المناسبة ليشتد أزرهم، وليصحبوا في عرف مجتمعهم أبناء حقيقيين لجدّ الجماعة التي التصقوا بها.
2- النسب المختلط
1- النسب الهجين
يردا بالنسب المختلط- هاهنا- أن يكون أحد الأصلين اللذين ينتسب إليهما الإنسان الجاهلي غيرَ صريح، فإن كان غير الصريح أما فأبناؤها هم (الهجناء)، وإن كان أباً فأبناؤه هم (المقرفون).
والهجناء: جمع هجين,وهو لفظ ينعت به من كان أبوه خيراً من أمّه نسباً في عرف الجاهليين. وثمة أقوال عدة في أم الهجين؛ فمن قائل إنها الأمةُ،وقائل إنها الراعية مالم تُحصن، وقائل إنّها الأعجمية التي يغلب البياض على لونها( ). وهذه الأقوال توحي بوحدة آراء أصحابها في تحديد أصل الهجنة، وهو ضعة الأمّ قياساً إلى منزلة الأب الصريح؛ ويظهر الاختلاف في تحديد تلك الضعة التي توجب الهجنة، ولنا في الشعر الجاهلي وأخبار شعراته معين، نتوسل به إلى المراد بالضعة الموجبة للهجنة.
إنَّ تتبع أشعار الجاهليين وأخبارهم لمعرفة ضعة الأم الموجبة للهجنة يقود إلى مسارب تفضي إلى الغموض في أحيان كثيرة، ولذلك يحسن أن يُسْتَهَلَّ الحديث بالوقوف عند شاعرين أقرَّ كلّ منهما بأنّه هجين، وهما :عنترة، والشنفرى؛ فأما عنترة فقد قال( ):
أنا الهَجِينُ عَنْتَرَه

ومن المعروف أن أمّ عنترة أُمَهُ حبشية سوداء، اسمها زبيبة، وأنه ورث منها سواد اللون ( )، وأما الشَّنْفَرى فهو القائل، يخاطب الجارية السَّلامية التي لطمته ( ):
ألا ليتَ شِعِري والتَّلَهّفُ ضَلَّةُ
بما ضَرَبَتْ كفُّ الفتاةِ هَجِيَنَها

أنا ابنُ خِيارِ الحِجْرِ بيتاً ومَنْصباً
وأُمِّي ابنةُ الأحرارِ لو تَعْرِفينها

لقد اقرَّ الشنفرى أنّه هجين، ثم أتبع ذلك بادعائه أنّ أمّه ابنة الأحرار. وقد اثار هذا الإدعاء تَسَاؤلاتٍ كثيرة استعرضها د.يوسف خليف وخلص منها إلى أنَّ الشنفرى، وهو من أغربة العرب، لم يكن ابن حرّة في عرف الجاهليين، ولكنه ابن حرَّة في عرفه الخاص، فهي ابنة أحرار قبل أن تكون أمة، ثم توقف د.يوسف خليف عند قول الشنفرى بعد ذلك ( ):
إذا ما أرُوْمُ الودَّ بيني وبينها
يَؤُمُّ بياضُ الوجه مِني يمينَها

ورأى أن وصف الشنفرى لوجهه بالبياض جاء على طريقة العرب في التعبير عن اللديغ بالسليم، او على سبيل السخرية من اهتمام السادة بمسالة اللون، ولم يكتف د. خليف بذلك بل أهال التراب على البيت السابق، إذ ضعّف روايته، وتوصل بذلك إلى أن الشنفرى ما كان إلا أسود البشرة، وقوّىما استنتجه بمقولة Fresnel التي تؤكد أن أم الشنفرى كانت أمة سوداء أو من دم مختلط، وبمقولة Lyall التي ترجح أن دماً إفريقياً زنجياً أو حبشياً يجري في عروقه( ).
ولكن ادعاء الشنفرى أن أمّه هي ابنة الأحرار، وأن وجهه وضيءُ يحتاج إلى شرح يسير قبل الإيغال في التأويل ؛فالأحرار هم الفرس، وقوله: ((ابنة الأحرار)) تصريح بأنَّ أمّه فارسية، وبذلك يصح أن يكون وجهه وضيئا. وهذا لا ينفي أن تكون أمّه من دم مختلط، من الفرس وغيرهم، ويقوى هذا الاستنتاج قوله في رواية: ((وأمّي ابنة الخَيْرَين))( ).وهكذا يمكن القول باطمئنان أنّ الهجين هو ابنُ الأمة سواء أكانت سوداء أم بيضاء، ومن الشعر الدال على أن الهجين ابن أمةٍ قول عمرو بن أحمر الباهليّ يهجو قوماً( )
كم فيهمُ مِنْ هجينٍ أمُّهُ أمَةٌ
في عَيِنها قَدَعٌ، في رجلها فَدَعُ

وتلك الأمة قد تكون سوداء، ومما يدل على ذلك قول الأعشى( ):
وَغَرَّبني سَعْدُ بنُ قيسٍ عن العُلَى
وأحسابِهِمْ يَوْمَ النَّدّى والتَكَرُّمِ

مَقَامَ هجينٍ سَاعَةً بِلِوائِهِ
فَقُلُ في هَجينٍ بين حامٍ وسِلْهِمِ

وقول حسان بن ثابت يهجو عكرمة بن أبي جهل، وكانت جدّته نوبيّة ( ):
وأنتً ابنُ سوداءَ نوبِيَّةٍ
بِأقْرانها شَبَهُ الفُلْفُلِ

ومن الشعر الدّال على أنَّ الأمة قد تكون أعجمية بيضاء قول الحطيئة يهجو الحصين بن لقمان العبسي( ):
وأُمُّكَ حمراءُ زُوفِيَّةُ
لِنَقْلِ الحَشيشِ، جُرَازُ الحَطَبْ

وقد تكون الأمة عربية، ومن الشعر الدال على ذلك قول حسان بن ثابت يهجو قيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، ويعيره بأمه (سُمَيَّة)، وهي أسماء بنت عبد الله بن مسافع بن جُنادة بن مالك... بن ربيعة( ):
لقد كان قَيْسُ في اللئامِ مرَدَّداً
عُصَارةَ فَرْخٍ مَعْدنِ اللؤمِ ما كِدِ

وِلاَدَةُ سُوءٍ مِن سُمَيَّة إنها
أُمَيَّةُ سَوْءٍ مَجدُها شَرُّ تالدِ

وقد تختلف الأقوال في جنسية بعض الإماء، ومنهن أم عمرو بن العاص؛ فقد روي أنها امرأة من عنزة، أصابتها رماح العرب، فسبيت، ثم بيعت في سوق عكاظ، فاشتراها العاص بن وائل، فولدت عمراً ( ): وقيل أنها حبشية، وقد عُيّر عمرو بذلك في أشعار كثيرة ومنها قول حسان يهجو عمراً:
أمَّا ابنُ نابغةَ العَبْدُ اللئيمُ فَقَدْ
أنْحَى عليه لِساناً صارماً ذّكرَا

إن الهجين في عرف الجاهلي قد يكون خِلاَسِيًّا من أب صريح وأمةٍ أعجمية، أو غير خلاسي، من أب صريح وأمةٍ صريحة ( )ولكن بعض الهجناء ولدوا لأمهات أعجيمات، ولكنهنَّ حرائر وشريفات في قومهن، فكنّ مفخرة لابنائهن وأحفادِهِنّ، وقد نقلت إلينا الأخبار اسم واحدة منهن، وهي مارية ذات القرطين أم الحارث الأعرج بن أبي شمر الغَسَّاني، فقد ذكر العدويّ، أنها بنت ملك الروم، في شرحه لقول حسان في مديح الغساسنة( ):
أولادُ جَفْنَةَ عِنْدَ قَبْرِ أبيهمُ
قَبْرِ ابن ماريةَ الكريمِ المُفْضِلِ

وأميل إلى الاعتقاد بأن زواج الصريح بأعجمية حرةً كان معروفاً بل مألوفاً في أطراف شبه الجزيرة العربية- ولاسيما في اليمن -حيث كان الاتصال المباشر بين العرب والأمم المجاورة لهم كبيراً ومشجعا على التزواج .وبذلك ندرك أن الهجنة صفة لوضع اجتماعي مهين سببه استرقاق أمّ الهجين، سواء أكانت عربية ام أعجمية، أو هي صفة لنتاج زواج عربي بأعجمية سواء أكانت حرة أم أمة والقسمة الثانية هي التي تنتج نسباً مختلطاً، وهو ما يعنينا هاهنا.
ومن مديح حسان لأبناء مارية(ملوك الغساسنة) وهجائه لابن نابغة (عمرو بن العاص) ننطلق إلى توضيح مواقف الرفض والقبول للهجناء الخلاسيين في المجتمع الجاهلي.
***
2- معاناة الهجناء
إن تتبع الألفاظ التي تشترك في الجذر الثلاثي(هجن) يوقفنا على ظلال تدلّ دلالة عميقة على اختلاف الآراء حول الهجنة، فقد جاء في القاموس المحيط: ((الهجين :اللئيم))( )، وجاء في اللسان: ((والهجنة في الكلام ما يلزمك منه العيب))( ) ؛فاللؤم والعيب من المعاني السلبية التي ينبض بها الجذر الثلاثي (هجن)، ويقابل تلك السلبية معانٍ إيجابية تتضمنها لفظة (الهِجان)، ولقد ابرز ابن منظور أقوالاً كثيرة في إيجابية معاني لفظة (الهجان)، ومن ذلك: ((الِهجان: الخِيار، وامرأة هِجان أي: كريمة..ورجل هِجان:كريم الحسب نَقِية. وبعير هِجان:كريم ...الهجان: الخيار من كلّ شيء))( ). وبناء على ما سبق يُمكنُ افتراضُ أن مواقف الناس في المجتمع الجاهلي لم تكن واحدة من الهجنة، فمنهم من كان يُعيب الهجنة، فيتعصب عليها، ويرفضها؛ ومنهم من كان يرى محاسنها، فيتسامح معها، ويرتضي وجودها. وفيما يلي محاولة لإثبات صحة الأفتراض السابق انطلاقاً من الشعر الجاهلي الذي تتصل أخباره ومعانيه بموقف إنسان ذلك العصر من الهجنة.
تكثر في الشعر الجاهلي الأبيات التي تظهر أنفة الصريح من الهجنة، واعتداده بنقاء نسبه الصريح ومن ذلك قول الخنساء في رثاء صخر( ):
وابنُ الشَّريدِ فلمْ تُبْلُغْ أَرومتهُ
عندَ الفَخارِ لِقَِرْمٍ غَيْرِ مِهْجَانِ

وافتخر زهير بنقاء نسبه، فهو صريح لم تلده أمهُ، ولم يُحتمل "في حِجْر سوداءَ "( )، وافتخر تميم بن أبيّ بن مقبل بانتمائه إلى قوم ليسوا سوداً هجاناً، ولا ضعافاً( )، إن النسب الصريح مفخرة، والهجين منقصة، وتَعَصُّبُ الصرحاء لنسبهم على النسب الخلاسي يتعدَّى الناحية الخَلْقِية إلى الخُلُقِيّة، فالصريح جدير بامتلاك قيم مجتمعه العليا، والهجين يضعف عن امتلاكها، فابن الأمة في شعر أبي ذؤيب الهذلي يعجز عن مقارعة الأبطال، والصريح يُطيح بهم( )،والهجين ليس بذي دين ولا بذي أمانةٍ( ).
ونظرة الصرحاء المتعصبة على الهجنة جرّدت الهجناء من القيم الخيرة وألصقت بهم نقيضها، بل نفتهم من دائرة الأحرار، وزجتهم في دائرة الاسترقاق والعبودية، وإن لم يستعبدهم ذووهم ؛ فالعصبية جعلت الصريح لا يرى في الهجين إلاّ عبداً، ولو كان حرّاً ( )فحسان بن ثابت يهجو قوماً فيرى أنهم((مهاجنةٌ إذا نُسبوا عبيدٌ))( )، ونعت الأعشى ابن أمةٍ، من قومه بأنه عبدُ، وذلك في قوله يعاتب أبناء عمومته إذ سمحوا لذلك الهجين- وهو الشعار جُهُنام- بهجاء الأعشى ( ):
يالقيس لما لَقِينا العَامَا
أَلِعَبْدٍ أَعْراضُنَا أَمْ عَلىَ مَا

لِمْ أَمَرْ تُمْ عَبْداً لِيَهْجُوَ قَوْماً
ظالِمِيِهمْ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ كِرَامَا

وأَنِفَ لبيدُ بن ربيعة العامري أن يجيب شاعراً عامرياً، لانّ حدته أمةُ( ).
لقد مر بنا اعتقاد الصرحاء بأن آباءهم وأمهاتهم يُوَرِّثونهم أمجادهم وقيمهم، وأُشير إلى أهمية الجانب التربوي في فهمهم لتوريث القيم؛ ولأنّ أغلب الهجناء أبناء إماء، ولأن الأمة محتقرة تفتقر إلى المثل الاجتماعية اعتقد الصرحاء أن الهجين يرث من أمّه اللؤم والنذالة، وقد ألحّ حسان بن ثابت على إبراز ذلك في هجائه بعض الهجناء القرشيين كقوله لأحدهم( ):
واللّؤْمُ منكَ وِراثةُ مَعْلومَةُ
هيهاتَ منكَ مكارمُ الانسابِ

وتناولت سهام أم الهجين، فنعتتها بالفجور، ووصلت تلك السهام إلى والد الهجين فنعتته بالنذالة لأنه عاشر مومسة، فأولدها نذلاً مثله( ).
وقد عانى أبناء الهجناء وأحفادهم من تعصب الصرحاء، فكان الخلاف بين اولاء وأولئك يستدعي نبش الماضي، وإبراز ثغرة الهجنة، بصفتها وصمة عار في سلسلة نسب أولئك الأبناء والأحفاد.
وقد عُرف حسان بن ثابت بأنه تتبع أنساب بعض المشركين القرشيين فوقف على مواطن الهجنة فيها، فأبرزه ليغيظ المشركين، ومن ذلك قوله يهجو الحارث بن هشام المخزومي( ):
لو كنتَ ضَنْءَ كَرِيْمةٍ أَبْليْتَها
حُسْنَى، ولكنْ ضَنْءَ بِنْتِ عُقَابِ

لقد عير حسانُ الحارثَ بأنه ابن بنت عقاب، وهو - في رواية لمحمد بن حبيب - عبدُ له بناتُ كُنَّ إماء عند الفرافصة بن الأحوص الكلبي، وقد ولدت واحدة منهن لرجل من تغلب ابنة، فتزوجها رجل من بني نهشل بن دارم، فولدت له ابنة، فتزوجها هشام المخزومي فولدت الحارث، وبذلك يكون عقاب هو جدُّ جدَّة الحارث من قبل أمه( )، ونعت كعب بن مالك عبد الله بن الزيعرى السهمي بأنه هجين في قوله( ):
سألتُ بك ابنَ الزِّبَعْرَى فَلَمْ
أُنَبَّاكَ في القومِ هَجينا

وإذا أردنا أن نعرف سبب نعت ابن الزبعرى بالهجنة فسوف نلقى الإجابة في شعر حسان؛ فأمّ بني سهم هي قَسَامَة، أمة سوداء، ونسبها يأنفه الكرام( )
وهكذا تَبَيّن لنا انَّ الهجنة منقصة يُعاب بها الهجين وأبناؤه وأحفاده، وأنها عامل نبذ يبعد الهجين عن الجماعة التي ولد، ونشأ فيها، إنها نسب يأنفه(الصرحاء)، ووضْعٌ اجتماعي يتحاشون الاختلاط به. وقد عبّر عن ذلك نُبيه بن الحجاج السهمي إذ وصف ندماه بأنهم بيض، وأنهم( ):
غيرُ هُجْنٍ ولا لئامٍ ولا تعـ
رف منهمْ إلاّ بُهْلُولا

ولا شك أن تعصب الصرحاء، وهم الأغلبية السكانية في المجتمع الجاهلي، على الهجنة- جعل انتماء أصحابها النسبي ملاذا واهيا، لا يمنحهم الأمن ولا الرعاية، بل يشعرهم بالقلق والخوف ( ).ولكن تعايش الصرحاء إلى جانب الهجناء يعني وجود الجدل الإنساني بين الفريقين، وهو جدل كفيل بإيجاد منافذ للتواصل والتقارب بينهما، فكيف كان ذلك؟
***
3- اندماج الهجناء بالصرحاء
ثَمّة خبران يلخصان الجدل المشار إليه آنفاً، الأول أورده صاحب الأغاني، وفيه ((كانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمةٍ استعبدوه))( )، والثاني أورده صاحب المحبّر، فقد ذكر ضمن جريدة أبناء الحبشيات أسماء عشرات الرجال، وهم سادة أحرار عدا عنترة العبسي الذي اسْتُرِقَ في صغره ( ). وجريدة (المحبّر) لا تنفي خبر (الأغاني)، ولكنه تدلّ على خصوصيته إذ تنفي سريانه على الهجناء كافة، كما تدل على أن أكثر الصرحاء لم يستعبدوا أبناءَهم من الحبشيات، بل كانوا يلحقونهم بأنسابهم، فنحن لا نعرف من أسماء الهجناء الذين استرقوا سوى عنترة والشنفرى، الأول استرَقَّه أهله، والثاني استرقه بالإسار ثم بالشراء غير أهله. وهذه معرفة يسيرة لا تكفي لإنارة الزوايا المظلمة لاسترقاق الهجناء، بل تدفع إلى القول بأن استرقاق الهجناء كان أمراً نادر الحدوث في الجاهلية، ولكن ندرة أسماء الهجناء لا تنفي انتشار ظاهرة استرقاقهم، فكيف كان ذلك؟
لقد عرفنا كثرة نعت الهجناء بالعبودية، وهو نعت يوحي برسوخ فكرة استرقاق الهجناء في عقول الجاهليين، وبأن ذلك الاسترقاق واقع متحقق ومنتشر في المجتمع الجاهلي، وثمة شعر يدل على أن العرب كانت تسترق الهجين، وهو قول عمارة بن الوليد لعمرو بن العاص-وكان عمرو هجيناً( ):
كَمْ مثلِ أُمّكَ قد وَهبتُ فلمْ
مِنها أُثبْ سَهْماً ولا زَنْدَا

حُبْلَى فإنْ تُؤنِثْ تكنْ أَمَةٍ
لكعاءَ أو تُذْكِرْ يكنْ عَبْدَا

ولكن لماذا لم نعرف من المسترقين الهجناء سوى عنترة والشنفرى؟ولماذا أغفلت أخبار غيرهم من الهجناء المسترقين؟ إن اقتدار عنترة والشنفرى على تجاوز الواقع المادي للاسترقاق بالقوة هو سبب وصول أخبارهما إلينا؛لقد انتزعا اعتراف المجتمع بالوجود الإنساني الحر المتميز لكل منهما، وأمّا الآخرون فقد تطامنوا للعبودية، فانتظموا في سلك العبيد وافتقدوا هويتهم، وأضحوا في عرف المجتمع شيئاً آخر، لقد أصبحوا عبيداً وأبناء عبيد، ولنا عودة إليهم في موطن آخر من هذه الدراسة.
إن استرقاق الهجين هو المظهر الأكثر إيعالاً في تعصب الصرحاء على الهجناء، ولا سيما حين يقدم الأب- كما في حالة عنترة- على استرقاق ابنه، مقدما بذلك القيم الاجتماعية المصطنعة على عاطفة الأبوة الفطرية، ومُدِلاً على شدّة سيطرة تلك القيم على عقول الصرحاء ومشاعرهم، ولكن تلك السيطرة لم تكن مطلقة، فَثَمّة منافذ انطلق منها التسامح، وهَبت منها نسمات الحرية، فكان إعطاء الهجين المستعبد فرصة للتحرر من قيوده، وذلك بالارتقاء إلى المستوى الخلقي الأمثل للصرحاء، ولا سيما مستوى القوة الشُجاعةِ، فهذا المستوى هو الذي يغري بل يكره الجماعة الصريحة على تحرير الهجين، وإلحاقه بنسبها، ليكون سيفاً يدافع عنها، ولساناً يرفع شأنها، لقد سمع عنترة- وهو مستعبد -قول أبيه((كُرَّ يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يُحْسِنُ الكّرَّ، إنّما يُحْسِنُ الحِلاَبَ والضَّرَّ. فقال :كُرَّ وأنت حُرّ.فَكَرَّ، وهو يقول:
أنا الهجين عَنْتَرةْ
كلُّ امرئٍ يحمي حِرَهْ

وقاتل يومئذٍ قتالاً حسناً، فادَّعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه))( ).
ومن المحتمل أن تكون قصة خلاص عنترة من عبوديته-دليلاً على إرهاصات قديمة بَشَّرتْ بإحساس الصرحاء بالحاجة إلى سواعد الهجناء القوية، ثم تطوّرت تلك الإرهاصات، فولدت مفاهيم اجتماعية جديدة تُعرض عن استرقاق الهجين، وتقبل بانتمائه منذ ولادته إلى الجماعة الصريحة التي ينتمي إليها والده، والأسماء التي أوردها (ابن حبيب) في قائمة أبناء الحبشيات التي أُشير إليها آنفا- دليل واضح على ذلك. فهي تتضمن أسماء أبناء حبشيات عُرفوا بأنهم سادة كرام، ومن اللافت لأكثر أولئك كانوا قرشيين من سكان مكة، وفي ذلك دلالة على أن مجتمع الحواضر كان أكثر تسامحاً من مجتمع البوادي في مسألة الهجنة، فليس في مجتمع مكة هجين مُسْتَعْبَد، بل هجناء أحرار ملحقون بأنساب آبائهم القرشيين( ).
ومن الجدير بالذكر أن بعض الحبشيات كنَّ يتزوَّجن زواج بعولة من صرحاء، ولعلّ ذلك من الأسباب التي تجعل الأب يقبل بإلحاق ابنه الهجين بنسبه؛ فحصانة الأم- وإن كانت حبشية- تدفع الأب إلى الإقرار بأبوته لأبنائه الهجناء، ومن الأخبار الدّالة على ذلك دلالة صريحة ما نُقِل عن محمد بن حبيب في ديوان حسان؛فقد تحدث عن ولادة صفوان بن أمية لِأَمَةٍ تزوجها والده زواج بعولة، ثم طلقها بعد أن وَلدت صفوان( )،فزواج الصريح من أمة أو معاشرته لها، وإحصانه إياها مما يَرفع شأنها وشأن أبنائها الهجناء، ويُقَر بهم من منزلة الصرحاء، ويسمح بإعطائهم بطاقة الانتماء إلى الجماعات الصريحة، وبذلك يُفَسَّر إلحاق كثير من الهجناء بأنساب آبائهم منذ ولادتهم مثل خُفاف بن نُدْبة السُّلمي ( )،والسُّليك بن السُّلَكة ( )،وحاجز بن عوف الأزدي ( )فهؤلاء الثلاثة نالوا شرف الانتساب إلى آبائهم على الرغم من وراثتهم سواد البشرة-فهم من الأغربة- من جهة أمهاتهم، ومن شبه المؤكد أن حصانة أمهاتهم كانت سبباً رئيساً في الإقرار بانتسابهم إلى آبائهم.
ومن المحتمل أن بعض من نعتن بأنهن حبشيات لم يكنَّ كذلك، بل كنَّ مولدات، ورثن سواد الأحباش من قبل أمهاتٍ أو أباء هجناء، ولذلك كنَّ في منزلة تفوق منزلة الإماء الحبشيات، وتغري بعض الصرحاء بالزواج منهن. لقد لمست في سيرة المتلمس الضبعي ما يؤيد ذلك، فابن حبيب ذكر ضمن أبناء الحبشيات(المتلَمسّ) الضبعي الشاعر، وقال :((أمة يُقال لها: سُحْمَة))( )، وجاء في الأغاني وفي ديوانه أن بني يَشْكُرَهُمْ أخوالُ المتَلمسّ( )،فكيف تكون أمه حبشية، ويكون أخواله بني يشكر؟أغلب الظنَّ أنّها هجينة محصنة، ور ثت لون السواد الحبشي من أحد والديها، فقيل إنها حبشية لذلك اللون، ويرجح ذلك خبر يذكر فيه أن أمّ المتلَمسّ كانت وليدة( )،وقد جاء في اللسان :((والوليدة والمولّدة الجارية المولودة بين العرب...وعربية مُوَلَّدة، وَرَجُل مُوَلدُ إذا كان عربياً غير محض))( ).وبذلك يمكن أن ندّعي أن أم المتلمس كانت يشكرية هجينة، ورثت سواد الأحباش من أمها، فنُعتت لذلك بأنها حبشية، ولكنه نُسبت إلى اليشكري، وأنها تزوجت زواج بعولة، فولدت المتلمس .ومِمّا يُدَلّ على ما ذُكر آنفاً أنّ المتلمس- وكذلك أكثر الحبشيات الذين ذكرهم ابن حبيب وتمتعوا بالحرية منذ ولادتهم- لم يكن من أغربة العرب، وما ذلك إلاّ لأن مورثات الجنس الحبشي لم تنتقل إليه مباشرة، فقلّ لذلك تأثره بها.
ويُستخلص مما سبق ان المرأة الهجينة كانت تحظى بالاحترام أحياناً، فتنتسب إلى جماعة صريحة، هي جماعة والدها، وتتزوج زواج بعولة، وتتخلق بالمثل الأعلى للمرأة الصريحة، إذ تكون حَصَاناً، فَتُفتح أمامها منافذ الاندماج في مجتمع الصرحاء فتحظى بزوج صريح( )،وأبناء ينتسبون إلى والد صريح، وجماعة صريحة تمنحهم الأمن والرعاية. ولعظمة أمر حصانة الأم فقد قِيلَ عن الهجين: إنّه ((ابن الأمة الراعية ما لم تُحصن، فإذا حُصِّنَتْ فليس الولد بهجين))( )،وهذا القول يوحي بأنّ مجتمع الصرحاء قد افسح المجال للمرأة غير الصريحة كي ترقى بَخُلُقها إلى مصاف الصريحات، فتتزوج، وتنجب أبناء يندمجون في مجتمع الصرحاء، ويتخلقون بخلقهم( ).
إن إيحاء الأخبار بارتقاء منزلة أم الهجين بِخُلقها تعضده أشعار كثيرة تظهر حرص الرجل الهجين على التخلق بخُلق الصرحاء، فهو يعلن انتماءه إلى جماعة أبيه الصريحة، ويحارب معهم، ويسمح لنفسه أن يتحدث باسمهم، ومن الشعر الدال على ذلك قول حاجز بن عوف الأزدي، وهو من أغربة العرب، يصف حرباً( ):
فقالوا يالَ عَبْسٍ نازِعُوهُمْ
سِجَالَ الموتِ بالأسَلِ الحِرَارِ

فقلنا يالَ يَرْفَى ما صِعُوهُمْ
فرارُ اليومِ فاضحةُ الذّمَارِ

والهجين يفخر بقومه كقول عنترة( ):
ونِعْمَ فوارسُ الهيجاءِ قَوْمي
إذا عَلِقُوا الأعِنَّة بالبَنان

ويزهو بالانتماء إلى امجاد قومه، إلى ((مجد أجداد لهم عدد))( )،إنه يرتبط بهم، ويتحد بهم اتحاداً
قوياً، تلغي به الحدود الفاصلة بين ذاته الهجينة وجماعته الأبوية الصريحة، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول حاجز الأزدي يخاطب امرأةً( ):
سَلي غَنّي إذا اغْبرَّتْ جُمادَى
وكان طعامُ ضيفهمُ الثُّماما

ألسنا عَصمةَ الأضيافِ حَتى
يُضَحَّى مالهمْ نَفلا تُواما

أبي رَبَعَ الفوارسَ يَوْمَ داجٍ
وَعَمّي مالكُ وَضَعَ الشِّهاما

فلوْ صاحَبِتنا لَر َضيتِ مِنّا
إذا لم تَغْبُقِ المائةُ الغُلاما

فحاجز ينتقل من الذات (سلي عني )إلى الجماعة (ألسنا) ثم يرجع إلى الذات (أبي)، فالجماعة (فلو صاحبتنا)، ومثل ذلك قول عنترة ( ):
فلم أَرَ حَيّاً صابَروُا مثل صبْرِنا
ولا كافحوا مثلَ الذينَ نُكافِحُ

إذا شِئْتُ لاقاني كمِيُّ مُدَجُّجُ
على أعوجِي بالطّعانِ مسامِحُ

نُزاحفُ زحْفاً أو نُلاقي كَتيبَةً
تُطاعِنُنا أو يَذْعَرُ السَّرحَ صائحُ

وهذا التردد بين الذات والجماعة يوحي بتطامن الحدود المقامة بين (أنا) الهجين و(نحن) الصرحاء، ويذكرنا بقيم العصبية الأبوية الصريحة المـتأصلة في نفوس الصرحاء، ومنها اعتداد (حاجز) بأبيه وعمّه. ومثل ذلك افتخار عنترة بحفظ وصاة عمّه( )،وبصلة أقاربه، وبالمحافظة على جيرانه( )،وبالغيرة على نساء قبيلته ( )والهجين يحذر قومه الأخطار ( )،ويرثي قتلاهم( )وينتقم من أعداء قومه( )،ويعتدّ بقوته ونُبْل أخلاقه كقول خفاف بن ندبة( ):
فلئنْ صَرَمْتِ الحبلَ يا بنةَ ماَلِكٍ
والرّأيُ فيه مُخْطِىءُ ومُصِيبُ

فَتَعَلمي أني امرؤُ ذو مِرّةٍ
فيما ألمَّ منَ الخُطُوبِ صليبُ

أدعُ الدَّناءَةَ لا أُلابسُ أَهْلَها
وَلَدَيَّ مِنْ كَيْسِ الزَّمانِ نَصيبُ

والهجين يحرص- وقد امتلك قيم الصرحاء وأحسّ بشدّة توافقه معهم- على أن يورث أخلاقه إلى أولاده،معبّراً عن رغبته في توافق أبنائه مع جماعته الأبوية الصريحة، وعن شدة ارتباطه بها، وبذلك يوحي قول خفاف بن ندبة( ):
فهذي فَعَالي ما بقيتُ وإنَّني
لموصٍ بها عَقْبي وقومي وذا رَجمِي
لقد اقتدر الهجناء بتملّكم القيم الجاهلية المثلى على اجتياز الحواجز المانعة لاندماجهم بالجماعات الصريحة. وثمة أشعار تعبر عن قبول الصرحاء بذلك الاندماج، كقول عمرو بن معد يكرب في وصف السُّليْك بن السُّلْكَة( ):
فَرُعْتُ به كالليثِ يُلحظُ قائماً
إذا ريْعَ منه جانِبُ بَعْدَ جانِبِ

له هامَةُ ما تَأكُلُ البيْضُ أُمّها
وأشباحُ عادِيٍّ طويلِ الرواجبِ

وهذا الوصف فيه امتداح للسُّليك. فقد وصفه بأنه ليث، وبأنه عظيم الخلقة، وهذا تقدير لشجاعته ولقوة ساعده. وامتدح عديُّ بنُ زيد فارسَ العصا، فقال( ):
وَخبَّرَتِ العَصَا الأبناءَ عَنْهُ
ولم أرَ مِثْل فارِسها هجينا

ومن أكبر الدلالات على قبول اندماج الهجين في مجتمع الصرحاء أن أصواتا ارتفعت، تطالب بأن تكون دِية الهجين المنتمي إليها مثل دية الصريح؛فقد روي أن هجينين راعيين اقتتلا، فقتل أحدهما- وهو عَنْقَش بن مُهَيْرَة-الآخر- وهو ذُهين بن زبراء -فأراد أصحاب ذهين أن يأخذوا من أبناء عمومتهم، أصحاب عنقش دية الصريح، وفي ذلك يقول رجل من أصحاب القتيل( ):
حُلُومَكُمُ يا قَوْمُ لا تُعْزِبُنها
ولا تَقْطعُوا أَرْحامكمْ بالتدابُرِ

وأدُّوا إلى الأقوامِ عَقْلَ ابن عَمِّهمْ
ولا تُرهِقُوهم سُبَّةً في العشائر

فإنَّ ابن زَبْراء الذي فادَ لم يكنْ
بدون خُليْفٍ أوْ أُسَيْدِ بنِ جابرِ

فإن لم تُعَاطُوا الحقَّ فالسيفُ بيننا
وبينكمُ والسَّيفُ أَجْوَرُ جائر

الأبيات السابقة تُعلي شأن الهجين، وتبرز اعتقاد أهله بقوة انتمائه إليهم؛ فهو ابن عمهم، وليست منزلته بأدنى من منزلة أبناء عمومته الصرحاء الذين يطالبون بديته، وهو مطلب حقّ، ويتوعّدون أهل القاتل بالحرب إن لم يدفعوا إليهم دية ذهين.
لقد امتلك أكثر الهجناء الذين عرفناهم قبولاً اجتماعياً لدى الصرحاء، وأحسوا بالرعاية والحماية، فتوازنت ذواتهم، وامتلات نفوسهم بمشاعر الاعتزاز بالذات، وبالجماعة الأبوية الصريحة المنتمى إليها. ولنا في أشعار أولئك الهجناء شواهد كثيرة تدل على ذلك ( )ومنها أشعار طلعت علينا بثمرة مُتَمَيّزة أنتجها توازن شخصية الهجين في ظلّ قبول الجماعة الصريحة بانتمائه إليها، وقد تمثلت تلك الثمرة في تطلع الهجين إلى أن يَتَبَوَّأ مركزاص قيادياً في جماعته الأبوية، وعن ذلك عبّر عنترة في قوله( ):
ولَلْمَوتُ خيرُ للفَتى من حيَاتِهِ
إذا لم يَثِبْ للأمرِ إلاّ بقائِدِ

وافتخر عنترة بأنه قاد خيل قومه إلى محاربة أعدائهم فقال( ):
وخيل قد زَحَفْتُ لها بِخَيْلٍ
عَلَيْها الأُسْدُ تَهْتَصِرُ اهْتِصارا

وقال معبراً عن انقياد عبس له في الحروب( )
ناديتُ عَبْساً فاستْجابوا بالقَنا
وَبكُلّ أبيضَ صَارمٍ لم يَنْجَلِ

حَتّى استباحُوا آل عوفٍ عَنْوَةً
بالْمشرَفِيِّ وبالوَشِيجِ الذُّبلِ

ولقائل أن يَدّعي أن قيادة عنترة لقومه كانت قيادة حربية فرضتها قوته وشجاعته. ولكن ذلك الادعاء لا يحجب عظمة المنزلة التي تَبَوَّأها عنترة في قومه، بل يدفع إلى ذكر هجناء سادوا قومهم في السلم والحرب، ويأتي في طليعتهم الشاعر الفارس السيد خفاف بن ندبة الذي يرى نفسه أعظم من أن تَشْتَم، فهو سيد وابن سادة، وفي ذلك يقول، وقد بلغه أن عباس بن مرداس السُّلمي قد شتمه( ):
يا أيُّها المُهدي لي الشَّتْمَ ظالماً
ولستُ بأهلٍ حينَ أُذْكرُ للشَّتْمِ

أَبَى الشَّتم أنّي سَيّد وابنُ سادةٍ
مطاعينَ في الهيجا، مطاعيمَ للجَرْمِ

وسيادة خفاف بن ندبة، الأمةِ، لعشيرته أمر اتفق عليه الإخباريون، ويظهرذلك جَليا في أخبار الصراع الذي حدث بين خفاف، وابن عمه العباس بن مرداس، وهو صراع استهدف امتلاك مقاليد زعامة بني سُليم كلهم. ومن اللافت أننا لا نجد في الأخبار والأشعار المتصلة بذلك الصراع- وهي كثيرة- ذكراً لهجنة خفاف إلاّ بيتين: الأول للعباس بن مرداس، وفيه ذمّ للهجنة، وإقرار بأنَّ بعض الصرحاء كانوا يقبلون بسيادة الهجناء عليهم، وهو قوله( ):
هُمُ سَوّدُوا هُجْناً وكلُّ قَبيلةٍ
يُبَيّنُ عنْ أحسابها مَنْ يَسُودُها

والثاني لخفاف بن ندبة، وهو قوله( ):
كلانا يُسَوده قومُهُ
على ذلك النسبِ المظلمِ

ويبدو أن خفاف قَدْ ردَّ على قول العباس السابق، وأنه افتخر عليه بانه يمتلك صفات خاصة تفوق صفات العباس، وأن تلك الصفات هي التي جعلته في موقع السيادة على الرغم من نسبه المظلم (الأسود) من جهة أمّه ( ).
وسيادة الهجين تجاوزت اعتراف قبيلته بها إلى إقرار القبائل الأخرى وسادتها بصحة تلك السيادة، ومن الأخبار التي توحي بذلك أن خفاف بن ندبة كان نديما وصديقا لحُضَير الكتائب سيد الأوس وقائدها في آخر أيام حرب (بعاث)، وفيه قُتل، فرثاه خفاف في أبيات ومنها قوله( ):
أتاني حديثُ فكّذَّبْتُهُ
وقيل: خليلكَُ في المْرمَسِ

فيا عينُ بَكّي خُضَيْرَ النَّدَى
خَضَيْرَ الكتائِبِ والمجلسِ

ومن الأخبار الدالة على قبول الصرحاء من غير أهل الهجين بارتقاء منزلته أن حاجز بن عوف الأزدي كان حليفا لبني مخزوم القرشيين، وأنه افتخر بذلك فقال( ):
قَومي سَلامانُ إمّا كنتِ سائِلةً
وفي قريشٍ كريمُ الحِلْفِ والحَسَبِ

إنّي مَتَى أَدْعُ مَخْزوماً تَرَى عُنُقاً
لا يَرْعشُونَ لضربِ القوم من كَثبِ

يُدعى المعيرةُ في أولى عدِيدهِمُ
أولادُ مَرْأسةٍ لَيْسْوا مِنَ الذَّنَبِ

وهكذا تتبين إرهاصات قبول الصرحاء باندماج الهجناء بهم، ولكنّ امتلاك بعض الهجناء لزمام القيادة في جماعته الأبوية يوحي بأنَّ اندماج الهجناء في مجتمع الصرحاء أضْحى أمراً مقبولاً من عدد غير القليل من الصرحاء، ولعلّ هذا القبول هو الذي شجّع بعض الهجناء على الحديث عن نسبهم المظلم حديثاً إيجابياً كقول عنترة، وقد خرج بلوائه منقضاً على بني ذبيان( )
إنّي أنا عنترةُ الهجينْ

لقد وصف نفسه بالهجنة ((وذلك مدح له وليس بذمّ، لأنَّ ولد الرجل من الغرائب كان قوياً))( ).وكان عنترة يدرك أهمية قوته، ويعرف نظرة الاحتقار التي يرميه بها بعض الصرحاء المتعصبين، ولذلك سعى إلى مجاراة الصرحاء بأفعاله، بل إلى التفوق عليهم ليغدو أشرف منهم، وأكثر فائدة لجماعته الأبوية منهم، وخير شعر عبرَ به عن ذلك قوله يعرّض بقيس بن زهير العَبْسِيّ ( ) :
إنّي امرؤّ مِنْ خيرِ عَبْسٍ مَنْصباً
شَطْرِي وأَحْمِي سائِرِي بالمُنْصَل

وإذا الكتيبةُ أَحْجَمَتْ وتلاحظَتْ
أُلْفِيْتُ خيْراً منْ مُعَمٍّ مُخْوَلِ

إنه يُعلن ما يقال عن ضعة نسبه من جهة أمه، ولكنه أتبع ذلك بحديث عن أفعاله التي أثبتت أن نسبه الهجين أورثه قوة، جعلته يفعل ما يعجز عنه الصرحاء، فغدا أفضل منهم وأكثر نفعا لجماعته الأبوية من صرحائها المتعصبين ولذلك لا يستغرب المرء أن يسمع افتخار عنترة بأبيه وامّه معاً، كقوله يذكر فرسه( ):
يُقَدِّمُهُ فتىً من خير عبسٍ
أبوهُ، وأُمُّهُ مِنْ خَيْرِ حَامِ

إنه يفخر بأمه الأمةِ غير مبالٍ بأقوال المعصبين. وتجربة عنترة مع المتعصبين على نسبه من جهة أمه تُذكّر بموقف مشابه للشاعر المتلمس الضبعي؛فقد عُيّر بأمّه فردّ ذلك بقوله( ):
يُعّيِّرني أُمّي رجالُ لا أرى
أخا كَرمٍ إلاّ بأَنْ يَتَكَرَّما

ومن كانَ ذا عِرضٍ كريمٍ فلم يَصُنْ
لَهُ حَسَباً كانَ اللئمَ المُذَمَّمَا

وهذا الردّ يبرز حنكة المتلمس وذكاءه، فهو لا ينفي ضعة نسب أمّه، بل ينفي ان يكون الإنسان كريما إلا بأفعاله الكريمة، وبذلك يسقط أهمية النسب في كرم الإنسان، ويستبدل به الأفعال المحمودة. وقد لا يكون المتلمس مقتنعاً بكلّ ما ادعاه، لكن سبل الدفاع عن ذاته المنتمية إلى أمّ وضيعة كانت مغلقة إلا سبيل الدفاع عن نفسه بإعلاء شأن الأعمال على حساب الأنساب، فالنسب انتماء قسري لا يمكن الفكاك منه إن خيراً وإن شراً، وإنه قدر من الله تعالى، وفي ذلك يقول المتلمس( ):
وَهَلْ لِيَ أُمُّ غيرُها إنْ تَرَكْتُها؟
أَبَى اللهُ إلاّ أنْ أَكُونَ لها ابْنَهَا

إنها أصل قدره الله، فلا فكاك منه، فلماذا يحمل وزر أمر لا يَدَ لهُ في حدوثه؟‍!.
تلك أصوات لم تخجل من الهجنة، بل اعتدت - أحيانا- بها، وأبرزت أهمية الأعمال والأخلاق في تقويم الانسان. ولقد زخر المجتمع الجاهلي بآراء مختلفة حول الهجنة، فثمة آراء تتعصب عليها، وأخرى تتسامح معها، وتترك لها منافذ تمتدّ منها حبال التواصل بين الصرحاء والهجناء، وقد تقوى تلك الحبال فيندمج الهجين في مجتمع الصرحاء، وقد يكّون أبناء الهجين وأحفاده جماعة أبوية، لها ما للصرحاء، وعليها ما عليهم كبني زياد المذحجيين( )، وبني لبينى الأسديين وبني سهم القرشيين ( )وغيرهم، وليس في أخبار الجاهلية ما يشير إلى اهتضمام حقوق تلك الجماعات، ولا يقلل من ذلك إقدام بعض الشعراء على هجائها بضعة النسب، فالمهم أنّ الجماعة الأبوية الصريحة تركت مجالاً لأبنائها كي ينجبوا من أعجيمات، وتسامحت في اندماج أبنائها الهجناء بها، فغدوا أقوياء بانتمائهم إلى نسب جماعة أبوية صريحة تحميهم، وتوفر لهم الرعاية، وسبلَ الحياة الكريمة. تلك مكاسب حظي بها الهجناء، فهل حظي بمثلها المقرفون؟.
***
4- النسب المقرف
إنّ المعنى اللغوي للإقراف يوحي بمنزلة أدنى من الهجنة؛فقد جاء في اللسان :((المقرف: الذي دانى الهُجْنَة...وأقرف الرجل وغيره:دنا من الهجنة))( ).والإقراف في النسب يكون من جهة الاب، فقد جاء في الأمالي : ((والمقرف الذي أمّه عربية، وأبوه ليس بعربيّ))( ).وينعت المقرف بالمذَرَّع؛فقد جاء في العقد: ((المّذَرّع:الذي أمّه عربية، وأبوه أعجمي)) ( )وفي كلا اللفظتين: المقرف والمذرع تكمن معاني الضعة؛فالمقرف: الذليل( )،والمذرع ((سُمّي مُذَرَّعاً تشبيها بالبغل،لأنّ في ذراعيه رَقمتين كرقمتي ذراع الحمار نزع بهما إلى الحمار في الشبه، وأمّ البغل أكرم من أبيه))( ).
ولكن الإقراف في اللغة لا يعني من جهة النسب أن يكون المقرف هو المولود من أم عربية وأب أعجمي فحسب بل قد ينعت به من أمّه أفضل من أبيه إذا أشبه أباه، وبذلك يُفَسّرُ قول حُميدة بنت النعمان الأنصارية(ت 85هـ) تهجو زوجها رَوْح بن زِنْباع الجُذَامي( ):
وهَلْ أنا إلاّ مُهْرَةُ عَرَبَيَّة
سَلِيلَةُ افراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ

فإنْ نُتِجَتْ مُهراً كريما فبالحرَى
وإنْ يكُ إقرافُ فَمَنْ قَبِلِ الفَحْل

وكذلك المذَرّع في اللغة يعني من أمّة افضل من أبيه، وإن كان كلاهما من الصرحاء، ومن الشعر الدال على ذلك، قول العَدْل بن عمرو الطُّهوي( ):
إذا الباهِلِيُّ عندهُ حَنْظَلِيَّةُ
له وَلَدُ منها فذاك المُذَرَّعُ

ولذلك يمكن أن ينعت الصريح- إن كانت أمّة أفضل من ابيه- بأنّه مقرف، وهو مذَرّع إذا نزع إلى أخلاق أبيه، وذلك من مظاهر تعظيم الأمومة الصريحة التي أشير إليها في الفصل السابق ومن دلائل احتقار الصرحاء للإقراف المراد ها هنا، وهو النسب المختلط من زواج عربية بأعجمي.
وثمة أشعار جاهلية تتصل بالإقراف، وفيها يظهر تعصب الصرحاء عليهم، فالصرحاء يأنفون من الإقراف، فتراهم يفخرون بنفيه عن أنفسهم، كقول سلامة بن جندل يفخر بقومه( ):
يجلو اَسِنتها فتيانُ عادِيَةٍ
لا مُقْرِفينَ ولا سُودٍ، جَعَابيبِ

ويمدحون بمثل ذلك، كقول زهير في بني الصيداء( ):
في حَوْمَةٍ الموتِ، إذْ ثابتْ حلائُبُهمْ
لا مُقْرِفينَ ولا غُزْلٍ ولا ميْلِ

والمقرفون هم الذين يفرون من المعارك، ويسلمون أبناء قبيلتهم إلى الموت. وهو أمر أثار حفيظة مالك بن حطان اليربوعي فقال قبل أن يفارق الحياة في أحدى المعارك( ):
يُسَاقُونَنَا كَأْساً من الموت مُرَّةً
وعَرَّدَ عَنّا المُقْرِفونَ الحَنَاكِلُ

والمقرفون هم الذين تهلكهم الحروب قبل غيرهم لضعفهم ووعجزهم عن دفع انقضاض الصرحاء عليهم، وفي مثل ذلك يقول أنُيف بن حكم النبهاني( ):
جَمعْنَا لَهُمْ مِنْ حَيِّ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ
كتائبَ بُرْدِي المُقْرِفينَ نَكَالُهَا

وربّ قائل يدّعي أن المقرفين المذمومين آنفاً هم صرحاء نسباً، مقرفون(أنذال) خلقا، وينفي ذلك إمكان القول بأنهم أبناء عربيات من رجال أعاجم، ويرجح ذلك عندي قول المرزوقي في شرح البيت السابق((جمعنا لهؤلاء القوم جُيوشاً من خُلَّص العرب، تهلك عقوبتها الذين في نسبهم.... إقرافُ.... وذكر المقرفين، ولم يذكر الهجناء لأنهم وإنْ كانوا يأخذون مأخذهم في أنه لا يخلص نسبهم..))( ).
ومن الملاحظ أن تعصب الصرحاء على المقرفين أشدّ من تعصبهم علىالهجناء، فأخبار الجاهلية وأشعارها حافلة بأسماء الهجناء وانسابهم، ولكنها تخلو من أسماء المقرفين وأنسابهم، فنحن لا نعرف اسم مقرف، ولا اسم عربية تزوجت أعجمياً، ولا اسم أعجمي تزوج عربية عدا ابرهة الحبشي( )، وكسرى أنو شروان( ). وهذا الإهمال الكامل لأسماء من لهم صلة بالإقراف يدل دلالة صريحة على شدّة تعصب الصرحاء ومحاربتهم للإقراف، فقد نجحوا في إسقاط أسماء أسر الإقراف من ذاكرة التاريخ، فغدا المقرفون بغير هوية، وبذلك يصعب تحديد ملامحهم، وتتبع أخبارهم.
كان العربي الصريح يرتضي أن يتزوج أعجمية، أو ان يعاشرها وأن تنجب منه، ولذلك فسح مجالاً لانتماء ابنه الهجين إليه، ولكن الصريح كان يأبى إباء شديداً أن تتزوج صريحة أعجمياً، ولو كان كسرى ملك فارس، فقد ذكر صاحب الأغاني خبراً عن إعراض النعمان بن المنذر عن تزويج كسرى من بناته أو قريباته، وهو خبر معروف ومشهور( ).
ولكن وجود ظاهرة الإقراف ينفي مطلق رفض الصرحاء لها، ولقد تضمن خبر الأغاني المشار إليه آنفاً ما يدل على ذلك، فقد روي فيه ان المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشِروانَ جارية كان أصابها في عزوة له على الغساسنة، وكتب له بصفتها، ومنها أنها ((كريمة الخال، تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها، وتستغني بفصيلتها دون جماع قبيلتها))( ). وإهداء جارية عربية كريمة العم والخال إلى أنوشروان يدل على تسامح العرب في تزويج الصريحة بأعجمي إن كانت أسيرة. وربما تسامحوا في تزويج غير ذوات الشأن من أعاجم عاشوا بين الصرحاء لأسباب إنسانية مختلفة، ولكن خبراً ورد في شرح ديوان لبيد يدل على أن زواج الصريحة الحرة الكريمة من أعجمي أمر ممكن، بل هو مفخرة للصريح حين يكون الزوج الأعجمي ملكا مثل أبرهة الحبشي، فقد مدح لبيد رجلاً عربياً بقوله( ):
ونال من يكسومَ يوماً صَهْرا
وَرْدُ إذا كان النواصي غُبْرا

وهذه المفخرة التي رفع لواءها لبيد هي مهانة رفض النعمان قيدها. فآراء الصرحاء حول زواج بناتهم من أعاجم لم تكن واحدة، فرفض تزويج الأعاجم لم يكن مطلقا، وأميل إلى أن هوان شأن الصريحة هو السبب الكامن وراء قبول مجتمع الصرحاء بزواجها من أعجميّ، وكان لذلك القبول أثر إيجابي على المقرفين فقد أُلحقوا بالقبائل، وإن لم يلحقوا بأنسابها، فقاتلوا إلى جانب الصرحاء، وهذا إقرار منهم بأهمية المقرفين، ولا يلغي تلك الأهمية أن الصرحاء كانوا يلقون على المقرفين تهمة الضعف والجبن في المعارك. ولقد أوحى الشعر الجاهلي بنظرة بعض الصرحاء الإيجابية إلى المقرفين كقول عمرو ابن زيد الكلبي ( ):
فلو كنتُ بعضَ المقْرِفينَ وعاجزاً
لكنتُ أسيراً في جبال محارب

فالبت يوحي بوجود مقرفين عاجزين يؤسرون ويُذلَّون، وبوجود مقرفين أقوياء، يمتنعون عن الإسار وذلّه، فالمقرف القوي- مثل الهجين القوي- ينتزع احترام الصرحاء، وتقديرهم. ومِمَّا يدل على النظرة الإيجابية إلى المقرفين قول قيس بن الخطيم( ):
وهلْ يَحْذَرُ الجارُ الغَرِيبُ فَجِيعتي
وخَوْني وبَعْضُ المُقْرِفينَ خَؤونُ

فهذا البيت يوحي بإقرار الصرحاء بتمتع بعض المقرفين بالمثل العليا للصرحاء، فقول قيس: ((بعض المقرفين خؤون))يوحي باعتقاد قيس بأن بعضهم غير خؤون.
إن إقرار الصرحاء بتمتع بعض المقرفين- وكذلك الحال مع الهجناء - بالمزايا المثالية للصرحاء -يقربهم من الصرحاء، ويعطيهم سمة الانتماء العضوي إلى المجموعات السكانية العربية، ومَما لا شك فيه أن الأمومة الصريحة للمقرفين قد اسهمت في تربيتهم تربية تلحقهم بالصرحاء خلقا وسلوكاً، كما أسهمت في تقبل بعض الصرحاء لوجود المقرفين إلى جانبهم، وبذلك تغدو مقولة المرزوقي((كان من ليس أبوه من العرب خارجاً من أن يكون عربياً))( )غير مطلقة بل مقيدة بإمكانية أن يرقى المقرف بقوته وخلقه إلى منزلة الصريح، وبإمكانية أن يحتاج الصريح إلى معونة المقرف، فيرتضي معاملته. وهكذا يتجلى الجدل الإنساني بين الصرحاء والمقرفين، وهو جَدَل تُوّج باكتساب المقرفين بل بعضهم أملاً بالاندماج في المجتمع الملحقين به، وبالحصول على الرعاية والحماية منه.
***
3- النسب الأعجمي
1- الأعاجم
يُنْسَبُ الأعجمِيّ لغةً إلى لفظة(الأعجم)، ويه نعت ((ينطلق على ما يعقل، ومالا يعقل))( ). وما لا يعقل قد يكون جماداً أو حيواناً ؛ فمن الأوّل وصف لبيد لرسم بأنه أعجم، وذلك لأنه ملامحه قد اندثرت، فافتقد مظهره القدرة على الإفصاح عن آثار الوجود الإنساني عليه( )، ومن الثاني قول الشاعر( ):
يَقُولُ الخننَا وأَبْعَضُ ناطقاً
إلى ربّنا صَوْتُ الحِمارِ اليُجَدَّعُ

وقيل: ((جميع الحيوان ضربان: أعجم وفصيحُ، فالفصيح كلّ ناطق، والأعجم كلّ ما لا ينطق))( )، ومن الشعر الذي تضمن المعنى السابق قول طفيل الغنوي يخابط رجلاً( ):
فَلَيْتَكَ حَالَ البحرُ دونَكَ كُلُّهُ
وَمَنْ بالمَرَادِي من فَصيحٍ وأعجمِ

وقد تضيق دائرة دلالة لفظة (الأعجم)، فيراد بها كل ناطق بغير العربية، وكلّ عاجز عن الإفصاح باللغة العربية، ومن الشعر الدال على ذلك قول الأعشى( ):
فَلَمّا رأيتُ الناسَ للشَّرِّ أَقْبَلُوا
وَنَابُوا إلينا من فَصِيحٍ وأعجمِ

إن الذين ينطقون بالعربية نطقاً فصيحاً هم العَرَب والعُرْب، والذين يعجزون عن ذلك هم العَجَم والعُجْم ( ). وقد كثرت في الشعر الجاهلي الشواهد الدالة على إدارك الجاهلي للتمايز بين العرب، وهم الناطقون بالعربية، والعجم، وهم الناطقون بغير العربية، ومن ذلك قول عبد الله بن الزِّبعرى يمدح أولاد المعيرة المخزوميين( ):
ما إنْ إِخْوةُ بَيْنَ
قُصور الشَّام والرَّدْمِ

كأمثال بني رِبْطَ
ـة من عُرْبٍ ولا عُجْمِ

وأشهر الأعاجم الذين أدرك الجاهلي وجودَهم المتميز عن وجوده هم الفرس والأحباش والروم والنبط، ومن الشعر الجاهلي الدال على تمايز تلك الأقوام بلغاتها المغايرة للعربية قول كعب بن زهير في وصف القطا( ):
يَسُقِينَ طُلْساً خَفِيَّاتٍ تَراطُنُها
كما تَرَاطَنَ عُجْمُ تَقْرَأُ الصُّحُفَا

فقد شبه أصوات فراخ القطا((بقراءة عجم، يعني الفرس))( ). وجاء في شرح ديوان عنترة أنه أراد بالعجم الأحباش في قوله يصف ظليماً( ):
يأوي إلى حِزَقِ النعامِ كما أَوَتْ
جِزَقُ يَمانِيةُ لأعْجَمَ طُمْطُمِ

فقد((شبه النعام حول الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم يسمعون كلامه، ولا يفهمونه، وخص أهل اليمن لقربهم من العجم، يعني الحبش، وملابستهم لهم))( ).وشبه علقمة تلكيم ظليم لنعامةٍ بما لا يفهمه غيرها بتكليم الروم بما لا تفهم عنها العربُ، وذلك في قول علقمة( ):
يُوحِي إليها بإنقاضٍ ونَقْنَقَةٍ
كما تَراطَنْ في أَفْدانِها الرُّومُ

ومثل ذلك قول جران العَوْد النُمَيْري مشبها أصوات الحمام، ويه غير مفهومة، بنواح الأنباط( )
واستقبلوا وادياً جَرْسُ الحمام به
كأنّهُ نَوح أنباطٍ مثاكِيلِ

2- بين العرب والأعاجم
لست معنياً ها هنا بتتبع الصلات بين العرب والعجم، فلذلك مواضع أخرى في هذه الدراسة ولكن المهم هاهنا أن يُشار إلى إدارك الناطقين بالعربية لوجود أجناس أخرى، سموا اعاجم لأن كلامهم غير مفهوم، فهم كالحيوانات التي تصدر أصواتاً غير مفهومة، ومن المهم أن يُشار ها هنا ايضا إلى أن بعض أولئك الأعاجم كانوا على صلة مباشرة مع التجمعات البشرية التي سبق الحديث عنها (الصرحاء، والملحقون بهم، والهجناء، والمقرفون)، وأكتفي لبيان ذلك بقول الأسود بن يعفر في وصف المشاق التي تكبدّها خَمَّار لابتياع الخمْرة من المجوس( ):
وَقَد ثَوى نَصْفَ حَوْلٍٍ أشْهُراً جُدُداً
ببابِ إفّانَ، يَبتارُ السَّلاليما

حتى تَنَاوَلَها، صَهباءَ، صافيةً
يَرشُو التَجَارَ عليها، والتراجيما

لقد أقام هذا الخمّار مدة بباب إفان حتى فاز ببغيته، واستعان لبلوغها برشوة التجار وخدم الخمارين، وهم التراجيم. يقول التبريزي:((واحتاج (الخمار) إلى من يترجم عنه لأنّه كان يشتريه من المجوس ))( )،فالعرب والأعاجم استعانوا بالترجمة لتيسير سبل التواصل والتعامل المشتركة، وهذا يعني انتشار الترجمة بانتشار مواطن التواصل بين العرب والأعاجم.
والأعاجم الذين اتصلوا مباشرة بالعرب كانوا تجاراً وخدماً وعبيدا وإماء، وممثلين لمصالح بلادهم في الجزيرة العربية ( )، وكان ذلك التصال المباشر إضافة إلى ارتياد بعض التجار مواطن بعيدة عن الجزيرة العربية من أسباب إدراك العرب بللتمايز اللغوي بينهم وبين الأعاجم، وإدراكهم أيضاً للتمايز الخَلْقِيّ، ومن ذلك التمايز باللون؛ فالسُّمرة، وهي منزلة بني البياض والسواد، ولون يضرب إلى سواد خَفِيّ( )،هي لون العرب، وبها افتخر صرحاءهم كقول مسكين الدرامي (ت89هـ)( ):
أنا مسكين لمنْ يعرفني
لَونيَ السُّمْرَةُ ألوانُ العربْ

وحين تشتد سمرة العربي تُسَمَّى خُضْرة( ) وبها افتخر الفضل بن العباس اللهبي(ت 95 هـ)، فقال ( ):
وأنا الأخضرُ من يعرفني
أخْضَرُ الجلدَةِمن بيت العَرَبْ

وجاء في اللسان أن الفضل أراد بالخضرة: ((سمرة لونه... لأن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة))( ). ولكن إدراك الجاهلي للتمايز بين ألوان العرب وألوان الأعاجم يخالف ذلك؛ فالسّواد ليس لون العرب بل لون الأحباش وأشباههم من الإفريقيين وهؤلاء أعاجم في عرف الجاهليين، وهذا يعني أن عرب الجاهلية لم يصفوا الأعاجم بالحمرة فقط بل بها وبالسواد أيضاً، وقد مَرّت بنا في (النسب المختلط) شواهد على إدارك الجاهلي لامتياز الأعاجم الذين يعرفهم باللونين المذكورين آنفا، وقد لخطنا شدّة تعصب الجاهلي عليها، ولا سيما على اللون الأسود. لقد كان السواد وصمة عار ينتفي الأحرار منها، ويُتَّهَمُ الأعداء بها( )ولو كان السواد لون العرب لكان موطن فخر واعتزاز لاذم وهجاء. وقد أنف الجاهلي من الانتماء إلى ذوي البشرة الحمراء، لأنها توحي بابتعاد أصوله عن العرب الصرحاء، ولأنها أثر يرمز إلى العبودية والهجنة( ). ومثل ذلك حمرة الشعر، وزرقة العينين ولو كان صاحبهما ملكا كالنعمان بن المنذر ( )،وفيه يقول عامر بن جوين الطائي( ):
لقد نهيتُ ابنَ عَمّارٍ، وقُلتُ له:
لا تأمَنَنْ أزْرَقَ العَينَينِ والشّعرَهْ

وفي رواية اخرى (أحمرَ العينين والشعره)( ).
وسمرة البشرة العربية قد تشتد فتقترب من السواد أو تنقص فتقترب من البياض بسبب اختلاط أنساب العرب بغيرهم من الأمم المحيطة بهم. والظاهر أن ميل بشرة العربي إلى البياض مُحبَبَاً إليه، والأشعار الدالة على ذكل كثيرةن فطرفة يفخر بقوله: ((نداماي بيضُ كالنجوم))( )،وفخر قيس ابن عاصم المنقري بأنذ قومه (0بيض الوجوه))( )،ولكننا لا نجد في الجاهلية من يفخر بأنّ قومه سود الوجوه. يمكن إرجاع استهجان العرب للّون الأسود إلى سببين: الأول نفور العرب من احتلال الأحباش لليمن، ومحاولتهم احتلال مكة، وهدم الكعبة مهوى الأفئدة العربية، والثاني كثرة العبيد ذوي البشرة السوداء في الجزيرة العربية، لقد ارتبط لون السواد عند الجاهلي بالعبودية وبالاحتلال الحبشي المباشر لبعض أرجاء الجزيرة العربية، فكرة ذوي البشرة السوداء، ونفر من لونهم، ولكن ذلك لا يخفي إنكار الجاهلي المظاهر الأخرى التي تدل دلالة واضحة على العجمة، كالحمرة، وهي شدة بياض البشرة، حيث تغدو مشربة بالحمرة، وزرقة العينين، وفلح الشفاه( )، وكذلك الصهبة، وهي ((الشقرة في شعر الرأس... والروم صُهب السّبال والشعور، وإلا فهم عَرَبٌ))( ). وعبارة (اللسان) السابقة تدلّ على أن البياض غير منكر لونه في البشرة العربية، ولكن المنكر أن يكون العربي أشقر الشعر والسّبال؛ فالصهبة تدل في عرف الجاهلي على الرُّوم، وعلى النسب الأعجمي، قال عبيد يصف الخمرة( ):
مَمَّا يُغالى بها البُّيَاعُ عَتّقَها
ذُو شارِبٍ أَصْهَبُ يُغلِي بها السِّيْمَهْ

فقد وصف الخمار الأعجمي بالصُهبَة. ولشدّة لصوق الصهبة بالروم خاصة، وكانوا أعداء للعرب في الجاهلية، ومشهورين بقوتهم، فقد غدت الصهبة رمزاً للقوة والعداوة، ومن الشعر الدال على ذلك قول النابغة في شعر ينتمي فيه إلى بني الضباب( ):
فإمّا تُنْكري نَسَبي فإنّي
من الصُّهْبِ السِّبال بني الضِّبابِ

وقول زيد الخيل الطائي يصف عدوّاً( ) :
وأسْلَمَ عِرسَهُ لما التقينا
وأَيْقَنَ أَننا صُهْبُ السِّبَالِِ

إنّ الصهبة تدل دلالة لغوية واضحة على النسب الأعجمي الرومي، وقد أيّد الشعر الجاهلي ذلك، ولكن واقع حال الجاهليين يخالف ذلك، فثمة صرحاء جاهليون عُرفوا بالصهبة، فقد وُصِفَ سلمى بن مالك وعوف بن الأحوص العامريان بأنهما كانا ((أحمرين أشقرين ضخمة أنوفهما))( )،وكان المغيرة بن شعبة الثقفي ((أصهب الشعر جداً))( ). وهذا يعني أن الجنس العربي، جنس الصرحاء، لم يكن نقياً، وأن دماء أعجمية قد اختلطت فيه، وأنَّ ما استقصي في الحديث السابق عن النسب المختلط لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة، فكثير من الصرحاء هم من نسب مختلط، وربّما كانوا أعاجم، استوطنوا في الجزيرة العربية، والتحقوا بنسب إحدى الجماعات الأبوية الصريحة ( )، فتخلقوا بأخلاق الصرحاء، وضاعت أصولهم الأعجمية في مجاهل التاريخ الذي تكفّل بتحقيق الوحدة والانسجام بين الجماعات الإنسانية المتعايشة معاً، وتكفّل بإلقاء حجب كثيفة على الأصول الأعجمية للجماعات التي عايشت الصرحاء، وتخلقت بأخلاقهم، والتحقت بأنسابهم، ولذلك أرى في قول شهاب اليربوعي يخاطب امرأ القيس( ):
ذَاكَ وكَمْ سَوْداءَ كْنِدِيَّةٍ
تَسْتَقْبِلُ القومَ بِوَجْهٍ كالجِعَالِ

قَايَظْنَنَا يأكُلْنَ فِينا
قِدّاً ومَحْرُوتَ الخُمَالِِ

تأكيداً لذلك؛ فكندة قبيلة عربية عاربة في عرف النسابين، وفيها نساء سوداوات، فمن أين لكندة السواد، وهو لون الأحباش، وغيرهم من الأفارقة؟ إنهن نسوة أعجميات من أسرٍ أعجمية التحقت بنسب كندة، وربّما يصل المستقصي إلى حقائق أكثر وضوحاً، تظهر أثر الجدل الإنساني في قبول انتماء الأعاجم إلى النسب العربي.
ولسائل أن يقول: ما بال الأعاجم لا يتحدثون عن أنفسهم؟ ولماذا خلا الشعر الجاهلي من أصواتهم؟
إن الأعاجم لا يقدرون على الإفصاح عن مشاعرهم وأفكارهم شعراً عريباً لعجزهم اللغوي، وحين يتهيّأ لأحدهم أن يقدر على ذلك يكون قد انضم إلى جماعة صريحة وتخلّق بأخلاقها، أو يكون ابنا أو حفيداً لذلك المنضم، فيغدو الحديث عن الأصل الأعجمي أمراً غير مرغوب فيه، في مجتمع يتعصب للنسب الصريح على غير الصريح، ولا سيما الأعجميّ منه. ومن المهمّ أن نذكر ها هنا أن الأعاجم المنضوين إلى نسب جماعات صريحة قد تخلقوا بأخلاقهم، وغدوا صرحاء سلوكا وفكراً وانتماء.
وأما الأعاجم الذين لم ينضووا في نسب الصرحاء فمنهم عبيد وإماء وأصحاب مهن وحرف وتجار، ولنا عودة إليهم لاحقاً، ولنا عودة أخرى إلى الأعاجم بصفتهم شعوباً تجاور العرب، وتتفاعل معهم.
***
لقد عرفنا في هذا الفصل كتلا بشرية(الملصقون بالصرحاء، والهجناء، والمقرفون، والأعاجم)شكلت بإضافتها إلى الصرحاء التجمعاتِ الإنسانية في المجتمع الجاهلي الذي امتلك فيه الجاهليون لغة واحدة، بها تواصلوا، وعبروا عن مشاعرهم وافكارهم، وقد أدركوا أهميتها بصفتها المعلم الرئيس الفاصل بينهم وبين الأمم المجاورة. ومن البديهِي أن وجود ذلك المعلم وإدراك التمايز به من الآخرين هما حصيلة جدل إنساني طويل داخلي وخارجي، الجدل بين التجمعات السكانية المذكورة أوصلهم إلى لغة خطاب وإبداع واحدة، والجدل بينهم وبين الأمم المجاورة جعلهم يعون تميّزهم باللغة، وهي ذاكرتهم التاريخية، من غيرهم، وبذلك وقفنا على اساسين من ثلاثة أسس لازمة لنشوء الأمم، وأما الأساس الثالث فهو المكان الذي تَمّ فيه الجدل المشار إليه آنفاً، فانتماء تلك الجماعات إلى المكان يحدد المستوى الحضاري لها، ويظهر المستوى الذي بلغه إحساسها بالتمايز من غيرها، وهو موضوع الفصل التالي.

***







الفصل الثالث


الانتماء المكاني

المكان اسم مشتق من الكون، مصدر كان يكون كوناً وكينونة، جاء في اللسان:((الكون: الحدث...(و) تقول العرب لمن تَشْنَوُهُ: لا كانَ ولا تكَوّن، لا كان: لا خُلِق، ولا تكَوّنَ: لا تَحَرّك، أي مات...(و) كان يكون كوناً أي: وُجد واستَقَّر...ومن أقسام كان.... أن تاتي بمعنى صار)) ( ).
وهذا يعني أن المكان اسم مشتق للدلالة على موضع الحدث والخلق والوجود والاستقرار والصيرورة .
وحين نضيف المكان إلى الإنسان نحصل على لفظ يدلّ دلالة عميقة على صيرورة الحياة الإنسانية؛ فالمكان هو الموضع الذي يولد (يحدث ويخلق ويوجد) فيه الإنسان، وهو الموضع الذي (يستقرّ) فيه، وهو الموضع الذي يعيش، ويتطور (يصير) فيه،إذ ينتقل من حال إلى آخره وما ينطبق على تطور حياة الإنسان الفرد ينطبق على تطور حياة الجماعات والأمم؛ فالمكان العربي(الوطن العربي) هو الأرض التي شهدت ولادة الأمة العربية واستقرار أبنائها، وتطورهم بالجدل الإنسانيّ من حال إلى حال.
ولذلك ينبغي أن ندرس علاقة الجاهليين بالمكان لنعرف مقدار ارتباطهم به، وأثره في تعايشهم، وفي علاقتهم بالأمم المجاورة، كي نصل إلى بيان متسوى الوعي بانتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان اللازم لوجوده المتميز.
1- القرار بالمكان
1- أمكنة القبائل
شهد العصر الجاهلي مرحلة متطورة من العلاقة بين الإنسان الجاهليّ والمكان الذي يعيش عليه، وقد تمثل ذلك في اصطلاح الجاهليين علىوجود مدى طبيعيّ وجغرافيّ تمتلكه كلّ جماعة (قبيلة) من الجماعات الأبوية، سواء أكانت من أهل المدر، سكان القرى، أم من أهل الوبر، سكان البوادي. وكان المدى الذي تعيش فيه القبيلة يحقق لأبنائها أمناً معاشياً مناسباً لهم.
ولقد أبرز الجاهليّ في اشعاره ظاهرة اختصاص كلّ جماعة أبوية بمكان محدّد تنتمي إليه، ومن ذلك قول الأخنس بن شهاب التغلبي في اختصاص كلّ طائفة كبيرة من معدٍّ بناحية تأوي إليها، وتتحصن بها ( ):
لِكُلِّ أُناسٍٍ منْ مَعَدٍّ، عِمَارةٍ
عَرُوضُ، إليها يَلجَؤون، وجانِبُ

لُكَيْزٌ لها البَحْرانِِ والسِّيفُ كلُهُ
وإنْ يأتِها بأسٌ من الهِندِ كارب

وبَكُرٌ لها ظَهْرُ العِراقِ، وإنْ تَشَأْ
يَحُلْ دُونَها مِنَ اليَمامَةِ، حاجبُ

وصَارت تميمُ بينَ قُفٍّ وَرَمْلَةٍ
لها منْ حِبالٍ، مُنْتَأىً وَمَذّاهِبُ

وغارَتْ إيادٌ في السَّواد ودُونَها
بَرازِيقُ، عُجْمٌ، تَبْتَغِي مَنْ تُضَارِبُ

وكانت مساكن بني تغلب بين العُذيب وخَفّان. وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم( ):
لِيَهْنْئْ تُراثي تغلبَ بنةَ وائلٍ
إذا نَزَلوا بَيْن العُذَيْبِ وَخَفّانِِ

مساكنُ بني سُليم الحجاز. وفي ذلك يقول مرداس بن أبي عامر السُّلمي( ):
وإنّ سُلَيْماً والحِجَازُ مَكانُها
متى آتِهِمْ أَجِدْ لِبَيْتيَ مَهْجَرا

ومساكن بني خزيمة ((حِلّ المناقب والحرام))( ).ويستطيع من يودّ الاستقصاء في الشعر الجاهلي أن يعرف تفصيلات لمنازل المعدّيين أشمل من ذلك وأدقِّ( ).
وأما القبائل القحطانية فمواطنها بلاد اليمن( )إلاّ من هاجر، واستقر في الشمال كبني طيّئ الذين استوطنوا جَبَلي أَجَا وَسَلْمَى، وقد كثر في الشعر نسبة الجبلين المذكورين إلى طيّئ، كقول عروة بن الورد( ):
رَحَلْنا مِنَ الأجيالِِ أَجْبَالِِ طيّئٍٍ
نَسُوقُ النساءَ عُوذَها وعِشَارها

ومثل ذلك الأوس والخزرج الذين استوطنوا يثرب( )، والغساسنة الذين اقاموا في بلاد الشام، وغيرهم( ).
وكثرت في الشعر الجاهلي الألفاظ الدالة على تَمَلّك الإنسان للمكان كلفظة (بلادنا) في قول حسان ( ):
لَعَمْرُكَ ما المُعْتَرُّ يأتي بلادَنا
لِنَمْنَعَهُ بالضّائعِ المُتَهَضَّمِ

ولفظة (ارضنا) في قول النابغة( )
إنا أُناسُ لاَحِقونَ بأرْضِنا
فالْحقْ بأصْلِكَ خارجَ بنَ سِنَانِ

ومثل ذلك الألفاظ الدالة على إقرار الإنسان الجاهلي لغيره بتملك المكان كلفظة (بلادك) و(بلادهم) في قول زهير يخاطب بني تميم( ):
فَقَرِّي في بلادِكِ إنَّ قَوْما
مَتَى يَدَعُوا بلادَهُمُ يَهُونُوا

ولفظة (دياركم)( ) و(دارها) ( )و(أرضك)( ).
إن ألفاظ تَمَلّك المكان المذكورة آنفاً مُعَرَّفةٌ بإضافة المكان إلى أصحابه. وهذه الإضافة توحي بتقديم الإنسان على المكان، مثلما توحي إضافة الإنسان إلى المكان بخلاف الإيحاء السابق؛فلقد شاعت في الشعر الجاهلي إضافة الإنسان إلى المكان الذي يعيش فيه، ومن ذلك (أهل مكة) في قول العباس بن مرداس( )
حتى صَبَحْنا أهلَ مكّة فيلقاً
شهباءَ يَقْدُمُها الهُمَامُ الأشوسُ

و(أهلب الحجاز) في قول لبيد( ):
مُرِّيَّةُ حَلّتْ بِفَيْدَ وَجَاوَرَت
أهْلَ الحجازِِ فَأين مِنْكَ مَرَامُهَا

و(أهل نجد) في قول مِرداس بن حُصين الكلابي( ):
ولم أَرَ هالكاً مِنْ أهْل نَجْدٍ
كَزُرْعَةَ يومَ قَامَ به النّ‍واعي

ومثل ذلك (آل يثرب) و(أهل اليمامة) ( )، وغيرها ( ). وإنّ إضافة الإنسان إلى المكان تدلّ على مرحلة متقدّمة من تفاعل الإنسان الجاهلي مع المكان الذي يعيش فيه، إنها مرحلة تلي إضافة المكان إلى الإنسان، وتدلّ على تَلَمسُّ الجاهليين لأثر علاقتهم بالمكان الذي يعيشون عليه في تقاربهم. وإنها لإضافة نحوية، بل إضافة جدلية تدل على انتماء جديد بدأ يزاحم الانتماء إلى النسب، ويحدّ من غلوائه، ولنا في الشعر الجاهلي أدلة متنوعة تعضد الفكرة السابقة، فكرة الجدل بين السنب إلى الآباء والنسب إلى المكان.
لقد عرفنا في شواهد سابقة أن للمكان المستوطن أهلاً، هم الناس الذين ينزلونه ويعيشون فوقه، وها نحن أولاء نرى له أبناء في قول المتَلَمّس( )
وَجَمْعُ بني قُرّانَ فاعْرِضْ عَلَيْهِمِ
فإن يَقْبَلُوا هاتا التي نَحْنُ نُوبَسُ

ونرى له إخوة في قول الخنساء( ):
أقسمتُ لا أنفكُ أهدى قصيدةٌ لقيس أخي الأمرارِ في كلّ مجمع واسم المكان قد يعبّر به عن السكان الذين يقطنون فيه، كما في قول امرئ القيس يشكر رجلاً طائياً أجاره:
أَبتْ أجَأ أنْ تُسْلِمَ العام جَارَهَا
فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لها من مُقَاتِلِِ

والقرار بالمكان لا يقتصر على أهل القرى العربية المشهورة كمكة ويثرب والطائف والحيرة، بل يتعداهم إلى كثير من أهل الوبر من سكان البوادي، ومنهم بنو تميم وبنو أسد بن خزيمة، وبنو طيّئ، فهولاء من أرجاء العرب، وهي ست قبائل سمّيت بذلك، لأنها ((أحرزت دوراً ومياها لم يكن للعرب مثلها، ولم تبرح أوطانها، ودارت في دورها كالأرحاء على اقطابها، إلا أن ينتجع بعضها في البُرَحاء، وعام الجدب، وذلك قليل منهم))( ). ومن الظاهر أن صفة الارحاء قد تنطبق على أكثر من ست قبائل ؛فصاحب العِقد ذكر أن من الأرحاء في مُضَر اثنتين تميم بن مُرَّ، وأسد بن خزيمة، وفي الشعر الجاهلي ما يشير إلى امتلاك بعض المضريين من غير تميم وأسد منازل تدور فيها كالأرحاء على أقطابها، ومن ذلك منازل غطفان في قول زهير بن أبي سلمى، وقد بلغه أن بني تميم يريدون غزو غطفان( ):
ألا أبْلِغْ لديكَ بني تَميمٍ
وقد يأتيكَ بالخَبَرِ الظّنُونُ

بأنَّ بُيوتنا بِمَحَلِّ حَجْرٍ
بكُلِّ قَرارةٍ، منها نكونُ

إلى قَلَهَى تكونُ الدارُ مِنّا
إلى أُكْنافِ دُومةَ فالحَجُونُ

بأوديةٍ أَسَافِلُهُنَّ رَوضُ
وأعلاها إذا خِفْنا حُصُونُ

إن تملك القبائل للأمكنة، سواء أكانت من أهل المدر أم من أهل الوبر، يعني وجود أوطان قَبِليّة مستقلة داخل إطار المدى الجغرافي الواحد الذي تعيش فيه تلك القبائل، ويعني أيضاً شيوع الاستقرار السكاني في العصر الجاهلي؛ فالقرار في الحواضر الزراعية والتجارّية والسياسيةأمرٌ مسَلم به، ويضاف إلى ذلك شورع القبائل الرعَوِيّة في الاستقرار في البوادي، ويدلّ على استقرارها ما ذكر عن الأرحاء آنفاً، وما سنذكره عن دور الحفاظ.
ودار الحفاظ هي الدار التي يصبر اهلها على الإقامة فيها، ولا يَتَأتّي ذلك إلاّ للشرفاء والأقوياء، ولذلك كان الاقتدار على الإقامة فيها دليلاً على قدرة أصحابها على الذود عنها، ودليلاً على تعلّقهم بها، ولذا غدت دار الحفاظ مفخرة يعتد بها الجاهلي، كقول الحادرة( ):
وَنُقيمُ في دارِ الحِفاظِ بُيوتنا
زَمَناً، وَيَظْعَنُ غَيْرُنا للأمرَعِ

إنّه يفخر بإقامة قومه في ديارهم، ويذمّ من يرتحل عن دياره طلبا للمرعَى. ولا يُشترط لدار الحفاظ أن تكون خصبة، فقد يحلّ الجدب فيها، فيصبر أهلها على الإقامة فيها لئلا يُغْلبوا عليها، ومِمّا يدلّ على ذلك قول عمرو بن شأس( ):
نقيم بدار الحزمِ ليس مُزيِلَنا
مُقَاسَاتُنا فيها الشَّصائِصَ والأَزْلاَ

إنّ عمراً يفخر بأنَّ قومَهُ يتمسكون بدارهم على الرغم من قلّة مواردها وشحّها. وبمثل ذلك افتخر عمروبن كلثوم بإقامة قومه بذي أراطٍ( ). ويشبه ذلك قول كعب بن زهير مظهراً تعلقه بموطن إقامته، وكان مقيما في بني غطفان، وهم بُداة، على الرغم من قسوة مناخه، وندرة مياهه( ):
تَقُولُ ابْنَتى أَلْهَى أبي حُبُّ أرْضِهِ
وأَعْجَبَهُ إلْفُ لها وَلُزُومُها

بَلَ الْهَى أباها أنهُ في عَصَابةٍ
بِرَهْمَانَ أَمْسَى لا يُعَادُ سَقِيمُها

تَسَاقَوا بماءٍٍ من بلادٍ كأنهُ
دِمَاءُ الأفاعي لا يُبِلُّ سَليمُها

ويظهر من الأشعار السابقة أنّ السابقة أنّ إقامة البداة في أمكانهم لم تكن فصيلة بل كانت مُطَوَّلة وقد افتخر خُراشة بن عمرو العَبْسي بطول إقامة قومه ف يدار الحفاظ( ). ولكن ذلك لا يعني أن البداة كانوا لا يرتحلون عن دور حفاظهم، بل كانوا يقيمون فهيا ما دامت الإقامة ممكنة، يقول أوس بن حجر( ):
أُقِيمُ بدارِ الحَزْمِ ما دامَ حَزْمُها
وَأَحْرِِ إذا حالتْ بأن أَتَحَولا

ونستطيع مِمّا سبق أن نرى في ظاهرتي الأرحاء ودور الحفاظ مرحلة متوسطة بين القرار بالمكان والارتحال عنه ثم العودة إليه وهي مرحلة تميزت بها حياة البداة الجاهليين( ).
2- الانتساب إلى المكان:
زاحم الانتماء المكاني الانتماء النسبي، ولعلّ أبرز ما يدل على ذلك الانتساب إلى المكان. ومن ذلك النسب إلى تهامة في قول بجير بن عبد الله القشيري يرثي هشام بن المغيرة المخزومي:((ونعم المرءُ من رجل تُهامي))( )، والنسب إلى هجر في قول لبيد يصف فرساً:((كجذع الهاجريّ المُشَذّب))( ).وثمة قبائل غلب عليها اسم المكان الذي نزلت فيه، ومنهم بنو عمرو بن عامر الأزديون، فقد نسبوا إلى ماء غسان، فهم الغساسنة( )،ومثل ذلك نسبة بعض القبائل إلى المَزُون، وهي مدينة عُمَان ( )، وإلى بارق، وهو جبل بالشراة( )،وإلى الصحراء ( )،وإلى نجد ( ).
وثمة نسبتان فيهما شمول كاد أن يضم تحت جناحيه التجمعات السكانية التي سبق ذكرها في الفصلين السابقين، هما النسب إلى اليمن، والنسب إلى الشام، ومن الملاحظ أن النسب إلى اليمن أكثر شيوعاً من النسب إلى الشام، فقد وقفت على أشعار كثيرة ذكرفيها النسب إلى اليمن( )، وفي المقابل لم اقف إلا على مواضع قليلة ذكر فيها النسب إلى الشام( ). وأميل إلى الاعتقاد بأن النسب إلى اليمن كان يدور على السنة الجاهليين قبل النسب إلى الشام، وأن انطلاق الألسنة الجاهلية بلفظة (الشآمي) و(الشامي) كان عقب انطلاق الهجرات القبلية من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، وعقب ظهور النزاعات بين أهل الجنوب وأهل الشمال، ولعل أصدق بيت يعبر عن ذلك قول الأفوه الأودي عقب هزيمة القبائل اليمانية يوم خزاز أمام القبائل النزارية( ):
كان الفخارُ يمانياً مُتَقَحْطِناً
واراهُ اصبحَ شامياً مُتَنَزِّرا

ويفهم من البيت السابق ومناسبته أن النسب إلى الشام يعني سكان الشمال، سواء أكانوا يسكنون بلاد الشام أم تخوم الجزيرة العربية اللصيقة ببلاد الشام، وأن الجاهليين ينقسمون بحسب منازلهم إلى تَجمعين رئيسين هما: سكان اليمن في الجنوب، وسكان الشام وأطرافها اللصيقة بالجزيرة العربية في الشمال، وأن سكان الجنوب قحطانيون، وسكان الشمال نزاريون( ). ولكن الواقع السكاني لا يتفق مع هذه القسمة ؛فالشمال موطن قبائل قحطانية معروفة، وفيه أخلاط من الناس كالفرس والروم والنبط وغيرهم؛ وبلاد اليمن فيها أحباش وفرس وهجناء ومقرفون ولصقاء، وهؤلاء كلُّهم يمانون، وفيها نزاريون أيضاً؛ فالجاهلي كان يدرك أثرالعلاقة المكانية في تحديد انتمائه، فسكنُ جماعات إنسانية مختلفة الأصول في مكان ما كافٍ لجعلهم وحدة سكانية متميّزة بالانتماء إلى ذلك المكان، فقد ورد في شرح قول النابغة يصف خيلاً( ):
حَتّى استَغَثْنَ بأهلِ المِلْح ضاحيةً
يَرْكُضْنَ قد قَلِقَتْ الأطانِيبِ

أنه يعني بالملح الأملاحَ، وهي الأمرار أيضاً، وفيها الزوراء لبني أسد، والغوطتان لبني عامر بن جوين الطائي، وكُنَيْبُ وعُراعِرُ وجُشُّ أعيارٍ، والعُريمةُ، كلهنّ لبني فزارة. لقد ربط النابغة بين جماعيتن قبليتين من أصول شمالية (أسد وفزارة) وبين جماعة قبلية من اصول يمانية (بني عامر بن جوين الطائي) برابطة الانتماء المكاني، ولذلك لا يتسرب الشكَّ إلى القول بأن النسب إلى اليمن أو الشام يعني في أحيان كثيرة الجماعات السكانية المختلفة التي استوطنت فيهما( ).
ومثلما ادرك الجاهلي أثر المكان في تجميع أصول سكانية مختلفة تحت راية الانتماء إلى المكان المستوطن فقد أدرك أيضاً أثر المكان في تفريق الجماعة النسبية الواحدة حين تتباعد مساكنها وتختلف مواطنها، فالنزاريّ الشماليّ كان ينسب إلى اليمن أبناء عمومته الذين يقطنون جهة ذلك الإقليم، كما في قول عبد بن حبيب الهذلي ( ):
ألا أَبِلغ يَمَانِيْنَا بِأَنّا
قَتَلْنَا أَمْسِ رَجْلَ بني حَبِيبِ

وقول أبي بثينة الهذلي أيضاً ( ):
ألا أَبِلْغَ يَمَانِيْنَا بِأَنّا
جَدَعْنَا آنُفَ الجَدَرَاتِ أَمْسِ

وجعل قيس بن الخطيم الأوسي، وهو من أصل قحطاني يماني، والأوسَ قِسْماً وأبناء عمومته المقيمين في اليمن قسماً آخر في قوله( ):
أَبَحْنا المُسْبِغينَ كما أباحَتْ
يَمانُونا بني سَعْدِ بن بَكْرِ

وانقسام القبيلة الواحدة بحسب منازلها امر معروف في الجاهلية؛ فقريش قسمان: قريش الظواهر، وقريش البطاح( )، ومن المحتمل أن حسان بن ثابت أراد هذه القمسة في قوله يخاطب قريشا (بني النضر):((أبلغ بني النضر أعلاها وأسفلها))( ). وقبيلة هوازن قسمان في قول حسان أيضاً (أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها) وبنو معَد قسمان في قول سلامة بن جندل يذكرهم ( ):
كلا الفريقين: أعلاهم وأسفلُهمْ
شَجٍٍ بأرْماحنا غَيْرَ التكاذيبِ

ولبني معدّ قسمة مكانية أخرى في قول سلامة ايضاً ( ):
تُبَلّغُهُمْ عِيسُ الرّكابِ وَشُومُها
فريقَيْ مَعَدٍّ: من تَهامٍ وَمُعُرِقِ

وهكذا نجد أن الانتساب إلى المكان بدأ يزاحم الانتساب إلى الأباء والأجداد،ودلّ بذلك على مرحلة متطورة في حياة الجاهليين.
3- آثار التقارب والتباعد
إن قرار جماعة إنسانية في مكان ما، والتفاعل فوقه تفاعلاً إنسانياً ممّا يقوي أواصر التقارب بين أفراداها، فالبعد المكاني يضعف العلاقات الإنسانية بين المتباعدين، والقرب المكاني يسهم في تمتينها. ولقد عَبّر الجاهلي عن إدراكه لأثر العلاقة المكانية في انتماء بعض الناس إلى بعضهم في صور متعددة، منها يقطع الصلة بين الأحبة، وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم( ):
بَلُ لَيْتَ أَهلي أَثْلَةَ في
دارٍ قَريبٍ مِنْ حَيْثُ تَخْتَلِفُ

أَيْهاتَ مَنْ أَهْلُهُ بِيَثْربَ قَدْ
أَمْسَى وَمَنْ دونَ أَهْلِهِ سَرِفُ

فالبعد المكاني لا يسمح بالتواصل بين ******ين، ولذلك تَمَنَّى قيس أن تكون داره قريباً من دارها. وتباعد الأقارب مكانيا قد يحول دون تناصرهم، وإن كانت قلوبهم مفعمة بالوداد، وفي ذلك يقول حُجْر بن خالد الضُّبعي مخاطبا أبناء عمومته ( ):
فَلَوْ أَنّا شَهِدْناكُمْ نَصَرْنَا
بذي لَجَبٍ أَزَبَّ مِنَ العَوَالِي

وَلكِنا نَأَيْنا، واكُتَفيْتُمْ
ولا يَنْأى الحَفِيُّ عَنِ السُّؤَالِ

وتباعد الأقارب مكانيا قد يقطع الصلة بين الأصول والفروع( ). وقد مَرّ بنا أن بني مُرّة يرجعون إلى لؤي بن غالب القرشي، وأنهم لصقاء ذبيان، وكان البعد المكاني سببا رئيساً في تداعي رابطة نسبهم الأبوي إلى قريش، وقد تُلَمّس ذلك الحارث بن ظالم المري حين رفضت قريش جواره. فقال ( ):
ألا لَسْتُمُ مِنّا ولا نحنُ منكُمُ
بَرئنا إليكمْ مِنْ لْؤَيّ بن غالبِ

غَدَوْنا على نَشْزِ الحجازِ وَأَنْتُمُ
بِمُنْشَعِبِ البطْحَاءٍِ بينَ الأخَاشِبِ

لقد أعلن الحارث براءة بني مُرّة من الانتساب إلى لؤي بن غالب، ثم جاء بالدليل المادي على ذلك، وهو التباعد المكاني، فبنو مرّة مقيمون على نشز الحجاز، وبنو لؤي بمنشعب البطحاء بمكة. واشترط ربيعة بن مَقْرُوم الضبي للأخوة الحق شروطاً أوّلَها تقارب الدار، وفي ذلك يقول( ):
أخُوكَ أخُوكَ مَنْ يَدنُو وتَرْجُو
مَوَدَّتهُ وإِنْ دُعِيَ استجابَا

إذا حارَبْتَ حَارَبَ مَنْ تُعَادِي
وزادَ سَلاَحُهُ مِنْكَ اقْتِرابَا

والقرابة الأبوية تتوج بالتقارب المكاني، فيه تتوحد القوى، ويقوى الانتماء، وفي ذلك يقول المَثلم بن رِيَاح المرّي مظهراً عبطته باجتماع قومه( ):
لَفَفْنا البيوتِ فَأَصبحُوا
بني عمِّنا، مَنْ يَرْمِنَا يَرْمِنَا مَعَا

وافتخر عمر بن شأس بفوارس قومه؛ فهم متأهبون لخوض المعارك: وهم ((متقارب أطناب دورهم))( ) وعبر عمرو بن معد يكرب عن وعي أصيل بأهمية القرب المكاني في العلاقات الإنسانية إذ قال:
أمَّا العتابُ فلا عتابُ
لا قُرْبُ دارٍ ولا نِسَابُ

إنّ عمراً يستبعد العتاب من دائرة علاقاته الإنسانية إلا مع الأقرباء مكاناً أونسباً، وبذلك يكون الانتماء المكاني في وعي عمرو بن معد يكرب بمنزلة الانتماء النسبي.
إن التقارب المكاني عامل مهمّ((في تشكيل مجموعة موحدة (ومن المفترض)أن الناس المجاورين لبعضهم في المكان هم قريبون من بعضهم بشكل عام))( )؛فتفاعل مجموعة سكانية فوق مكان ما يعني تاريخا مشتركاً يرتبط بذلك المكان ويوحدّها، ولذلك يمكن أن يقال بأنّ اعتداد جماعة سكانية بقدم استيطانها هو تعبير عن وجود رابطة تاريخية مشتركة، ومن الشعر الدال على ذلك قول مالك بن خالد الهذلي يخاطب مالك بن عوف النّصري حين غزا هذيلاً ( ):
أَ‍لَمْ تَرَ أَنا أَهْلُ سَوْداءَ جَوْنَةٍ
وَأَهْلُ حِجَابٍ ذِي حِجَازٍٍ وَمَوْقِرِِ

به قَاتَلَتْ آباوُنَا قَبْلَ ما تَرَى
مُلُوكَ بني عَادٍ وأقْوالَ حِمْيَرِ

إنه يذكر قِدَمَ امتلاك قومه للمكان وتضحياتهم دفاعاً عنه، ومثل ذلك قول عبيد بن الأبرص( ):
ولنا دارُ وَرِثْنا عِزَّها الـ
أَقْدِمَ القُدْمُوسَ عَنْ عَمٍّ وخَالِ

مَنْزِلُ دَمَّنهُ آباؤُنا الـ
مُورِثُونَ المْجدَ في أُوْلَى الليالي

إنه يفخر بقدم استيطان قومه، وبأثرهم في منازلهم. وإذا كان مالك وعُبيد، وهما من البداة، قد فخرا بقدم المواطنة فأحر بأن يفخر بذلك أبناء القرى، ومنهم أبو طالب في قوله( ):
فَمَنْ يَنْشَ مَنْ حُضَّارِِ مَكّة عِزُّهُ
فَعِزَّتُنا في بَطْنٍ مَّكةَ أَتْلَدُ

نَشأنا بها والناسُ فيها قلائِلُ
فَلَمْ تَنْفكِكْ تَزْدَادُ خيْراً وَنُحْمدُ

إنه يفخر بقدم المواطنة، وبالتاريخ المشترك، فقد نشأ قومه في مكة، وتطورت حياتهم فيها تطوراً *** لها الخير، ولنا الحمد، ومن ذلك الحمد قول حسان عن بني قصّي بن كلاب( ):
وَهُمْ أَعْطَوا منازلَها قُريشاً
بمكةَ، وَهْيَ ليس لها نِظامُ

ومن الفخر بالتاريخ المشترك في المكان قول قيس بن الخطيم ( ):
فَمَا الأسْدُ باللاتي الغَرِيفُ مَقِيلُها
ولكنَّ أُسْدَ الغابِ حافَةَ ذي الجّدْرِ

بنُو خطْمَةَ الأبطالُ إِنّهُمُ بها
غُذُوا، وعليها يَنْشَأونَ يَدَ الدَّهْرَ

إن رهطه، سكان ذي الجدر، وهو موضع قرب يثرب، لهم تاريخ مشترك في ذلك المكان، إن به غذما، وعليه سيستمر وجودهم أبداً.
4- تطوير أماكن الاستقرار
إن تفاعل الجاهلي في موطنه أوجد علاقات وطيدة بين المتفاعلين، إذ فيه تتوحد همومهم وأفراحهم وآملهم، لأنهم واجهوا ظرفا طبيعيا واحداً، يتطلب جهوداً مشتركة للتغلب على عوائق البقاء والتطور. والتقارب المكاني أوجد الانتماء إلى المكان وكان سببا في وجود انتماءات أخرى مهمة، تعبر عن تطور المجتمع وهو ينفلت من اسار عصبية الانتماء إلى النسب الأبويّ. ومن تلك الانتماءات الجوار، والحلف، ولنا عودة إليهما في مواضع لاحقة من هذه الدراسة.
إن تفاعل المستوطنين في مكان مالا يقتصر على علاقاتهم الإنسانية المشتركة، بل يتعداها إلى المكان نفسه؛ فالمستوطن يتفاعل مع مكان استيطانه، فيؤثر فيه، ويتأثر به، وذلك لأن إقامة الإنسان في مكان ماتدفعه إلى العمل على تملك ذلك المكان تملكاً يسهل عليه سبل الحياة الأفضل، وذلك بامتلاك الوعي بما يحتاج إليه، والإرادة اللازمة للفعل، والقدرة على ذلك الفعل؛ فندرة المياه في مكة- مثلاً - تعوق استمرار حياة الناس فيهان وتعوق تطورهم، وكان وعي سكانها لذلك سببا في حفر الآبار، فقد حفر بنو عبد الدار(أمَّ أحراد) وحفر بنو هاشم (بَذّر). وفي (أم أحراد) قالت أميمة بنت عميلة العبد ربة ( ):
نحن حفرنا البحر أمَّ أحْرَادِ
لَيْسَتْ كبَذر البرورِ الْجمَادِ

فأجابتها ضَرتها صفية بنت عبد المطلب الهاشمية:
نحنُ حَفَرْنا بَدرْ
نَسْقِي الحجيجَ الأكبرْ

منْ مُقْبِلٍٍ وَمُدْبِرْ
وأم أحرادَ شَرّْ

وافتخر كعب بن الاشرف بامتلاك بئر غزيرة، قريبة المنال يستقي الناس منها، وذلك في قوله( ):
ولنا بئر رَوَاءُ جَمّةُ
مَنْ يَردْها بإناءٍ يغترفْ

تُدْلِجُ الجُوْنُ على أكنافِها
بدِلاءٍ ذاتٍ أمراسٍ صُدُفْ

ومن الشعر الدّال على جهد الإنسان المنظم الهادف إلى استثمار الطبيعة قول بشر بن أبي خازم يصف دموع المحبّ( ):
تَحَدُّرَ ماء البئر عنْ جُرَشِيَّة
عَلَى جربةٍ تَعْلو الدِّبار غُرُوبُها

بغَربٍ وَمَرْبُوعٍ وعَوْدٍ تُقِيمُهُ
مَحَالةُ خُطْافٍ تَصِرُّ ثُقُوبُها

إنّه يشبه تحدر الدموع بتحدر ماء البئر عن دلو تستقي به ناقة جُرشية، وقد فصل الشاعر في أمر تلك السقاية، فأظهر الجهد الإنساني المنظم من أجل سقاية المزروعات، فالمياه تصل إلى المزرعة (الجربة) بعد سلسلة أعمال تبدأ بحفر البئر، والسقاية (الدّبار) وامتلاك الدلو العظيمة (الغَرْب) والحبل المفتول على أربع قوى (المربوع) والبكرة (المحالة)، والحديد اللازم لها(الخُطّاف)، والقوة اللازمة لاستخراج الماء، وهي ناقة جُرَشية مُسِنة (عَوْد).
ومن تفاعل الإنسان مع المكان حراثة الأرض الزراعية، ومن الشعر الدال على ذلك قول عوف بن عطية التيمي( )
يشُقُ الحزابيَّ سُلاّفنُا
كما شَقَّقَ الهاجِريّ الدِّبارا

فأوائل الجيش تؤثر خيولهم في الأرض الصلبة أثر الهاجري بمسحاته في الأرض. ومن تفاعل الإنسان المنظم مع المكان في مجال الزراعة غرسُ النخل( )، وتأبيره (تلقيحه) ( )، وزراعة الحبوب( ).
ولكن جهد الإنسان الجاهلي لم يكن كافيا لاستنبات ما يحتاجه من الأرض، فتوسّل بالدعاء طلبا للسقيا كي تنمو زروعه، وتخصب مراعيه، وكان يخص بالدعاء أرض قومه، وموطن حبيبته،ومثوى الراحلين من أحبته. ولقد مدح أبوطالب سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله( ):
وأبيضَ يُسْتُسْقى الغَمَامُ بوجْهه
ثِمَالُ التيامي عِصْمةُ للأراملِ

وهذا يعني أن الجاهلي يستخدم خبراته ومعارفه الطبيعية وما فوق الطبيعية من أجل التفاعل مع المكان تفاعلاً يحرره من قيود القحط، ويمنحه القدرة على الاستقرار بالمكان استقرار يحفظ له البقاء، ويُيَسِّر له سبل التطور.
ومن التفاعل بين الإنسان موطنه اتخاذ الأبنية، فهي تمنح أصحابها مساكن مريحة، وحصوناً منيعة، فأهالي يثرب- في شعر حسان- شيدوا في النخيل حُصُوناً، ودجَّنُوا الأنعمام، واستعانوا بها للسقاية، فكان عيشهم لذلك رَخِياً هَنِيّاً( ).وافتخر أحيحة بن الجُلاح بأنه شاد حصناً منيعاً شامخاً، تَهّيأت له فيه إمكانية الخلاص من مجاورة اللئام والأنذال والدخلاء( ) ويظهر من شعر أحيحة بن الجلاح أنه كان مغرماً ببناء الحصون، ومستعداً لانفاق أمواله على بنائها، حرصاً على سلامته وسلامة أهله، فهو القائل( ):
بنيتُ بَعْدَ مُسْتَظلٍّ ضَاحِيا

بنيتُهُ بِعُصْبَةٍ مِنْ ماليا

أخشى رُكَيْباً أو رُجَيْلاً عاديا

ويُشبه ذلك قولُ السموءلِ يذكر أثرالإنسان في المكان( ):
بنى لي عَادِيا حِصناً- حصيناً
وَعَيْنا كُلما شِئْتُ اسْتَقَيْتُ

طِمِرّاً تَزْلَقُ العِقْبَانُ عَنْهُ
إذا ما ضامَنِي شَيءٌ أَبَيْتُ

ولقد ثبتت فائدة تلك الحصون في درء الخطر عن أصحابها حين يدهمهم عدوٌ خطر يعجزون عن مواجتهه؛ فالآطام هي التي درأت الخطر عن النساء في قول قيس بن الخطيم يخاطب الخزرج( ):
فَلَوْلاَ ذُرَى الآطامِ قَدْ تَعْلَمُونهُ
وَتَرْكُ الفضا، شُورِكتمُ في الكواعبِ

والجهد الإنساني المنظم لتطوير المكان زراعة وبناء لا يقتصر على ما اشتهر من الحواضر القروية في ارجاء الجزيرة العربية، بل يكاد يوجد في كلّ مكان عاش فيه الإنسان الجاهلي، فَثَمْة قبائل عرفتة بيداوتها، ولكن الشعراء اشاروا إلى وجود البناء في منازلهم، ومنها غطفان، وعن منازلها قال الحطيئة( ):
نُقاتِلُ عَنْ قُرَى غَطَفانَ لمّا
خَشِينا انْ تَذِلَّ وأنْ تُباحا

ومن المعروف أن قبائل كثيرة لم تستوطن الحواضر القروية، ولكنها كانت تُقسم بحسب وجودها المكاني إلى قسمين: المتباعدين عن المياه، وهم البادون؛ والمقيمين قرب المياه، وهم الخُضَّار والشعر الدال على هذه القسمة كثير، ومنه قول سَلَمَة بن الخُرْشُب الأنماري( ):
فإنَّ بَني ذُبيانَ حَيتُ عَهِدْتُمُ
بِجِزْع البَتيلِ بَينَ بادٍ وحاضِرِِ

وقول عمرو بن شأس الأسدي( ):
لنا حاضرُ لم يَحْضُرِ الناسُ مِثْلَهُ
وبادٍ إذا عَدُّوا علينا البَواديا

ومن حاضر بني أسد (مخروب) وهو مكان حافل بالمزارع المروية بدليل قول عبيد بن الابرص يتذكر أهله( ):
تَذَكّرْتُهُمُ ما إنْ تَجِِفُّ مدامعي
كأنْ جَدْوَلٌ يَسْقي مزارعَ مَخْرُوبِ

ولذلك يمكن الادعاء بأنّ الإنسان الجاهلي بذل جهوداً منظمة في مواطن كثيرة استهدفت الاستقرار الدائم بها باستثمارها في مجالي الزراعة والبناء. والجهد الإنساني الجاهلي المبذول لتطوير أماكن استقرار الجاهليين لا يقتصر على الزراعة والبناء، بل يتعداهما إلى الصناعة اللازمة لتلبية متَطلّبات الجاهلي من ثياب وطعام وشراب وسلاح، ولما كان للمهن والحرف حَيّز خاص في هذه الدارسة فسوف أعرض عن ذكر الشواهد الشعرية الدالة على تنوع المهن والحرف التي طور بها الجاهلي مكان استقراره، وأكتفى ها هنا بما يدل على وجود الزراعة والنباء والصناعة معاً في المكان الذي يَستقّر فيه الجاهلي، ومن تلك الأمكنة مدينة (الهَجَر)، وهي قاعدة البحرين، وقيل : ناحية البحرين كلها هَجَرُ( )،وفي الشعرِ الجاهلي ما يدل على وجود الزراعة فيها، ومن ذلك قول عوف بن عطية( ):
يَشُقُّ الحَزابيَّ سُلاّفنا
كما شَقّق الهاجِريُّ الدِّبَارا

وعلىوجود البناء، ومن ذلك قول لبيد( ):
كَعَقْرِ الهاجِرِيَّ إذا ابتناهُ
بأشباهٍ حُذينَ عَلَى مِثَال

وعلىَ وجود الصناعة، ومن ذلك لبيد قول ايضاً يصف طريقاً( ):
مُنيفاًً كَسَحْلِِ الهاجرِيِّ تَضُمُّهُ
إكامُ، وَيَعْرَوْرِي النجادَ الغَوائِلا

وهكذا نجد الإنسان الجاهلي المستقر في الحواضر ممتلكاً إرادة واعية، استثمرها في تطوير موطنه زراعة وبناءً وتصنيعاً، فحفر الآبار، وشقّ الأقنية، واستنبت المزروعات وغرس الأشحار، وبنى الحصون والبيوت، وأنشأ صناعات تلبي حاجاته، وبذلك تَمَلّك الأرض، وقوىّ ارتباطه بها، وازدادت حريته، وقدرته على التدخل في صنع الظروف الطبيعية لتطوره واستقراره.
إن تفاعل الإنسان الجاهلي مع موطنه فيه تاثر وتأثير متبادلان، ولقد تبين لنا آنفاً أثر الجاهلي في مكان إقامته، ولنا عودة إلى أثر المكان في سكانه. والتأثر والتأثير، وهما نتاج علاقة جدلية، جعلا ارتباط الجاهلي المستقر بأرضه ارتباطا عضوياً، وَلّدَ شعوراً بعمق الانتماء إلى المكان (الوطن)، فالجاهلي ينتسب إلى مكان استقراره، ويتدخل في طبيعته تدخلاً يمنحه القدرة على التحرر من بعض قيود المكان التي تعوق استقراره وتطوره، وتلك العلاقة العضوية دفعت الجاهلي إلى الاعتداد بموطنه، وإلى الدفاع عنه( ).
***
5- الاعتداد بالمكان والدفاع عنه
كان الجاهلي يفتخر بصلاح موطنه لتوفير سبل الحياة الرغيدة، ومن ذلك قول الخنساء تذكر خصبَ الأثْمِ، وهو قُرَيَّات ثلاث أو أربع، وصلاحَهُ للسكن( ):
إذْ نحنُ بالأَتْمِ تَرْعَاهُ ويُعْجبُنا
جَوْنٌ خَصِيبُ به تَسْتأنِسُ السُّرَبُ

وذكرت الخنساء في موضع آخر أن حمى قومها خصيب، وبه تسمن الإبل، وتنجو من أمراض القحط والهزال( )، وافتخر عامر بن جوين الطائي بأجَأ، أحد جبلي طيئ، فقال ( ):
حَوْلَهُ تَرْعَى حَمُولَتُنا
تأكلُ العِضاةَ والكَنَبا

ولقلة المياه في أكثر مواطن الجاهليين فقد افتخروا بامتلاك منابع المياه، وقد مرّت صور من افتخارهم بحفرالآبار، ومن ذلك أيضاً قول بعض بني سهم حين حفروا (الغمر) بمكة ( ):
نحنُ حَفَرْنا الغَمْرَ للحجيج
تَثُجُّ ماءً أيما ثجيج

وامتدح زهير بن أبي سلمى بني مرّة بأن بلادهم ((مشاربُها عَذْبُ))( ).
ومن الاعتداد بالمكان الافتخار بالأراضي الزراعية، وبالجهد المبذول لإخصابها وزيادة إنتاجها( ). وافتخر كعب بن الأشرف بأن في موطنه نخيلاً ((تُخرجُ التمرَ كأمثالِ الأكُف))( )
وافتخر قيس بن الخطيم بحصون قومه المحاطة بالنخيل المثمر، فقال( ):
لنا معَ آجامِنَا وَحَوْزَتنا
بينَ ذُراها مَخَارِفُ دُلُفُ

وافتخر كنانة بن عبد يالِيل الثقفي بمنازل قومه بالطائف، وادعى أن الله آثرهم بها، وأكرمهم على الناس( ).أكثر الجاهليون من الاعتداد بالمكان الحصين كقول الطفيل الغنوي ( ):
لَنَا مَعْقِلُ بَذّ المعاقل َكُلّها
يُرى خاملاً مِنْ دونِهِ كُلُّ مَعْقِلِِ

وربطوا أمجادهم بموطن إقامتهم، كقول الأفوه الأوديّ( ):
لنا بالدُّحْرَ ضْينِ مَحَلُّ مَجْدٍ
وأحسابٌ مُؤثلةٌ طِماح

وبين النابغة أهمية المكان الحصين في الحفاظ على النفوس والكرامة والأعراض في قوله( ):
وَحَلّتْ بُيُوتي في يَفَاعٍٍ مُمَنْعٍ
تَخَالُ به رَاعِي الحمُولة طائرا

تزلُّ الوُعُول العُصْمُ عَنْ قُذُفاتهِ
وتُضحي ذُرَاهُ بالسَّحابِ كَوَافِرا

حِذَاراً على أَنْ لا تُنَالَ مَقَادتي
وَلا نِسْوتَي حَتى يَمُتْنَ حَرائِرا

وكان الآباء يوصون أبناءهم بالحفاظ على موطنهم الحصين، وبالدفاع عنه وقد أشار إلى ذلك السمؤل، إذ وصف بناء جدّه لحصن منيع موفور المياه، ثم قال( ):
وأَوْصَى عادِيَا جَدّي بأنْ لاَ
تُضَيِّعَ يا سَمَوْءَلُ ما بَنَيْتُ

ومن المحتمل أن تكون " أوّل مشكلة واجتهتها المجتمعات القبلية المستقرة المحافظة على هذا الاستقرار، أي حماية الأرض" ( )من الطامعين في استيطانها أو استغلالها، ونهب مافيها من أموال أو الحدّ من حرية أصحابها. حرص الجاهلي على الدفاع عن مكان استيطانه مظهراً بذلك عمق انتمائه إليه؛ فكَثُرَ شعر الافتخار بالدفاع عن الأماكن التي تتعرض للغزو من ذلك افتخار الأفوه الأودي بقومه الذين تَصَدّوا للأجدع الحِميريّ، وحافظوا على استقلال مدينتهم (رِئام)، في قوله( )
إنّا بنو أَوْدَ الذي بلوائِهِ
مُنِعَتْ رِئامُ، وقدغزاها الأَجْدَعُ

وافتخر سلامة بن جندل بانتساب قومه" إلى تميم حماةِ الثَّغْر" ( )، وافتخر لبيد بأنّ قومه "جراثيمٌ منعنَ بياض نجد" ( ) و بقوله:" ونحن أزلنا طَيّئاً عَن بلادنا" ( )، ومثل ذلك قول المثقب العبديّ:
"ونحمي عن الثغر المخوف" ( )، وقول كعب بن مالك يصف المشركين يوم أحد ( ):
ولما ابْتَنَوابالعِرضِ قال سَراتُنا
علامَ إذا لم نَمْنَعِ العِرضَ نَزْرَعُ؟

إن كعبا يصرح بأن الجهد الإنساني المبذول في إعمار المكان يوجب الدفاع عنه؛ فزراعة العِرض توجب الدفاع عنه. ولقد امتدح النابغة الذبياني بني عذرة لأنهم منعوا نخل قراهم من أعدائهم فقد ردُّوا عنها بَلِيّاً، وقضاعة، ومضر، يقول النابغة ( ):
هُمُ مَنَعُوا نَخْلَ القُرَى مِنْ عَدُوِّهِمْ
بجمعٍ شديدٍ كيُدهُ للمكاثرِ

هُمْ طرَّفُوا عَنْها بَلِيّاً فَأَصبْحَتْ
بَليٌّ بِوَادٍ من تِهامَةَ غائِرِِ

وَهُمْ مَنَعُوها من قُضَاعَةَ كُلِّها
وَمِنْ مُضَرَالحَمْرِاءِ ذَاتِ التَّغاوُر

ومثلما اهتّمَّ بنو أَوْد بالدفاع عن مدينتهم، وأصحاب المزارع بالدفاع عنها فإن أصحاب الأنعام اهتموا بالدفاع عن مراعيهم الخاصة بهم؛ فكان لكلِّ تجمّع سكانيّ قَبَلي حمىً، هو مجاله الحيويّ اللازم لتأمين المراعي، والحياة الكريمة، وكان أصحاب الحمى يفخرون بالدفاع عنه كقول معقل بن وهب الضّبَيّ:"إنَّا مَنَعْنا حِمانا أن يُحَلَّ به"( )، وقول الحادرة( ):
ونحن مَنَعْنا من تميمٍٍ، وقد طَغَتْ
مَراعي الَملاَ حَتَّى تَضَمَّنَها نَجْدَ

وافتخر شريح بن الحارث اليربوعي فقال بلسان قومه: " حِمَانا حمى الأُسْدِ" ( )، ومدح الحطيئة أوس بن حارثة الطائي ؛ فأثنى على بني سعد الطائيين الذين صَيّروا برماحهم مواضعَ الوحش التي لاتَرْعَى، ولا يُطمع فيها حمى لقومهم فقال ( )
أحمت رماحُ بني سعدٍ لقومهمُ
مراعيَ الحُمْرِ والظّلمانِ والعينِ

ومن المفيد الإشارة هاهنا إلى أن حرمة المراعي على غير أهلها لم تكن مطلقة؛ فثمة نُظُم وأعراف تسمح لأصحاب الحاجات أن ينزلوا في مراعي غيرهم كالجوار والحلف، وقد عبّر عن ذلك خداش بن زهير إذ قال مفتخراً بقومه( ):
إذا ماأصابَ الغَيْثُ لم يَرْعَ غَيْثَهُمْ
مِنَ النَّاسِ إلاّ مُحْرِمٌ أو مُكافِلُ

ويستطيع الراغب في الاسستقصاء أن يقف على شعر كثير في الدفاع عن الأمكنة المستوطنة، وفيه يبرز حرص الجاهلي عليها، واستعداده للتضحية دفاعاً عنها، وتعظيمه لمنزلة من يدافع عن الحمى، ويصونها من الأعداء( ).
وفي مقابل تعظيم الدفاع عن الأوطان نلحظ ذمَّ المتخاذلين عن حماية مواطنهم، ومن الشعر الدالّ على ذلك لبيد يُبَكّتُ بعض بني عامر ( ):
أَجِدَّكُمُ لم تَمْنَعُوا الدَّهْرَ تَلْعَةً
كما مَنَعَتْ عُرْضَ الحِجَازِِ مُبَشِّرُ

وقوله يهجو رجلاً:" فدونَكَ أَدْرِكْ ما ازدَهَوْا من فِنائكا" ( ). ويشبه ذلك افتخار الأقوياء بترحيل الضعفاء إلى غير مواطنهم الأصلية( ). ومن الملاحظ أن شعر الافتخار والامتداح بحماية الأوطان أكثر شيوعاً من شعر الهجاء بالعجز عن حمايتها، وهذا يعني أن الشائع في الجاهلية هو الدفاع عن الأوطان، وأن الصراعات كانت كثيرة وقاسية من أجل تملك الأمكنة، ولاسيما الأمكنة الخصيبة، والمناسبة لحياة الإنسان والحيوان، فالأماكن الخصيبة أكثر عرضةً لأطماع الغزاة، ومن الشعر الموحي بذلك قول بشر ابن أبي خازم يخاطب قوماً( ):
فإنّ الجِزْعَ جِزْعَ عُرَيِتْناتٍ
وَبُرْقَةَ عَيْهَلٍٍ منكُمْ حَرامُ

سَنَمْنَعُها وإنْ كانَتْ بلاداً
بها تَرْبُو الخواصِرُ والسَّنَامُ

ومثل ذلك قصيدة لأوس بن حجر ذكر فيها أن الله أنزل غيثاً في غير أوانه، فأمرعت الأرض، وأحاطت القبائل بقومه من كلّ جانب تريد استئصالهم لترتعي مراعيهم، ولكن قومه صمدوا للطامعين، ومن تلك القصيدة قوله ( ):
تَكَنَّفَنا الأعداءُ مِنْ كلِّ جانِبٍ
لِيَنْتَزِعُوا عَرْقَاتِنَا ثُمَّ يَرْتَعُوا

فما جَبُنُوا أنّا نسُدُّ عَلَيْهِمُ
ولكِنْ لَقُوا ناراً تَحَسُّ وتَسْفَعُ

والدفاع عن المكان ليس مقاومة للراغبين في احتلاله أو الانتجاع فيه دفعاً لراغبين في نهب الأموال، واسترقاق السكان، واستباحة الأعراض. ومن الألفاظ الجامعة بل قد يكون لما يجب حماييته من مال وأهل وحَشَم وحَوْزة- لفظة الذّمار، وقد افتخر الجاهليون بحماية الذمار،بمثل قول عمرو ببن كلثوم :" ونوجدُ نَحنُ أمنعَهُم ذِمَاراً" ( )،وعظَّموا كلّ " من يحمي الذمار ويمنع" ( )، فالدفاع عن الموطن هو دفاع عن الأرواح والأموال والكرامة والاستقلال.
إن الاعتداد بالمكان والدفاع عنه يؤكدان أن انتماء الإنسان الجاهلي إلى مكان استقراره هو انتماء واعٍ وعميق؛ فهو ليس انتماء إلى مجال طبيعي فحسب، ولكنه انتماء إلى مجال جغرافيّ ( )؛ فالمكان والناس الذين يتفاعلون فوقه وحدةٌ متكاملة، ينتمي إليها الإنسان، ومن الشعر المعبّر عن ذلك قول ابن أمّ مكتوم القرشي ( ):
ياحَبّذا مَكّةُ من وادي
أرضٌ بها أهلي وعُوّادي

أرضٌ بها تَرْسَخُ أوتادي
أرضٌ بها أَمْشي بلا هادي

إنّ الاستقرار حالة متقدمة في تاريخ القبائل العربية، إذ به تنتقل القبائل من مرحلة التشرذم والشتات إلى مرحلة التوحد والاستقرار بفعل مؤثرات موضوعية، ينتجها تفاعل الناس فوق الأرض التي يستقرّون عليها؛ فذلك التفاعل يصنع تاريخاً مشتركاً، فيه مشكلات مشتركة تحتاج إلى حلول، لاتتوافر إلاّ في ظلال توحيد الجهود والأهداف.
ولكن القبائل العربية لم تستقر دفعة واحدة ففي الجاهلية قبائل عرفت الاستقرار ولم تَتَطَلْعُ إلى التوسع المكاني كقريش وثقيف والأوس والخزرج، وقبائل عرفت الاستقرار الجزئي، إذ كانت تنتقل من منزل إلى آخر ضمن مجال طبيعيي تملكه، ولكنها تتطَلّع في بعض الأحيان إلى توسيع ذلك المجال بسيوفها ورماحها، فهي تمنع حماها، وتستبيح حِمَى الآخرين، وعن ذلك يقول أوس بن حجر مفتخراً ( ):
نُبيح حِمَى ذِي العِزّ حينَ نُريدُهُ
وَنَحْمِي حِمَانا بالوَشِيجِ المُقَوَّمِِ

ويقول شريح بن الحارث اليربوعي التميمي( ):
حِمَانا حِمَى الأَسْدِ التي لشُبُولِها
تَجُرُّ مِنَ الأَقْرانِ لَحْماً عَلَى لَحْمِ

وَنَرْعَى حِمَى الأَقْوامِ غيرَ مُحَرَّمٍ
عَلَينا ولايُرْعَى حِمَانا الذي نَحْمِي

وهذا يعني أن الاستقرار كان يجابه بعوائق أبرزها الارتحال بحثاً عن المكان الأفضل، فكيف كان ذلك؟ وما أثره في مشاعر الانتماء لدى الإنسان الجاهلي؟
***
2- الارتحال عن المكان( )
1- أنواع الارتحال
إنّ الارتحال عن المكان هو الوجه المقابل للاستقرار والإقامة، ولقد أُشير آنفاً إلى وجود تجمّعات سكانِيّة عرفت الإقامة الدائمة، ومنها سكان مكة ويثرب والطائف، وإلى وجود قبائل شبه مستقرّة، عَرفت الانتقال من مكان إلى آخر، كلٌّ ضمن منطقة مُحَدَّدة بمعالم متعارف عليها، ومن هؤلاء بنو أسد الذين افتخر شاعرهم بشر بن أبي خازم بهم في قوله ( ):
هُمُ فَضَلُوا بِخَلاَّتٍ مَعَدّاً
كوامِلَ حيث ما حَلُّوا وساروا

فهم يحلون ويرتلحون ومثلهم بنو ضبيعة، فهم بين مُقيمٍ وظاعنٍ في قول المتلمس الضبعي( ):
تَفَرَّقَ أَهْلي مِنْ مُقيمٍ وَظَاعنٍٍ
فَلِلّهِ دَرِّي أيَّ أَهْلِيَ أَتْبَعُ

وإذا كان بيت بشر يوحي بأنَّ بني أسد يقيمون ويرتحلون جميعاً، فإن بيت المتلمس ينص على أن قومه ليسوا كذلك؛ فبعضهم يرحل، وبعضهم يقيم، ويؤكد هذا المعنى قول عروة بن الورد مستنكراً إقدام بعض قومه على الرحيل عن ديار أهلهم ( ):
أَكُلُّكٌ مختارُ دارٍ يَحلُّها
وتاركُ هَدْمٍٍ ليس عَنْها مُذَنَّبُ؟

وقول عنترة يذكر ابنة عمّه عبلة( ):
وتَحُلُّ عَبْلَةُ بالجِواءِ وأَهْلُنا
بالحَزْنِ فالصَّمانِ فالمُتَثَلَّمِ

ويضاف إلى ذلك الارتحال الفردي، والأخبار والأشعار الدّالة على ذلك كثيرة، ومنها قول طرفة بن العبد( ):
تُعَيِّرُني طَوْفَ البلادِ ورحلتي
أَلا رُبَّ دارٍ ليْ سِوى حُرِّ داركِ

وقول عمرو بن كلثوم( ):
وَكَأْسٍ قد شَرِبْتُ بِبَعْلَبَكٍّ
وَأُخْرَى في دِمَشْقَ وقَاصِريْنا

وبناء على ماسبق يكون الارتحال جماعياً كبيراً أو صغيراً، ويكون فردِيّاً أيضاً.
فما الأسباب الداعية إلى كلٍّ منهما؟
2- دواعي الارتحال الفردي
إنّ لارتحال الأفراد من مكان إلى آخر- أسباباً كثيرة يمكن إجمالها فيما يلي:
أ- الفقر:
وهو سبب رئيس لارتحال الأفراد من مكان إلى آخر طلباً للمال الذي تُسترخص الأرواح في سبيل الحصول عليه في اعتقاد عروة بن الورد حيث يقول ( ):
فَسِرْ في بلادِ اللّهِ والتمسِ الغِنَى
تَعِشْ ذا يَسَارٍ أو تموتَ فَتُعْذَرا

والتماس الغنى بعيداً عن الوطن يكون بغزو الأغنياء وانتهاب أموالهم، وقد اشتهر بذلك عروة بن الورد، وغيره من الصعاليك( )، ويكون باستجداء أصحاب الأموال من ملوك العرب وساداتهم، وقد اشتهر بذلك شعراء المديح، ومنهم أوس بن حجر الذي يقول ( )
ولما رَأَيْتُ العُدْمَ قَيَّدَ نائلي
وَأَمْلَقَ ماعندي خُطوبٌ تَنَبَّلُ

فَقَرَّبْتُ حُرْجرجاً وَمَجَّدْتُ مَعْشَراً
تَخَيَّرْتُهُمْ فيما أَطوفُ وَأَسْأَلُ

بني مالكٍ أعني بسّعْدِ بنِ مالكٍ
أَعُمُّ بِخَيْرٍ صالحٍ وَأُخَلَّلُ

والنابغة الذي يقول معتذراً إلى النعمان ملك الحيرة لارتحاله إلى الغساسنة( ):
ولكِنَّنني كُنْتُ امرءاً لي جَانِبٌ
مِنَ الأَرْضِ فيه مُسْتَرَادٌ ومذهَبُ

مُلُوكٌ وأَقْوامُ إذا ما لَقِيتُهُمْ
أُحَكَّمُ في أَمَوَاِلهِمْ وَأُقُرَّبُ

والأعشى الذي عرف بكثرة تطوافه مُستجدياً بشعره، وقد عبّر عن كثرة ارتحاله بقوله( ):
فَأيَّةَ أرضٍ لا أَتَيْتُ سَرَاتَها
وأَيَّةَ أَرْضٍ لم أَجُبْها بِمِرْحَلِ

وصرح بارتحاله من أجل المال في قوله : " وَقَدْ طُفْتُ للمال" ( ).
ب- استثمار الأموال:
عرف الجاهليون استثمار الأموال بعيداً عن منازلهم في مجالي التجارة والزراعة، وقد اشتهر بذلك القرشيون ؛ فمنهم رجال اشتروا أراضي زراعية في الطائف، فكانوا يأتونها من مكة فيصلحونها ( ). ومنهم تجار جابوا الآفاق، أشهرهم بنو عبد مناف الذين أخذوا الإيلاف لقريش من ملوك الشام والعراق واليمن والحبشة، ومن أمراء القبائل العربية التي تَمُرّ قوافل قريش في أراضيها( ) وقد امتدحهم بذلك مطرود بن كعب الخزاعي بأشعار، منها قوله ( ):
الآخذونَ العهدَ من آفاقِها
والراحلونَ برحلةِ الإيلافِ

ج- الافتقارر إلى مباهج الحياة:
ارتحل بعض الأفراد من مواطنهم إلى حيث يجدون لذّة القصف واللهو، وقد مَرّ بنا قول عمرو بن كلثوم ( ):
وَكَأْسٍ قد شَرِبْتُ بِبَعْلَبَكَّ
وأُخْرَى في دمشقَ وقاصِرِيْنا

ولا يستبعد أن يكون ارتياد عمرو لتلك الأماكن له هدف آخر غير الاستمتاع بالشراب، فربَّما كان تاجراً، أو رائداً لقومه؛ وقد يجتمع أكثر من سبب للارتحال ؛ فالأعشى يرحل لاستجداء الأموال بمدائحه، ورغبة في الاستمتاع بمباهج الحياة، ويدلّ على ذلك قوله حين آب من تطوافه إلى موطنه في اليمامة بين مهراس ومارد( ):
أَجِدَّكَ وَدَّعْتَ الصِّبا والولائِدَا
وأصبحتَ بعدَ الجَوْرِ فيهنَّ قاصِدا

وما خِلْتُ أن ابتاعَ جَهْلاً بِحِكْمَةٍ
وما خِلْتُ مِهراساً بلادي ومارِدَا

لقد كان في اثناء تجواله ماجناً تستهويه الجواري والقيان، وتجذبه مجالس الشراب والغناء.
ومن الارتحال بحثاً عن مباهج الحياة اللحاق ب******ة، ومن أخبار الجاهيلين المشهورة تَرَحُّلُ مُرَقّش الأكبر من أرض العراق إلى اليمن ليرى ابنة عمه أسماء، وفي ذلك يقول طرفة بن العبد ( ):
تَرَحَّلَ مِنْ أَرْضِ العِراقِ مُرَقِّشٌ
عَلَى طَرَبٍ تَهْوي سِراعاً رَواحِلُهْ

إلى السَّرْو، أرضٌ ساقَةُ نَحْوَهَا الهوى
ولم يَدْرِ أن الموتَ بالسَّرْوِ غَائِلُهْ

ويشبه ذلك الارتحال لملاقاة الأصحاب كقول زهير ( ):
تأَوَّ بني ذِكْرُ الأَحِبَّةَ بَعْدَ ما
هَجَعْتُ وَدُوني قُلَّةُ الحَزْنِ فالرَّمْلُ

فَأَقْسَمْتُ جَهْداً بالمنازِلِ من مِنىً
وما سُحِقَتْ فيه المَقَادِمُ والقَمْلُ

لأَرْتَحِلَنْ بالفَجْرِ ثُمَّ لأَدْأَبَنْ
إلى الليلِ إلآّ أن يُعَرِّجَنِي طِفْلُ

إلى مَعْشَرٍ لم يُورِثِ اللُّؤمَ جَدُّهُمْ
أصاغِرَهُمْ، وكلُّ فَحْلٍٍ لَهُ نَجْلُ

وقريب من ذلك تسلية الهموم بالارتحال، وقد كثر ذلك في الشعر الجاهلي، ومنه قول لبيد( ):
وكنتُ إذا الهمومُ تَحَضَّرَتْني
وصْنّتْ خُلَّةٌ بَعْدَ الوصَال

صَرَمْتُ حِبَالَها، وَصَدَدْتُ عَنْها
بناجِيَةٍ تَجِلُّ عَنِ الكَلاَلِِ

إنّه يستعين على الهموم بالارتحال على ناقة قويّة، سريعة، لا يعتريها الوهن( ).
د- الإبعاد:
كان الإبعاد عن القبيلة وسيلة مُتَّبَعة لترويض الخارجين على القيم القبلية المتعارف عليها، أو لتجنيب القبيلة تَبِعَة الجرائر التي يرتبكها شرّارها. وقد مَرّ بنا قول الحُصين بن الحُمام المريّ يخاطب رجلاً من قومه( ):
فإنْ كُنْتَ عنْ أخلاقِ قَوْمِكَ رَاغباً
فَعُذْ بِضُبَيْعٍ أو بِعَوْفِ بنِ أَصْرَما

إنها دعوة صريحة إلى الالتزام بأخلاق الجماعة أو الارتحال عنها إلى غيرها؛ فقد أفردت طرفةَ عشيرتُهُ لأنه استهتر بقيمها، إفراد البعير المعبد، وأجبرته على الارتحال عنها ( )، وكذلك أكره بنو ضُبَيعة ابنهم الشاعر عمرو بن قميئة على الابتعاد عنهم، ومن شعره الدّال على ذلك قوله ( ):
عَلَى أنَّ قومي أَشْقَذوني فَأصْبَحَتْ
دِيَارِي بأرضٍٍ غَيْرِ دَانٍ نُبُوحُها

وقد يقترن الإبعاد بإعلان براءة جماعة المُبْعَدِ من تبعة أعماله، ويَسُمَّى الإبعاد آنذاك خلعاً( ).
ومن أشهر الخلعاء في الجاهلية البرّاض بن قيس الكناني الذي خلعه قومه، فارتحل عنهم إلى أماكن كثيرة، منها مكّة والحيرة( )؛ وكذلك الحارث بن ظالم المرّي الذي خلعه قومه خوفاً من النعمان بن المنذر، فعاش طريداً، ينتقل من مكان إلى آخر، حَتَّى قُتِل في الشام عند الغساسنة( ).
وثمة أسباب أخرى لارتحال الأفراد عن مواطنهم، منها الوفادة على السادة والملوك لأغراض سياسية( )، ومنها زيارة الأماكن المقدسة، ولاسيما مكة. ومنها الهرب خوفاً من طلاب الثارات( )، أو بطش الملوك( )، وغير ذلك ( ).
تلك هي أبرز أسباب الارتحال الفردي. ولعلّ من المفيد أن يُشار هاهنا إلى أن الارتحال الفردي لايعني انتقال الإنسان من مكان إلى آخر وحيداً بل قد يكون الفرد برفقة أناس، تربطه بهم صلة ما من صلات القرابة الإنسانية.
3- معاناة الأفراد المرتحلين
والارتحال الفردي عن الموطن مؤقّت في أغلب الأحيان، فطالب المال بالغزو مثل عروة بن الورد يعود إلى موطن قبيلته إذا كُتِبتْ له السلامة، وكذلك الشاعر المستجدي، والتاجر المستثمر لأمواله والمغامر الباحث عن مباهج الحياة، والراغب بلقاء أحبته وأصدقائه، كذلك المبعد عن قبيلته قد يظفر بعفوها، فيعود إلى منازلها. وأما الذين يقطعون صلتهم بمكان إقامتهم فإنهم يستبدلون به مكاناً آخر، ويرتبطون بأهله بإحدى الروابط الاجتماعية المعروفة في العصر الجاهلي كإلالصاق النسبي أو الجوار أو غير ذلك.
ويظهر في ارتحال الأفراد الارتباط بالموطن وبالجماعة التي تقطنه في مواجهة الرغبة في الانعتاق من أسرهما. ولقد أَجملَ عروة بن الورد مقولة الارتحال عن الوطن رغبة في الاستقرار فيه بقوله ( ):
تقولُ سُلَيْمَى لو أَقْمَتَ لَسَرَّنا
وَلَمْ تَدْرِِ أنّي للمُقامِِ أُطَوِّفُ

إنّه يسافر، ويغترب كي يستقرّ ويقيم، إنّه يقاوم عجز موارد المكان عن تأمين حاجاته اللازمة لاستقراره بالاغتراب بحثاً عن الرزق، ي***ه إلى موطنه، كي يستطيع المقام والاستقرار فيه. ولم يكن ارتحال عروة وأمثاله يسيراً بل مخاطرة لايُقدم عليها إلاّ قوي الساعد، ثابت الجنان، ولذلك كانت كانت النساء تتعلق بأهداب رجالهن رغبة في ثنيهم عن الارتحال؛ فقد غالب عروة دموع زوجه وارتحل ( )، وغالب الأعشى رغبة ابنته في الإقامة وارتحل( )، وغادر قيس بن الحُداديّة أمَّه الأَسِفَ على فراقه، وقال مصوراً لحظة الوداع( ):
قالتْ وعيناها تفيضان عَبْرَةً
بِنَفْسِيَ بَيّنْ لي مَتَى أَنْتَ رَاجِعُ

فقلتُ لها، واللهِ يدري مسافِرٌ
إذا أَضمرَتْهُ الأرضُ ما الّلهُ صانِع

وخوف أولئك النسوة على ذويهن المرتحلين تبعثه معرفتهن بخطر الابتعاد عن موطن الجماعة.
والخطر لايأتي من الناس الذين يلتقيهم أو يواجههم المرتحل فحسب بل من الطبيعة القاسية الشحيحة، التي يسافر الجاهلي عبر مجاهلها أيضاً، ولطالما صور الشعراء اقتدارهم على اجتياز تلك المجاهل، ومن ذلك حديث مالك بن عويمر الهذليّ عن ارتياده ماءً لا أَنس عليه، في أرجائه أصوات القطا والبعوض، وعلى جوانبه آثار السباع والحيّات، وَرَدَهُ مالك وقد زاحمه على الورود ذئبٌ حرّان ذو سطوة يقول مالك( ):
وَمَاءٍٍ قَدْ وَرَدْتُ أُمَيْمَ طَامٍ
عَلَى أَرْجَائِهِ زَجَلُ الغَطَاطِ

قَليلٍ وِرْدُهُ إلاّ سِبَاعاً
يَخِطْنَ المَشْيَ كالنْبلِ المِرَاطِ

فَبِتُّ أُنَهْنِهُ السِّرحَانَ عَنّي
كِلاَنَا واردٌ حَرّانَ سَاطِي

كأنَّ وَغَى الخَمُوشِ بِجَانِبيْهِ
وَغَى رَكْبٍ أُمَيْمَ ذوي هِيَاطِ

كأنّ مزاحفَ الحياتِ فيهِ
قبيلَ الصبحِ آثارُ السّياطِ

شَرِبْتُ بِجَمِّهِ وَصَدَرْتُ عَنْهُ
وَأَبْيَضُ صَارِمٌ ذَكَرٌ إبَاطِي

تلك صورة من معاناة الجاهلي حين يرتحل وحيداً أو برفقة رهط مغامرين مثله، والأشعار الدالة على ذلك كثيرة لمن يرغب بالاستقصاء( ).
إن المعاناة في ارتحال الأفراد مفخرة لأنها تظهر جلد المرتحل، وتُسهم في ازدياد جرأته، وقوّته، فيغدو فارساً قادراً على حماية جماعته، وعلى الدفاع عن مكان استقرارهم. ولقد أدرك دريد بن الصمة أهمية الارتحال في بناء شخصية أخيه إذ جعل ارتحال أخيه صنو تفاعله الشديد مع الناس. وذلك في قول دريد يرثي أخاه( ):
وتُخرِجُ مِنْهُ صَرَّةُ القومِ جُرْأَةً
وَطُولُ السُّرى ذَرِّيَّ عَضْبٍ مُهَنَّدِ

فالشدائد تجعله جرئياً، والترحال المستمر ّ يجعله كالسيف في رشاقته9.
وقد عانّى بعض المرتحلين الذين اضطرّتهم ظروفهم إلى الإقامة في غير موطنهم، والتعامل مع غير جماعتهم السّكانيّة، ذلَّ الاغتراب بعيداً عن رعاية الأهل وحمايتهم، ومن أولئك طرفة بن العبد الذي عَبّر عن آلامه الشديدة في الغربة لأنّه افتقد رعاية الأهل وحدبهم، في قوله( ):
وليسَ امرُؤٌ أَفْنَى الشبابَ مُجاوِراً
سِوى حَيِّهِ إلاّ كآخَرَ هَاِلكِ

أَلاَ رُبَّ يَوْمٍ لو سَقِمْتُ لَعَادَني
نِساءٌ كِرامٌ مِنْ حُيَيٍّ ومَالكِ

إن الاغترابْ موت إذ يفتقر الإنسان إلى الارتواء بماء موطنه، وحبّ أهله، ورعايتهم.
وإذا كان طرفة قد آلمه الافتقار إلى الرعاية فإن شعراء آخرين افتقروا إلى الحماية، فكابدوا الظلم والقهر، ومنهم الأعشى الذي الذي ارتحل كثيراً، وتعدَّدت أماكن إقامته، فرأى الإنسان( ):
مَتَى يَغترِبْ عنْ قومِهِ لايَجِدْ لَهُ
عَلَى مَنْ لَهُ رَهْطٌ حَوالَيْهِ مُغْضَبَا

وَيُحْطَمْ بِظُلْمٍ لايزالُ يَرى لَهُ
مَصَارعَ مَظْلُومٍٍ مَجَرّاً وَمَسْحَبَا

وَتُدْفَنُ مِنْهُ الصَّالحاتُ وإنْ يُسيءْ
يَكُنْ ما أساءَ النارَ في رأسِ كَبْكَبا

وليس مُجِيراً إن أَتَى الحيَّ خائِفٌ
ولا قائلاً إلاّ هو المُتَعيَّبا

إن الغريب لايجد من ينصره، يظلم كلّ يوم ظلما جديداً، إن أحسن سُتر صالح فعله، وإن أساء أُذيع سوء عمله، حقوقه منتقصة؛ فلا هو قادر على إجارة خائف، ولا هو قادر على إذاعة قول: لنافع. وقد تُستَحيلُّ حرمات الغريب فيعتدي على عرضه كاعتداء نُبيه بن الحجاج السهمي على ابنة رجل خثعمي قدم مكّة تاجراً ( )، وقد يُحجدُ ثمن تجارته، كظلم أبيّ بن خلف الجمحي في مكّة للتاجر لميس بن سعد البارقي الذي قال ( ):
أيَظْلِمُني مالي أُبَيٌّ سَفَاهَةً
وَبَغْياً ولا قومي لَدَيَّ ولا صَحْبِي

ونَادَيْتُ قومي بَارقاً لتجيبني
وَكَمْ دونَ قَوْمِي مِنْ فَيافٍ ومِنْ سَهْبِ

والغريب يَغترّ بالناس، فقد يحسب العدو صديقاً( )، ولذا يجب أن يكون حذراً من الأجانب ( ).
تلك صور من متاعب الاغتراب ( )، عرفها الجاهلي، فكان ينفر منها، ويرجو لمن يُبغضه أن يكابدها؛ فقد دعا عروة بن الورد على مطلقته بأن تصير غريبة ( )، وتَمنّى قيس بن زهير العبسيّ أن يغترب عروة( )، ولذلك كان المغترب يشتاق أهله وموطنه، ويشعر بالأسى العميق إذا دنت منيته، وايقن أنه سيدفن بعيداً عنهما، ومن أعمق الشعر المعبّر عن ذلك قول بشر بن أبي خازم يرثي نفسه، وهو بعيد عن قومه ( ):
فَمَنْ يكُ سائلاً عن بَيْتِ بِشْرٍٍ
فإنَّ له بِجَنْبِ الرَّدْهِ بابَا

ثَوَى في مُلْحَدٍ لا بُدَّ مِنْهُ
كَفَى بالموتِ نَأْياً واغترابَا

إنّ متاعب الاغتراب وطول الإقامة بعيداً عن الوطن والأهل مما يبعث في نفس المغترب القلق، ومشاعر الشوق والحنين، فالأعشى ينشد من تريم في اليمن( ):
طَالَ الثَّواءُ لَدَى تَريـ
ـمَ وقَدْ نَأتْ بَكْرُ بنُ وائِلْ

ويعلن من نجران أنّه مشتاق إلى قومه ( ) ومن عُمان وصل إلى أسماعنا قول سامة بن لؤي القرشِيّ( ):
بَلِّغا عامراً وكعباً رسولاً
أنّ نفسي إليهما مشتاقهْ

ومن مكّة تقدّم أبو الطَّمحان القيني إلى صديقه الزبير بن عبد بن عبد المطلب بطلب مغادرة إلى الوطن فأنشده ( ):
أَلاَ حَنّتِ المِرْقالُ وائتبَّ رَبُّها
تَذَكَّرُ أوطاناً وأذكرُ مَعْشري

ومن أرض العراق نادى مُرّة بن هَمّام البكريّ صاحبيه أن يَتَرَحّلا، ويتقرّبا من الوطن فقد طالت إقامته، وآنَ له أن يحن إلى وطنه، ويرتحل إليه على ناقته التي أكلت علف الحضر من شعير وقَتّ ( ).
وتحدّث الأعشى عن امرأة ارتحلت إلى ديار زوجها، فأصبحت " غريبة تأتي الكواهن تسأل عن حالها، هل يَرَيْنَ لها الرجوع إلى أهلها أم لا "( ).
إنّ الاشتياق إلى الأهل يظهر شدّة إحساس المغترب بالانتماء إلى أهله، ويوحي كذلك بشدّة التعلّق بالمكان الذي يَسْتَقِرّ به أولئك الأهل، وقد جمع بين التعلّق بالمكان وبأهله عمرو بن قميئة الذي قال، وهو مرتحل إلى بلاده الروم( ):
قَدْ سَأَلَتني بنتُ عَمروٍ عَنِ الْـ
أَرْضِ التي تُنْكِرُ أَعْلاَمَهَا

لمّا رأتْ ساتِيْدَ مَا استَعْبَرتْ
للّهِ دَرّ - اليومَ- مَنْ لاَمَها

تَذَكَّرَتْ أَرْضاً بِها أَهْلُها
أخوالَها فيها وأعْمَامَها

إنّ الأبيات تظهر التعلّق بالأرض والأهل معاً، فابنة عمرو بل عمرو بكى من وحشة الغربة، وتذكّر أرضه وأخواله وأعمامه. وثمة مغترب بل مهاجر إلى يثرب (هو بلال رضي الله عنه) أصابته الحمَّى، فكان يتذكر مكة، وليس له أهل فيها، ويرفع صوته قائلاً ( ):
ألا ليتَ شِعرِي هَلْ أبيتَنَّ لَيْلَةً
بوادٍ وحَوْلي إِذْخَرٌ وجَليلُ

وهَلْ أَرِدَنْ يوماً مِياه مَجَنَّةٍ
وَهَلْ يَبْدُوَنْ لي شَامَةٌ وطَفيلُ

والحنين إلى الوطن لاتبعثه متاعب الاغتراب، وظلم الأجانب دائماً، فقد يكون المغترب معزّزاً مُكرّماً ومشتاقاً إلى وطنه أيضاً، فالمسلمون في يثرب كانوا يكرمون بلالاً، ولكن ذلك لم يصرفه عن التعلّق بمكة التي عاش فيها، وأبو الطمحان القيني كان مكرّماً لدى نديمه الزبير بن عبد المطلب ولكنه اشتاق إلى موطنه، وآثر العودة إليه، على الإقامة في مكة( )، ولمثل ذلك وصف الأعشى نفسه قائلاً ( ):
واضعاً في سَرَاة نَجْرانَ رَحْلي
ناعِماً غَيْرَ أَنَّني مُشْتَاقُ

في مطايا أَرْبَابُهُنَّ عِجَالٌ
عَنْ ثَوَاءٍ وَهَمُّهُنَّ العِراقُ

إنّه مقيم بين سادة نجران، مُنَعّماً، ولكنّ نفسه مشتاقة، وحوله مطايا، أصحابها- مثله- ليس لهم همّ إلاّ الوصول إلى العراق.
ولعلّ خير شعر يظهر العلاقة المتينة بين المغترب ووطنه قول حاتم الطائي وهو في الحيرة مخاطباً جَبَلي طيّئ( ):
فَقُلْتً: ألا كيفَ الزّمانُ عَلَيْكُما
فقالا: بِخَيْرٍ، كلُّ أَرْضِكَ سائِلُ

وبذلك ندرك أن ارتحال الفرد هو، في الغالب، تعبير غير مباشر عن الارتباط بالمكان الذي تقطنه جماعته السكانية؛ فالمرتحل يُنَمّي بالارتحال شخصيته لتكون قادرة على الدفاع عن الموطن والأهل؛ والمرتحل يسعى إلى تحسين الظروف المادية بالغزو والتجارة، والسياسية بالوفادة، وغيرهما من أجل تنمية إمكانيات الاستقرار، وبذلك يبدو ارتحال الفرد الغالب تعبيراً عن عمق انتمائه إلى المكان الذي تستقرّ فيه جماعته الأبوية (السكانية).
إن دلالة ارتحال الأفراد على الارتباط بموطنهم وبأهلهم هي أحد وجهي ذلك الارتحال، وقد أشير آنفاً إلى الوجه الآخر، وهو الرغبة في الانعتاق من أسرالوطن وأهله، ولعلّ هذه الدلالة أعمق أعمق من الأولى في بيان سَعْي الإنسان الجاهلي نحو الحياة الفضلى؛ فبحثه عن المكاسب المادية والمعنوية بعيداً عن موطنه الصغير بأساليب مختلفة- وأستثني هاهنا الغزو- من أجل تطوير إمكانيات الإقامة في ذلك الموطن- يعني إقراره بأهمية التواصل مع الآخرين، وبإمكانية توسيع المدى الجغرافي الذي يجب أن يعيش ويتطور فيه وبذلك يزداد انتماءُ المرتحل المكاني والسكاني شمولاً، محذوفاً منه مايعوق ذلك الشمول من التعصب الشديد للجماعة الأبوية، ولمنازلها. ولست معنيا هاهنا بتقصي صور الحذف والإضافة فهي مبثوثة في مواضيع كثيرة من هذه الدراسة، تتصل بارتحال الأفراد، ولكنني أودّ أن أشير إلى إقدام بعض الجاهلين على مغامرة الارتحال غيرَ آبهين بضرورة الارتباط بالأهل أو المكان المستقرّ فيه، بل باحثين عن انتماء جديد، يُحَقِّقون به قدراً أكبر من الحرية التي عاقها الإحساس بالظلم أو الحاجة المادية أو بهما معاً، وقد جمع بين الإحساسين، ورأى أنّ كلاً منهما كافٍ للارتحال رجلٌ يضرب به المثل في الحمق، وذلك في قوله ( ):
إذا كنتَ في دار يُهينكَ أَهْلُها
ولم تَكُ مكبولاً بها فَتَحَوَّلا

وإنْ كنتَ ذا مالٍ قليلٍ فلا تكنْ
ألوفاً لِعُقْرِ البيتِ حَتَّى تَمَوَّلا

وقد عرف الجاهلي أن الإقامة بعيداً عن أهله ووطنه توجب عليه سلوكاً حسناً، فعليه أن يحكّم عقله حيث حَلّ( ):
لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بهِ
حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهْ

وأن يكسب بشرف( ):
وابغ المكاسِبَ في أرضٍ مُطالبُها
مِنْ حَيْثُ يَجْمُلُ حَتَّى يَنْفَدَ الأَجَلُ

وأن يقدم المساعدة للآخرين ( ):
ساعِدْ بأرضٍ إذا كُنْتَ بِها
ولاتَقُلْ إنَّني غَريبُ

وأن يجود بماله إذا كثر ( ):
وليس الغريبُ يابنةَ القومِ نَائلاً
عُرَى المجدِ بالنَّدَى والتَّكَرُّمِ

إن السلوك الحسن للمغترب يؤهله للاندماج في مجتمع الأجانب (الأباعد) وللسيادة أيضاً.
وبذلك يتضح لنا الوجه الآخر للارتحال الفرديّ، بل يتضح لنا جدل الارتحال الفرديّ، فقد لمسنا رغبة المرتحل في العودة إلى موطنه والاستقرار فيه، ورغبة المرتحل في الانعتاق من أسر المكان، وفي كلا الرغبتين دليل على حركة الإنسان النشطة بحثاً عن ظروف معاشية أفضل من الظروف الموجودة في موطنه وبين أهله، بل بحثاً عن انتماء متطور، يتجاوز الإطار الضيّق للانتماء إلى الجماعة الأبوية، وإلى منازلها لقد اتسع الوطن بالارتحال شمولاً، فأضحى رحباً يشمل كلّ بقعة يجد فيها المرتحل رزقاً وعيشاً كريماً وإنساناً عزيزاً، وليس وطناً صغيراً تتجمع فيه الجماعة الأبوية (القبيلة) ( ):
ألم تَرَ أنَّ الأرضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ
فَهَلْ تُعجِزَنِّي بُقْعَةٌ من بِقَاعِها

والأرض ليست ملكاً لقبيلةٍ أو ملكٍ إنها أرض الله، وللناس حقّ فيها، فقد أوجدها الله لتُسْكَنَ، وليرتزق الناس من خيراتها ( ):
فارْحَلْ فإنَّ بلادَ اللّهِ ما خُلِقَتْ
إلاّ لِيُسْكَنَ مِنْها السَّهْلُ والجَبَلُ

وابغِ المكاسِبَ من أَرضٍ مطالُبها
من حيث يَجْمُلُ حتّى يَنْفَدَ الأَجَلُ

وأَحَبَ المرقش الأكبر كل أرض تنزل بها حبيبته أسماء، فقال يخاطبها( ):
أينما كُنتِ أو حَلَلْتِ بأرضٍ
أو بلادٍ أَحْبَبْتُ تلك البلادا

لقد اتّضحت اسباب الارتحال الفردي، وما يَتّصل بها من دلالات تظهر حرص الجاهلين على تجاوز عوائق التطوّر المكانيّة، وتُبَيّن لنا أن ارتحال الأفراد كان انتقالاً مسالماً- عدا ارتحال بعضهم للغزو
-أسهم في تواصل التجمّعات السُّكانية وتقاربها، وفي اتساع مفهوم الوطن.
***
4- دواعي الارتحال الجماعي
يغلب على الارتحال الجماعي طابع العنف والقهر، وأمّا أسباب ذلك الارتحال وهي:
أ- أن يُكره الخلاف داخل القبيلة أحد بطونها على الارتحال: لقد كان النفي عن الديار من الوسائل المتبعة لإطفاء نيران الخلاف داخل القبيلة الواحدة، ومن الأخبار الدالة على ذلك أن خلافاً دبَّ بين بني جعفر وبني أبي بكر العامريين، فشّبّت الحرب بينهما، فّخُذلَ الجعافِرَة، ونزلوا على حكم رئيس بني أبي بكر، الذي حكم بنفي بني جعفر عن بلادهم إلاّ أن يرتضوا بحكمه في مسألة دية القتلى، فارتحل بنو جعفر إلى اليمن( ) وقد عبّر لبيد الجعفريّ عن استنكاره لذلك في قوله ( ):
أبني كلابٍ كيفَ تُنْفَى جَعْفَرٌ
وَبَنُو ضَبَيْنَةَ حاضروا الأَجْبَابِ

إنه يستنكر نفي قومه، وإنزال بني ضبينة في منازل الجعفريين، ولقد حققت عقوبة النفي الغاية، إذ خضع الجعفرِيّون لحكم قومهم في دِيَة القتلى، ورجعوا إلى منازلهم بعد حول من ارتحالهم( ).
وإذا كان بنو جعفر قد رجعوا إلى منازلهم فإنّ جماعات أخرى ارتحلت كارتحالهم، ولكنها لم ترجع إلى منازلها مثلهم، ومنها بنو جُذام، وفي ارتحالهم يقول بشر بن أبي خازم الأسدي ( ):
أَلم تَرَ أَنَّ طُولَ الدَّهْرِ يُسْلِي
وَينس مِثْلَمَا نسيت جُذَامُ

وكانوا قَوْمَنَا فَبَغَوا عَلَيْنَا
فَسُقْنَاهُمْ إلى البّلَدِ الشَّآمِي

وكذلك بنوهاربة بن ذبيان الذين حاربوا قبيلتهم غطفان، ثم تحوّلوا إلى الشام، وفيهم يقول بشر أيضّاً ( ):
وَلَمْ نَهْلِكْ لمرَّةَ إذْ تَوَلَّوْا
فَسَارُوا سَيْرَ هَاربةٍ فَغارُوا

فبنو مُرّة، وهم من أحلاف بني أسد قوم الشاعر، تركوا حلفاءهم، مثلما سارت هاربة عن قومها. ومن المحتمل أن يكون عنف الصراع سبباً في إيثار المرتحلين أو المرحَّلين أن يرتضوا الإقامة الدائمة في المنفى؛ فبشرٌ أظهر استمراريّة عداوة قومه لبني جذام بعد ارتحالهم في قوله يخاطبهم ( ):
وإنّ مُقَامَنَا نَدْعُو عليكُمْ
بِأَبْطَحِ ذِي المَجَازِ لَهُ أَثَامُ

لقد ارتحلت جذام ولكن قومهم بني خزيمة (أسد وكنانة وقريش) لم يسامحوهم؛ إنهم مقيمون بذي المجاز، ولسان حالهم يقول لجذام : إننا ندعو عليكم بما( يكسبكم إثماً، لأنّكم حَمَلتمونا على ذلك بعقوقكم، وخروجكم مِمّا لكم إلى ماليس لكم) ( )؛ فبنو خزيمة ليسوا بحاجة إلى بني جذام، ولكنهم مستاؤون لأن الجذامِيّين قطعوا صلتهم بموطنهم وأظهروا العقوق. ولكن لماذا فعلت جذام ذلك؟ ألشدّة عداوتها لبنيي خزيمة أم لأن سبل الحياة في المهجر أفضل مِمّا عليه في موطنها الأول؟.!
وقد يدعو الصراع بين الأقارب إلى إقدام بعضهم على الارتحال طلباً لحلف ينصرهم على اقاربهم، أو يمنحهم الإقامة بعيداً عن أقاربهم الأعداء، ومن ذلك طوائف من الأوس إلى مكة يستعينون على الخزرج بالتحالف مع قريش ( )، وارتحال بني عبس في أرجاء الجزيرة العربية في أثناء حرب داحس والغبراء ( )، وبحث بني عُمَيْرة الفزاريين عن حيّ يلتحقون به إذا دهمتهم تلك الحرب، ولهم يقول عنترة ( ):
سَائِلْ عُمِيْرَةَ حيثُ حَلّتْ جَمْعَها
عِنْدَ الحُروبِ بأيّ حَيِّ تَلْحَقُ

أبِحَيِّ قيسٍٍ أَمْ بِعُذْرَةَ بَعْدَما
رُفِعَ اللواءُ لها، وبِئْسَ المَلْحَقُ

ب- أن تلقى جماعة سكانية عَنتاً من ملك يدفعها إلى الارتحال : تفيد أخبار الجاهلية أن ملوك الحيرة كانوا يكرهون بعض الجماعات على الارتحال إذا غضبوا عليها، ومن ذلك أن المنذر بن ماء السماء خطب على رجل من اصحابه امرأةً من بني زيد بن مالك بن حنظلة، فأبو أن يزوجوه، فنفاهم، فنزلوا مكّة بعد أن نكّأَ فيهم، وبدَّد شملهم، وفيهم يقول الأسود بن يعفر ( ):
ما بّعْدَ زيدٍ، في فَتَاةٍ فُرِّقُوا
قَتْلاً، وَنَفَيْاً، بَعْدَ حُسْنِ تَآدي

فَتَخَيَّروا الأرضَ الفَضاءَ لعِزِّهِم
وَيَزيدُ رافِدُهُمْ عَلَى الرُّفَّادِ

لقد اختار بنو زيد أن ينزلوا الأرض الفضاء، فنزلوا مكّة استبقاءً لأنفسهم ولشرفهم.
وللخِرنق بنت بدر أبيات قالتها حين طرد عمرو بن هند بني مرثد من منازلهم، ومنها قولها ( ):
ألاَ مَنْ مُبْلِغٌ عمروَ بنَ هِنْدٍ
وقد لاتَعْدَمُ الحَسْنَاءُ ذامَا

كما أَخْرَجْتَنَا مِنْ أرضِ صِدْقٍ
تَرَى فِيها لِمغتَبِط مُقَامَا

إنّ ارتحال أكثر الجماعات المشار إليها آنفا يشبه ارتحال الأفراد من جهة الدلالة على أثر الارتحال في التواصل والتقارب بين الجاهليين؛ فالجماعات الصغيرة المرتحلة، كالأفراد، يسهل اندماجها في الجماعات الكبيرة المرتحل إليها بالجوار والإلصاق وغيرهما.
ج- أن تعجز موارد المكان عن كفاية الجماعة السكانية المقيمة عليه: إنّ عجز موارد المكان عن تلبية مستلزمات الحياة المادية لسكانه يدفعهم إلى البحث عن وسائل يواجهون بها، ويتغلبون عليه. ولقد كان الغزو من الوسائل الشائعة في مواجهة العجز، فقد تغادر جماعة صغيرة أو كبيرة موطنها لِتُغير، وتؤوب بالغنائم التي تدعم استقرارها في موطنها، وديوان الشعر الجاهلي حافل بالشواهد على ذلك ومنها قول عمرو بن كلثوم( ):
جَلَبْنَا الخَيْلَ مِنْ كَنَفَي أَريْكٍ
عوَابسَ يَطَّلِعْنَ مِنَ النِّقابِ

صَبَحْناهُنَّ عَنْ عُرُضٍٍ تَمِيْماً
وَأَتْلّفَ رَكْضُنا جَمْعَ الرِّبَابِ

فَأَفْنَيْنَا جُمُوْعَهُمُ بِثَأْجٍ
وَكَرَّتْ بالغَنَائِمِ والنِّهابِ

لقد ارتحل عمرو بفرسانه من (أريك) إلى أن بلغوا ديار تميم والرباب، فحاربوهم، وانتبهوا أموالهم، ثم كرّوا راجعين إلى ديارهم. ومن (أريك) *** عمرو وفرسانه الخيل إلى بني فراس وغِفار من كنانة ( )، ومن (أريك) أيضاً *** وفرسانه الخيلَ إلى أقربائه( ):
نَؤُمُّ بها بلادَ بَني أَبِيْنا
عَلَى ما كانَ مِنْ نَسَبٍ وَصِهرِ

فالغزو ارتحال مؤقت من غاياته دعم استقرار الغزاة في مواطنهم، ومن الملاحظ أن أصحاب القرى مثل قريش البطاح والأوس والخزرج ويهود يثرب وخيبر لم يلجأوا إلى الغزو لدعم استقرارهم بل استعانوا، وقد أشير إلى ذلك آنفا، بالزراعة والتجارة وبعض الحرف، وأما الغزو فكان سبيل الجماعات المتبدية ولعلّها لجأت إليه حين لم تجد وسيلة أخرى لاستمرار وجودها
وثمة وسائل غير الغزو استعان بها الأعراب لمواجهة قلّة الموارد في دور إقامتهم، ومنها إضافة إلى الزراعة في حواضرهم، الارتحال المؤقت بحثاً عن الماء والكلأ، وقد جمع زهير بن ابي سلمى بين الارتحال للغزو والارتحال لطلب المرعى في قوله يمدح بني مُرّة:" تهامونَ نَديونَ كيداً وَنُجعَةً " ( )، إنهم يأتون تهامة ونجداً غازين أو منتجعين، ولهم مواضع يألفون الإقامة فيها، وعنها يقول زهير واصفاً ارتحاله إليهم ( ):
تَرَبَّصْ، فإنْ تُقْوِ المَرَوْراةُ مِنِهُمُ
ودَاراتُها، لاتُقْوِ مِنهمْ إذاً نَخْلُ

فإنْ تُقْوِِيَا مِنهمْ فإنَّ مُحَجِّراً
وَجِزْعَ الحَسَا، مِنْهُمْ إذاً قَلَّمَا يَخْلُو

بلادٌ بها نادمتُهُمْ وَأَلِفْتُهُمْ
فإنْ تُقْوِيا مِنْهمْ فإنَّهما بَسْلُ

وأبيات زهير تفيد بتنقّل بني مرّة، يرعون مكانا ثم ينتقلون إلى غيره. ولا بدّ أن تكون تلك منازلهم أو مراعيهم الخاصة التي ينتجعونها في الربيع، ولا يستبعد أن تكون المواطن المذكورة مراعي تخصّ بني ذبيان، وأنّ بطوناً منهم كانت تنتجع تلك المراعي، ومنها بنو مرّة ؛ فزهير كان يبحث عنهم في المواطن التي ينتجعونها عاة؛ فلكل بطن مكانٌ يرعى فيه، ثم يعود منه إلى الحاضر، موطن استقرار القبيلة.
ولقد كثرت الألفاظ الدالة على الارتحال الفصلي للأعراب في مقابل ألفاظ الإقامة كلفظة الأّنَس ( )، والحِلال( )؛ فثمَّة ألفاظ تدلّ على أماكن تُنزل في الربيع وأخرى في الصيف. يقول لبيد يصف امرأةً ( ):
تَرَبَّعَتِ الأَشْرافَ، ثُمَّ تَصَيَّفَتْ
حَساءَ البُطاح، وانتجعْنَ المَسَايلا

وثمّة ألفاظ تدلّ على أماكن تَنْزَلُ في الخريف لرعي ما ينبت مطره كقول زهير يصف امرأة ( ):
فاسْتَبْدَلَتْ بَعْدَنا داراً يَمانِيَةً
تَرْعَى الخَرِيفَ، فَأدنَى دارِها ظَلِمُ

وبعض الألفاظ تدلّ على أماكن تنزَل في الشتاء ( ). فالأعراب يرتحلون ثم يرجعون إلى محاضرهم، ولقد أورد الأعلم في شرحه لقول زهير:
فلما وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمَامُهُ
وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتخَيَّمِ

كلامَا يدلّ على ذلك، وهو: " وقوله: فلما وردن الماءَ، أي: أَتَيْنَهُ، وحَللنَ عليه. وإنّما أراد مياه المحاضِرِ التي كانوا يُقيمون عليها في غير زمنِ المرتَبَعِ"( ).
ولكن بعض المرتحلين لم يرجعوا إلى محاضرهم، وهؤلاء هم الذين ارتادوا مراعيَ ومياهاً غير مأهولة، فنزلوا فيها، وأقاموا إقامة دائمة، ومن ذلك سكن بني حنيفة في اليمامة، فقد ارتادها عُبَيد ابن ثعلبة الحنفي، بأهله وغلمانه، فنزل فيها، ثم لحق به إخوته، وفي ذلك يقول عُبَيْد ( ):
حَلَلْنا بدارٍ كان فيها أَنِيسُها
فَبَادُوا وخَلُّوا ذاتَ شِيدٍ حُصونَها

فصاروا قَطِيناً للفلاةِ بِغُرْبَةٍ
رَمِيماً، وصِرْنَا في الدّيارِ قَطينَها

فسوف يليها بَعْدَنا مِنْ يَحُلُّها
وَيَسْكُنُ عِرْضاً سهلَها وحُزونَها

ومثل ذلك خبر نزول طيّئ أجأ وسلمى ؛ فالرواية رَجّحها ياقوت الحموي تذكر أن رجلين من طيّئ خرجا من اليمن، فارتادا أجأ فوقفا من الخصب والخير على ما أعجبهما، فرجعا إلى قومهما، فأخبراهم به، فارتحلتْ طيّئ بجملتها إلى الجبلين، وجعل أسامة بن لؤي يقول ( ):
اجعَلْ ظُريباً كَحَبيبٍ يُنْسَى
لِكُلِّ قوم مُصْبَح وَمُمْسَى

والارتياد فيه مخاطرة، لايقدم عليها إلا الأقوياء، وقد أكثر الشعراء من ذكر الارتياد، والحلول في الأماكن المرتادة الخصبة ( )، وإنْ لم يُسَمّوها، ومن ذلك قول أبي دُؤاد الإيادي ( ):
ودارٍ يَقولُ لها الرّائدو
نَ ويلُ امِّ دارِ الحُذلقِيّ داراً

فلمَّا وَضَعْنا بها بَيْتنا
نَتَجْنَا حُوَاراً وَصِدْنَا حِمَاراً

والجدب ليس سببا وحيداً لعجز المكان عن كفاية سكانه، فقد يضيق المكان بهم حين يتكاثرون، وقد تحلّ بالمكان كارثة طبيعية تبدّد جهد السكان المبذول للإقامة فيه، فيضطر سكانه إلى الارتحال عنه، وخراب سدّ مأرب شاهد ماثل للعيان، فبسببه ارتحلت الأزد، فاستقرّت طائفة منهم بيثرب، وهم الأوس والخزرج، وأخرى بمكة، وهم خزاعة، وثالثة بعمان، وهم أزد عمان، ورابعة بالشام، وهم بنو جفنة( ). وأما الأخبار والأشعار الدالة على الارتحال بسبب تضاؤل موارد المكان لتكاثر سكانه فكثيرة، وقد حوت مقدمة (معجم مااستعجم) طائفة منها، ولاسيما المتعلقة بتفرّق أولاد معدّ بن عدنان، وبعض تلك الأخبار نَصّت على أن التكاثر كان سبباً في الارتحال، ومن ذلك أن ربيعة ومضر كانوا بتهامة وغورها "فكثروا وتضايقوا في منازلهم، فانتشرت ربيعة فيما يليهم من بلاد تهامة نجد" ( ).
ولكن أغلب تلك الأخبار والأشعار لم تشر صراحة إلى أثر التكاثر في الارتحال، بل اشارت إلى أثر التكاثر في طغيان جماعة على أخرى طغياناً يؤدي إلى حرب تنتهي بجلاء المغلوب، ومن ذلك بغي إياد حين تكاثرت على مضر وربيعة، وكانت منازلهم وديارهم واحدة في تهامة، فتظاهرت مضر وربيعة على إياد، فَهُزمت إياد، وخرجت من تهامة ( ). فبنو إياد ومضر وربيعة كانوا كلّهم ينزلون تهامة، فأخرجت إياد أولاً، ثم ربيعة. ولابّد أن يكون التكاثر سبباً في الاختلاف على الموارد، ولاسيما المراعي، ولقد أدى ذلك في أغلب الأحوال إلى صراعات دامية، أشعلتها أحداث يسيرة كعشق حَزيمة بن نهد القضاعي لفاطمة بنت يذكر العنزيّة الذي أفضى إلى اجتماع نزار بن معد على قضاعة، وقهرها، وإجلائها عن منازلها، وفي ذلك يقول عامر بن الظرب العدواني( ):
قُضاعة أَجْلَيْنَا مِنَ الغَوْرِ كُلِّهِ
إلى فَلَجَاتِ الشَّامِ تُزْجِي المواشيا

وما عنْ تَقَالٍ كانَ إخراجُنا لَهُمْ
ولكنْ عُقُوقاً منهمُ كان باديَا

ولقد حفل ديوان الشعر الجاهلي بما يدل على تفرّق القبائل وارتحالها من مواطنها للإقامة في مواطن جديدة، فبنو معدّ كانوا حلولاً في تهامة( )، ولكن الناس " في الأرض فُرِّقوا شيعاً" ( )، وأضحت " معدّ كلَّ أوبٍ تَصَدَّعُ" ( )، وكان تَصَدّعها (ارتحالها) قسريَّاً بسبب عجز المكان عن تأمين حاجات سكانه المادية، وما يتصل من نزاعات وحروب تفرض الارتحال على المهزوم ( ). فإلى أين يرتحل المهزومون؟
5- تصادم القبائل المرتحلة بالمستقرّة
إنّ ارتحال الجماعات المُبْعَدَة عن وطنها يفرض عليها البحث عن مكان جديد، فقد ترتاد الجماعة المرتحلة مكاناً غير مأهول، تراه صالحاً للإقامة، فستوطنه، وغالباً مايتعذّر العثور على مثل ذلك، فتصدم الجماعة المرتحلة بجماعات سكانية مستقرّة، فتضطر إلى محالفتها أو مجاورتها، وقد تضطر إلى انتزاع موطن جديد بالسيف وبترحيل سكانه عنه( )، وبذلك تبدأ جماعة أخرى بالبحث عن موطن لها؛ فقد سارت جماعات من قضاعة حين أجلوا عن تهامة نحو البحرين، حتى وردوا هَجَر، وبها يومئذٍ قوم من النَّبط، فَأجلوهم، وقال في ذلك مالك بن زهير القُضاعي:" شرينا دارَ آنسةً بدار "( ). وأخرجت خزاعةُ- وكانت ارتحلت من اليمن خوفاً من خراب سدّ مأرب- جرهماً من مكّة، بقوة السيف إذ لم تقبل جرهم بجوار خزاعة لها، وقد أنشد مُضاض بن عمرو الجرهمي في ذلك أشعاراً تفيض بالحسرة، وألم الجلاء عن الوطن( ).
لقد اتخذ ارتحال الجماعات طابعاً عنيفاً تارةً، وسلمياً أخرى ؛ فالجماعة المرتحلة قد تجد مكاناً لا أنس فيه، فتستوطنه أو ترعى فيه، وقد تصطدم بجماعات مستقرّة، فيجاور أو يحالف المرتحلُ المستقرَّ، وقد تختلط جماعات مرتحلة إذ تلتقي على ماء أو مَرعى يتسع لها كلها، وبذلك أدى الارتحال إلى التواصل بين الجماعات المتباعدة، وغدا التقارب المكاني بين الجماعات المتباعدة نسباً سبباً في وجود انتماءات جديدة، تحدّ من غلواء العصبية للنسب، وتسهم في تطور الإنسان الجاهلي ( ).
ولكن الجانب العنيف من الارتحال يكاد لشدّة الخلافات والصراعات التي يثيرها أن يطغى على المظاهر الإيجابية التي يسببها الجانب السلمي منه. وقد أبرز الشعراء عنف الخلافات والصراعات التي نجمت عن ارتحال الجماعات بحثاً عن المراعي، والمواطن الصالحة للاستقرار ؛ فبنو عدي بن فزارة أنزلتهم سيوفهم ورماحهم في منازل غيرهم ( ):
فكمْ من دَارِ حَيٍّ قد أَباحَتْ
لِقوَمهمُ رماحُ بني عَدِيٍّ

فما إنْ كانَ عَنْ وُدٍّ ولكنْ
أَباحُوها بِضُمِّ السَّمْهَرِيِّ

وبالقتال أباح خارجة بن حصن الفزاري المراعي لقومه( ):
أباحِ قِتَالُ خارِجَةَ بنِ حِصْنٍ
لأهْلِ الحَزْنِ مُنْقَطَعَ السَّحَابِ

فالجماعة القوية كلما وقع الغيث في بلد صارت إليه، وغلبت عليه أهله، ومن هؤلاء بنو تغلب ولقد وصفهم بذلك الأخنس بن شهاب التغلبي إذ قال ( )
ونحنُ أناسٌ لاحِجَازَ بِأَرْضِنا
مع الغَيْثِ ما نُلْفَى، ومَنْ هُوَ غَاِلبُ

إنهم يأخذون من الأرض ما يريدون، ويبقى الأذلاء مقيمين في مواضع مختصة بهم، فلا يجترئون على الانتجاع بعيداً عنها ( ):
أَرَى كلَّ قومٍ قَارَبُوا قَيْدَ فحْلِهمْ
ونحنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ

الأقوياء وحدهم ينتجعون، بل يجترئون على الابتعاد عن منازلهم، وعلى انتزاع المراعي والأماكن انتزاعاً من غيرهم، فقوم دريد بن الصّمة ينتجعونَ " الأقاصِيَّ انتجاعاً" ( )، وقوم بشر دفعهم القحط إلى انتزاع مراعي نجد الخصبة من أهلها ( )، ولسان حالهم يقول ( ):
نُحُلُّ مَخُوفَ كُلِّ حِمىً وثَغْرٍ
وَمَا بَلَدٌ نَليهِ بِمُستْباحِ

ومثلهم في ذلك بنو عامر ( ):
إذا نَزَلَ السَّحابُ بأرضِ قَوْمٍ
رَعَيْنَاهُ وإنْ كانوا غِضابا

إنّ أولئك البداةَ المرتحلين يعلنون اقتدارهم على النزول بكلّ مكان مخوف للانتجاع فيه يقول عمرو بن كلثوم:" وأنّا النازلون بكلِّ ثَغْرٍ "( )، ويقول عمرو بن شأس الأسدي " وإنّا النازلون بكلِّ ثغرٍ "( )، ويقول خداش بن زهير( ):
وَقَدْ علمتْ قَيسُ بنُ عيلانَ أنَّنا
نَحُلُّ- إذ خافَ القبائلُ- بالثَّغْرِ

لكلّ شاعر أن يفخر باقتدار قومه على انتزاع المراعي والمواطن، وعلى الدفاع عن مواطنهم وحماية مراعيهم، ولكن الواقع غير ذلك، فالحروب سجال، وقد كثر اكتواء البداة خاصة بنيرانها، فأقاموا وارتحلوا مكرهين أذلاء تارة، ومنتصرين أعزاء أخرى، كان خير الأرض يدعو أصحابها إلى عدم الارتحال عنها، ويستدعي في الوقت ذاته، الأعداء إليها ولقد أحسن الحارث بن دوس الإياديّ بيان ذلك في قوله ( ):
قومٌ إذا نَبَتَ الربيعُ لَهُمْ
نَبتت عداوتُهُمْ مَعَ البَقْلِ

فالربيع يستدعي العداوات، إذ يقوى به الضعيف، ويتنمَّر القويّ، وتكثر المطامع، فالذين يرتحلون يتكالب عليهم الأعداء، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول عوف بن عطية التيمي ( ):
ونَرْعى مارَعَيْنا بينَ عَبْسٍ
وَطَئيها وبينَ الحَيِّ بَكْرِ

وَكُلُّهُمُ عَدُوٌ غيرُ مُبْقٍ
حَدِيْثٌ قَرْحُهُ يَسْعَى بِوِتْرِ

والذين يقيمون عليهم أن يصبروا على مقارعة الأعداء الطامحين إلى انتزاع مراعي المقيمين، وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم( ):
قِراعُ السُّيوف بالسيُّوفِ أَحَلَّنا
بِأَرْضٍ بَرَاحٍ ذي أَرَاكٍ وذي أَثْلِ

فلولا اقتدارُ تغلبَ على المجالدة لأقصوا عن تلك الأرض الواسعة، الغنية بالأراك والأثل. لقد كان الصراع على الأمكنة عنيفاً في الجاهلية، وجاء الإسلام والناس يقتتلون طمعاً في انتزاع الأماكن وامتلاكها، ففي أوّل الإسلام بنو جذيمة بن مالك بنني يربوع( جَوَّ الملا)، وأقاموا فيه، ثم قال شاعرهم الخَنْجَر الجَذَمِيّ ( ):
وليس ليربوعًٍ وإنْ كَلِفَتْ به
مِنَ الجَوِّ إلاّ طَعْمُ صابٍ وَحَنْظَلُ

إنّ قرار القبائل واختصاص كلٍّ بمنازل محددة من الأسباب التي أجَّجت الصراعات الدامية بين من يمتلك المكان ومن يرغب بانتزاعه، ولقد غدا من الصعب انتزاع مكان من أهله، أو ارتياد مكان غير مأهول، وصالح للحياة في قلب الجزيرة العربية، ولذلك اتجهت الأنظار نحو تخوم الجزيرة وحدودها( )، حيث المقاومة هي الأضعف، والمراعي هي الأخصب. فما حدود جزيرة العرب؟ وماذا يراد بالتخوم التي ارتحل العرب إليه؟
***
6- تخوم الجزيرة والصراع حولها
إنّ أتمّ الروايات التي تحدّد جزيرة العرب تذكر أنها " سُميتْ جزيرة لإحاطة البحر بها، والأنهار من أقطارها وأطرارها (أطرافها) وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم، فظهر بناحِيَة قنسرين، ثم انحط عن الجزيرة، وهي ما بين الفرات ودجلة، وعن سواد العراق، حتّى دفع في البحر من ناحية البصرة والأُبُلّة، وامتدّ إلى عَبَّادان، وأخذ البحرُ من ذلك الموضع مغرِّبا، مُطيفاً ببلاد العرب، منعطفاً عليها، فَأَتى منها علتى سَفَوان وكاظمَةَ، ونفذ إلى القطيف وهَجَرَ وأسيافِ عُمان والشِّحْر، وسال منه عُنُقٌ إلى حضرموت، وناحية أبين وعَدَن ودَهْلَك، واستطال ذلك العُنُق فطعن في تهائم اليمن، بلاد حَكَمَ والأشعَريّين وعَكَّ، ومضى إلى جُدّة ساحل مكّة، وإلى الجار ساحل المدينة، وإلى ساحل تيماءَ وأَيْلَة، حتى بلغ إلى قُلْزُمِ مِصر، وخالط بلادها، وأقبل النّيل في غربيّ هذا العنق من أعلى بلاد السودان، مستطيلاً معارضاً للبحر، حتى دفع في بحر مصر والشام ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين، ومر بِعسقلانَ وسواحلها، وأتى على صُورَ ساحلِ الأُردنّ، وعلى بيروتَ وذواتها من سواحل دمشقَ، ثم نفذ إلى سواحل حمصَ وسواحل قِنّسرينَ، حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات، منحطاًّ من أطراف قِنّسرين والجزيرة إلى سَواد العراق. فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوها على خمسة أقسام: تهامة، والحجاز ونجد والعرُوض واليمن" ( ).
إن الرواية السابقة تُبَيّن الحدودَ الطبيعية للجزيرة العربية، وهي بحار (بحر العرب والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وأنهار( النيل، والفرات، ودجلة)، وخليجٌ (الخليج العربي)؛ وتبينّ أيضاً الحدود السياسية للجماعات العربية المقيمة في تلك الجزيرة، وذلك مفهوم من العبارة الأخيرة في تلك الحدود السياسية للجماعات العربية المقيمة في تلك الجزيرة، وذلك مفهوم من العبارة الأخيرة في تلك الرواية؛ فالعرب لم ينزلوا تهامة والحجاز ونجداً والعروض واليمن فحسب بل امتدّ وجودهم إلى الأقاصي الشمالية من الجزيرة العربية، كما سنبين لاحقاً، ولكنّ خمسة الأقسام المذكورة كانت تضمّ.
تجمعات عربية لقاح (غير خاضعة لسلطة أجنبية) ومنها سكان مكة والطائف والمدينة وبواديها، أو شبه لقاح، إذ كانت تخضع للنفوذ الأجنبي تارة، وتستقلّ أخرى، ومن ذلك سكان اليمن والمناطق المطلّة على الخليج العربي، وقد تَنَبّه إلى ذلك الوضع السياسي للمكام الأصْمَعيّ إذ قال " جزيرة العرب ما لم يبلغه مُلْكُ فارس، من أَقصى عَدَن أبين إلى أطرار الشام، هذا هو الطول، والعرض من جُدَّةُ إلى ريفِ العراقِ" ( ). ومقولة الأصمعيّ تصبح أكثر دقة في التعبير عن الواقع السياسي (الحدود السياسية) للعرب الجاهلين بقولنا: جزيرة العرب ما لم يبلغه مُلكُ فارس ولا ملك الروم. وأماّ الأمكنة التي نزلها الجاهليون فتكاد تشمل الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية. ولقد أدى ارتحال الجماعات الصريحة في الجاهلية إلى رسم الحدود أحياناً وإلى التغلغل في التخوم التي تفصل بين العرب والدولتين المجاورتين : الفرس والروم.
لقد اتفق الإخباريون القدماء من العرب على أن الوجود العربي ابتداء في اليمن وتهامة ؛ فاليمن موطن العرب الصرحاء الجنوبين ومنها انطلقت الهجرات نحو الشمال، ولاسيما بعد خراب سدّ مأرب؛ وتهامة هي الموطن الأول لبني نزار بن معدّ، ومنها انطلقت هجرات حملت أكثر بني نزار نحو مناطق مختلفة من الجزيرة العربية. ولقد أسهمت هجرات أهل اليمن وأهل تهامة في رسم الحدود الشرقية المطلّة على الخليج العربي، فالمناطق الساحلية الشرقية كانت موطناً لأخلاط من الناس، أغلبهم غير صرحاء، وهذا ما جعل عالماً محققاً كالمرزوقي يقول عن قيس بن زهير العبسي الذي ارتحل بعد حرب داحس والغبراء إنه " ترك أرض العرب وارتحل إلى عُمَان" ( ). ولعلّ رغد العيش في المناطق المطلّة على الخليج العربي وضعف مقاومة سكانها للوافدين إليها شجع كثيراً من الصرحاء على الارتحال نحو تلك المناطق ؛ فقد ارتحلت فرقة من الأزد فنزلت عُمان ( )، وكذلك بطون من جَرْم ( ).
وارتحلت إياد من تهامة فنزلت البحرين وهَجَر، ونزلها معهم بعض الأزد، ثم لحقت بهم قبائل ربيعة، وأجلتهم عن تلك المنازل، وأقامت مكانهم ( ).
وقد لقي الوجود العربي في تلك المناطق تهديداً خارجياً تمثل بحرص الفرس على فرض سيطرتهم على تلك المناطق، وعلى إخضاع أهلها ( )، بل لقي العرب هناك تهديداً من الهند أيضاً، وقد ذكر ذلك صراحة الأخنس بن شهاب التغلبي في قوله( ):
لُكَيْزٌ لها البَحْرانِ والسِّيْفُ كُلُّهُ
وإنْ يأتها بأسٌ من الهِنْدِ كارِبُ

فلكيز، وهي بطن من عبد القيس، امتلكت أماكن من السواحل الشرقية للجزيرة العربية على الرغم من الأخطار التي كانت تصل إليها من الهند.
ولقد جاء الإسلام وكان الغالبين على عُمانَ الأزدُ. وكان بها من غيرهم بشر كثير في البوادي ( )، وكان في بادية البحرين خلق كثير من عبد القيس وبكر بن وائل وتميم ( )؛ فالارتحال أدى إلى تملك العرب لتلك الأماكن التي كانت مأهولة بأخلاط من الناس، فغدت أكثرية سكانها عرباً صرحاء، وغير صرحاء، وأصبحت شواطئ الخليج العربي مؤهلة لأنْ تكون حدوداً بعد أن كانت تخوماً تفصل بين العرب والفرس الحريصين على استيطان تلك المناطق ومدّ نفوذهم إليها.
وأما تغلغل العرب في التخوم فكان واضحاً، وحسبنا أن نشير هاهنا إلى وجود دولتين عربيتين أقيمتا لتشكلا تخوماً تفصل بين العرب من جهة، والفرس والروم من جهة ثانية، ولتفصلا أيضاً بين الفرس والروم من جهة ثانية، ولتفصلا أيضاً بين الفرس والروم. ولكن المرتحلين استطاعوا أن يتخطوا نفوذ المناذرة والغساسنة لتغدو الأماكن التي يحكمها المناذرة والغساسنة عربية تخضع لنفوذ أجنبي، ومن ثم ظهرت تخوم جديدة حلت فيها القبائل المرتحلة في الجاهلية، ومن الأخبار الدالة على ذ لك أن بطونا من قضاعة ساروا إلى أطراف الجزيرة (مابين الفرات ودجلة) وخالطوا قراها، وكثروا بها، وغلبوا على طائفة منها، فاصطدموا مع الفرس في معركة هُزم فيها الأعاجم، فقال جُدَيّ بن الدِّلهاث القضاعي ( ):
صففنا للأعاجمِ من مَعَدٍّ
صُفُوفاً بالجزيرة كالسَّعيرِ

لَقِنَاهُمْ بجمعٍ من عِلافٍ
تَرَادى بالصَّلادِمّة الذُّكُورِ

فلاقت فارسٌ منهمْ نَكالاً
وقاتَلْنا هَرَابِذَ شَهْرَزُورِ

وإلى سواد العراق ارتحلت إياد وفي ذلك يقول أبو دوُاد الإيادي( ):
وأسهلنا، وسَهْلُ الأَرْضِ يُخْشَى
بِجُرْدِ الخَيْلِ مُشْنَقَةَ القِيادِ

فنازّعْنا بني الأَحرارِ حَتَّى
عَلَفْنا الخَيْلَ مِنْ خِضِرِ السَّوادِ

وأوغل بعض الصرحاء في الارتحال فوصلوا إلى أعالي الجزيرة، إلى رأس العين في أقصى الشمال الشرقي من حدود بلاد الشام، فإلى رأس العين وصل بعض بني تميم وبني بكر بن وائل، وكانت بينهما وقعة قُتل فيها فارس بكرٍ، معاوية بن فراس، فقال شاعر تميمِيّ( ):
هُمُ قَتَلُوا عميدَ بني فراسٍ
برأسِ العَيْنِ في الحِجَجِ الخَوالي

لقد كان المرتحلون إلى ريف العراق من العرب ناساً " يحدثون في قومهم الأحداث أو تضيق بهم المعيشة" ( ). ومن الذين ضاقت بهم المعيشة جماعة من قبائل العرب، اجتمعت بالبحرين، وتحالفت على التُّنُوخ، وهو المقام، وتعاقدوا على التوازر والتناصر فصاروا يداً على الناس، وضمهم اسم تنوخ؛ فهؤلاء طمعوا في غلبة الأعاجم على مايلي بلاد العرب من ريف العراق، فاستغلوا ضعف السلطة الفارسية ونزلوا الحيرة والأنبار( ).
ولكن الفرس لم يرضهم ارتحال العرب إلى العراق، فكانوا يتحيَّنُون الفرص لطردهم أو لترويضهم وإخضاعهم، فأخرجوا قضاعة وإياد من العراق إلى الشام ( )، وقيل إن بعض تنوخ، وأصلهم من قضاعة كرهوا الخضوع للملك الفارسيّ، فلحقوا بمن بالشام من قضاعة ( )، وكانت الحروب بين القبائل والفرس سجالاً؛ فقد مرّ بنا افتخار جُدَيّ بن الدّلهاث بانتصار قضاعة على جموع أعجمية، وانتصرت إياد على أعاجم كسرى بشاطئ الفرات الغربي ( )، وقاتل عامل كسرى على السواد بني بكر بن وائل حين نزلوا ذي قار، وهو موضع متاخم لسواد العراق، في سنة قحط، فانهزم عامل كسرى، وسميت تلك الوقعة يوم ذي قار الأول( ). تلك صور من الصراع بين العرب والفرس على امتلاك المراعي الخصبة في سواد العراق، ولقد استخدم الفرس أقْسَى مظاهر البطش والتنكيل بالعرب ( )، ثم أدرك سابور الثاني، ذو الأكتاف صعوبة الاستمرار في سياسة البطش بالعرب وخطورة هرب بعضهم إلى الشام، وانضمامهم إلى صفوف الروم أعداء الفرس، فهادن العرب، وحالف المناذرة ضد الروم ( )، ومن أجل حماية حدود مملكته من غارات القبائل العربية.
ولكن هذه التدابير لم تمنع الارتحال إلى العراق، ولعلّ خير دليل على ذلك أن كسرى أنو شروان " بلغه أن طوائف من الأعراب يغيرون على ما قرب من السواد إلى البادية فأمر ... بحفر خندق من هيت يشقُّ طَفَّ البادية إلى كاظمة مما يلي البصرة، وينفذ إلى البحر، وبنى عليه المناظر والجواسق ونظمه بالمسالح ليكون ذلك مانعاً لأهل البادية من السواد " ( ). لقد رسم كسرى بذلك الحدود السياسية بين دولته والعرب، ولكن وجود العرب في العراق كان اقوى من سلطان كسرى، وكان ممهداً موضوعياً للفتوح وللتوحيد في ظلّ دولة الخلافة الراشدة( ).
وكان وجود الصرحاء في بلاد الشام لايقل أهمية عن وجوهم في العراق؛ فقد ارتحلت الجماعات الصريحة إلى الشام فراراً من البطش والظلم، ورغبة في الحلول بأراضٍ خصبة، تقدم للمرتحلين سبل الحياة الرغدة؛ فالشام، في شعر عمرو بن كلثوم، أرض فيها حمىً وحَبٌ، وفيها يعيش الفقراء ( )، وأمّا الحجاز فإنه في شعر حسان بن ثابت المرتحل إلى الشام لمدح الغساسنة- رضيعُ الجوع والبؤس( ) ومن الملاحظ أن وجود الصرحاء في الشام لم يلق معارضة شديدة كالتي لقيها في العراق، بل كان الشام ملاذ القبائل الهاربة من بطش كسرى في العراق، ومنها إياد وقضاعة، ويمكن إرجاع ذلك إلى سببين الأول: أن بوادي ال شام كانت تتسع للقادمين الجدد؛ والثاني: أن الروم وجدوا في القادمين إلى الشام حلفاء لهم ضد الفرس، وأنّ الغساسنة نجحوا في تأليفهم، ولعلّ ذلك مّما يفسرّ إعراض عرب الشام عن غزو المدن والقرى الشامية فأخبارهم الجاهلية تؤيد ذلك بخلاف أخبار إخوانهم في العراق.
والأشعار الدالة على ارتحال الجماعات الصريحة إلى الشام وافرة، ومنها قول سلامة بن جندل يفخر بإجلاء ربيعة( ):
سُقْنا ربيعةَ نحو الشامِ كارهةً
سَوْقَ البِكارِ عَلَى رَغْمٍ وتأنيبِ

وقول النابغة الجعدي في نزول قضاعة الشام ( ):
وقد آنَسَتْ مِنّا قَضاعَةُ كالِئاً
فَأَضْحَوا بِبُصْرَى يَعْصِرُونَ الصَّنَوْبَرا

تدل الأخبار على تغلغل الصرحاء في أرجاء الشام، ولاسيما في الحواضر القريبة من المدن، وفي البوادي؛ فقد مرّ خالد بن الوليد في أثناء الارتحال بجيشه من العراق إلى الشام بكثير من العرب الصرحاء في بادية الشام ( )، وأنزل أبو عبيدة بن الجراح ببالس عَرَباً من قيس نزعوا إليه من البوادي، ولم يكونوا من بعوث الفتح ( )، وكانت منازل الغساسنة في الجولان وحوران وفي المدن والقرى المحيطة بدمشق( )، وكان حاضر قِنّسرين لتنوخ، نزلوه وهم في خيم الشعر، ثم ابتنوا فيه المنازل، وكان فيه أيضاً قوم من طيّئ، وقد اسلم بعض أهل حاضر قِنّسرين على يد أبي عبيدة، واقام بعضهم الآخر على النصرانية( )، وكذلك الحال في حاضر حلب؛ فقد وجد فيه أبو عبيدة عَرَباً من تنوخ وغيرهم( )، وفي حاضر الرقة؛ فقد وجد فيه عياض بن غنم عربا مقيمين فيه ( )، ووُجدَ في جبل الجليل، في أيام أبي بكر (رض) عرب من أَراشة من بَلِيّ( )، وحين فتح معاوية قَيْسَارية وجد بها خلقاً من العرب( ).
ونزل العرب "طور سيناء، حتى بلغوا ضفاف النيل الشرقية، وهي أرضون أدخلها الكتبة القدامى من يونان ولاتين وعبرانيين وسريان في جملة مساكن العرب، ودعوها بـ (العربية) وبـ( بلاد العرب) لأن أغلب سكانها كانوا من العرب" ( )، ولقد جاء في أخبار الجاهليين ما يدل على ارتحال بعض الصرحاء في الجاهلية إلى مصر؛ فقد ارتحل بنو حَوْتَكَة من قضاعة إلى مصر، وفي ارتحال حوتكة وتفرّقها يقول زهير بن جَنَب الكلبي مظهراً تضامنه معهم، واستياءه من الذين أكرهوهم على الارتحال ( ):

أَحَوْتكةُ بنَ أَسْلَمَ إنَّ قوماً
عَنَوكُمْ بالمساءة قد عَنَوني

وثمة دلالة مهمة في خبر ارتحال بني حوتكة إلى مصر؛ فقد جاء فيه:" وسارت حوتكة بعد إلى مصر... ويُقال إنّ الذين بمصر عامتهم أنباط" ( )؛ فالإشارة إلى تحول الصرحاء إلى أنباط تدل على أهمية البعد المكاني عن الأصول، وعلى أهمية العامل الاقتصادي في ضياع الأنساب الصريحة، وتفتح أمام الباحث مجالاً للقول بأن الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية قد ضمت عرباً مجهولين إضافة إلى العرب الصرحاء الذين وصلت إلينا أخبارهم، وأن أولئك المجهولين منهم أنباط يعملون بالزراعة، ومنهم مهنيون يقيمون في المدن( )؛ فالأخبار التي وصلت إلينا تشير إلى حركة الارتحال والاستيطان ولكنها لاتستوعب تلك الحركة، ولاتظهر أثر الاستيطان في العراق والشام ومصر على لغة المرتحلين وعلى عاداتهم وتقاليدهم.
لقدجاء الاسلام والجزيرة العربية بحدودها الطبيعية مأهولة بالعرب( )؛ وأعني بهم العرب الصرحاء الذين تعارف " العلماء الإسلاميون على اعتبارهم عَرَباً،... والعرب المجهولين الذين لم يمنحوا هذه الشهادة بل حرموا منها، ونصّ على إخراجهم من العرب كالنبط... والعرب المجهولين كلّ الجهل الذين لم يكن للمسلمين علم ما بهم، ولم يكن لهم علم حتّى بأسمائهم" ( ). وهؤلاء النبط وغيرهم من العرب المجهولين الذين استوطنوا العراق والشام ومصر وسواحل الخليج العربي واليمن كانت لغاتهم بل لهجاتهم قريبة من الفصحى لغة الصرحاء، وقد تنبّه إلى التقارب اللغوي بين العرب الصرحاء وغير الصرحاء بعضُ القدماء؛ ففي حديث ياقوت الحموي عن( كنعان) جاء:" قال ابن الكلبي:... الشام منازل الكنعانيين، وأمّا الأزهري فقال: كنعان بن سام بن نوح إليه ينسب الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية" ( ). ولعلّ الكنعانيين، وأمثالهم مِمّن يتكلمون لغة تضارع العربية هم من العرب العاربة وهم عرب قدماء، وجدوا " قبل إسماعيل، ومنهم عاد وثمود وطسم وجديس وأُميم وجرهم والعماليق، وأُمَم آخرون لايعلمهم إلا الله "( )، ومنهم بنو ثابر، وهم "حّيّ من العاربة الأولى" ( ).
إن الظرف التاريخي الذي عاش فيه الجاهليون لايسمح لهم بأن يدركوا غير ما تعيه ذاكرتهم عن العرب وأرضهم ؛ فالأرض العربية بالنسبة إليهم تعني المكان الذي يعيش فيه العربي الصريح، ومن بحكمه من الملحقين بالصرحاء، متحرراً من القبضة الأجنبية، وكان الشعراء الجاهليون خاضعين لذلك الظرف التاريخيّ، وبذلك نفسرّ نعت بعض الشعراء أرض العراق بأنها (أرض فارس)( )، وبلادَ الشام بأنها (أرض الروم)( ). ولكن عجز الجاهليين، ومنهم الشعراء، عن إدراك عروبة الشام والعراق ومصر لاينفي وجودها الموضوعي. وقد جاءت أحداث الفتوح الإسلامية لتؤكد عروبة تلك المناطق؛ فقد أسهم سكانها في تيسير الفتح وإجلاء الفرس والروم؛ وبذلك قطف العرب ثمرة الهجرات المتلاحقة إلى تلك البلاد، وظهر جَليَّا دور الصرحاء من المرتحلين بخاصة في إتمام فتح الشام والعراق وتثبيت عروبتهما.
لقد تبين لنا أن الارتحال يضاد الاستقرار، ولكنه لايتقضه؛ فارتحال كثير من الأفراد والجماعات كان مؤقتاً وتعبيراً غير مباشر من ارتباطهم الشديد بالمواطن المرتحل عنها، ولقد أسهم الجانب السلمِيّ من الارتحال بالتواصل بين الجماعات الإنسانية المتباعدة نسباً، وباستيطان مناطق غير مأهولة أو شبه مأهولة؛ فتوفر بذلك الأساس الموضوعي لازدياد انتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان وسكانه شمولاً ( ). وعلى الرغم من المظاهر السلبية لارتحال الجمعات المقترن بالحروب والصراعات الدامية فإن ذلك الارتحال أسهم في مقاومة الوجود الأجنبي الدخيل في العراق والشام ومصر، ورفد سكان تلك البلاد بجماعات سكانية صريحة، اندمج بعضها بسكان البلاد، وحافظ بعضها الآخر على الوجود المتميز بوحدة الأصل النسبي الصريح، وبذلك تَرَسّخ الوجود العربي في تلك البلاد، ورُسمت الحدود والتخوم المميزة لذلك الوجود، واللازمة لولادة وطن عربي موحد في ظل سلطة مركزية، تقود سكان ذلك الوطن، وتسوسهم.
لقد عرفنا الخطوط الرئيسة لمظاهر الاستقرار والارتحال، ورأينا أهميتهما في التخفيف من غلواء التعصب للنسب الأبوي، وفي ولادة انتماءات جديدة، ذكرنا منها الانتماء إلى المكان بصفته مدى جغرافياً؛ فالإنسان يرتبط بمداه الجغرافي ارتباطاً عضوياً، فيتولد لديه انتماء أصيل وعميق إلى ذلك المدى يدفعه إلى تطويره بطرق مختلفة تدعم الظروف الملائمة لاستقرار السكان وتطورهم.
ولقد أفضى انتماء العرب الصرحاء ومن بحكمهم إلى المدى الجغرافي العربي إلى تنوع عقليتهم وتفكيرهم. وفيما يلي تتبع للأشعار الدالة على ذلك التنو.
3- عقلان ومديان
1- البوادي
من ينظر إلى المدى الجغرافي العربي (الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية) يلاحظ تنوّعه ؛ ففيه صحارى وسواحل وجبال وأرياف وبوادٍ، تنشر فيها المدن والقرى. وقد أدرك الجاهلي وجود نمطين رئيسين من المدى الجغرافي الذي عاش فيه الجاهليون، هما : البوادي والقرى.
يقول حسان بن ثابت في غزوة الخندق (الأحزاب) ( ):
واشْكِ الهُمُومَ إلى الإلهِ وما ترى
من مَعْشَرٍ مَتَأَلِّبِينَ غِضَابِ

أَمُّوا بغزوهم الرسولَ وَأَلَّبُوا
أَهْلَ القُرَى وبَوادِيِ الأَعرابِ

جيشٌ عُيَيْنَةُ وابنُ حَرْبٍ فيهمُ
مُتَخَمِّطِينَ بِحَلبَةِ الأَحْزَابِ

فالمشركون في غزوة الأحزاب فيهم قرشيون، وهم من أهل القرى، وقائدهم أبو سفيان بن حرب وفيهم غطفانيون، وهم من أهل البوادي، وقائدهم عُيينة بن حصن الفزاري( ). وقد يطلق على أهل القرى الأمصار يقول عامر بن الطفيل( ):
وَنَعُدُّ أياماً لنا ومَآثِراً
قِدْماً نَبُذُّ البَدْوَ والأمْصَار

والفارق الرئيس بين أهل القرى وأهل البوادي هو الفارق بين القرار والارتحال ؛ فأهل القرى يجدون كفايتهم غالباً في قراهم، وأهل البوادي يضطرون غالباً إلى تتبع المراعي. ولقد أجمل ذلك الحارث ابن ظالم المريّ الغطفاني إذ أظهر أن الفارق بين القرشيين والغطفانيين هو تتبع الكلأ. يقول الحارث يذكر قريشاً ( ):
فلو أنّي أشاءُ لكنتُ منهمْ
وما سُيّرتُ أَتّبعُ السَّحَابا

ويطلق على سكان البوادي اسم الأعراب ( )، وينقسمون إلى حاضرة وبادية" والحاضرة القوم الذين بحضرون المياه، وينزلون عليها في حمراء القيظ، فإذا برد الزمان ظعنوا عن أعداد المياه (العيون والآبار التي لاينقطع ماؤها)، وبَدَوا طلباً للقرب من الكلأ؛ فالقوم حينئذ بادية، بعدما كانوا حاضرة" ( )، وقد مَرّ بنا قول سلمة بن الخُرْشُب الأنماري( ):
فإنّ بني ذُبيانَ حَيثُ عَهِدْتُمُ
بِجِزْعِ البَتيلِ بين بادٍ وحاضِرِ

إن اختلاف نمط حياة الأعراب عن نمط حياة أهل القرى جعل لكلِّ منهما موقفاً معارضاً لنمط حياة الآخر؛ فالأعراب يذمون الإقامة في البيوت، ويرون في الارتحال اكتساباً للمعارف والرزق( ):
إذا أَوْطَنَ القومُ البيوتَ وَجَدْتَهُمْ
عُماةً عن الأخبارِ خُرْقَ المَكاسبِ

والأعراب ينفرون من القرى، ويتحاشون نزولها، ومنهم قوم (أسيماء) الذين كرهوا في أثناء ارتحالهم دخول قرية كانت قصداً على طريقهم، فاجتنبوها، وعَدَلوا عنها( ). وتجنّب الأعراب الدخول إلى القرى يرجع إلى اعتقادهم أن بيئة القرى أو بعضها موبوءة بالأمراض التي تضرُّ بصحتهم، وتؤذي مواشيهم. ومن الشعر الدال على التخوّف من بيئة القرى قول سويد خَذّاق الشّنيّ يهجو عمرو بن هند ( ):
أبى القلبُ أَنْ يأتي السَّد يَرو أَهْلَهُ
وإنْ قيلَ: عَيْشٌ بالسَّديرِ غَريرُ

به البقُّ والحُمَّى وَ أُسْدُ خَفَّيِةٍ
وعمروُ بنُ هِنْدٍ يَعْتدي ويَجُورُ

فلا أَنْذِرُ الحيَّ الأُولى نَزلوا به
وإنّي لمنْ لم يأتِهِ لنذيرُ

فالسَّدير به البقّ والحمّى، وبقربه مأسَدَةُ خَفِيَّة، وذلك من أسباب ترك سويد للسّدير وإنذاره لمن لا يعرفه. ومن الظاهر أن بعض القرى الزراعية كانت مرتعاً للأوبئة التي تستوطن المستنقعات وأشباهها كخيبر، فهي موصوفة بالحُمّى، وفيها سبعة حصون ومزارع ونخل كثير ( )، ومن الشعر الدال على بيئة خيبر الموبوءة قول النابغة الجعدي ( ):
ولكنَّ قومي أصبحوا مثل خَيْبَرٍ
بها داؤها ولا تَضُرُّ الأعاديا

وذكر بعض الشعراء من الأعراب فضلَ مراعيهم على مراعي القرى؛ ففي البوادي ينبت مارقَّ ورطبَ من البقول، وهي أنسب للإبل مِمّا ينبت في السّباخ، وذلك في قول الربيع بن زياد العبسيّ يخاطب النعمان بن المنذر، وكان خرج من الحيرة إلى بادية قومه مغاضباً له ( ):
تَرْعَى الروائمُ أحرارَ البُقُولِ بها
لامثلَ رَعيكمُ مِلْحاً وغَسويلا

وعلف خيل أهل القرى بالشعير والقَتّ يجعلها تضعف عن مجاراة خيل الأعراب التي تعلفُ الحشيش، وتُسقى اللبن( ). ومراعي البادية تسرّ أهلها؛ فهي في شِعْر لبيد (بلا وَبَأٍ، ولاوَبَالِ) ( ).
وبرز لدى الجاهلين اعتقادٌ بأنَّ نهر العَبْل (نهر لمراد باليمن) لايشربُ منه أحدٌ إلاّ حُمَّ، وأضاف عمرو بن معد يكرب الغدر إلى الحمى في قوله( ):
ومَنْ يَشْرَبْ بماءِ العَبْلِ يَغْدِرْ
على ما كان من حُمى وِرادِ

ولعلّ إضافة الغدر إلى الحمى يرجع إلى الاعتقاد بأن أهل القرى يغدرون، ويدلّ على ذلك قول العباس ابن مرداس( ):
فلا تَأمنَننْ بالعاذِ والخَلْفْ بَعْدَها
جوارَ أُناسٍ يَبْتَنونَ الحَضَائِرا

فالأعرابيّ (العباس بن مرداس) يعتقد أن من يبني الحضائر (ينزل الأرياف ويعمل بزراعة النخيل) لا يؤتمن جواره وهذا الأعرابي يعتقد أيضاً أن أهالي اليمن، وأكثرهم أهل قرى وأرياف، كذلك فهم يغدرون ويخونون يقول العباس( ):
وفي هَوازنَ قَوْمٌ غيرَ أَنَّ بِهِمْ
داءَ اليمانيْ، فإنْ لم يَغْدِرُوا خانوا

إنّه يتهم قوماً بداة بأن بهم داءَ أهالي اليمن، غدراً وخيانةً، ويشبه ذلك قول النابغة الذبياني:"ولكنْ لا أمانَةَ لليماني"( ).
إن الأعرابيّ يعتقد فساد بيئة القرى والأرياف؛ فهي تسبب الأمراض للإنسان والحيوان ( )، وفيها تفسد الأخلاق، وتهتزّ القيم؛ فالذين يعيشون في القرى والأرياف يقومون بأعمال يأنف منها الأعرابي، ويعتقد أنها تورث أصحابها اللؤم، ولذلك اتهم أصحاب الحضائر وأهالي اليمن بالغدر والخيانة؛ ونفى عن نفسه وعن قومه الاشتغال بالحرف والمهن التي يألفها أهالي القرى، وقد عَبّر عن مجمل ذلك خِداش بن زهير العامرِيّ في قوله( ):
ولن أكون كَمن أَلّقى رِحَاَلَتهُ
على الحِمارِ وخَلَّى صَهوَةَ الفَرَسِ

وقوله يفخر بقومه على بني كنانة( ):
لاقتكُمُ منهُمُ آسادُ مَلْحَمَةٍ
لَيْسُوا بزُراعةٍ عُوجِ العراقيبِ

فخداش لايستبدل بصهوة الفرس حماراً، فالحمار مركب الزرّاع وأهالي القرى؛ وخداش ينفي عن قومه العمل بالزراعة، ويفخر بأهله " أهل السَّوَام وأهل الصخر واللوب " ( )، ويشبه خداشاً العباسُ بن مرداس إذ يقول مفتخراً بقومه( ):
لايَغْرسونَ فَسِيلَ النَّخْلِ وسْطَهم
ولا تَخاوَرُ في مشتاهم البَقَرُ

إلا سوابحَ كالعقبّانِ مُقْرَبةً
في دَارةٍ حَوْلها الأخطارُ والعِكَرُ

إنه من قوم لايزرعون النخيل، ولا يقتنون البقر، فهم أهل حرب وارتحال، من قوم بداة، يقتنون الخيل والإبل، وبمثل ذلك افتخر الأعشى، فقومه ليسوا مثل (إياد) التي نزلت (تكريت) من العراق؛ فهي " تنظر حَبَّها أنْ يُحصدا"، ولكنّ الله أكرمهم، إذ جعل رزقهم في إبلهم، فهي جزارة لسيوفهم ورزقٌ لاينفد( ).
ويُضاف إلى نفور الأعراب من المهن والحرف التي يمارسها أهالي القرى والأرياف ( ) أنفتهم من اتخاذ البيوت والحصون المشيدة، ومن الأشعار التي تدل على ذلك قول مِسْهِر بن عمرو الذهلي الضبيّ لظالم بن غضبان السِّيديّ الضبيّ( ):
إنْ تَكُ ياظالمُ، الدّيانُ، في مَدَرٍ
فإنَّنا مَعْشَرٌ لا نبتني الطِّينا

إنَّا وَجَدْنَا أبانا لا عَقَارَ لهُ
إلاّ القِداحَ إذا قِظنا وشَاتينا

إنّ مُسْهراً يفخر بأعرابيته؛ فقومه لايتخذون البيوت الطينيّة، ولا يمتلكون العَقارات بل الخيول الضامرة، وبمثل ذلك افتخر الطفيل الغنويّ بامتلاك بيت أعرابيّ هذه صفته( ):
وَبَيْتٍ تَهُبُّ الريحُ في حَجَراتِهِ
بأَرضٍ فَضَاءٍ بَابُهُ لم يُحَجَّبِ

سَماوَتُهُ أسمالُ بُرْدٍ مُحَبَّرٍ
وصهوتُهُ مِنْ أَتْحَمِيً مُعَصَّبِ

وأطنابُهُ أَرسَانُ جُرْدٍ كَأَّنها
صدوُر القنا من بادئٍ ومُعَقِّبِ

إنّه خيمة منصوبة في أرض فضاء تهبُ الريح في نواحيها، بابها مُشْرَع للناس، لكرم أصحابها وشجاعتهم، أعلاها أسمال برد مُحَبّر، وظهرها من البرود الأَتْحَمِيّة، وحولها الخيول مقربة، مشدودة بأطناب ذلك البيت الأعرابيّ، بيت الحرب والارتحال والكرم.
وفَخَرَ الأعرابيُّ على أهل القرى ؛ فهو يحتمي بسيفه ورمحه، ويلوذ بالخيل المقربة من الخيام؛ فحصون بني تغلب رماح عالية، وسيوف ماضية، وذلك في قول عمرو بن كلثوم
لنا حُصُونٌ مِنَ الخَطّيّ عَاليةٌ
فيها جَداولُ من أًسيافنا البُتْرِ

فَمَنْ بَنَى مَدَاراً مِنْ خَوْفِ حادِثَةٍ
فإنَّ أسيافنا تُغني عنِ المَدَرِ

وحصون بني أسد خيول مقربة جُرْدٌ، تعدو بالرجال في قول عبيد بن الأبرص يذكر منازل قومه( ):
مالَنا فيها حُصُونٌ غَيْرُ ما الـ
مُقْرَبَاتِ الجُرْدِ تَرْدِي بالرّجالِ

وتجربة الأَسْعَرِ، مرثدِ بنِ أبي حمران الجُعْفيّ في الحياة اسلمته إلى أن يقول ( ):
ولقد علمتُ عَلَى تَجَشُّمِيَ الرَّدَى
أنَّ الحصونَ الخيلُ لامَدَرُ القُرَى

وقد جمع كلَّ ذلك(السيف والرمح والخيل) خالدُ بن جعفر العامريّ في قوله( ):
ولا حِزْرُ إلاّ كَلُّ أَبْيَضَ صارِمٍ
وكلُّ رُدَيِنيٍّ وَجَرْداءَ ضامرِ

إن الأعراب، وهم يحتمون برماحهم وسيوفهم، ويلوذون بخيولهم، يستطيلون على أهالي القرى الذين يبنون الحصون ليحتموا بها من الأعداء، ولتزداد قدرتهم على الاستقرار في المكان.
ولما كان الارتحال سمة رئيسة لحياة الأعراب، فقد كَثُر في شعرهم تصوير الارتحال، وذكر المكان المرتحل عنه. وكان حدث الارتحال مثيراً لمشاعر الحزن في نفوس الأعراب( ) ؛ فالارتحال يؤذن بتحطم بعض القلوب، وبانقطاع بعض العلاقات الإنسانية الدافئة، ومن ذلك ارتحال ******ة وأهلها؛ فقد اصاب طرفة بالفجيعة ( )، وراع عنترة( )، وأصاب بشر بن أبي خازم بما لاعزاء للقلب منه( )، وآلم عمرو بن كلثوم، فأورثه حزناً يفوق ما تشعر به ناقةٌ فقدت ولدها، أو عجوز دفنت أولادها كلهم ( ). وحدث الارتحال يحزن المقيم والظاعن معاً، يقول زهير ذاكراً منازل لآل أسماء( ):
لآلِ أسماءَ إذْ هامَ الفؤادُ بها
حِيناً، وإذ هِي لم تَظْعَنْ، ولم تَبَنِ

وإنْ كِلانا إذا حانتْ مُفَارَقَةٌ
من الديارِ طَوَى كَشْحاً عَلَى حَزَنِ

وبارتحال الأعرابيّ عن المكان لاتنقطع صلته به انقطاعاً تاماً، فإقامته فوق ذلك المكان هي جزء من تاريخه، تختزنه ذاكرته، وتثير رؤيته بعد سنينن من الارتحال ذكريات أيامٍ خوالٍ تشعل في جوانحه نيران الشوق إلى أَنس ذلك المكان، فيسترجع بخياله تلك الأيام، ولكن الخيال يصطدم بالواقع المؤلم؛ فمكان الذكريات طَلَلٌ، وأَنَسه شذرَ مذرَ، وحينئذٍ تسمح عيون الأعراب بالدموع، ومنهم لبيد الذي يقول( ):
لِمَنْ طَلَلٌ تَضَمَّنهُ أُثَالُ
فَسَرْحّهُ فالمَرَانَةُ فالخَيَالُ

فَنَبْعٌ فالنُّبيعُ فَذُو سُدَيرٍ
لآِرامِ النِّعاجِ به سِخَالُ

ذكرتُ به الفوارسَ والنَّدامَى
فَدَمْعُ العينِ سَحٌّ وانْهِمَالُ

ومثل ذلك قول عبيد بن الأبرص( ):
ومثل ذلك قول عبيد الأبرص( ):
تُحاوِلُ رَسماً مِنْ سُلَيْمَى دَكادِكا
خَلاءً تُعَفّيهِ الرٍّياحُ سَوَاهِكا

تَبَدَّلَ بَعْدِي من سُلَيْمَى وَ أَهْلها
نَعَاماً تَرَعَّاهُ وَأُدْماً ترَائِكا

وَقَفْتُ به أَبْكِي بُكاءَ حَمَامَةٍ
أَراكِيَّةٍ تَدْعُو الحَمامَ الأَواركا

لبيد يتذكّر الفوارس والندامى، وعبيد يتذكر سُلَيْمَى وأهلها، وكلاهما- لبيد وعبيد- يبكيان، ولطالما بكى الأعراب حين رأوا دياراً كانت للأهلل والأحباب والأصحاب، وقد أضحت دارسة، لا أنس فيها إلا نعاما وظباءً ترتع، وبقايا رسوم لها العيون تدمع.
وكان حزن الأعرابيّ حين يرى ديار قومه الدّارسة شديداً، وكان يحلم باستعادة الزمن ليراها وقد أضحت عامرة ومأهولة بالأهل والأحباب والأصحاب. ولكن استحالة تحقق الحلم تجعل الأعرابيّ الشاعر يلوذ باللغة والخيال ليبعث الحياة الإنسانية في الأطلال والرسوم كقول عنترة( ):
يادَارَ عَبْلَةَ بالجِواءِ تكَلَّمِي
وَعِمِي صبَاحاً دارَ عَبْلَةَ واسلَمي

وقول زهير( ):
فَلَمّا عَرَفْتُ الدارَ قُلْتُ لِرَبْعِها:
ألا عِمْ صَباحاً، أيُّها الرَّبْعُ واسلَمِ

إن (عنترة وزهيراً) يشخّصان الديار الدارسة بإسباغ صفة القدرة على الكلام والحوار عليها، وتلك من أبرز صفات الإنسان، ولاسيما الجاهلي اليذ يعتدّ بالفصاحة والبيان. ولكن المحاولات الفنيّة لبعث الإنسانية في الأطلال والرسوم تصيب الذين يودّون جعل الحلمَ حقيقيةً بالخيبة؛ فالأطلال لاتجيب، ولو كان السائل ملحاحاً كالشمّاخ في قوله( ):
وَعَرفْتُ رَسْماً دارِساً مُخْلوْلقاً
فَوَقَفْتُ واستَنْطَقُهُ استنْطَاقَا

وحينئذٍ يفيق الأعرابي الشاعر من غفوة الحلم، ويدرك أن طول المساءلة للديار لا تغُيّر الواقع المؤلم، ولا تبعث الحياة في الجماد ( ):
وَقَفْتُ بها أُسائِلُها طَويلاً
وما فيها مُجَاوبةٌ لِداعي

الديار " فاستعجمت وسائل البشر بن عُلَيق الطائي أن تَكَلّما" ثم ساءلها ثانية" فاستعجمت أن تجيبني"( ). أرادها أن تتكلم وأن تفيض في الحديث معه فاستعجمت، ثم رضي منها بالإجابة، بالكلام القليل، فاستعجمت أيضاً.
الديار لاتتكلم، تلك حقيقة يعود الأعرابي الشاعر إلى إدراكها بعد صحوته من غفوة حلمه الشاعريّ، وحينئذ قد يعود على نفسه باللوم لأنه يحاول المستحيل؛ ومن ذلك قول السلامة( ):
وَقَفْتُ بها ما إنْ تُبينُ لِسَائِلٍ
وهَلْ تَفْقَهُ الصُّمُّ الخوالِدُ مَنْطِقِي؟

وقول لبيد( ):
فوَقَفْتُ أَسأَلُها، وكيفَ سُؤالنا
صُمَّاً خوالدَ ما يُبِيْنُ كَلاَمُهَا؟

ماذا بعد الوقوف والمساءلة والعِيّ؟ لاشيء عدا رحيل السائل، وفي قلبه حسرة، إلى مكان آخر مأهول بالأقارب والأحباب والأصحاب( ):
فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنَّها لاتُجيبني نَهَضْتُ إلى وَجْنَاءَ كالفَحَلِ جَلْعَدِ
إن نغمة الحزن تظهر في كلّ نشيد يذكر فيه الأعرابيّ دياره المرتحل عنها، إنّه يُعَبّر في وصف الأطلال عن "انحسار المدّ الحضاريّ، وهزيمة الوجود الإنساني" ( )، وعن اضطراب نفسه، وقلقها، فالارتحال من مكان إلى آخر يجعل الأعرابيّ منتمياً إلى أكثر من مكان؛ وتجعل مشاعره تجاه المكان تتراوح بين الاعتداد بالمكان الذي يقطنه، والحنين إلى الأمكنة المرتحل عنها، والبكاء عليها ( ).
وإن اختلاط اعتداد الأعراب بباديتهم وحياتهم بحزنهم على المنازل التي هجروها جعل في انتمائهم إلى المكان اعتداداً وانكساراً ينتجان قَلَقاً طالما أتعب أولئك الأعراب، وأشاع في أشعارهم نغمة البكاء، وأوحى بإحساسهم بقسوة الحياة، وبرهة الشتات، وبالرغبة في الاستقرار( )، بّلْ لقد صرح بعض الأعراب بميلهم إلى حياة أهل القرى ومنهم ساعدة بن جُؤيَّةَ الهذليّ، في قوله( ):
إنْ يَكُ بَيْتي قشْعَةً قَدْ تَخَدَّمَتْ
وَغُصناً كأنَّ الشَّوْكَ فيهِ المَواشِمُ

فذلكَ ما كُنَّا بِسَهْلٍ وَمَرَّةً
إذا ما رَفَعْنا شَثَّةٌ وصرائِمُ

فَفَدْ أَشْهَدُ البيتَ المُحَجَّبَ زانَهُ
فِراشٌ وَجُذْرٌ موجَعٌ وَلَطَائِمُ

إنّه أعرابي بيوته من جلد وأغصان شائكة، ولكنه يعتدّ بأنّه كان ينزل بيوتاً مبنيةً، جُدرها غليظة، تزدان بالفراش، وينعم أصحابها بالطيب. وسياق الاعتداد في هذا الشعر يوحي بتفضيل العيش في البيوت القرويّة على العيش في الخيام الأعرابيّة. وكان يزيد بن الصَّعِق العامريّ أكثر صراحة من ساعدة في إظهار الميل إلى حياة أهل القرى؛ فقد زار يزيد صنعاء، ورأى أهلها، وما فيها من العجائب، فلمّا انصرف قيل له: كيف رأيت صنعاء، فقال( ):
مَنْ يَرْأَ صنعاءَ الجنودِ وَ أَهْلَها
وَجُنُودَ حِمْيَرَ قاطِنينَ وَ حِمْيَرَا

يَعْلَمْ بِإنَ العَيشَ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ
حَلَبُوا الصَّفاءَ، فَأَنهلوا ما كَدَّرَا

وَيَرَى مَقَاماتٍ عَلَيْها بَهْجَةٌ
يَأْرَجْنَ هِنْديّاً، وَ مِسْكاً أَذْفَرَا

إنّه معجب بصنعاء وبأهلها؛ فلقد اصطفوا لأنفسهم رغد العيش، فباتت على ملامحهم البهجة، وفاح من أردانهم الطيب.
إن أنفة الأعرابي الظاهرة من العيش في غير مداه الجغرافي لا تنفي رغبته الدفينة بل الصريحة أحياناً في الاقتدار على الاستقرار، والخلاص من مشاقّ الارتحال، والبحث المستمر عن الأماكن المناسبة لبقائه واستمرار وجوده الإنسانيّ، إنّ في أعماقه رغبة في حياة مستقرة، يتحرر فيها من قيود الطبيعة القاسية التي ترغمه على الارتحال. بل لقد رأى الأعراب أن سببَ الارتحالِ الإنسانُ لا المكانُ؛ فالإنسان الذي لايرتضي أن يبذل جهداً لجعل المكان مناسباً للاستقرار تستريح نفسه إلى الارتحال إلى مكان جديد يستثمره، ولا يطوره، ثم يرتحل عنه إلى غيره، وهذا ما يُفهم من قول عمرو ابن الأهتم المنقري( ):
لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بلادٌ بِأهْلهِا
ولكنَّ أَخْلاقَ الرجال تَضيق

إنه قولٌ واع، يدعو إلى تطوير المكان وإلى الاستقرار، وتجاوز مرحلة الارتحال من مكان إلى آخر. تلك هي أبرز آثار المدى الجغرافي البدويّ في عقلية سكانه وقيمهم، فكيف كانت آثار المدى الجغرافي القروي والريفي في سكانه؟
***
2- القرى
إنّ استيطان القرى والأرياف ( ) في شبه الجزيرة العربية ارتبط بوجود المياه وبصلاحِيّة المكان للزراعة( ومن ذلك يثرب والطائف) أو للتجارة (ومن ذلك مَكّة). ولقد مَرّ بنا في أثناء الحديث عن القرار بالمكان افتخار أبناء القرى بحفر الآبار، وامتلاك مزارع النخيل والأعناب، وبذل الجهد اللازم لاستثمار تلك المزارع، كما افتخروا ببناء الحصون والآكام التي تؤوي أصحابها، وتُسهم في دفع غوائل الأعداء؛ إنهم يفخرون بجهودهم المبذولة لتطوير مواطنهم، وأكرم بذلك فخراً؛ فتلك الجهود تدعم استقرارهم وترسخ وجودهم في مواطنهم.
وفخر ابناء القرى بجهودهم في مجالات الزراعة والريّ والبناء يبرز الخلاف الكبير بينهم وبين الأعراب الذين احتقروا تلك الجهود، ونفروا من مزاولتها، وأعلنوا اعتزازهم بامتلاك الإبل، فمنها يشربون ويأكلون، وبامتلاك الخيل والسلاح، فبها يكسبون لأنفسهم، ويدافعون عنها. وكان أهالي القرى والأرياف يفاخرون الأعراب، ويسخرون منهم، كقول أوس بن حجر يهجو رجلاً من بني أسد( )
وَعَيَّرْتَنا تَمْرَ العِراقِ وَبُرَّه
وَزَادُك... الكَلْبِ شَوَّطَةُ الجَمْرُ

وفَضَّل حسان بن ثابت يثرب على البادية؛ فأودية يثرب ومياها وبنيانها( ):
أَحَبُّ إلى حَسّان لو يَسْتَطِيعُهُ
مِنَ المُرِقصاتِ من غِفَارٍ وأَسْلَمِ

وإذا كان الشاعر الأعرابيّ يفخر بقوله:"إنّا وَجَدنا ابانا لاعَقَار له" فإنّ عَدِيّ بن وداع العُقُويّ الأزديّ العُمانيّ( ) له موقف مغاير من تَمَلّك العقارات، في قوله ( ):
يابنةَ كعبِ بنِ صُلَيْعٍ ألا
تَسْتَقِني إنْ كُنْتِ لم تَذْهَلي

قالتْ ألا لا يُشْتَرَى ذاكَمُ
إلاّ بِرُغبِ الثَّمَنِ الأَجْزَلِ

إنْ تُعطينا سَطرَ الحِفَافَينِ مَقْـ
ـطوعاً لنا بَتْلاً إذنْ نَفْعَلِ

لإنَّ الحِفَافَيْنِ عَقَارُ امرئٍ
يَمنعه الضًّيْمَ، فلا تَجْهَلي

مالُ امرِئٍ يَخْبِطُ في الغَمْرةِ الـ
قِرْنَ غداةَ البأسِ بالمُنْصُلِ

إنْ كنتِ تَسْتَأْسيِنَ لابُدَّ فالـ
ـمعروفُ مِنّا، أختنا، فاسألي

ألعبدَ أو بكرتَنا الحرَّةَ
الزَّهْراءَ أَوْ مُنْصِفَةَ النُّزَّلِ

طِبنْا بهذا لكِ نَفْساً فإنْ
تَرضَيْ به عَنَّا إذنْ فافعلي

إنه يرغب بابنة صليع، ولعلها كانت ترغب به أيضاً، ولكن عقاراً (أرض الحفافين) كان يحول بينهما؛ هي تريد العقار لها، وربما لأهلها، وهو لاتسمح نفسه ببذله، بل ببذل عبدٍ، أو ناقةٍ فتيّة، أو جارية تحسن الخدمة، نفسه تطيب ببذل أي شيء من ممتلكاته لنيل تلك المرأة عدا أرض الحفافين، فهل رضيت هي بذلك؟ لاندري، ولكن الشعر يظهر حرص كلّ منهما على تملك العقار، وذلك ما كان يهرب منه الأعرابي الذي يحرص على تملك الإبل، ليكون ماله معه اينما حَلَّ أو ارتحل.
والقرى العر بية ليست واحدة في قيمها ونمط معيشتها؛ فقد عبر الشعراء عن نمطين من حياة أهالي القرى هما: النمط الزراعي، والنمط التجاري. أمّا الأول فنجد تعبيراً عنه في أشعار أهالي يثرب، وكذلك أهالي الطائف، الذين افتخروا بحفر الآبار، وشق السواقي وزراعة النخيل، أما الثاني فنجده في أشعار أهالي مكة الذين افتخروا بحفر الآبار اللازمة لشرب سكانها، ومن يؤمّها من الحجاج والتجار. ولكنهم أعرضوا عن ذكر الزراعة ( ) لعدم صلاح الأراضي المحيطة بمكة للزراعة. وبرز اثر التجارة في إعلاء شأن القيمة المادية في الشعر المكّي( )، ومن ذلك الافتخار بلبس الثياب الفاخرة، والتلذّذ بمتع الحياة المادية كقول عمارة بن الوليدالمخزوميّ( ):
خُلِقَ البيضُ الحسانُ لنا
وجِيادُ الرَّيطِ والأُزُرُ

وقول الزبير بن عبد المطلب الهاشمي( ):
ولكنّا خُلِقْنا إذْ خُلِقْنا
لنا الحِبَرَاتُ والمِسْكُ الفَتِيتُ

ولونت التجارة شعر قريش بمعانٍ جديدة كقول عبد الله الزيعرى يمدح هاشم بن عبد مناف( ):
وهو الذي سَنَّ الرحيلَ لقومهِ
رِحَلَ الشتاءِ ورِحْلَهََ الأَصيافِ

وتركت التجارة أيضاً آثارها في شكل القصيدة المكّيّة التي خلت من المقدمة الطّلّلية ومن الرحلة عبر الصحراء؛ فالشاعر القرشي المكّيّ "الذي ترعرّعَ في بيئة تجاريّة انطبع تفكيره بالأساليب التي توصله إلى هدفه بأقصر الطرق وأقلّها كلفة، وأكثرها وضوحاً"( ).
ولقد أبرزت المعركة الشعرية بين مكّة ويثرب في عصر البعثة أن أهالي يثرب المزارعين كانوا يرون مهنتهم أشرف من التجارة، ومن الأشعار الموحية بذلك قول حسان بن ثابت في يوم أحد يهجو بني عبد الدار القرشيين( ):
حَسِبْتُمْ والسَّفِيهُ أخو ظُنُونٍ
وذلكَ ليسَ مِنْ أَمْرِ الصَّوابِ

بأَنَّ لِقاءَنا إذْ حانَ يَوْمٌ
بِمَكَّةَ بَيْعُكُمْ حُمْرَ العِيَابِ

وكذلك غمز كعب بن مالك من قناة قريش يوم الخندق؛ فقومه يملكون أراضي غنية بالمياه، صالحة للزراعة، ولا يشتغلون بالتجارة، يقول كعب( ):
أَلاَ أَبْلِغْ قريشاً أنّ سَلْعا
وما بينَ العُريض إلى الصِّمادِ

رَوَاكِد يَزْخَرُ المُرّارُ فيها
فَلَيْسَتْ بالجمامِ ولا الثِّمادِ

كأَنَّ الغابَ والبرديَّ فيها
أَجَشُّ إذا تَبَقَّعَ للحصادِ

ولم نَجْعَلْ تجارتنا اشتراء الـ
حَمِيرِ لأِرضِ دَوْسٍ أو مُرادِ

تلك إشارات شعرية إلى وجود اختلاف في القيم ونمط الحياة لدى أهالي القرى، ولكن ذلك لايحجب توافقهم الشديد الناتج عن استقرارهم، وعدم اضطرارهم للانتجاع والغزو لكسب الرزق، وتأمين المكان اللازم للاستقرار المؤقت. وكان صدى ذلك واضحاً- كما أشير أنفاً- في افتقار شعر القرى إلى شعر الأطلال المشحون بحزن الأعراب على الأماكن المرتحل عنها وقلقهم، وتوقهم إلى الاستقرار الدائم، وهذا يعني أن القرى منحت المستقرين فيها، والمنتمين إليها شعوراً بالرضّا، وخلاصاً من القلق الذي يسببه الارتحال والأسف على ضياع الجهد المبذول في الأماكن المرتحل عنها.
وإذا كان بعض الأعراب قد تاقوا إلى نمط الحياة القرويّ المتحضّر فإن أهالي القرى كانوا يصدرون عن قيم أعرابية خالصة أحياناً، كافتخار قيس بن الخطيم الأوسِيّ اليثربيّ بأنّ السيوف هي معاقل قومه في قوله يصف الخزرج( ):
معاقِلُهُمْ آجامُهُم، وَ نِساؤُهُمْ
وَ أَيْمَانُنَا بالمَشْرَفِيَّةِ مَعْقِلُ

وافتخار حسان بن ثابت الخزرجي اليثربيّ بأنّ قومه قادرون على الغزو، واستباحة مواطن الأعداء( ):
أَلَسْنَا بِحَلاَّلينَ أَرْضَ عَدُوِّنا
تَأَرَّ قَلِيلاً،سَلْ بِنَا في القبائِلِ

وافتخار الزبير بن عبد المطلب الهاشميّ المكّيّ( ):
ولا أُقيمُ بدارٍ لا أَشُدُ بها
صَوْتي إذا ما اعترتْني سَورَة الغَضَبِ

تلك أشعار قروية، ولكنها تعبرّ عن عقلية أعرابية تنفر من بناء الحصون، وتتوق إلى الغزو والارتحال. ومن يتبع أشعار القرى يجد فيها قيماً أعرابية أصيلة متغلغلة في نفوسهم، ولا سيما ما يتصل منها بالتعصب للجماعة الأبوية كقول أبي زمعة الأسدي المكّيّ( ):
أحِبُّ قريشاً كلَّها وأَحُوطُها
ولستُ بِسَبَّابٍ لذي الرِّحْمِ مِلْطَمِ

وإنْ حَمَّلُوني ما أُطيقُ حَمَلتهُ
وَيَكْرُمُ فيهمْ مُسْترادِي وَ مَطْعمِي

إن استقرار المرتحليين يطوّر نمط حياتهم وقيمهم تطوراً بالحذف والإضافة، وهذا يعني أن التقارب بين الأعراب وأهالي القرى شديد، وأن ما نلحظه من مفارقات بينهما تعبير عن الإضافة التي يتخلّق بها المتطوّرون (أهالي القرى) والراغبون بالتطور من الأعراب وعن رفض لها من قبل المتمسكين بالقديم الذين يحاولون الحفاظ على نمط حياتهم وقيمهم، وبذلك تظهر جدليّة التطور من انتماء أعرابيّ قديم إلى انتماء قرويّ متطور.
***
تَبيّن لنا في أثناء الحديث عن القرار بالمكان أن الانتماء المكاني قد زاحم الانتماء إلى النسب الأبويّ؛ فقد أدرك الجاهلي أن القرب المكاني قد يجمع أصولاً سكانية مختلفة برابطة الانتساب إلى المكان؛ وأن البعد المكاني قد يفرقّ جماعة سكانية موحدة برابطة الانتساب إلى أصل( نسب) مشترك، وقد يلجأ ناس من الجماعة المتباعدة مكانياً إلى الالتصاق بغيرهم لضعف علاقاتهم الإنسانية بأصولهم البعيدة مكانياً عنهم. والتقارب المكاني أوجد تاريخاً مشتركاً مرتبطاً بالمكان المستقرّ فوقه. وهذا يعني وجود انتماء إلى المكان الذي أضحى مدى جغرافياً باستيطان الناس فيه، وبعملهم على تطويره؛ فعظم بذلك ارتباطهم بالمكان، واستعدادهم للتضحية دفاعاً عنه، واعتدادهم بامتلاكه، وبجهودهم المبذولة لتطويره، وبذلك كان الانتماء إلى مكان الاستقرار انتماء واعياً وعميقاً جعل المكان والناس الذين يتفاعلون معه وحدة متكاملة ينتمي إليها الإنسان، ويشعر في ظلها بالرعاية والأمان.
وفي اثناء الحديث عن الارتحال عن المكان تبَّين لنا أن ارتحال الأفراد كان في الغالب تعبيراً غير مباشر عن الارتباط بالمكان المرتحل عنه، ومن الرغبة في زيادة الإمكانات المادية التي تدعم الاستقرار في ذلك المكان وكان ارتحال الأفراد في الغالب مسالماً، فأسهم في ظهور انتماء متطور تجاوز الإطار الضيق للانتماء إلى الجماعة الأبوية وإلى منازلها الخاصة، فاتسعت دائرة علاقات الإنسان الجاهلي شمولاً، وأصبح وطنه يشمل كلّ بقعة يجد فيها رزقاً وعيشاً كريماً وأحباباً وأصحاباً. وكذلك أسهم ارتحال الجماعات في توفير الأساس الموضوعي لازدياد انتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان وسكانه شمولاً؛ فقد أدى ارتحال في توفير الأساس الموضوعي لازدياد انتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان وسكانه شمولاً، فقد أدى ارتحال الجماعات إلى ارتياد أماكن جديدة، بالسلم تارة، وبالحرب أخرى، وحين جاء الإسلام كانت الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية مأهولة بالعرب، ومهيأة لتكون وطناً يتوحدون فوق ترابه، وينتمون إليه.
وكان تنوع المكان العربي سبباً في تنوع قيم السكان المنتمين إليه، وعقليتهم، فسكان البوادي يتمايزون من سكان القرى والأرياف، ولكن تمايزهم لايلغي وحدتهم، بل يؤكدها، ويظهرالحركة النشطة في المجتمع الجاهلي، وهو ينتقل من طور الأعراب المرتحلين إلى طور العرب المستقرين.
لقد أظهرت ثلاثة الفصول السابقة وجود ثلاثة الأسس اللازمة لنشوء أيّة أمةّ، وهي الأرض، والسكان الذين يتفاعلون فوقها، واللغة الواحدة التي يتم بها التفاعل المفضي إلى الوحدة القومية، وإلى ظهور الانتماء إلى الأُمّة. وفي الفصلين التاليين سنقف عند الانتماءات السياسية والاجتماعية والدينية التي اسهمت في تطور انتماء الإنسان الجاهلي من الانتماءات السياسية والاجتماعية والدينية التي أسهمت في تطور انتماء الإنسان الجاهلي من الانتماء إلى القبيلة (الجماعة الأبوية) إلى الانتماء إلى الأمة التي تشمل القبائل، ولاالغيها.
***







الفصل الرابع

الانتماء الاجتماعيّ والسياسيّ

ثمة انتماءات جاهلية تتداخل فيها السّمة الاجتماعية مع السمة السياسية كثيرا، بحيث يصعب الفصل بين السياسي والاجتماعي في أثناء الحديث عن الملوك والسوقة، أو عن السادة والمستضعفين، أو عن الأحلاف والجوار، فالملوك - مثلاً- طبقة اجتماعية وسياسية، والأحلاف لها وظيفة سياسية وأخرى اجتماعية. وتلك الانتماءات لا يغيب عنها الجانب الاقتصادي ابداً.
إنّ هذا الفصل فيه جلاء لذلك التداخل، وبيان لتلك الانتماءات المعبرّة عن تفاعل الإنسان الجاهلي، وسيره الإرادي والواعي نحو الأفضل
الملوك والسوقة
1- التمايز بين الملوك والسوقة
تعارف الجاهليون على وجود طبقتين اجتماعيتين منهم، هما: طبقة الملوك، وطبقة السوقة، وعلى أنّ لكلّ منهما دلالة سياسية خاصة. ولقد كثر في شعر الجاهليين ذكرهما معاً،
كقول لبيد بن ربيعة ( ):
وكائنْ رأيتُ مِنْ مُلُوكٍ سُوقَةٍ
وصَاحَبْتُ من وَفْدٍ كِرامٍ وَمَوْكِبِ

وقول زهير( ):
ياحارِ، لا أُرْمَيَنْ منكمْ بداهِيَةٍ
لم يَلْقَها سُوقَةٌ قَبْلي ولا مَلِكُ

وذِكرُ الملوك والسوقة مَعاً يدل على حضور العلاقة التي تربط بينهما في ذهن الجاهليين، وهي علاقة سياسيّة؛_ فالملوك هم حكام الممالك، والسوقة هم الرّعية المحكمون( )، وانتزاع السلطة من الملوك يهبط بهم إلى منزلة السوقة، وفي ذلك تقول حُرْقَةُ بنت النعمان بن المنذر بعد ذهاب الملك عن أهلها ( ):
بَيْنَا نَسُوسُ الناسَ والأَمْرُ أَمْرُنا
إذا نحنُ مِنْهُمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ

وقد يتبادر إلى الأذهان أن لفظة (السوقة) تدلّ على طبقة اجتماعّية تضم الرعية الملكِيّة كلهّا، ولكنّ الواقع غير ذلك؛ فالسوقة من الناس هم: "الرعِيّة ومن دون الملك... والسُّوقة من الناس: مَنْ لم يكنْ ذا سلطان... وقيل أوساطهم"( ).
والمعاني اللغوية للفظة (السوقة) تنطبق على طبقة الصرحاء الذين يخضعون لسلطة ملكّية، أو الذين هم دون الملوك لإفتقارهم إلى السلطة التي يتمتع بها الملوك ويُقَوّي الاعتقاد بذلك أنّ سادة جاهليينُ وُصِفُوا بأنّهم سُوقة، ومن ذلك مدح زهيرٍ لهرم بن سنان بأنّه يحاول أن يبلغ بفعاله اباه وجدّه اللذين ساويا بفعالهما الملوك، وغلبا السُّوق:( )
يَطلبُ شَأوَ امرأَسْنِ، قَدَّما حَسَناً
نالا المُلوكَ، وبَذَّا هذه السُّوقا

إن مدح السادة بأنهم سوقة، وبأنهم يسعون بأفعالهم إلى ارتقاء منزلة الملوك يدل على أن السوقة هم أوساط الناس من الصرّحاء ( )، إذ لايعقل أنْ يُمْدَح السادة بأنّهم ينتمون إلى طبقة فيها عبيد، وأشباه عبيد يأنف السادة منهم، وهذا يعني أنّ رعيّة ملوك الجاهلية طبقتان: سوقة، وهم أوساط الناس من الصرحاء، وعبيد وأشباههم، وهم دون السوقة، ولعلّ في قول حسان بن ثابت يمدح ملكين من الغساسنة:( )
مَلَكا مِنْ جَبَلِ الثَّلجِ إلى
جانِبَيْ أَيْلَةَ مِنْ عَبْدٍ وحُرّ

مايوحي بذلك، فَرَعيّةُ المذكورَيْنِ طبقتان: عبيد وأحرار؛ والأحرار منهما هم السوقة.
وأمّا طبقة الملوك فتتكون من الملوك وأقربائهم في النسب الأبويّ، وقد أشار الشعراء السوقة إلى ذلك في مثل قولهم : غسان الملوك( ) وكندة الملوك( )، ومن ذلك قول الشاعر الملك امريء القيس يرثي جماعة من قومه( ):
ألا يا عينُ بَكِّي لي شَنينا
وَبَكّي لي الملوكَ الذاهبينا

مُلوكاً مِنْ بني حُجْرِ بن عمروٍ
يُسَاقُونَ العَشِيَّةَ يُقْتَلُونا

وقد عبّر امرؤ القيس في شعره عن إحساس الملوك بتمايزهم من السوقة، فهم يفخرون بنسبهم الملكي، وبتسلطهم على الناس، ومن ذلك قوله( ):
نحنُ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ لنا
مُلْكٌ به عاشَ هذا الناسُ أَحْقَابا

ما يُنْكِرُ النّاسُ مِنَّاحينَ نَمْلِكُهُمْ
كانوا عَبيداً، وَكُنَّا نَحنُ أَرْبابا

إنّه ينتمي إلى أسرة ملكِيّة، تتوارث السلطة، وترى أنّ لها حَقّاً في التحكم بالناس، وفي استعبادهم. ولقد تتبع د. قصي الحسين في دراسته لمعلقة امريء القيس ارتباط إبداعه الشعري بانتمائه الخاص إلى مجتمع مدنِيّ، وأسرة ملكية معاً، وخلص إلى القول "باختصار شديد، يمكن القول إن معلقة امريء القيس- كما وصلتنا - كانت وليدة المجتمع المدنيّ، غير أن ألفاظها لم تكن سوقية بقدر ما كانت ملوكيّة، خصوصاً إذا ما تتبعنا حركتها البنوية التي خلت من الحوشِيّ و السوقِيّ"( )، وعن خروج امريء القيس إلى الصيد يقول د. قصي الحسين أيضاً:"لم يكن خروجاً بدويّاً أو شعبيّاً، بل خروجاً مَدَنِيّاً ملوكيّاً إلى حَدٍ بعيد" ( )وعن الفرس الذي وصفه امريء القيس يقول : إنّه فرس "لايوجد إلاّ عند أبناء الملوك في المجتمع الحضري" ( ).
لقد عاشت طبقة ملوك الجاهلية عيشة مترفة، ورأت أنَّ لها حَقّاً في حكم السوقة واستعبادهم، فهل أقرّ لها السوقة بذلك؟ ولماذا؟
2-انقياد السوقة للملوك
حظي الملوك بتعظيم السوقة لهم بأمور منها تحيّة السُّوقة للملك بعبارة (أبيتَ اللعن) وهي كلمة كانت العرب تحيّي بها ملوكها في الجاهلية."تقول للملك: أبيت اللعن؛ معناه أبيت أيُّها الملك أنْ تَأتِيَ ما تُلْعَنُ عليه" ( ) وقيل: إن (أبيت اللعن) تحية خاصة بالملوك الغساسنة( ) وبالعودة إلى الشعر الجاهلي نجد أن الشعراء حَيَّوا ملوك المناذرة كثيراً بقولهم (أبيت اللعن)، كقول النابغة يعتذر إلى النعمان بن المنذر
أتاني- أَبيْتَ الَّلعْنَ-أَنَّكَ لُمتني
وَتِلْكَ التي أَهْتَمُّ مِنْها وَأَنْصَبُ

وأنّ شاعراً حَيَّاً الحارث بن عمرو الجفني بقوله( ):
لا تَجْعَلّنَّا- أبيتَ الَّلعنَ- ضاحِيَةً
كَمَعْشَرٍ صًلِمُوا الآذانَ أو جُدِعُوا

وكانت (أبيت اللعن) تحية ملوك اليمن أيضاً ( )، ولأن السوقة لايحيُّون بها غير الملوك( ) يمكن القول بأن السوقة تعارفوا فيما بينهم على تعظيم الملوك. ومثل ذلك نعتهم الملك بالهُمام، لبعد همته، ولأنه إذا هَمَّ بأمر أمضاه ( ). وقد خصّ الشعراء السوقة الملوك بهذا النعت حتى غدت لفظة (الهمام) مرادفة للملك، ومن ذللك قول النابغة يمدح عمرو بن هند ( ):
فِداءٌ ما تُقِلُّ النَّعْلُ مِنِّي
إلى أَعْلَى الذُّؤابَةِ لِلْهُمَامِ

وكان ملوك الجاهلية يرون أنفسهم أعلى منزلة من السوقة، فلا يظهرون أمامهم إلاّ في هيئة تضفي عليهم المهابة ( )؛ ومن الشعر الدال على ذلك قول لبيد يذكر مفاخرته للربيع ابن زياد بين يدي النعمان بن المنذر( ):
فانْتضَلْنا، وابنُ سَلْمى قاعِدٌ
كَعَتِيق الطَّيْرِ يُغْضِي، وَيُجَلْ

فالسوقة بين يديه يتفاخرون، وهو كالصقر اتزاناً ورفعة وجلالاً. وإذا كانت هذه الهيئة الملكية غير مستهجنة بل مطلوبة في شخص الملك فإنّ السجود للملوك كان مظهر استعلاء على السوقة، واستعباد لهم، فقد وصف النابغة الذبياني النعمان بن الحارث الغساني بقوله( ):
سُجُودٌ له غَسَّانُ يَرْجُونَ فَضْلَهُ
وَتُرْكٌ ورَهْطُ الأَعجَمِينَ وَ كَابُلُ

ويؤكد ظاهرة السجود للملوك قول الأعشى يذكر عودة مظفّرة لملك يمانٍ، هو قيس بن معد يكرب ( ):
فَلَمّا أَتَانا بُعَيْدَ الكَرَى
سَجَدْنا لَهُ، وَ رَفَعْنَا عَمَارَا

وقد يكون السجود للملوك موضع شكّ؛ فالنفس العربية تأنف من ذلك، والنابغة والأعشى شاعران مَدّاحان، يتزلّفان لأصحاب العطايا، وقد يقولان ويفعلان مالا يُقدم عليه غيرهما. ولكن ذلك غير كاف لإنكار شعيرة تعظيم السوقة لملوكهم بالسجود ؛ فقد تكون من آثار الاتصال بالأمم المجاورة التي تعظم الملوك بالسجود، أو بقية اعتقاد قديم بقدسية الملوك التي توجب السجود لهم لإظهار التعظيم وللإقرار بالطاعة، وكلا ذلك قد كان؛ فاتصال العرب بالأمم المجاورة (الفرس والروم والأحباش) معروف، وأما تقديس الجاهليين للملوك فإن في شعر الجاهلية ما يدلّ عليه ؛ فالملوك تَبَؤَّأوا منازلهم بقضاء من الله، ومنهم النعمان بن المنذر الذي (خَصّهُ الله وارتضاه" ( ) وفَضّله على الناسِ في قول عدي بن زيد يخاطبه( ):
أَجْلَ أَنَّ الله قدْ فَضَّلَكُمْ
فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلْباً بإزارِ

وللموك على الناس أيادٍ عظيمة، لايقدر على مثلها أحد من الناس إلاّ ذوي المنزلة الرفيعة عند الله سبحانه يقول النابغة الذبياني يعتذر إلى النعمان( ):
فَتِلْكَ تُبْلِغُني النُّعْمانَ إنَّ لَهُ
فَضْلاُ على الناسِ في الأَدْنَى وفي البَعَدِ
ولا أَرَى فاعِلاً في الناسِ يُشْبِهُهُ
وَمَا أُحاشِي مِنَ اْلأَقوامِ مِنْ أَحَدِ

إلاّ سُلَيْمانَ إذّ قالَ الإلهُ لَهُ
قُمْ في البريَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ

وَخيِّسِ الجِنَّ إنّي قر أَذِنْتُ لَهُمْ
بَيْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ

فالنعمان له فضل على الناس في القريب وفي البعيد، والشاعر لايرى فاعلاً يفعل الخير يشبه النعمان إلاّ سليمان الذي كلّفه الله بلإقامة العدل. وبتذليل الجنّ، واستخدامهم في عمران الأرض.
إن النعمان ملك ارتضاه الله لحكم الناس، فقام بأعمال تُشّبَّه بأعمال الأنبياء المكلفين من الله بإقامة العدل، وبعمران الأرض، ولأن النعمان كذلك ( ) فقد بوّأه الله بين الملوك منزلة عظيمة، فقال له النابغة ( ):
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أعطاك سُورَةً
تَرَى كًلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبذَبُ

لقد أبرز بعض الجاهليين تعظيماً خاصاً للملوك إذ جعلوا سلطتهم مقررة بقضاء من الله تعالى، وزاد بعضهم في تعظيم الملوك، فَأسبغوا عليهم صفات مغايرة لصفات البشر؛ فقد نُسبب إلى علقمة الفحل مدح الحارث بن جبلة الغَسَّاني بقوله ( ):
ولَسْتَ لإِنْسِيِّ، ولكنْ لِمَلأَكٍ
تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ

إنّه لكمال أخلاقه وفعاله لاينسب إلى الإنس، بل إلى ملاك تنزّل من أعالي السماء، إنَه وجود مغاير للبشر، فيه طهارة الملائكة، وقدسيّة التنزيل من السماء، ولا عجب- والأمر كذلك أن يكون دم الملوك حراماً ( ) وأن يُعتقد بأنه شفاء للناس من الخبل( ).
ومن الإقرار بعظمة الملوك أن يوصفوا بالاقتدار على مايعجز عنه الناس؛ فقد افتخر السوقة وامتدحوا بالكرم، ولكن الملوك وصفوا بالكرم بصور خاصة، تدل على عظمة كرمهم المعجز، ومن ذلك قول النابغة الذبياني يصف عطاء النعمان( ):
فمّا الفُراتُ إذا جاَشَتْ غَوارِبُهُ
تَرْمِي أَوَ أذِيُّة العِبْرَينِ بالزَّبَدِ

يَمُدُّهُ كَلُّ وادٍ مُتْرَعٍ لَجِبٍ
فِيهِ حُطَامٌ مِنَ اليَنْبُوتِ والخَضَدِ

يَظَلُّ مِنْ خَوْفِهِ المَلاّحُ مُعْتصِماً
بالخَيْزُرَانَةِ بَعْدَ الأَينِ و النَّجَدِ

يَوْماً بأجْودَ مِنْهُ سَيْبَ نافِلَةٍ
ولا يَحُولُ عَطاءُ اليَوْمِ دُونَ غَدِ

إن النعمان- باختصار- أعظم عطاءً من الفرات، فإذا عرفنا عظمة الفرات، وتذكّرنا حرص السوقة على امتلاك المياه، وهي نادرة في أغلب منازلهم، أدركنا شدّة دلالة هذه الصورة على عظمة العطاء وشموله، وعلى قُوّة المعطي وجبروته. ومثل هذا الوصف الأسطوري- وقد تكرر في الشعر الجاهلي وَصْفُ الملوك لا السوقة بمثله( )- خاصٌّ بالملوك.
إن عطاء الملوك متمّزة، ومختلف عن كرم السوقة، فالكرم في أصل معناه" هو تقديم القرى للضيف، فهو بذل وعطاء يتمثلان في إكرام الضيف، أو قضاء حقّ السائل وحاجته، أو تفريج هَمّه وكربه" ( )، ولكن ما يقدمه الملوك هو عطاء، يشمل الكرم، ويزيد عليه كثيراً، فالملك يهب الدروع والخيل، والإبل والذهب، والقيان ( ) وهذا العطاء يتجاوز وظيفة الكرم (إنقاذ المُكرَم من أزمة تعصف به)؛ إنه كرم ترفيهيّ فيه كثرة تزيد على الحاجة وإذا كان الشعر الجاهلي لا يذكر أرقام عطاء الملوك من الدروع والذهب والقيان بحيث يغيب عنا مقدار الكثرة فإن ذلك الشعر أشار إلى أن الملوك كان عطاؤهم مائة من الإبل، ومنهم النعمان الذي وصفه النابغة الذبياني بقوله ( ):
الواهِبُ المِئَةَ الأبْكَارَ زَيَّنَها
سَعْدَانُ تُوضِحَ في أَوْبَارِها الِّلبَدِ

وقد يَكون مع الإبل أولادها، و يدل على ذلك قول بشر بن أبي خازم يمدح عمرو بن الحارث الكندي( ):
والمانِحُ المئةَ الهِجَانَ بِأَسْرِها
تُزْجَى مَطَافِلُها كَجَنَّةِ يَثْرِبِ

إنَّ مائةً من الإبل، ومنها مطافل، تفوق الحاجة إلى ما يسدّ الرّمقّ، ويساعد على استمرار الحياة، إنها عطاء يهدف إلى بيان عظمة شأن المعطي، وإلى إشهار أمره، قال الأصمعي: " كانت الملوك إذا وهبوا إبلاً جعلوا في أسنمتها ريشاً ليُعلَم أنّها عطاء الملوك ( )"، بل لقد ادّعى ابو قردودة الطائي أن الله تعالى هو الذي أمر المنذر بن الأسود ملك الحيرة بأن يعطي، فكان عطاؤه أعظم من البحر، وذلك في قوله ( ):
وقال له الُلهُ اعْطِ وَهَبْ
وباعَ له المجدَ بيعاً صِفَاقا

وما البحرُ تَطمُو قواميِسهُ
بِأَنفقَ منه لِمَالِ نِفَاقَا

إنّ ما ذُكر عن عطاء الملوك يوحي بأنه ذو طابع سياسي، يهدف إلى استمالة قلوب المعطى لهم، وإلى كسب ولائهم، وخضوعهم للسلطة الملكية المانحة ( )، وقد أشار عدي بن زيد العبادي إلى إقدام النعمان بن المنذر على إقطاع الموالين له الأراضي الخصبة، وإلى حرمان خصومه منها، فقال عدي، وهو في سجن النعمان( ):
أَطَعْتَ بني بُقَيْلَةَ في وِثاقي
وَكُنَّا في حُلُوقِهُمُ ذُبَاحَا

مَنَحْتَهُمُ الفراتَ وجانِبيْهِ
وتَسْقِينا الأَواجِنَ والمِلاحا

كان العطاء إحدى وسيلتين استعان بهما الملوك لبسط سيطرتهم وسيادتهم على السوقة, وأمّا الثانية فهي القوة العسكرية الضاربة التي استخدمت في الغزو لقهر المعادين, والمتردين على السلطة الملكية ( )، وقد أدرك النابغة هاتين الوسيلتين: الترغيب والترهيب، إذ قال يخاطب النعمان( ):
فَمَنْ أَطاعَ فَأَعْقِبْهُ بِطاعَتِهِ
كما أطاعِكَ، وادْ لُلْهُ عَلَى الَّرشَدِ

وَمَنْ عَصَاكَ، فعاقَبِهُ مُعَاقَبَةً
تَنْهَى الظَّلُومَ، ولا تَقْعُدْ على ضَمَدِ

وكان الملوك يرأسون جيوشهم الغازية أحياناً لتثبيت دعائم ملكهم بالقوة والبطش، فقد غزا عمرو بن هند بكتبيته (دوسر) قومَ المثَقّب العبدي، فقال ( ):
ضَرَبَتْ دَوْسَرُ فينا ضَرْبَةً
أَثْبتتْ أَوْتَادَ مُلكٍ مُسْتقرّ

لقد أدرك المثقب غاية الملك من الغزو، تثبيت سلطانه على السوقة, وقد عّبّر النعمان بن المنذر عن غاية الملوك من سياسة البطش حيناً والرأفة حيناً آخر، بقوله، وقد عفا عن رجل ذكر أمّ النعمان بسوء، وهو لايعرفه( ):
تعفو الملوك عن العظيـ
ـم من الذُّنوبِ لِفَضلها

ولَقَدْ تُعَاقِب في اليسيـ
ـر، وليس ذاك لجهلها

إلاّ لِيُعْرَفَ فَضْلُها
ويُخَافُ شدّةُ نَكُلِها

وكانت الرعية ملزمةً بتقديم الخراج للملك، ومن الشعر الدال على ذلك قول الأعشى
يذكر عمررو بن هند( ):
كم رَأَيْنا مِنْ أُناسٍ هَلَكُوا
وَرَأَيْنا المَرْءَ عَمْراً بِطَلَحْ

آفقاً يُجْبَى إليهِ خَرْجُهُ
كلُّ ما بَيْنَ عُمانٍ فَمَلَحْ

وملزمةً أيضاً بإظهار الطاعة له بالوفادة عليه، ومن ذلك قول المثقب العبدي يخاطب عمرو بن هند ( ):
فإنْ تَكُ مِنّا في عُمانَ قَبيلةٌ
تَواصَتْ بإجْنَابٍ وطَالَ عُنُودُها

وَقَدْ أَدْركَتْها المُدْرِكاتُ فَأَصبْحَتْ
إلى خَيْرِ من تَحْتَ السَّمَاءِ وُفُودُها

إلى ملكٍ بَذً المُلَوكَ بِسَعْيِه
أفاعِيلُه حَزْمُ المُلوكِ وَ جودُها

إنه يعتذر لأنّ جماعة من قومه تركت منازلها، وهاجرت إلى عُمان، فطال ميلها عن الحق (الخضوع للملك)، ثم ندمت، فوفدت إلى الملك مقرّة بفضله، وبالخضوع لسلطانه. ومن الشعر البالغ الدلالة على انقياد السوقة للملوك قول لقيط بن زرارة التميميّ لعمرو ابن هند ( ):
فإنَّك لو غَطَّيْتَ أرجاء هُوَّةٍ
مُغَمَّسةٍ لا يُسْتَبانُ تُرابُها

وذلكَ في ظلماءَ ثمَّ دَعَوْتني
لَجِئْتُ إليها مُسْرِعاً لا أهابها

وحظي الخاضعون للملوك بحمايتهم؛ وقد أشار إلى ذلك أوس بن حجر في قوله يهجو بني برد، وكانوا ينزلون قرب الحيرة( ):
لولا الهُمَامُ الذي تُرْجَى نوافِلُهُ
لَنَا لَهُمْ جَحْفَلٌ تَشْقَى به العورُ

لولا الهُمَامُ لَقَدْ خَفَّتْ نعامَتُهُمْ
وقال راكِبُهُمْ في عُصْبَةٍ سِيروا

فحماية الملك (الهمام) لبني برد هي التي يجعلت قوم أوس يحجمون عن غزوهم وتشريدهم.
ومن الأقرار برفعة منزلة الملوك أنّ السوقة فخروا بضرب أكباد الإبل " إلى ملك لا إلى سوقة( )"، وأنَّهم رأوا في الوفادة على الملوك شرفاً عظيماً، فتماجدوا به، كقول حسان ( ):
وتزورُ أبوابَ الملوكِ ركابُنا
ومتى نُحَكَّمُ في العشيرةِ نَعْدِلِ

واتخذت وفادة سادة السوقة إلى الملوك طابعاً اقتصادياً وسياسيَّاً؛ تتحقق به مصالحهم، فكانوا لايأنفون من أخذ عطايا الملوك، بل يرون فيها تشريفاً لهم، وتعظيماً لمنزلتهم، ومفخرة يعتزّون بها، ومن ذلك افتخار الحصين بن الحمام المرّي بأنّ فتيان قومه يلبسون في الحرب مِمّا كساهم به عمرو بن هند ملك الحيرة، يقول الحصين ( ):
عَلَيْهِنَّ فِتْيانٌ كساهمْ مُحَرِّقٌ وكان إذا يَكْسو أجادَ وأكرما
صفائحَ بُصْرَى أَخلصَتْها قُيُونُها وَمُطَّرِداً من نَسْجِ داود مُحْكَما
وكان الحصول على عطاء الملوك أمنية تتطلع إليها النفوس الراغبة في الحياة المترفة، فمعشوقة المثقب العبدي تأبّت عليه فقال، محاكياً قولها عن تمنعها وسببه ( ):
قالت: ألا لا يُشْتَرَى ذا كُمُ
إلاّ بمَا شِئْنا وَلَمْ يُوجَدِ

إلاّ ببدْرَيْ ذَهَبٍ خَالصٍ
كُلَّ صَبَاحٍ آخِرَ المُسْنَدِ

مِنْ مالِ يَجْبِي ويُجْبَى له
سَبعونَ قِنطاراً مِنَ العَسْجدِ

ولقد سعى سادة السوقة بالوفادة إلى تحقيق مكاسب سياسية ترفع شأنهم، وتعزز منازل قبائلهم بين العرب، ولذلك "جعلوا من ملوك المناذرة والغساسنة حكاماً يرجعون إليهم في خصوماتهم، وتنافسوا في كسب ودّهم" ( )، فكان سادة السوقة يخطبون بين أيدي الملوك، ويتناشدون الأشعار ليحكموا في خصوماتهم، ومن أشهر الأخبار الدالة على ذلك اجتماع وفدي تغلب وبكر عند عمرو بن هند، وإنشاد معلقتي عمرو بن كلثوم، والحارث بن حِلِّزة في حضرة عمرو الذي حكم لبكر على تغلب ( ). وقد تكون وفادة سادة السوقة لاسترضاء الملك واستتخلاص أسراهم من يده( ).
لقد عظّم السوقة الملوكَ بالوفادة إليهم، وبتحكيمهم في خلافاتهم، وباسترضائهم لنيل العطايا، وفك الأسارى، ورأى السوقة في التقرب من الملوك والتشبه بهم مفخرة عظيمة، ومثلما افتخر السوقة بالوفادة على الملوك فقد افتخروا بالخطابة وبإنشاد الأشعار في حضرتهم( )، ورأوا في منادمة الملوك ارتقاء يستدعي الاعتزاز: وعظّم السوقة بقرن أسمائهم بالملوك كقول الحرنق ترثي زوجها عبد عمرو بن بشر ( ):
ألا هَلَكَ المُلُوكُ وعَبْدُ عمرٍو
وَخُلِّيَتِ العِرَاقُ لمنْ بَغَاهَا

ومُدِح سادةُ السوقة بالإصهار إلى الملوك، كقول زهير في مديح هرم( ):
فَضَّلَةُ فوقَ أَقْوامٍ، وَمَجّدهُ
مالم يَنالوا، وإنْ جادُوا، وإنْ كَرُمُوا

قَوْدُ الجِيادِ، وإِصْهارُ المُلوك، وَصَبْـ
ـرٌ في مَواطِنَ، لو كانوا بها سَئِمُوا

وافتخروا بولادة بناتهم للملوك، كقول الحارث بن حِلّزة يخاط عمرو بن هند( ):
وَوَلَدْنا عَمْرَو بْنَ أُمِّ أُنَاسٍ
مِنْ قَريبٍ، لمّا أَتَانا الحِبَاءُ

إنّه يفخر بأن قومه هم أخوال هند أمّ الملك عمرو، وبأنّ أُمّ أناسٍ البكريّة هي التي ولدت الملك الكنديّ عمرو بن حجر والد هند.
وكذلك امتدح سادة السوقة بأنهم ينتعلون ويلبسون مِمّا ينتعل ويلبس الملوك( ).
ولكنّ أعظم ما مدح به السوقة مُعَارضة الملوك بالأفعال، كقول زهير يمدح هرماً بمحاولة الارتقاء إلى منزلة أبيه وَجَدّه اللذين قَدّما الأفعال الحسنة، فبلغا بها منزلة الملوك( ):
يَطْلُبُ شَأْوَ امرأَيْنِ قَدَّما حَسَناً
نالا المُلُوكَ وَبَذَّ هذه السُّوَقا

ومثل ذلك الافتخار بالاقتدار على مايفعله الملوك، كقول دريد بن الصمة يفخر بقومه( ):
ونحنُ مَعَاشِرٌ خَرَجُوا مُلُوكا
تَفُكُّ عَنِ المُكَبَّلةِ الكُبُولاَ

لقد شكل الملوك وأقرباؤهم الأدنون طبقة سياسية واجتماعية ينتمون إليها، وترنو إليها عيون السوقة، وترى فيها نموذجاً يُتَطّلعُ إليه، ولَعَلّ في قول المُنَخَّل اليشكريّ( ):
فإذا انتشيتُ فإنَّني
رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسديرِ

وإذا صَحَوْتُ فإنَّني
رَبُّ الشُّوَيهةِ والبعيرِ

مايبرز شدّة تَطَلّع السوقة إلى نيل منزلة الملوك وإلى الانتماء إلى طبقتهم فالشاعر يغالب عجزه عن العيش مثل الملوك المترفين بالهرب إلى عالم الخمرة، حيث يرسله خدر السكر إلى أحلام جميلة، ليعيش عيشة الملوك في أرجاء الخورنق والسدير. وإذا كان المنخَّل قد عبر عن تطلع فرديّ إلى بلوغ منزلة الملوك فإن حسان بن ثابت قد عبر عن تطلع جماعيّ في قوله( ):
وَنَشْرَبُها، فتتركُنا مُلُوكاً
وَأُسْداً، ما يُنَهْنِهُنَا الّلقَاءُ

* إن السوقة - وقد رأينا تعصبهم لنسبهم الصريح- لايرون غضاضة في أن تكون طبقة الملوك- وإن بعد نسبها- نموذجا يتطلعون إليه، ويقدمونه على ذواتهم في المنزلة؛ فحجر بن خالد التغلبي لايتورع عن الإقرار بأن ملك الحيرة ليس كحزمة حزم، ولا كنائلة نائل( ):
سَمِعْتُ بِفِعْلِ الفَاعلينَ فَلَمْ أَجِدْ
كَمِثْلِ أبي قابُوسَ حَزْماً ونائِلاَ

فَسَاقَ إلهي الغَيْثَ مِنْ كُلّ بَلْدَةٍ
إليكَ فَأَضْحَى حَوْلَ بيتكَ نازِلاً

وملك الحيرة في قول الحارث بن حِلّزة( ):
مَلِكٌ أَضرَعَ البَرِيَّةَ لايُو
جَدُ فيها لما لَدَيْهِ كِفَاءُ

قد أخضع الناس، فلا نظير له، وملك الحيرة أبرّ الناس ذمّة وأعزهم جاراً، ولذلك خاطبه النابغة بقوله( ):
بُعِثْتَ عَلى البَرِيَّةِ خَيْرَ راعٍ
فَأَنْتَ إمَامُهَا، والناسُ دِيْنُ

فالملك إمام، والناس طائعون له. والنابغة لم يكتف بالطاعة للملك بل أقر له بالعبودية في مواضع كثيرة من ديوانه( ). وإذا كان هذا الإقرار صادراً عن نفس أذلتها عطايا الملوك فإنّ سادة سوقة لم تذلّهم العطايا كانوا لايأنفون من تقديم الملوك عليهم، وقد مَرّت بنا نماذج من الأشعار الدالة على ذلك، ومثلها قول دريد بن الصمّة يمدح عبد الله بن جدعان التيمي القرشي( ):
رَحَلْتُ البلادَ فما إنْ أَرَى
شبيهَ ابنِ جُدْعانَ وَسْطَ العَرَبْ

سِوى مَلِكٍ شامِخٍ مُلْكُهُ
لَهُ البَحْرُ يَجْرِي، وعَيْنُ الذَّهَبْ

إن الشاعر يقدّم ممدوحه على العرب كلهم عدا ملك شامخٍ سلطانه. ولعوف بن الأحوص، وهو من بني جعفر بن كلاب العامرين، أبيات يخاطب فيها بني أبي بكر بن كلاب العامريين الذين ادّعوا أن بني جعفر ليسوا أكفاء لبني أبي بكر، ومنها قوله ( ):
وليس لِسُوقَةٍ فَضْل علينا
وفي أشياعِكُمُ لَكُمُ بواءُ

فَهَلْ لكَ في بني حُجْرِ بن عمرو
فَتَعْلَمَهُ وأَجْهَلَهُ وَلاَءُ

أو العنقاء ثَعْلَبَةَ بن عمرو؟
دِماءُ القومِ للكَلْبَى شِفاءُ

وما إنْ خِلْتُكُمْ مِنْ آل نَصْرٍ
ملوكاً، والملوكُ لهم غَلاءُ

إن الشاعر يعلن أن دماء السوقة للسوقة بواء؛ وأنه لافضل لبني أبي بكر على بني جعفر إلا إذا كانوا، وهو لايعلم، لهم نسب متصل بملوك كندة أو بالغساسنة أو بالمناذرة، وهو بذلك يسخر من بني أبي بكر، ويقرّ بتقدّم الملوك على السوقة.
إن شعور السوقة بأنّ الملوك أعلى منزلة منهم ساعد على إقرار كثير منهم للملوك بالطاعة، بل لقد رأى بعض السوقة في حكم الملوك لهم خلاصاً من تسلّط بعضهم على بعض؛ فحين تفاسدت القبائل النزارِيّة، أتى أشرافها ملك كندة، الحارث بن عمرو، فقالوا له:" إنّا في دينك، ونحن نخاف أنْ نتفانى فيما يحدث بيننا، فوجّه معنا بنيك، ينزلون فينا، فيكفّونَ بعضنا عن بعض، ففرّق ولده في قبائل العرب "( ) وهم خمسة، حجر، وشرحبيل، ومعد يكرب، وعبد الله، وسَلَمة، ملّكهم أبوهم على جلِّ القبائل النزارية( ) لقد كان الإقرار للملوك بعلّو المنزلة، وبالطاعة مظهراً من مظاهر تجاوز السوقة لعصبية الانتماء النسبي، وإرهاصاً يوحي باستعداد بعض الصرحاء للانتماء إلى نظام سياسي يتجاوز دائرة النسب، ويمنحهم الأمان، وفرص التطور غير المتاحة في ظلّ الانتماء النسبيّ الضّيق. وكان سعي بعض الملوك العرب إلى توسيع دائرة ملكهم على القبائل العربية مظهراً من مظاهر سياسة التوحيد بالقوة تارة، وباللين أخرى.
ولكن الملوك عجزوا عن فرض سلطانهم على السسوقة كلّهم، فلماذا عجز الملوك؟ وما مظاهر تمرد السوقة عليهم.
***
3- عجز الطبقة الملكية
يبدو للمتعجّل أن العصبية القبلية هي السبب الرئيس بل الوحيد الذي منع قيام دولة الوحدة في العصر الجاهلي؛ فالانتماء المتعصب إلى النسب الصريح يأبى فكرة انقياد الجماعة الأبوية إلى غير ساداتها ولكن النظرة المتأنية في الأخبار والأشعار الخاصة بطبقة الملوك تقود إلى الأقرار بافتقارها إلى مايمكنها من توحيد القبائل في كيان سياسيّ مُوَحّد. ويمكن إجمال عوائق اقتدار الطبقة الملكية على التوحيد فيما يلي:
أ- أنّ الطبقة الملكية لم تمتلك عقيدة توحد مشاعر القبائل وأفكارها، وتجعلها تقبل فكرة الانضواء تحت راية كيان سياسيّ مُوَحّد؛ فاعتمدت على الترهيب والترغيب لإخضاع القبائل وكسب ولائها، ولكنّ الترهيب قاد إلى الظلم والاضطهاد، والترغيب قاد انقطاعه عن السوقة إلى تَمَرّدهم على السلطة الملكِيّة.
لقد احتكم الملوك إلى السيوف لبسط سيطرتهم على القبائل؛ فقد مَلّك النعمان بن المنذر أخاه الأسود على تيم الرباب، فخرجوا عليه، فقاتلهم، حتى دانوا له، فمدحه الأعشى بقوله( ):
هُوَ دَانَ الرِّبَابَ إذْ كَرِهُوا الدّيـ
ـنَ دِراكاً بِغَزْوةٍ وصِيَالِ

*وأكثر الملوك من غزو القبائل لإظهار هيبتهم وقوتهم ولسبي النساء وانتهاب الأموال؛ فقد غزا عمرو بن هند الشام، فَصَبَّح بها قبائل مطمئنة بكتيبة مُدَجَّجَة( ):
فَذَاقَ المْوَتَ مَنْ بَرَكَتْ عَلَيْهِ
وبالنَّاجينَ أَظْفَارٌ دَوَامِ

وَنَالَ نَواعِماً كَنِعاج رَمْلٍ
يُسَوِّينَ الذُّيُولَ عَلَى الخِدَامِ

يُوَصَّينَ الرُّوَاةَ إذا أَلَمُّوا
بِشُعْثٍ مُكْرَهِينَ على الفطامِ

واستخدم الملوك وسائل تنكيل فظيعة لإنزال الرعب فيي نفوس القبائل، ومن الأخبار الدالة على ذلك أنّ عمرو بن هند وضع ابنا له صغيراً عند زرارة بن عُدَس الدراميّ الحنظليّ، فقتل الغلام بغير علم زرارة، فبقر عمرو بطن زرارة، ثم قتل زوج القاتل وأطفالها السبعة، ولم يكتف عمرو بذلك بل آلى على نفسه ليحرقَنّ من بني حنظلة مائة رجل، فغزاهم عمرو، وحَرَّق تسعة وتسعين منهم في أخدود، ثم تَحَلّل من يمينه بحرق امرأة، فَلُقّب عمرو لذلك مُحَرٍّقاً( )، وقد افتخر عمرو بن هند بفعلته الشنعاء فقال:
تُحَشُّ لَهُمْ ناري كَأَنَّ رؤوسهم
قنافذُ في أَضرامها تَتَقَلَّبُ

لقد جعل الملوك الترهيب وسيلة للسيطرة على السوقة الذين أَحَسّوا بالظلم والاضطهاد وعن ذلك يقول عامر بن الطفيل يصف ملك الحيرة( ):
أَنْحَى علينا بَأَظفَارٍ فَطَوَّقَنَا
طَوْقَ الحَمامِِ بإتْعَاسٍ وإرْغَامِ

ولذلك نفر السوقة المظلومين من الملوك الظالمين( )، فكان بعضهم يتجنب الإلمام بديار الملوك، وكيف يفعل ذلك" وعمرو بن هندٍ يعتدي ويجور"( )؟!
وأمّا ترغيب السوقة بالعطايا فقد أُشير آنفاً إلى نجاح الملوك في تأليف قلوب بعض السوقة بها؛ ولكن إمكانات الملوك المادية تعجز عن جعل العطايا شاملة للسوقة، ولذلك كان الترغيب بالعطايا وسيلة غير كافية لجعل السوقة ينضوون تحت ظلال السلطة الملكية؛ فكان انقطاع خير الملوك عن السوقة مدعاة لذمهم، والتمرد عليهم، لاعتقاد السوقة أن الملوك أغنياء، وأن عليهم أن يعطوا السوقة نصيباً من أموالهم. ومن الشعر الموحي بذلك قول المتلمّس الضبعي يهجو عمرو بن هند ( ):
أَلَكَ السَّديرُ وَبَارقٌ
وَمُبَايضٌ وَلَكَ الخَوَرْنَقْ

والقَصْرُ ذو الشُّرُفاتِ مِنْ
سِنْدادَ والنَّخْلُ المُبَسَّقْ

والغَمْرُ ذُو الأحْسَاءِ والـ
لّذَّاتُ مِنْ صَاعٍ وَدَيْسَقْ

وتَظَلُّ في دُوَّامَةِ الـ
مَوْلُودِ يُظْلَمُها تَحَرّقْ

إنّه يستنكر أن يكون للملك كلّ ذلك، وأنّه بخيل، يتحرّقُ غيظا لو أُخِذَ من ابنه دُوّامة.
ومن مظاهر التمرد على الملوك لانقطاع عطاياهم أن لفظّ بن مالك الغسّاني هجا النعمان بن المنذر، فتمنى أن يمتلّك بدل النعمان ملك يجود بالعطايا، يقول الفظّ( ):
فَلَيْتَ لنا به ملكاً سِوَاهُ
يُنَحِّلنا ويعطينا المتاعا

ب- أن الطبقة الملكية ربطت سيطرتها على السوقة بإجبارهم على دفع إتاوة معلومة؛ فكان خضوع السوقة للملوك مشوباً بالاستتغلال الذي يدفع المستغَلّين إلى التمرد على ملوكهم المُستغِلّين، فقد وجّه النعمان بن المنذر أخاه الرّيان إلى بني تميم حين امتنعت عن دفع الإتاوة له، فاستاق الرّيان النعم، وسبى الزراري، وفي ذلك يقول عمرو بن المُشمرَج اليّشكريّ يصف الذلّ الذي لحق بتميم لامتناعهم عن دفع الإتاوة( ):
لما رَأَوْا راية النعمانِ مُقْبَلةً
قالوا أَلاَ لَيْتَ أَدْنى دارِنا عَدَنُ

ياليتَ أُمَّ تميمٍ لم تكنْ عَرَفَت
مُرّاً وكانَتْ كَمَنْ أَوْدَى به الزَّمَنُ

ومن أخبار الجاهلية المشهورة خبر امتناع بني أسد عن دفع الإتاوة إلى حجر، ملك كندة، وإقدام حجر على غزوهم وإذلالهم لذلك( )، وقد اعتذر بنو أسد للملك من فعلتهم على لسان شاعرهم عبيد بن الأبرص في مثل قوله( ):
ياعَيْنُ فابْكِي ما بني
أَسَدٍ فَهُمْ أَهْلُ النَّدامَهْ

حِلاّ- أبيتَ اللعنَ-حِلْ
لاً إنَّ فيما قُلْتَ آمَهْ

إمَّا تَرَكْتَ تَرَكْتَ عَفْـ
ـواً أو قَتَلْتَ فلا مَلامَهْ

أنتَ المَلِيْكُ عليهِمُ
وهُمُ العبيدُ إلى القِيَامَهْ

* والظاهر أن امتناع السوقة عن دفع الإتاوات للملوك لم يكن تمرداً على الانضواء تحت راية الملوك بل كان رفضاً لظلم أثقل كواهلهم، وهدّد أمنهم، وقد عَبّر عن ذلك جابر بن حُنَيٍّ التغلبي في قوله( ):
وفي كُلِّ أَسْواقِ العِراقِ إتاوةٌ
وفي كلِّ ماباعَ امرؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ

أَلاَ تَسْتَحِي مِنّا مُلُوكٌ وَتَتَّقِي
مَحَارِمَنا، لاَيَبُؤِ الدَّمُ بالدَّمِ

إنّ كثرة الإتاوات والضرائب أرهقت قوم جابر، بل هَدّدت حياتهم، فكان شعره صرخة استنكار، وصيحة تهديد للملوك المستغِلِّين؛ فالخضوع للقوة الملكية الغاشمة المستغلة لايرتضيه الأحرار الصرحاء أبداً، وفي ذلك يقول يزيد بن خَذّاق الشّنّي يخاطب النعمان بن المنذر وطبقته الملكية( ):
أكّلُّ لَئيمٍ منكُكُ وَمُعَلْهَجٍ
يَعُدُّ عَلَيْنَا غَارةً، فَخُبُوسَا؟

أكابْنِ المُعَلَّى خِلْتَنا وَ حَسِبْتَنا
صَرارِيَّ، نُعْطِي الماكِسِينَ مُكُوسا؟

ج-أنّ الطبقة الملكية الجاهلية تكونت من أسر متنافسة على السلطة وأشهرها : المناذرة والغساسنة والكنديون( ). وقد أسهم التنافس في إضعاف قدرة تلك الأسر الملكية على توحيد العرب كلّهم، وبقيت تلك الأسر متوازية توازناً تعذّر معه حسم الصراع لصالح أيٍّ منها.
والتنافس بين تلك الأسر برز بروزاً رئيساً بين المناذرة والغساسنة، وقد أظهر الشعراء مَظْهرين رئيسين من ذلك التنافس، الأول : التنافس على استقدام الشعراء للمديح، وبثّ محاسن الملوك في أرجاء الأرض العربية، وإظهار سطوتهم، ترغيباً للسوقة من جهة، وترهيباً من جهة أخرى( )، وبياناً لفضل أسرة ملكية على أخرى، ومن ذلك خبر وفادة حسان بن ثابت على الغساسنة، ومَدْحُه لعمرو بن الحارث، ثم ثنائه عليه بنثر مسجوع تضمن تفضيلا للملك الغساني على ملك الحيرة، ثم نظم حسان ذلك التفضيل شعراً، فقال( ):
ونُبِّئْتُ أنَّ أَبَا منذرٍ
يُسَامِيكَ للحدَثِ الأَكْبَرِ

قَذَالُكَ أَحْسَنُ مِنْ وَجهِهِ
وَأُمُّكَ خَيْرٌ مِنْ المنذرِ

وَيُسْاكَ أَجْوَدُ مِنْ كَفّه الـ
ـيمينِ، فَقُولا لَهُ أَخِّرِ

والمظهر الثاني تمثل في الغزو المتبادل بين الأسرتين، وقد ترك ذلك جراحاً في نفوس السوقة الذين عانوه ذلك ( )، ومن المنطقي أن تنفر النفوس المظلومة من الظالم، وأن تأبى التبعية له، وأن تقوى بذلك عوائق التوحيد( ).
إن الأصول النسبية المتعارف عليها للأسر الملكية المذكورة آنفاً ترجع إلى العرب القحطانيين، وهذا يعني أن اليمن هي منبت الأسر الملكية الجاهلية ( )، وكان حَريّاً بتلك الأسر أن تراعي أصولها المشتركة، فتسعى إلى التوافق، وتنبذ مايعوق ذلك، ولكن الصراع كان سمةً رئيسة للعلاقات بين تلك الأسر، وكان عجز أية أسرة منها عن حسم الصراع لصالحها من العوامل التي شجعت على ظهور أسر جديدة طامحة إلى الارتقاء إلى منزلة الأسر الملكية، وكانت أغلب الأسر الطامحة تنتمي إلى أصول شمالية، وبعضها جنوبية، ومنها أسّدَ ابن كُرز، وكان يدعى في الجاهلية ربّ بجيلة، وله يقول القتّال السُّحَمِيّ( ):
فَأبْلِغْ رَبَّنا أسَدَ بنَ كُرْزٍ
بِأَنَّ النَّأْيَ لم يَكُ عَنْ تَقَالي

ومن الشمالية نذكر تتويج بني سُليم لمالك بن خالد بن صخر بن الشريد ( )، وتتويجهم للعباس بن أنس الرِّعلي وقد وثبوا عليه حين خالفهم في بعض الأمور، فهجاهم لذلك يزيد ابن الصعق العامريّ( ). وكانت هوزان بن منصور لاترى زهير بن جذيمة العبسي إلاّ ربَّا، فكان يعشرهم، ويأخذ منهم الإتاوة بعدما خلع ذلك من أبي الجَنَّاد التميمي( ). وهذا يعني أن هوزان كانت تخضع لرجل من تميم، يفعل بها فعل الملوك فيأخذ منها الإتاوة، وأن زهير بن جذيمة انتزع ذلك منه.
ولقد تسبب ظلم زهير في إقدام خالد بن جعفر الكلابي على قتله، وقوله يفخر على هوزان ( ):
بَلْ كيف تَكْفُرني هَوازنُ بَعْدَما
أعتقتُهم فتوالدو أَحْرارَا
وقتلتُ رَبَّهمُ زهيراً بَعْدما
جَدَعَ الأنوفَ وأكثرَ الأوتارا
وكان الشماليون يرون أن سادتهم المرتقين إلى رتبة الملوك يقفون في مصاف الملوك القحطانيين، ومّما يوحي بصدق ذلك أنّ لبييد بن ربيعة قرن بين ربّ كندة وربّ مَعَدّ حذيفة بن بدرر الفزاريّ بطريقة توحي بالتساوي في المنزلة، يقول لبيد يضف فعل بنات الدّهر( )
وَأَهْلكْنَ يَوْماً رَبَّ كِنْدَةَ وابنَهُ
وَرَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ

إنن ظهورَ محاولاتٍ لنشوء أسر ملكية جديدة غير قادرة، مثل الأسر القديمة، على التوحيد زاد من تشرذم القوى السياسيّة الملكية، فزاد ضعفها، وقلّت قدرتها على توحيد القبائل.
د- أنّ أبرز أسر الطبقة الملكية كانت تابعة لنفوذ الدول الأجنبية المجاورة، وكان السوقة يدركون ذلك، ويعبّرون عنه بأشعارهم، كقول الخنساء ( ):
كلُّ ابنِ أُنْثَى بِرَيْبِ الدَّهْرِ مَرْجومُ
وكلُّ بيتٍ طويلِ السَّمْكِ مَهْدُومُ

لاسُوقَةٌ منْهُمُ يَبْقَى ولا مَلِكٌ
مِمَّنْ تُملّكُهُ الأَحْرارُ والرّومُ

ومن المعروف أن الفرس مَلّكوا المناذرة، وأن الروم ملّكوا الغساسنة.
وكان حَريَّا بالسوقة الذين يأنفون الانقياد إلى بعضهم أن يأنفوا من الانقياد إلى أسرة ملكية تابعة لنفوذ أجنبيّ، فالتبعية للأجنبي تفقدها العزة والكرامة والقدرة على القيادة. يقول الضّبي في شرح قول الأخنس بن شهاب التغلبيّ:
وَغَسّانُ حَيٌّ عِزُّهُم في سِواهُمُ
يُجَالِدُ عَنْهُمْ مِقْنَبٌ وكتائبُ

يقول : هم ملوك، لم يكونوا بالكثير، وكانت الروم تُوَلّيهم، وتقاتل عنهم، فعزهم في غيرهم( ).
إنّ في بيت الأخنس إدانة للتبعية لأنها تفقد أصحابها العزة، ومن يفتقد العزة يفتقد القدرة على قيادة الناس وسياستهم.
ومن أخبار إقدام الأسر الملكية على القبول بالتبعية من أجل الإمساك بمقاليد السلطة الملكية خبر استعانة امرئ القيس بالروم لاسترداد ملك أبيه، وقد قال في ذلك مخاطباً قتلة أبيه ( ):
مايُنكِرُ الناسُ مِنّاحينَ نَمْلِكُهُمْ
كانوا عبيداً وكُنَّا نحنُ أَرْباَبا

إنّي سَأَمِلِكُكُمْ بالرّوم إذْ كَرِهَتْ
غَسَّانُ نَصْري وكانَ الملكُ أَسبابا

أو تَرْجِعُونَ كما كنتمْ لنا خَوَلاً
حَتَّى تَدِيْنُوا لَنَا طَوْعاً وإتْعَاباً

إن نظرة الملك الممنعة في احتقار السوقة إذ جعلهم عبيداً، وإقدامه على الرضا بالتبيعة إذ التجأ إلى الروم من أجل التسلط على السوقة وإذلالهم- من الأسباب الموجبة لتفكير السوقة بالخلاص من ذلك الملك، ولتفكيرهم بالاستقلال المطلق عن كلّ نفوذ، ولرؤية أحقيتهم بالقيادة، وقد عبرّ عن ذلك عبيد بن الأبرص الأسدي إذ قال يخاطب امرأ القيس ( ):
أَزَعَمْت أَنَّكَ سَوْفَ تَأتي قَيصْراً
فَلَتَهْلِكَنَّ إذنْ وَأَنْتَ شآمِي

نَأبَى عَلَى النّاسِ المقادَةَ كُلِّهِمْ
حَتَّى نَقُودَهُمُ بِغَيْرِ زِمَامِ

ه- أن الطبقة الملكية كانت ترى أن البون شاسع بين منزلتها السوقة؛ وقد بلغ ذلك البون أقصاه في ادعاء بعض الملوك أن السوقة عبيد لهم، ومن ذلك أبيات امريء القيس الآنفة، وقوله أيضاً( ):
قُوْلاَ لِدُودانَ عبيدِ العَصَا
ماغَرَّكُمْ بالأَسَدِ الباسِلِ

وكان الملوك يبتهجون لإقرار السوقة بالعبودية لهم، فكثر ذلك في شعر المديح والاعتذار كقول أبي حَوْط، مالك بن ربيعة النَّمري لعم النعمان بن المنذر( ):
أَبَيْتَ اللعنَ إنَّكَ خَيْرُ رَاعٍ
ونَحْنُ عبادكَ القِنّ القَطِينُ

إنّ نظرة الملوك الدونِيّة للسوقة المعتدّين بأنسابهم الصريحة، والمتعصبين لها- تجعلهم غير راغبين بالانقياد العبودي إلى الطبقة الملكية( ).
تلك هي خمسة العوائق الرئيسة ( ) التي جعلت المنتمين إلى الطبقة الملكية عاجزين عن إقامة كيان عربَيّ موحد، والتي أسهمت في اعتصام السوقة بعصبيتهم القبلية، وفي تمردهم على الطبقة الملكية، فكيف تجلّى ذلك التمرد؟
***
4- تمرّد السوقة على الملوك
قاوم المتعصّبون إلى أنسابهم الصريحة الإذعان إلى إرادة الراغبين بإدخالهم تحت راية الانتماء إلى نظام ملكّي يسوسهم، ولعل في قول النابغة الذبياني ( ):
قَدْ عَيَّرَتْنِي بنو ذُبيانَ خَشْيَتَهُ
وَهَلْ عَلَيَّ بِأَنْ أَحْشَاهُ مِنْ عَارِ

مايجمل اختلاف نظرة الصرحاء إلى الملوك؛ فبنو ذبيان يعيرون النابغة لأنه يخشى الملك الغَسّاني، والنابغة لايرى عاراً في ذلك؛ هم يرفضون الطاعة للملوك، وهو يقبل بها.
وكان السوقة الذين لايدينون للملوك يرون أنهم أعظم منزلة من نظرائهم الذين يخضعون لسلطة الملوك، ومنهم عمرو بن كلثوم التغلبيّ الذي قدّم بني تغلب على إخوتهم بني بكر لخضوعهم للملك عمرو بن هند، وذلك في قول ابن كلثوم( ):
لا يَسْتَوي الأَخَوانِ أمَّا بَكْرُنا
فَيَدَينُ لِلْمَلِكِ الِّلئامِ العُنْصُرُ

ولطالما افتخر السوقة بأنهم لم يدينوا للملوك، ولم يُمْلَكُوا، وقد أجملوا وصف هذه الحالة بلفظة (لَقَاح)( )، ومن ذلك الفخر قول عبيد بن الأبرص( ):
أَبَوا دِيْنَ المُلُوكِ فَهُمْ لَقَاحٌ
إذا نُدِبُوا إلى حَرْبٍ أَجابُوا

وقول عمرو بن حَوْط اليربوعي( ):
أَبَوْا دِيْنَ الملوكِ فَهُمْ لَقَاحٌ
إذا هِيجُوا إلى حَرْبٍ أَشاحُوا

إن السوقة المتعصبين لنسبهم الصريح والذين كانوا يفخرون بمثل قول عمرو بن كلثوم ( ):
والنّاسُ أَذْنابٌ
ونحنُ أَرْبَابْ

وبمثل قول عبيد بن الأبرص( ):
نَأَبَى على الناسِ المَقَادَةَ كُلِّهِمْ
حَتَّى نَقُودَهُمُ بِغَيْرِ زِمَامِ

رفضوا الانقياد للملوك أنفةً من الخضوع لغير ساداتهم، ولذلك اعتدّوا بعدم الخضوع للملوك كقول أبي دؤاد الإيادي يفخر بقومه الذين لم يعقد لأحد ولاية عليهم( ):
ماسَامَهُمْ في الدَّهْرِ مَلْكٌ بِعُقَدْ
وتجلّى تَمَرد السوقة على الملوك في وصر متعددة، منها عصيان أوامرهم، كقول بني تغلب لعمرو بن هند، وقد دعاهم إلى طاعته، والغزو معه: مالنا نغزو معك، أَرِعَاء نحن لك( )، فحكى الحارث بن حلّزة قولهم في معلقته " هل نحن لابن هِنْدٍ رِعاء"( ).
وقد تجرّأ بعض الأفراد على ألاّ يستجيبوا لرغبات الملوك، فقد رغب ملك بِسَكابِ، فرس عبيدة بن ربيعة التميميّ، فمنعه إياها، وقال له( ):
فلا تَطْمَعْ- أبيتَ اللعْنَ- فيها
وَمَنْعُكَهَا بِوَجْهٍ يُسْتَطَاعُ

ولقد كثر في شعر الجاهليين تحدي الإرادة الملكية بإظهار القوة الرادعة لها، كقول المتلمس الضبعي لعمرو بن هند( ):
فَلَئِنْ تَعِشْ، فَلْيَبْلُغَنْ
أَرْمَاحُنا مِنْكَ المُخَنَّقْ

وقول حاتم الطائي( ):
وأَقْسَمْتُ لا أُعْطِي مَلِيكاً ظُلاّمةً وَ حَوْلي عَدِيٌّ: كَهْلُها وغَرِيرُها
ومن تحدي الملوك التعرض لهم بالهجاء كقول المتلمّس يهجو عمرو بن هند ( ):
شَرُّ المُلُوكِ، وشَرُّها حَسَباً
في النّاسِ مَنْ عَلِمُوا ومَنْ جَهِلُوا

الغَدْر والآفاتُ شيمَتُهُ
فافْهَمْ، فَعُرقُوبٌ لَهُ مَثَلُ

وبلغ تحدي السوقة للملوك ذروته في تصاديهم للجيوش الملكية، وافتخارهم بذلك كقول مالك بن خالد الهذلي( ):
أَلَمْ تَرأنّا أهْلُ سَوْداءَ جَوْنَهٍ
وأَهْلُ حِجابٍ ذي حِجازٍ وَمَوْقِرِ

به قاتلتْ آباؤنا قَبْلَ مَا تَرى
مُلَوكَ بني عادٍ وأقوالَ حِمْيَرِ

وقد أدّى الاحتكام إلى السيوف إلى إذلال الملوك أحياناً بأسرهم، وجزّ نَواصيهم( )،وأحياناً بقتلهم، ولطالما افتخر السوقة بعصيان الملوك وقتلهم، كقول عمرو بن كلثوم( ):
وأَيَّامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ
عَصَيْنا فيها أنْ نَديِنا

وَسَيِّدِ مَعْشَرٍ قَدْ تَوَّجُوهُ
بتاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُحْجَرِيْنا

تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عليهِ
مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَها صُفُونا

ويبدو من أخبار الجاهلية وأشعارها أن الصراع بين السوقة والملوك كان يمتدّ إلى أغلب البقاع التي عاش عليها الجاهليون، وأنّه كان صراعاً عنيفاً، يشمل الزمان الجاهلي، يقول بشامة بن الغدير( ):
مِنْ عَهدِ عَادٍ كانَ مَعْرُوفاً لَنَا أَسْرُ المُلُوكِ وقَتْلُها وَقِتَالُها

ولقد مَرّ بنا ما يدل على تنكيل الملوك بالسوقة، وقد قابل بعض السوقة الملوك بتنكيل مشابه، فحين قتل عمرو بن هند أخاً للرَّقبانِ الأسدي، أقدم الرقبان على سرقة ابنين لعمرو، وذبجهما، وقوله مفتخراً ( )
إنّا كذلكَ كان عادتُنا
لم نُغْضِ مِنْ مَلكٍ على وِتْرِ

وهكذا نرى أنّ التمرد على الملوك اتخذ صوراً متعددّة، وإذا كانت العصبية القبلية سبباً في تمرّد السوقة على الملوك فإن الطبقة الملكية لم تمتلك المقومات اللازمة لتهذيب تلك العصبية من أجل الاقتدار على حكم السوقة وتوحيدهم. كان السوقة بحاجة إلى سلطة مركزية تمنحهم الأمان، وتحكم بينهم بالعدل، وتمنع ظلم بعضهم بعضاً، وتوسّع دائرة حريتهم ليتطوروا في ظلال الوحدة، وكان السوقة أحراراً تمور نفوسهم بالعزة والكرامة، وقد بلغوا درجة من النضج الحضاري تسمح لهم بقبول الانقياد إلى غيرهم انقياداً سياسياً يحفظ كرامتهم وحقوقهم، إنهم يرضون بتقديم الولاء للملوك، ويطلبون في مقابل ذلك القضاء العادل، يقول الحارث بن حلّزة يخاطب عمرو بن هند( ):
إنَّ عَمْراً لنَا لَدَيْهِ خِلالٌ
غَيْرَ شَكٍّ في كُلِّهِنَّ البَلاءُ

مَنْ لنا عِنْدَه مِنَ الخيرِ آيا
تٌ ثَلاَثٌ في كُلِّهِنَّ القَضَاءُ

إن لبني بكر بن وائل قوم الحارث ثلاث خلال توجب لهم الحظوة عند عمرو بن هند كي يقضي لهم على تغلب، وموالاة البكريين للملك سياسيّة بإرادةٍ حرّة منهم، ويدل على ذلك قول الحارث لعمرو بن هند( ):
تَعَلَّمْ بِأَنَّ الحيَّ بَكْرَ بنَ وائل
هُمُ العِزُّ لايَكْذِبْكَ عَنْ ذاكَ كاذِبُ

فإنَّكَ إنْ تَعْرِضْ لَهُمْ أو تَسُؤْهُمُ
تَعَرَّضْ لأَقْوامٍ سِوَاكَ المذاهِبُ

إنّ إحساس الحارث بامتلاك الإرادة الحرة في موالاة الملك هو السبب في جرأته، وادعائه أن باستطاعة قومه أن يرغبوا عن الملك ويتحوّلوا عنه.
لإنّ السوقة يرضون أن يكونوا رعية حرةً لارعية مستعبدة، ولذلك اسُتهجن الخضوع لظلم الملوك كما في قول لقيط بن زرارة يُعَيّر بني مالك بن حنظلة، وكانوا يخدمون عمرو بن هند( ):
فَأَبْلِغْ لَدَيْكَ بَني مَالِكٍ
مُغَلْغَلَةً، وَ سرَاةَ الرِّبابِ

فإنَّ امْرَأً أَنْتُمُ حَوْلَهُ
تَحُفُّونَ قُبَّتَهُ بالقِبابِ

يُهينُ سَراتَكُمُ عامِداً
وَيَقْتُلُكُمْ مِثلَ قَتْلِ الكلابِ

فَلَوْ كُنْتُمِ إبلاً أَمْلَحَتْ
لَقَدْ نَزَعَتْ لِلْمِياه العِذاب

ولكنّكُمْ غَنَمٌ تُصْطَفَى
وَيُتْرَكُ سائِرُها للذِّئاب

إن خضوع السوقة لظلم الملوك يجعلهم بمنزلة الغنم لضعفهم وهو ان شأنهم. وقد يعلل بعض السوقة قبول الظلم بعجزهم عن التصدي له،، ولكن المتلمس الضّبعي تحدث عن كون الارتحال حلاً يفضل الخضوع لظلم الملوك، ودعا بني بكر بن وائل إلى الاقتداء بمن ارتحل قبلهم، ثم قال لهم( ):
شُدُّوا الجِمَالَ بِأَكوَارٍ عَلَى عَجلٍ
والظُّلْمُ يُنْكِرُهُ القَوْمُ المكاييسُ

إن شدّة تمرد السوقة على الملوك تناسب شدّة ظلمهم، ومن الظاهر أنّ عمررو بن هند، وقد كثر التمرد عليه، كان من أكثر ملوك ملوك الجاهلية ظلماً للسوقة، وقد وصف المتلَمّس الحال في مملكة عمرو، فقال ( ):
والظّلْم مَرْبُوطٌ بِأَفـ
نِيَةِ البُيًوتِ أَغَرُّ أَبْلَقْ

إن ظلم عمرو ملازم كلّ بيت، ومشهور وظاهر. وكذلك وصف طرفة بن العبد حال الرعية في زمن عمرو بن هند الذي جعل لنفسه يوم بؤس، يركب فيه للصيد، فيقتل أول من يلقاه، ويوم نعمة، يقف الناس فيه بباب عمرو، فإن اشتهى حديث رجل أذن له، لقد تمنى طرفة أن يُستبدَلَ بعمرو نعجة كثيرة الدّرّ، فهي أكثر فائدة للناس منه، ثم قال لعمرو( )
قَسَمْتَ الدّهْرَ في زَمَنٍ رَخِيٍّ
كَذاكَ الحُكْمُ يُقْصِدُ أو يَجُورُ

لَنَا يومٌ ولِلْكِرْوانِ يَوْمٌ
تَطيرُ، البائِساتُ، ولا نَطِيرُ

فَأمّا يَوْمُهُنَّ فَيَوْمُ نَحْسٍ
تُطَارِ دُهُنَّ بالحَدَبِ الصُّقُورُ

وَ أَمَّا يَوْمُنَا فَنَظَلُّ رَكْباً
وُقُوفاً ما نَحُلُّ و ما نَسيرُ

إنّ قول طرفة:" تطير البائسات ولا نطير" يختزل المعاناة من الظلم، ويظهر حسد طرفة للطيور؛ فهي، على ضعفها، تمتلكك فرصة للتحرر من ظلم عمرو بن هند بالطيران، وأمّا السوقة فلا يمتلكون مايمكنهم من الانطلاق بعيداً عن الملك.
إن أبيات طرفة السابقة لاتنفي إمكانية أن يطيع السوقة الملوك، فقوله " كذلك الحكم يقصد أو يجور" يعني أن السوقة عرفوا ملوكاً حكموا بالعدل، ويؤيد ذلك قول لقيط ابن زرارة يخاطب عمرو بن هند الذي حرّق بعض بني تميم( ):
لَعَمْرُ أَبيكَ أبِي الخَيْرِ مَا
أَرَدْتَ بِقَتْلِهِمُ مِنْ صَوابِ

ولانِعْمَةً إنَّ خَيْرَ المُلُو
كِ أَفْضَلُهُمْ نِعْمَةً في الرَّقابِ

إن لقيطاً ينكر مظالم عمرو، ولكن ذلك لايمنعه من الإقرار بفضل أبي عمرو بن هند، ومن المفاضلة بين الملوك، فخيرهم من يعفو عن رعيته، ويحلم عن هفواتها إن السوقة يرضون بحكم الملوك، ولكن بعضهم بل أكثرهم يأنفون الظلم( ):
إذا ما المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً
أَبَيْنا أنَّ يُقِرَّ الخَسْفَ فِيْنا

ولقد أجمل جابر بن حُنَيّ التغلبي ما ذكر آنفا بقوله يهجو عمرو بن هند( ):
نُعاطِي المُلُوكَ السِّلْمَ ما قَصَدُو بنا
وليس عَلَيْنا قَتْلُهُمْ بِمُحَرَّمِ

إنّ قوم جابر يسالمون الملوك، وماداموا يسيرون بهم سيرة حسنة عادلة، فإن حاد الملوك عن الحقّ خرج عليهم قوم جابر (السوقة) وقاتلوهم.
إن طبقة ملوك الجاهلية ليست شرّاً مطلقاً، ولكنها طبقة حكمت بالعدل تارة، فرضي بعض السوقة بالطاعة لها، وحكمت بالظلم أخرى فتمَردّ بعض السوقة عليها. وكان رفض السوقة لسلطة الملوك يرجع إلى سببين رئيسين: الأول تعَصّب بعض السوقة لانتماءاتهم النسبية الصريحة ورفضهم الانقياد إلى غير ساداتهم؛ والثاني عجز الطبقة الملكية عن امتلاك صفات القيادة السياسية القادرة على بسط سلطتها على القبائل، وعلى إقامة كيان سياسيّ موحد ومستقلّ عن النفوذ الأجنبيّ( ).
وكان اختلاف آراء السوقة بشأن الإذعان إلى سلطة ملكية تسوسهم من مظاهر إرهاص الانتقال من القبليّة إلى القوميّة، ومن الكيانات السياسية المبعثرة إلى كيان الدولة المركزية لقد سعى الملوك والسوقة بأساليب مختلفة إلى تجاوز عوائق التطور، ولاسيما واقع التشرذم، فنجحوا تارة، وأخفقوا أخرى، وكان نجاحهم توسيعاً لدائرة الانتماء الصريح بالحذف والإضافة ؛ فطاعة الملوك لاتلغي الانتماء النسبي، ولكنها تحدّ من غلوائه، وتمنحه فرصة تطوّر لاتتحقق في ظل الانتماءات النسبية المغلقة والمتصارعة.
2- السادة والمستضعفون
1-سادة ومسودون
إنّ انتماء جماعة إنسانية إلى نسب أبويّ متعارف عليه لايعني تساوي أفرادها في المنزلة تساوياً مطلقاً؛ فالظروف التي تواجه الجماعة في أثناء مسيرة حياتها المشتركة لابدّ أن تُظهر تفاوتاً في قدرات أفرادها ؛ فبعض الأفراد أقدر من غيرهم على إيجاد الحلول لمشكلات جماعتهم وعلى المشاركة في تجاوزها، وأولئك الأفراد القادرون يكسبون منزلة استثنائية تعظم بعظمة قدراتهم على مواجهة الظروف العائقة للتقدم.
لقد أظهرت الخطوب التي هدّدت أمن الجماعات القبلية تفاوت قدرات ابنائها على المواجهة، وفي ذلك يقول الأفوه الأودي مفتخراً بقومه( ):
كنَّا فوارسَ نَجْدَةٍ لكِنَّها
رُتَبٌ، فَبَعْضٌ فوقَ بَعْضٍ يَشْفَعُ

إن فرسان قومه رتب في الحرب، وهي ليست مكتسبة إلاّ بالمقدرة على مجابهة الأخطار التي تهّدد كيان الجماعة القبيلة. ولكن الحرب ليست خطراً وحيداً يهدد الجماعات القبلية في الجاهلية، ولذلك لم يكن التفاضل بالفروسية إلاّ مظهراً من مظاهر التمايز بين الأفراد ؛ فالأزد قوم عبيد بن عبد العزى( ):
ملوكٌ وأربابٌ وفُرسانُ غَارةٍ
يَحُوزونَها بالطَّعْنِ في كلِّ مَحْجَرِ

إنّ الأزد رتب فمنهم ملوك، ومنهم أرباب (سادات)، ومنهم فرسان، وتلك رتب سامية، بعضها يشمل بعضها الآخر؛ فالملوك : سادة وفرسان، والفرسان شجعان وأقوياء، ولكنهم لايتمتعون بسلطان الملوك، ولابسمات السادة الذين يسوسون القبائل والعشائر، ويتمتعون بالشجاعة والقوة.
إن وجود السادة يستدعي وجود المسودين الذين يشكّلون الطبقة الأضعف في كلّ تجمع سكانِيّ جاهلي، ومشارب تلك الطبقة شتى؛ فمنها صرحاء وغير الصرحاء، ومنها عبيد وأحرار، ومنها أصحاب حرف ومهن، يجمع بينهم الفقر في حين يجمع بين السادة الغنى على الأغلب.
إنّ السيادة لفظ جامع للشمائل اللازمة للقيادة السياسية والزعامة الاجتماعية في الجاهلية؛ فالسّيد لفظ يطلق " على الرّب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدّم....(و) السيد: الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطي ماله في حقوقه، المعين بنفسه" ( ). ولقد أكثر الشعراء الجاهليون من تعداد الشمائل التي يجب أن يّتصف بها السادة كقول عبيد بن الأبرص( ):
إذا كنتَ لَمْ تَعْبَأْ بِرَأْيٍ وَلَمْ تُطِعْ
إلى الُّلبّ أو تُرْعِي إلى قَوْلِ مُرْشِدِ

ولا تَتَّقي ذَمَّ العَشِيرةِ كُلِّها
وَ تَدْفَعُ عَنْها بالَّلسَانِ وباليَدِ

وَتَصْفَحُ عَنْ ذِي جَهْلِها وتَحُوطُها
وَتَقْمَعُ عنْها نَخْوَةَ المُتَهَدِّدِ

وَتَنْزِلُ مِنْها بالمَكان الذي بِهِ
يُرَى الفَضْلُ في الدُّنيا عَلَى المتحمِّدِ

فَلَسْتَ وإنْ عَلَّلْتَ نَفْسَكَ بالمُنى
بذي سُودَدٍ بَادٍ ولا كَرْبَ سَيِّدِ

إنّ عُبَيْداً يشترط للسَّيد أن يسوس قومه بالشّورى، وأن يتحاشى ذَمّ العشيرة، وأنْ يدلفع عنها باللسان والسنان، وأن يصفح عن الجاهل، وأن يرعاها، ويذلّ أعداءها، ويرفع شأنها، وبالجملة أن يكون قادراً على الأخذ بيدها نحو حياة أفضل.
إنّ السيادة مرتبة يكتسبها الإنسسان الجاهلي بتسخير قواه النفسية والعقلية والمادية والعضلية من أجل خير قومه والاقتدار على تسخير تلك القوى أمرّ شاق( ).
وإنَّ سياسَةَ الأقوامِ فاعْلَمْ
لَها صَعْداءُ، مَطْلَعُها طويلُ

ومن لايقدر على ارتقاء تلك الصعداء يمتنع قومه عن تسويده، يقول حسان بن ثابت ( ):
وإنّا لَقَومٌ ما نُسَوِّدُ عاجياً
ولانا كِلاً عِنْدَ الحَمالَةِ زُمَّلاَ

ولامانعاً للمالِ فيما يَنُوبُه
ولاعاجزاً في الحَرْب غُمْراً مُغَفَّلاَ

ولاجُعْبُساً عَبَّابَةً مُتَهَكِّماً
عَلَيْنَا ولا فَهّاً كَهَاماً مُفَيّلا

نُسَوِّدُ مِنا كلَّ أروع بارعٍ
أَغَرَّ تَراهُ بالجَلاَلِ مُكَلَّلا

إذا ما اْنَتدَى أجنى النّدى وابْتَنى العُلا
وأُلْفِي ذا طَوْلٍ عَلَى مَنْ تطَوّلا

ولو أراد امرؤ أن يستقصي الأشعار والأخبار التي تبرز شمائل السادة فسوف يجد شمائل أخرى تُصاف إلى ماذُكر آنفاً. ومن ذلك أنّ الحطيئة مدح قوماً بأنهم سادوا بعشر خلال، منها حماية الديار، وحسن الجوار، وفكّ الأسرى( )، وأنّ أبا سفيان بن حرب قال في خبر سؤال هرقل إياه عن محمد صلى الله عليه وسلم :" ولكنَّني كنت امرأً سيّداً أتَبَرَّم من الكذب" ( )فالسيد الجاهلي يقود الذين سّودوه نحو الأفضل لأنّه يمتلك الرؤيا الفضلى لمواجهة المشاكل، والقدرة الفضلى على تجاوزها.
ولكن اجتماع شمائل السيادة كلّها في الرجل السيد أمر لايطاق، بل يمكن أن تجتمع أكثرها فيمن يرتقي إلى مرتبة السيادة وأن تكون بعض الأشعار المتضمنة شمائل السيادة، تصويراً للسيد المثال في المجتمع الجاهلي، وأن تتضمن تلك الأشعار أحياناً مبالغة في إسباغ الشمائل على السادة، وسأكتفي للدلالة على ذلك بقول الأعشى يمدح هوذة بن علي الحنفِيّ( ):
يَرَى كُلَّ مادُونَ الثلاثينَ رُخْصَةً
ويَعْدُو إذا كان الثَّمانُونَ واحِدَا

فهوذّة لايَهُبُّ إلى القتال إذا كان عدد خصومه ثلاثين شخصاً ولا يأبه لهم إلاّ إذا كانوا فوق الثمانين، وكذلك طلب لقيط بن يعمر الإياديّ من قومه أن يكون رئيسهم( ):
مُسْتنجداً يَتَحَدَّى الناسَ كلَّهُمُ
لو قارعَ الناسَ عَنْ أَحْسَابِهِمْ قَرَعَا

فالرئيس المقترح يجبب أن يكون ذا قوة خارقة، يتحدى بها الناس كلّهم، ويغلبهم بأعماله المجيدة.
وثمة صفة للسادة تدفع إلى الظنّ بانَّ السيادة قد تُعطى لمن لايَستحقها، وهيي وراثة السيادة عن الآباء والأجداد؛ فقد كثر في شعر الجاهلين وصف الأحياء بوراثة السيادة كقول كعب بن زهير يمدح الأنصار( ):
وَرَثُوا السِّيَادَة كابراً عن كابِرٍ
إنَّ الكِرام هُمُ بَنُو الأَخيارِ

وقول مطرود بن كعب الخزاعي يصف بني عبد مناف( ):
هُمْ سادَةُ الناسِ إذا حَصَّلُوا
وَنَسْلُ ساداتٍ لساداتِ

ولكن وراثة السيادة لم تكن حقَّاً يناله الأبناء من الآباء بل مكتسباً يأخذونه يجهدهم، فيضيفون أعمالهم المجيدة إلى الأمجاد التي شادها آباؤهم، وقد عبّر عن ذلك صراحة عامر بن الطفيل إذْ يقول ( ):
فإنّي وإنْ كُنْتُ ابنَ فارسِ عامرٍ
وفي السَّر مِنها والصَّريحِ المُهَذَّبِ

فما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ وِراثَةٍ
أَبى الّلهُ أنْ أَسْمُوا بِأُمٍّ ولا أَبِ

ولِكَّنِني أَحْمِي حِمَاها وَ أَتَّقي
أَذَاهَا، وَأَرْمي مَنْ رَمَاها بِمِقْنَبِ

إن افتخار عامر بأن قومه لم يسوّدوه وراثة يعني أن العُرف الجاهلي يوجب أن ينال الرجل السّيادة بأفعاله، ولايمنع وراثة السيادة إذا اقتدر الأبناء على امتلاك صفات السادة( ) .
وافتخار عامر يوحي بأن بعض الرجال ورثوا السيادة من غير أن يمتلكوا صفاتها وأن بعض الرجال نالوا مرتبة السيادة بغير حق. ولكن ذلك لا يشكل ظاهرة عامة بل حالات قليل وجودها ؛ فالسيادة في الجاهلية هي موضع اختبار دائم إن ظهور عجز عن تحمّل أعبائها قد يكون كافياً لانتقال قيادة القبيلة من شخص إلى آخر( )، واقتدار أي فرد من الجماعة القبلية على تحمّل أعباء السيادة يمنحه الحق في أن يكون من طبقة الأسياد. ولعلّ الانتقال من طبقة إلى أخرى يفسر تسمية الذي يشرف وليس لآبائه شرف خارجيَّاً، في قول النابغة يمدح النعمان بن جَبَلَة الكلبي( ):
يَقُودُ هُمُ النُّعْمَانُ مِنْهُ بِمُحصَفٍ
وَكَيْدٍ يَعُمُّ الخارِجِيَّ مُنَاجِدِ

وقد صرّح عديّ بن زيد بأن الإنسان النبيه يستطيع أن ينتقل من طبقة المسودين إلى طبقة السادة وذلك في قوله( )
وسائسِ أَمْرٍ لم يَسُسْهُ أبٌ لَهُ
ورائِم أَسْبابِ الذي لم يُعَوَّدِ

ووارثِ مَجْدٍ لم يَنَلْهُ وَمَاجدٍ
أصابَ بِمَجْدٍ طارِفٍ غيرِ مُتْلَدِ

إنّ اقتدار أيّ فردٍ من الجماعة الأبوية على الارتقاء إلى مرتبة السيادة يعني أن التنافس عليها كان مجالاً مفتوحاً لكلّ فرد يظهر قدراً مناسباً من مقومات السيادة ( )، وبذلك لا تشكل السيادة دائرة انتمائية مغلقة بل دائرة تخترق، وتتوسع وتتجدّد بانتقال سادة جدد إليها بإرادتهم وعزمهم، والسيادة ليست إرثاً بل اصطفاء واختياراً يقع على من يتفوّق بالقدرة على قيادة جماعته نحو الأفضل، يقول حاتم الطائي( ):
أسَوِّدُ ذا الفَعالِ ولا أُبالي
على أنْ لا أَسُودَ كُفيتُ

وإذا كان حاتم- وهو من السادة- يرتضي أن يسوده غيره فإن رجالاً مثله لم يرتضوا الانقياد إلى غيرهم؛ فكان تقارب بعض رجال القبيلة في امتلاك القدرات على السيادة سبباً في تنافسسهم عليها تنافساً سلميا تارة وحربياً أخرى؛ ومن ذلك المنافرة بين عامر بن الطفيل وعلقمة ابن علاثة العامريين( )، واحتكام العباس بن مرداسس وخفاف بن ندبة السُّلميين إلى اللسان والسنان في تنافسهما على سيادة بني سليم ( ).
إن اختيار الجماعات لسادتها يجعل السيّد ممثلا لجماعته، يعزون بعزّة، ويذلّون بذلّه( ) والجماعة القبلية تعظم بقدرتها على إنجاب السادة جيلا بعد جيل، يقول حسان ( ):
إذا ماتَ مِنَّاسَيّدٌ سادَ مِثْلُهُ
رَحِيبُ الذِّراعِ بالسِّيادَةِ خِضْرِمُ

كما تعظم بكثرة رجالها الذين بلغوا درجة السيادة، بل لقد ادعى بعض الشعراء أن جماعته كلها من السادة، ومنهم زيد الخيل الطائي إذ يقول ( ):
وقومي رؤوسُ الناسِ والرأسُ قائِدٌ
إذا الحَرْبُ شَبّتها الأَكُفُّ المَسَاعِرُ

فالسيادة في القبيلة الواحدة لاتقتصر على رجل واحد بل على عدد غير محدد من الرجال هم سادة القبيلة وسراتها. فالقبيلة فيها سادة ومسودون، يقول عبد الله بن رواحة ( ):
وما نَبْغي من الأَحْلافِ وِتْراً
وَقَدْ نِلنا المُسَوَّدَ والمَسُودا

وكان المسوَّدون في كلّ قبيلة هم المسؤولون عن سياسية أمورها. وفي الأخبار المتصلة بمفاخر قريش الجاهلية ما يدل بوضوح على كثرة السادة في القبيلة، وعلى توزّع مسؤولية سياستها فيما بييهم ( )
إن إحساس الصرحاء بالتساوي في أصل نشأتهم جعل فرص الارتقاء إلى مرتبة السيادة ممكنة للكثيرين منهم، يقول حاتم الطائي مقرَّاً بتساوي أبناء العم، وبإمكانية ارتقاء بعضهم إلى مرتبة متميزة( )؛
إذا أنا لمْ أَرَ ابنَ العَمِّ فَوْقي
فإنيّ لا أَرَى ابنَ العَمِّ دُوني

ولكن كثرة السادة في القبيلة لاتنفي وجود سيد منهم يرأسهم في المجالس ويقودهم في المعارك، فإذا كان لكلّ بطن أو لكلّ عشيرة من القبيلة سيّدٌ، أو سادات فإنَّ للقبيلة كلها سيداً واحداً؛ فالقبيلة فيها سادة، ولهم رئيس، هو الأقدرر على القيادة منهم، يقول حُجْرُ بن خالد الثعلبي ( ):
يَسُودُ ثِنَانَا مَنْ سِوانا وَبَدْؤُنَا
يَسُودُ مَعَدّاً كلَّها ما تُدَافِعُهْ

ولكن سلطة السيّد الأول في القبيلة ليست مطلقة بل يحدّ منها حقّ كلّ سيد، وربما كل فرد صريح، في معارضة الرئيس أو موافقته( )، وبذلك تغدو رئاسة القبيلة خاضعة للشّورى التي توجب على الرئيس أن يخضع لآراء من يشاورهم أحياناً.
وثَمّة أخبار تدل على وجود أكثر من رئيس واحد في بعض القبائل؛ ففي يوم العُظالى، يوم لتميم على بكر، اجتمع على رئاسة بكر أربعة سادة من بني شيبان: بسطام بن قيس، وهانئ بن قبيصة، ومفروق بن عمرو، والحوفزان، وقد نصح لهم بسطام نصيحة فلم يقبلوا بها، فانصاع بسطام إليهم( ). ويفهم من ذلك أن التنافس على السيادة كان شديداً لوجود سادة كثر، يتمتعون بملكات قيادية متشابهة ( )، وأن اختلافهم حول كيفية قيادة القبيلة يمكن أن يحسم بالحوار، ثثم بخضوع الأقلية لرأي الأكثرية ( )، وبذذلك تحافظ القبيلة على وحدتها، إذ يتوحّد قرارها السياسِيّ الخاص بالحرب، والصلح، وغير ذلك ؛ففي يوم ذي حَسا، وهو لذبيان على عبس، كان للربيع بن زياد رأي يخالف رأي قيس بن زهير، ولكن قيساً صرف الربيع عن رأيه، فأعلن الربيع التزامه برأي قيس وقال في ذلك ( ):
أقولُ ولم أملكْ لِقَيسٍ نصيحةً
أَرَى ما يَرَى، واللهُ بالغيبِ أَعْلَمُ

فحين يتوحّد القرار القَبَليّ بالإجماع أو بالأغلبية يجب على القبيلة أن تخضع لرئيسها، وأن تترقب أوامره، ولاسيما في الحروب، والأشعار الدالة على ذلك كثيرة، كقول زهير بن أبي سلمى يمدح بني مرّة ( ):
يَنْظُرُ فُرْسَانُهُمْ أَمْرَ الرئيسِ، وَقَدْ
شَدَّ السُّروجَ عَلَى أَثْباجِها الحُزُمُ

وحين يصدر الأمر من الرئيس يسارع الفرسان إلى تنفيذه، يقول قيس بن الخطيم يصف مبادرة الأوس إلى دعوة سيدهم إياهم إلى الاستبسال في الحرب( ):
لمّا دَعَاهُمُ لِلْمَوْتِ سَيّدُهُمْ
ثابَتْ إليهمْ جُمُوعُهُمْ عُصَبَا

ومثل ذلك قوله يفخر بطاعة قومه لأميرهم ( ):
ولمّا هَبَطْنا الحَرْثَ قَالَ أَميرُنا:
حَرَامٌ علينا الخَمْرُ مَالَمْ نُضَارِبِ

فَسَامَحَهُ مِنِّا رِجَالٌ أَعِزَّةٌ
فَمَا بَرحُوا حَتَّى أُحِلَّتْ لِشَارِبِ

إن طاعة الرئيس مفخرة، وعصيانه عقوق، وتضييع لحق الرئيس على مرؤوسيه، وهلاك للمرؤوس، وفي ذلك يقول عروة بن الورد( ):
لِكُلِّ أُناسٍ سَيِّدٌ يَعْرِفُونَهُ
وَسَيَّدُنا حَتَّى المَمَاتِ ربيعُ

إذا أَمَرَتَني بالعُقُوقِ حَلِيلَتي
فَلَمْ أعْصِها إنّي إذا لَمضَيعُ

ويرى المتلمّس الضبعي أن النساء خير من الرجال الذي يعصون أميرهم في قوله ( ):
خَيْرٌ مِنَ القَوْمِ العُصَاةِ أميرَهُمْ ياقَوْمِ، فاسْتَحْيُوا، النِّساءُ الجُلَّسُ
إن طاعة الأمير هي أحد وجوه تعظيم المسودين للسادة، وكذلك الفخر بهم كقول ربيعة بن ظريف التميمي يمدح قيس بن عاصم( ):
فلا يُبْعِدَنْكَ الله قيسَ بنَ عاصمٍ فَأنتَ لنا عِزٌ عَزِيزٌ وَمَوئِلُ
وفاخر النابغة الذبياني بسادات قومه، فقال ( ):
إنَّا نُقَدِّمُ لِلْفَخَارِ ثَلاَثةً
هَرِماً وَعَوْفاً عَمَّهُ وَسِنَانا

وَنَعُدُّ خَارِجَةَ المَكَارِمِ إذْ سَعَى
بِحَمَالَةٍ فاسْتَخْلَصَتْ غَطَفَانا

والحارِثَيْنِ مَعاً نَعُدُّ وهاشِماً
وَيَزِيدَ إنْ عُدَّ الكُمَاةُ طِعانا

ومن تعظيم السادة الأسى لفراقهم، كقول زهير بن أبي سلمى( ):
يادَهْرُ قَدْ أَكثَرْتَ فَجْعَتَنَا
بِسَراتنا وَقَرَعتْ في العَظْمِ

وكذلك تكنيتهم بأكثر من كنية؛ فالسيد " تكون كنيته في الحرب غير كنيته في السلم "( ) ومن تعظيم السادة في الحرب أن تخفق فوقهم الرايات، يقول الأعشى( ):
وَلَقَدْ شَهِدْتُ الجيشَ تَخْـ
ـفِقُ فَوْقَ سَيَّدِهِمْ عُقَابُهْ

وأن توكل إليهم قسمة الغنائم إذا ظفروا في الحرب، يقول زهير يمدح هرم بن سنان ( ):
حَتىَّ تَآوَى إلى لافاحشٍ بَرَمٍ
ولاشَحيحٍ إذا أصحابُهَ غَنِمُوا

يَقْسِمُ، ثمّ يُسَوّي القَسْمَ بَيْنَهُمُ
مُعْتَدِلُ الحُكْمِ لاهارٍ ولا هَشِمُ

فالغنائم ترجع إلى الممدوح، ولكنه لايَسْتَأثر بها دون اصحابه، ولاينافسهم فيما ظفروا بل يقسمها بين اصحابه بالعدل، ولا يأخذ( ):
سوى رُبُعٍ لم يَأْتِ فيه مَخَانَةً
ولا رَهَقاً من عائذٍ مُتَهَوِّدِ

وقد فصّل عبد الله بن عنمة الضَّبي ما للرئيس في الحرب من الغنائم بقوله يرثي بسطام بن قيس الشيباني ( ):
لَكَ المِرْبَاعُ منها والصَّفَايا
وَحُكْمُكَ والنِّشِطَةُ والفُضُولُ

إنّ تلك المكاسسب لايستحقها الرئيس إلاّ إذا غزا، وأسهم بشكل رئيس في تحقيق الظفر لقومه، وإذا عجز الرئيس عن ذلك فإنّ المرباع ينتقل إلى من يقدر على تحقيق النصر( )
وثّمة أشعار تتحدث عن تعدّد سادة المرباع في القبيلة الواحدة، فقد وصف الأجدع ابن مالك الهمذاني قوماً بأنهم " أَهْلُ الّلواءِ وسادَةُ المِرباع"( ). وافتخر الأعشى بأنه شرب الخمر وحوله "ذوو الآكالِ من بكر بن وائل"( ).وتعدد سادة المرباع يعني وجود عدد من السادات المتساوين في المنزلة، وفي استحقاق التكريم من قبيلتهم.
لقد اكتسسب بعض السادة مزايا مادية بتفوقهم قوة وشجاعة في الحروب، وباستعدادهم لتلقي سهام المخاطر أكثر من غيرهم ؛ فالسّيد أول من يتقدم إلى الأعداء، وقد يكون أول القتلى( ):
أَطَاعَتْ بَنُو عَوْفٍ أميراً نَهاهُمُ
عَنِ السِّلْم حَتَّى كانَ أَوّلَ واجِبِ

وكان السادة أكثر عرضة للخطر من غيرهم، فقتلهم فخر، يقول بشر بن أبي خازم( ):
قَتَلْنَا الذي يَسْمُو إلى المَجْدِ مِنْهُمُ
وَتَأْوِي إِلَيْهِ في الشِّتَاءِ الأَرَامِلُ

وأسرهم فخر؛ يقول بن معد يكرب في أسر قومه للأشعث بن قيس الكندي:" وأشعثَ سَلْسَلُوا في غير عَقْدِ "( )، ويقول أيضاً( ):
فَشَتَا وَقَاظَ رئيسُ كِنْدَةَ عِنْدَنا
في غَيْرِ مَنْقَصَةٍ وَغَيْرِ هَوانِ

وبقتل السادة يدرك الثأر، يقول عبد الله بن جعده مُهَدِّداً قتلة خالد بن جعفر:" فَلْنَقْتلَنَّ بخالدٍ سرواتِكُمْ "( )، ويقول خفاف بن ندبة حين أدرك بثأر معاوية بن عمرو السُّلَمِيّ( ):
تَيَمَّمْتُ كَبْشَ القَوْمِ حَتَّى عَرَفْتُهُ
وَجَانَبْتُ شُبَّانَ الرّجالِ الصَّعَالكا

ومن الأشعار التي تَدلّ على تصميم المحاربين على قتل السادة لا المسودين قول قيس بن الخطيم مفتخراً بأنّ قومه قتلوا سادة بني الأَغَرِّ، وعَفُّوا عَمّن دونهم( ):
أَصَابَتْ سَرَاةً مِ الأَغَرِّ سُيُوفُنا
وَغُودِرَ أولادُ الإماءِ الحواطِبِ

وأظهر بشر بن أبي خازم أسفه لأن قومه لم يقتلوا الرأس الملّفَّف حاجب بن زرارة سيد بني تميم ( ).
ولكنّ اكتساب الأموال بالسيادة يوجب إنفاقها؛ فَعَلى السيد أن ينفق أمواله في إكرام أمثاله، وفي مساعدة المحتاجين والمستجيرين به، وفي قضاء حقوق ضيوفه، يقول حاتم ( ):
يقُولونَ لي: أَهْلَكْتَ مَالكَ فاقْتَصِدْ
وما كنتُ لَوْلا ما يَقُولونَ سَيِّدا

والسيد "يجود بما يَضَنُّ به البخيل "( ). وقد يُسوَّد ذو المال القليل إذا بَدَت مروءَته ( )، ولكن المملق لايُسَوّد أبداً ( )
وإن تعظيم المسودين للمنتمين إلى طبقة السادة لا يعفي أفراد هذه الطبقة من النقد إن قَصّروا بما يجب عليهم، يقول عبيد بن الأبرص(( )):
والنّاسُ يَلْحَوْنَ الأميرَ إذا غَوَى
خَطْبَ الصّوابِ ولا يُلامُ المُرشدُ

وفي يوم شعب جَبَلَة، هُزمت تميم، وكان قائدها لقيط بن زرارة، فكان لا يمر به أحدٌ من الجيش المهزوم إلا قال له: أنت والله قتلتنا، فجعل لقيط يقول(( )):
يا قومِ قد أحرقتموني باللّومْ
ولمْ أُقاتِلْ عامِراً قبلَ اليومْ

وكان انقياد بعض السادة وراء أهوائهم سبباً في جرّ الويلات على قومهم؛ فقد كان إصرارُ مالك بن العجلان الخزرجي، وكان سيد الأوس والخزرج، على إذلال الأوس وظلمها سبب اقتتال الحيين وتفرقهما، وله يقول عمرو بن امرىء القيس الخرزجي(( )):
يا مالِ والسيّدُ المعُمَمَّمُ قدْ
يُبْطرُهُ بعضَ رأيهِ السَّرفُ

خَالَفتَ في الرَّأْيِ كلَّ ذي فَخَرٍ
يا مَالِ والحقُّ غَيْرُ ما تَصِفُ

نحنُ بما عِنْدَنا وأَنتَ بَمَا
عِنْدَكَ راضٍ والرَّأيُ مُختلِفُ

وتسبب ظلم بعض السادة في إقدام المسودين على قتلهم، وقد غدا مقتل كليب بن وائل مضرب المثل فيمن يظلم قومه، فيقتلونه؛ يقول عمرو بن الأهتم المنقري يخاطب بعض سادات قومه(( )):
وإنَّ كِليباً كانَ يَظْلِمُ قومَهُ
فَأَدْرَكَهُ مِثلُ الذي تَريانِ

فلمَّا حَشَاهُ الرّمْحَ كفُّ ابن عَمّهِ
تذكرَ ظُلْمَ الأهلِ أيّ أوانِ

وبناء على ما سبق يمكن الادعاء بأن بعض الرجال قد ظلموا قومهم، وبأنّ بعضهم قد تنكبوا سبل الرشاد في أحكامهم، وبأن المسودين كانوا يأبون الرضا بذلك، وقد عيبت بعض القبائل لأنها صبرت على ضلال ساداتها؛ فقد هجا مالك بن خياط العكلي بني نميز بقوله(( )):
وكلُّ قومٍ أطاعوا أمرَ مُرشدِهِمْ
إلاّ نُميراً أطاعوا أمرَ غاويها

لا يهتدي لسبيلِ الخير مُصْلِحُها
ولا يضِلُّ سبيل الغيّ ساريها

وقد يكون في هجاء مالك لبني نمير تحامل عليهم، غير أنّه يدل على وجود سادة جاهليين غير أكفاء، قادوا أقوامهم إلى الهاوية. ويبدو من شعر للقيط بن يعمر الإيادي أن بعض الرجال توصَّلوا إلى مركز السيادة بالمال، وأنّهم استغلوا مراكزهم لتثمير أموالهم، ولرفعة شأنهم لا شأن قبيلتهم، فغدت السيادة عندهم مكسباً ينتعشون به، لا مسؤولية تستوجب التضحية بالراحة والنفس والأموال. يقول لقيط محذراً قومه من ترئيس المترفين الجشعين(( )):
فقلَّدوا أمْرَكم للهِ درّكم
رَحْبَ الذّراعِ بأَمرِ الحربِ مضطلعا

لا مترفاً إن رَخاءُ العيش ساعَدَهُ
ولا إذا عَضَّ مكروهٌ به خَشَعا

وليس يشغَله مالٌ يُثَمّرُهُ
عنكمْ، ولا وَلدٌ يبغي له الرِّفعا

ومثل ذلك قول زَبان بن سيارالذبياني(( )):
ولسنا كقومٍ مُحْدَثينَ سيادَةً
يُرى مالُها ولا يُحسُّ فعالُها

مساعيهمُ مقصورةٌ في بيوتهمْ
ومسعاتُنا ذُبيانُ طُراً عِيالُها

إن زبان يذم السادة الذين لا يتجاوز خيرهم منازلهم، ويفتخر بانتمائه إلى طبقة السادة المؤهلين لفعل الأمجاد التي يعمّ خيرها القبيلة كلها. فالسيادة الحقّ مفخرة يعتز بها، يقول عمرو بن شأس الأسدي(( )).
وقد عُلِمَتْ سَعْدٌ بأَنّي عميدُها
قَديماً، وأني لَسْتُ أَهْضِمُ مَنْ هَضَمْ

خُزَيمَة رَدَّاني الفَعَال ومَعْشَرٌ
قديما بَنَوا لي سُورةَ المجدِ الكَرَم

إن الانتماء إلى طبقة السادة يمنح أصحابها شعوراً بالاعتزاز، والتمايز من عامة الناس بالمنزلة العالية التي ترفعهم درجات عن أولئك العامة. وكانت الرغبة بالانتماء إلى طبقة السادة حافزاً للناس كي يتخلّقَوا بالشمائل التي تؤهلهم لذلك، وأن يعمل السادة للمحافظة على امتلاك الشمائل التي أَهّلتهم للسيادة كيلا يفقدوا احترام الناس، ولئلا يهوي تهاونهم في أداء واجباتهم بهم من منزلة السيادة إلى ما دونها.
السادة طبقة اجتماعية وسياسية قادت المجتمع الجاهلي نحو الأفضل بصلاحها، ولكن فساد بعض أفرادها كان حاجزاً عاق تقدم الجاهلي، ولعلّ خير شعر جاهلي يبرز ما لطبقة السادة من أهمية في صلاح المجتمع أو فساده قول الأفوه الأودي(( )):
لا يصلحُ النّاسُ فَوْضَى لا سَرَاةَ لَهُمْ
ولا سَرَاةَ إذا جُهَّالُهم سادوا

تُلْغى الأمُور بأهِلِ الرّشِد ما صلحتْ
فإن تولوا فبالأشرار تنقاد

إذا تولى سراةُ القَومِ أمرهمُ
نما على ذاكَ أمرُ القومِ فازدادوا

كيفَ الرشادُ إذا ما كنتَ في نَفَرٍ
لهم عنِ الرُّشدِ أغلالٌ وأَقيْادُ

أعْطَوا غُواتهمُ جَهْلاً مَقَادَتُهمْ
فكلهُمْ في حبال الغيّ منقادُ

إن الأفواه يدرك أهمية وجود قيادة للمجتمع، فبدونها يفقد الناس النظام، ويتخبّطون في مجاهل الفوضى، ولكنه اشترط أن تكون القيادة من سراة الناس لا من جهالهم؛ فبالسّراة تصلح أمور الناس، وتتطور حياتهم، وبالقيادة الجاهلة يسود الضلال، وتتتعطل قوة التطور.
أسهم السادة الأشراف في قيادة جماعاتهم القبلية نحو الأفضل بجهدهم وفكرهم وتضحيتهم بالنفس والأموال. واستطاع بعض السادة انتزاع الاحترام والمكاسب من الملوك؛ ويذكر ها هنا استحواذ بني يربوع على منصب الردافة. وصاحبها يجلس عن يمين الملك، وإذا شرب الملك شرب الرّدف قبل الناس، وإذا ركب الملك ركب الردف وراءه، وإذا غزا الملك جلس الردف في مجلسه حتى يرجع من غزواته، وله ربع غنيمة الملك من كلّ غزوة يغزوها، وله إتاوة على كل من في طاعة الملك(( )) ولم تكن الردافة عطاءً من الملوك لبعض السادة بل فرضاً أُكْرِه الملوكُ على الإقرار به؛ فقد صالح المناذرة بني يربوع ((على أن جعلوا لهم الردافة، وأن يكفوا عن الغارة على أهل العراق))(( )).
وحين أراد ملك الحيرة أن ينقل الردافة من بني يربوع إلى بني مجاشع، أباذلك بنويربوع، فكان يوم شعب طِخْفةَ، وفيه أُسر ابن الملك وأخوه، فَأُطْلِقَ سراحُهما مقابل عودة الردافة إلى سيد بني يربوع، وفي ذلك يقول شريح بن الحارث اليربوعي يفخر بقومه(( )):
هُمُ مَلَكُوا أملاك آلِ مُحَرّقٍ
وزادوا أبا قابوسَ رَغْماً على رَغْمِ

علا جدُّهُمْ جدَّ الملوكِ فأطْلقُوا
بِطخْفَةً أبناءَ المُلوكِ على الحُكْمِ

وإذا كان الأرداف هم الذين دون الملوك في المنزلة(( )) فإن المقاول هم الذين دون الملوك العظماء أيضاً(( ))، وهم سادة اليمن، وملوكها الصغار، ومنهم مسروق بن وائل، وله يقول الأعشى(( )):
فإذا رَأوْهُ خاشِعاً
خَشَعُوا لذي تَاجٍ حُلاحِلْ

ويضاف على أرداف الملوك والمقاول سادات قادوا تجمعات قبلية كبيرة، وبلغوا منزلة تقارب طبقة الملوك، ومنهم رؤساء اجتمعت عليهم قبائل معدّ كلها، وهم عامر بن الظرب العدواني، وربيعة بن الحارث، وابنه كليب بن ربيعة التغلبي(( ))، ولكليب يقول أخوه مهلهل(( )):
سيدُ ساداتٍ إذا ضَمَّهُمْ
مُعْظَمُ أَمْرٍ يَوْمَ بُؤْسٍ وضيقْ

لم يَكُ كالسّيّدِ في قَوْمِهِ
بَلْ مَلِكٌ دينَ له بالحُقُوقْ

لقد عظم أمر كليب حتى غدا ملكاً يدين له قومه، فحين اجتمعت معدّ عليه جعلت (( له قسم الملك، وتاجه وتحيته وطاعته”(( )).
ويبدو من كثرة الحروب في الجاهلية أن المنتمين إلى طبقة السادة كانوا في حالة خصام واقتتال؛ فهم مجبرون على قيادة قبائلهم في حروبها، ولكنّ الصدام بين سادات القبائل ليس سمة دائمة للعلاقة فيما بينهم، وفي ذلك يقول طرفة، مفتخراً(( )):
والمجدُ نُنْميه وَنُتْلِدُهُ
والحمدُ في الأكْفَاءِ ندَّخرُهُ

وتبادلوا الاحترام والتقدير تبادلاً تجاوزوا به دائرة الانتماء النسبي كقول الأعشى مقراً بسيادة رجلين من فزارة على قومه(( )):
بَدْرٍ حِصْنٍ سَيّديْ
قيسِ بنِ عيَلانَ الكَثَارَهْ

وأقر عامر بن مالك، فارس بني عامر بأن حاجب بن زرارة هو سيد بني تميم(( )):
أَلِكْني إلى المرءِ الزُّرارِيّ حاجبٍ
رئيسِ تَميمٍ في الخُطُوبِ الأوائلِ

وفارِسِها في كلِّ يوم كريهةٍ
وخيرِ تميمٍٍ بين حافٍ وناعِلِ

وسعى بعض السادة في الصلح بين القبائل، ومنهم دريد بن الصمة الذي سعى في الصلح بين سيدي بني سُليم: العباس بن مرداس، وخفاف بن ندبة(( ))، ومنهم أيضاً هرم بن سنان والحارث بن عوف اللذان مشيا في الصلح بين عبس وذبيان، وتحمّلا الديات(( )).
إن تشكيل السادة الجاهليين لطبقة ينتمون إليها لها حقوق، وعليها واجبات متعارف عليها- من مظاهر تطور المجتمع الجاهلي؛ ففي كل قبيلة سادات، ولهؤلاء مراتب، فثمة أرباب أسر، وسادات عشائر وبطون وقبائل، وكان وجود قيادة موحدة للقبيلة ممثلة بشيخها إضافة سياسية واجتماعية تَحَقّقَ بها للأسر وأربابها، وللبطون والعشائر وساداتها قدر من الحرية يفوق ما كانوا قادرين على تحقيقه دون شيخ القبيلة؛ فرئيس القبيلة لم يلغ ((أرباب الأسر، ولكنه حمل عنهم عبء حَلّ مشكلاتهم المشتركة مع غيرهم، وبقي كل منهم ربّاً لأسرته))(( )).
وكان الانتماء إلى طبقة السادة متيسراً لكل فرد من الجماعة الأبوية إذا امتلك القدرة على قيادة جماعته نحو الأفضل. وقد استطاع بعض السادة امتلاك قدرات قيادة فائقة، فاتسع نطاق الجهود المطورة للحياة السياسية والاجتماعية. وكانت السيادة مفخرة لأصحابها، وموضع تقدير من المسودين غالباً. ولما كانت القدرة على الجود بالأموال من المستلزمات الرئيسة للسيادة فإن الفقراء الصرحاء، ومثلهم الحرفيون والعبيد والإماء، شكلوا طبقة من المستضعفين، ارتضت أن تذل حيناً، وتمردت على الظلم حيناً آخر وفيما يلي بيان لذلك.
***
2-فقراء وأغنياء:
كان الفقر عاملاً مشتركاً بين طبقات المستضعفين الجاهليين، وقد اجتمع على بعضهم ذل الفقر وضَعة العمل، وعلى بعضهم ذل الفقر وهوان الاستعباد. وكان وجود طبقة المستضعفين- والفقر سبب رئيس لاستضعافهم- في مواجهة طبقة السادة- والغنى شرط رئيس للسيادة- يعدّ تعبيراً عن بلوغ المجتمع مرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي، أسهمت في ظهور انتماءات جديدة نافست الانتماء النسبي، وطوّرته.
إن تطور العلاقات الاقتصادية في العصر الجاهلي أدّى إلى ظهور طبقة الأغنياء في مواجهة طبقة الفقراء، وقد ذكر هاتين الطبقتين طرفة بن العبد إذ افتخر بأن الفقراء يعرفونه لإحسانه إليهم، وبأنَّ الأغنياء يعرفونه لمنادمته إياهم، وذلك في قوله(( )):
رأيتُ بني غَبْرَاءَ لا يُنْكِرونَني
ولا أَهْلَ هَذَاكَ الطّرافِ المُمَدَّدِ

ولقد برزت قيم جديدة تعبر عن تطور الحياة الاقتصادية، وهي تنتقل بالقبائل المتبدية من حياة تقوم على التنقل والرعي والغزو إلى حياة عمادها الاستقرار والزراعة والتجارة وأعمال يدوية متنوعة، وانقسمت التجمّعات الأبوية إلى أغنياء وفقراء، لكلّ منهم همومه المرتبطة بوضعه الماديّ، فتقدمت بذلك القيمة المادية على النسب وسُترت مناقب الفقراء وعيوب الأغنياء، وتقدم كثير من الأغنياء بأموالهم لا بأفعالهم، يقول عمرو بن مالك الضُّبِعيّ(( )):
أَتَيتُ بني عمروٍ ورهطي فَلَمْ أَجِدْ
عليهمْ إذا اشتدَّ الزمانُ معوَّلا

ومنْ يَفْتَقِرْ في قومِهِ يَحمَدِ الغِنَى
وإن كان فيهم ماجدَ العمِّ مُخولا

ويُزري بقعلِ المَرْءِ قلّة ماله
وإنْ كانَ أقوَى منْ رجالٍ وأحْيَلاَ

فالنسب الصريح، والمؤهلات القيادية الذاتية تتراجع أمام الغنى، وقد تنبه أوس بن حجر إلى أن أكثر الناس أصبحوا يقدمون الغنى على النسب الصريح، وذلك في قوله(( )):
فإني رأيتُ الناسَ إلا أقلّهُمْ
خِفَافَ العُهودِ يُكثِرونِ التّنَقُلا

بني أمٍّ ذي المال الكثير يَرَوْنَهُ
وإنْ كانَ عبداً سيّدَ الأْمرِ جَحْفَلا

وَهُمْ لِمٌقِلِّ المالِ أولادُ علةٍ
وإنْ كان مَحْضاً في العُمومةِ مُخْوِلا

فأكثر الناس تبدّلت قيمهم، فأكرموا الغني، وجعلوه سيداً وإن كان في أصل نشأته عبدا، وازدروا الفقير، وإن كان صريحاً نسبه. وأنبأنا مالك بن حريم الهمداني(( )):
بأنَّ ثراء المالِ ينفعُ رَبّهُ
ويُثْني عليهِ الحَمْدَ وهوَ مُذمَّمُ

وبأن قليل المال:
يرى درجاتِ المجدِ لا يستَطيعها
وَيَقَعدُ وَسْطَ القومِ لا يَتَكْلمُ

ولمس عروة بن الورد أن الفقير يهون أمره على الناس وإن كان صاحب فعال حميدة، وتزدريه زوجه، وينهره الصغار، وأما الغني فيُكرم لغناه(( )).
وَيُلفى ذو الغنى وله جَلالٌ
يَكادُ فؤاد صاحبه يَطيرُ

قليلٌ ذَنْبُه، والّذنْبُ جَمٌّ
ولكنْ للغنى ربٌّ غَفُورُ

لقد غدا الغنى في أعين قسم من الفقراء برقا خُلّبا، انخدعوا به، فعظّموا الأغنياء لغناهم فقط؛ فبخْلُ بعض الأغنياء لم يحرمهم من تعظيم بعض الفقراء؛ يقول مالك بن الحارث الهذلي(( )):
رَأَيْتُ معاشراً يُثْنَى عَلْيهِمْ
إذا شَبِعُوا وأَوْجُهُهُمْ قِبَاحُ

يَظَلُّ المُصْرِمُونَ لهمْ سُجُوداً
وإنْ لم يُسْقَ عندهُمُ ضيَاحُ

لقد أضحى للمال أهمية كبيرة في تحديد مكانة الإنسان الجاهلي(( )):
فالمالُ فيه تَجلِةٌ وَمَهَابَةٌ
والفَقْرُ فيه مَذّلةٌ وقُبوحُ

ولذلك تفاخر بعض الأفراد والجماعات بالغنى(( ))، وأظهروا تعظيماً لحياة الأغنياء المترفة(( )) وتفاضل بعض الناس بالأموال؛ فالإبل خيرمن الضأن، والضأن خير من المعزى(( ))، وذُمَّ بعض الفقراء لفقرهم(( )).
كان الفقر في بعض صوره معاناة شديدة من الجوع والعري. ومن الشعر المعبر عن ذلك قول عمرو بن شأس يذكر فضل عشيرته بني سعد على قبيلته بني أسد(( )):
بني أسدٍ هلْ تعلمون بلاءَنا
إذا كان يومٌ يُستعانُ بأنفسِ

قِراعَ عَدوٍّ أو دفاعَ عظيمةٍ
إذا احْتضِرَتْ يُعطَى لها كلُّ مَنْفِسِ

لِمختبطٍ منكم كأنّ ثيابَهُ
نُبشنَ لحولٍ أو ثيابُ مُقدِّسِ

قَطِيفتهُ هِدْمٌ ومأواهُ غِبةً
إلى وِلْدَةٍ دُبْرِ الحراقف بُؤَّس

إن المختبط المذكور فقير، ثيابه مهلهلة، له ولدة غيّر البؤس ملامحهم، وأضعف أجسامهم، فالتجأ إلى قوم الشاعر يطلب العون على الفقر والمرض.
وكان موقف المنتمين إلى طبقة الأغنياء من المنتمين إلى طبقة الفقراء متفاوتاً بين العطاء والمنع؛ والعطاء ضرورة من ضرورات الحياة الجاهلية، ولاسيما في البوادي حيث تشتد حاجة الإنسان إلى مساعدة أخيه الإنسان في مواجهة قسوة الطبيعة وشُحَّها(( ))، وقد أظهر أغلب الشعراء أن عطاء الجاهليين كان تعبيراً عن الرغبة في اكتساب الحمد والثناء، كقول لبيد(( )):
أَقِي العرْضَ بالمالِ التّلادِ وأَشْتَري
به الحمدَ إنَّ الطالبَ الحمدَ مُشّتَري

وكم مُشْتَرٍ مِنْ مَالهِ حُسْنَ صِيتِهِ
لأيّامه في كلِّ مَبْدىً وَمَحْضَرِ

أُباهي به الأكفاءَ في كلِّ موطنٍ
وأقْضِي فروضَ الصالحينَ وأقتَرِي

والرغبة في اكتساب الحمد والثناء لا تحجب الجانب الإنساني، إذ من المستبعد أن يساعد الغني الفقير من غير أن يعطف عليه، ويشعر بقدر من المسؤولية تجاهه، وقد وصف العُريان بن سَهْلَة الجرمي ارتحاله إلى رجل جواد رغبة في العون على الفقر بأبيات منها قوله(( )):
فَقُلْتُ له: إني أَتَيْتُكَ راغباً
بِذِ عْلَبَةٍ تَدْمَى، وإنّي امرُؤٌ عَانِ

فقال: ألا أهْلاً وسَهْلاً ومَرْحَباً
جَعَلْتُكَ مني حَيْثُ أجعلُ أشْجَاني

فالرجل الجواد (الغني) تلقى الفقير بالترحاب، وقال له: أنت في قلبي الذي فيه همومي وأحزاني؛ وهذا الموقف من الفقير لا يفسر بالرغبة في اكتساب الحمد والثناء فقط؛ فالإحساس بالفقير، والألم لحاله ظاهران في قوله: ((جعلتك مني حيث أجعل أشجاني)).
وعطْفُ الأغنياء الإنساني على الفقراء وليد ظروف اقتصادية وأمنية مُضّطَربة، فما أسرع أن ينتقل الجاهلي من الغنى إلى الفقر، ومن الفقر إلى الغنى؛ فقد ينحبس المطر فيموت الزرع، ويجف الضرع. وقد يَصْبَحُ الأعداءُ الغنيَّ، فينهبون الزرع والضّرع، وتنقل بذلك الأموال بسرعة من يد إلى أخرى، فكثير من الأغنياء عانوا الفقر، وكانت معاناتهم من أسباب تعاطفهم مع الفقراء(( ))، ومن الشعر الدال على انتقال من حال إلى حال قول حاتم الطائي(( )):
وعِشْتُ مع الأقوامِ بالفَقْرِ والغِنَى
سَقَاني بكَأْسَيْ ذاك كِلْتَاهُما دَهْرِي

وقوله(( )):
غَنِيناً زماناً بالتّصعْلُكِ والغِنَى
كما الدّهْرُ في أيامِهِ العُسْرُ واليُسْرُ

والانتفال من حال إلى حال قد يأتي بغتة، يقول أحيحة بن الجلاح(( )):
وما يَدْرِي الفقيرُ متى غِنَاهُ
وما يَدْري الغَنِيُّ مَتَى يَعيلُ

ولذلك ينبغي على الغني أن يكرم الفقير. يقول الأضبط بن قريع التميمي(( )):
لا تَحْقِرنَّ الفقيرَ عَلّكَ أنْ
تركعَ يوماً، والدهرُ قد رَفَعُهْ

وكان حرص بعض الجاهليين على مساعدة الفقراء كبيراً. فأوصوا بمواصلة الفقراء
كقول أبي قيس صيفي بن الأسلت لابنه(( )):
أقَيَسْ إنْ هَلكتُ وأنتَ حيٌّ
فلا تَعْدَمْ مواصلةَ الفقيرِ

وقوله(( )):
بُنَيَّ مَتَى هَلَكْتُ وأنتَ حَيٌّ
فلا تُحْرِمِ فواضِلَك العديما

وعطاء الأغنياء لا يقتصر على الفقراء الأقارب بل يتعداهم إلى الأباعد الذين لا تربطهم بالمعطي آصرة ولا نسب، وقد جمع ذلك زهير في قوله يمدح هِرماً(( )):
وليسَ مَانعَ ذي قُربى وذي نَسَبٍ
يوماً، ولا مُعْدِماً مِنْ خابطٍ وَرَقا

فهرم يعطي الأقارب، ويعطي المعدم الخابط، ومثل ذلك قول عبيد بن الأبرص يصف فتية من قومه(( )):
والخالطو مُعسراً منهم بمُوسِرِهِمْ
وأكرمُ الناسِ مَطْرُوقاً إذا اخْتُبطُوا

ويُظُهر قول عبيد: (والخالطو مُعْسراً منهم بموسرهم) تضامن ا لجماعة الأبوية؛ فالأغنياء يضمنون للفقراء عيشاً كريماً، وفي لفظة (الخالطو) ما يوحي بحرص الأغنياء على أن يرقوا بمستوى حياة فقراء القبيلة إلى مستواهم، وقد عبر عن ذلك شعراء آخرون، ومنهم عبد الله بن الزبري الذي وصف بني عبد مناف بكونهم ((الخالطين فقيرهم بغنيهم))(( )).
ويبدو أن رابطة النسب كانت دافعاً رئيساً يدفع الأغنياء إلى مساعدة أقربائهم الفقراء؛ فعروة ابن الورد لا يرى سبيلاً إلى ردَّ أقربائه الفقراء، فيعلن أن عليه أن يعطي المحتاجين منهم(( ))، وقد أسهمت تلك المساعدة في الحفاظ على وحدة القبيلة وقوتها، ومن الأخبار المؤيدة لذلك أن هاشم بن عبد مناف هاله حال فقراء قريش، فدعا إلى إشراكهم في تجارة قريش إلى الشام واليمن، وأقره على ذلك سادة قبيلة وأغنياؤها فانتعشت بذلك حال الفقراء، وقويت عرى ترابط القرشيين(( )).
وثمة دافع جدير بالاهتمام أسهم في دفع الجاهليين إلى مساعدة الفقراء، وهو دافع ديني، ويدل على ذلك قول حاتم(( )):
فَلَوْ كانَ ما يُعْطي رياءً لأَمْسَكَتْ
بهِ خَبَناتُ الُلؤم يجْذِبْنَهُ جَذْبا

ولكنما يَبْغي به الله وَحْدَهُ
فَأَعْطِ فَقَدْ أرْبَحَتَ في الِبيْعةِ الكَسْبا

ومن الظاهر أن حاتماً يمدح في البيتين رجلاً يعطي الفقراء ابتغاء لوجه الله وحده، وأن حاتماً يُقِرُّ الممدوحَ على ذلك، ويشجعهُ لما في العطاء من كسب. ومن يعط لوجه الله لا يرجو إلا الأجر، والثواب في الآخرة. ويشبه ذلك قول المُثَلّم بن رياح المرّيّ(( )):
إنيّ مُقَسِّمُ ما ملكتُ فَجاعِلٌ
أجراً لآخِرَةٍ، ودنيا تَنْفَعُ

إنه لجانب مشرق في الحياة أن يساعد الأغنياء الفقراء، سواء أكان الدافع واحداً مما ذكر أم أكثر، ولكن الأغنياء لم يكن موقفهم من الفقراء موحداً ولا متشابهاً، فبعض الأغنياء لم يساعدوا الفقراء، ولم يعطفوا عليهم، وإن في قول حاتم(( )):
أماوِيِّ إني لا أقول لسائِلٍ
إذا جاءَ يوماً: حَلَّ في مالنا نَزْرُ

ما يوحي بذلك؛ فنفي حاتم عن نفسه أن يقول لسائل: (حلّ في مالنا نزر) يدلّ على وجود من يتعلل بهذا القول ضَناً بماله. وقد افتخر لبيد بأن قومه يحبهم الفقراء الذين يُدفعون من موقع إلى آخر(( )) وأشار ربيعة بن مقورم الضّبي إلى أثر الوضع المادي في تقطّع أواصر القرابة، إذ يحجم الأغنياء عن مساعدة أقربائهم الفقراء فيلتجئون إلى بعض الأباعد ليجدوا عندهم ما يصلح به حالهم، يقول ربيعة(( )):
وأشْعَثَ قَدْ جَفا عَنْهُ المَوالي
لَقىً كالحِلْسِ ليس به زَماعُ

ضَريرٍ قَدْ هَنَأنْاه، فَأَمْسَى
عَلَيهِ في مَعِيشَتِه اتّسَاعُ

وكثر في الشعر احتجاج النساء على مساعدة بعولتهم للفقراء خوفاً من الافتقار، ولطالما شكا الشعراء الأجواد من عذل نسائهم، وشدّة لومهن، وألمهن كقول عروة بن الورد(( )):
أفي نابٍ منحناها فقيراً
له بطنابنا طُنُبٌ مُصيتُ

تَبيتُ على المرافِقِ أمُّ وهب
وقد نام العيونُ لها كتيتُ

لقد تألمت أم وهب لأن عروة أعطى فقيراً مجاوراً ناقة مسنة، فأمضت ليلها تبكي ألماً وغيظاً ولكن زوج النمر بن تولب وصلت الليل والنهار، فبكرت تلومه، وتلحاه في بعير، وقد(( )):
عَلِقَتْ لَوّاً تكرّرها
إنَّ لوّاً ذاكَ أعيانا

وإذا كان بعض الأغنياء قد ارتضوا أن يساعدوا الفقراء فإنَّ بعضهم الآخر قد ضَنّوا بأموالهم خوفاً من الافتقار، ويبدو أن الفقراء عانوا في الحالين من الذل والهوان، فالغني يعطي تكرّماً، إذ ليس في المجتمع شريعة تفرض العطاء وتحدّده، ولا سلطة تلزم الناس بوجوب الانصياع للأعراف الموجبة لإكرام الأغنياء للفقراء، ولذلك عانى أكثر المنتمين إلى طبقة الفقراء الشعور بالهوان، والإحساس بالصغار أمام المنتمين إلى طبقة الأغنياء، ومن الشعر الدال على ذلك قول عروة مصوراً ذلّ بني لُبْنَى(( )):
رَأَيْتُ بَني لُبْنى عَلَيهمْ غَضَاضَةٌ
بيوتُهُم وسطَ الحُلولِ التكنُّفُ

إنهم يغضون أبصارهم حياءً من الناس لفقرهم وينزلون في كنف من شجر إذ ليست لهم بيوت يأوون إليها وشكا الأفوه والأودي من ذل السؤال، فقال(( )):
وذقتُ مَرارةَ الأشياء جَمْعاً
فَمَا طَعْمٌ أمرُّ من السؤالِ

إن السؤال مُرّ، بل شديد المرارة، ((إن الغنّي على الفقير عنيف))(( ))، ولذلك آثر الفقراء المعتدون بأنفسهم أن يكرموها عن ذل السؤال بالصبر على الفقر، ومنهم حاتم إذ يقول(( )):
إذ قَلَّ مالي أو نُكِبْتُ بِنَكْبةٍ
قَنَيْتُ حَيَائي عِفّةً وتَكَرَُّما

ولقد عانى بعض الفقراء مضاضة الجوع، فصبروا عليها، وعبر عدد من الشعراء عن ذلك، ومنهم عبيد بن الأبرص في قوله(( )):
لعمركَ إنني لأُعفُّ نَفْسِي
وأسْتُرُ بالتّكَرّمِ من خَصَاصي

فإنْ خَفّتْ لجوعِ البَطنِ رِجْلي
فَدَقَّ الله رِجْلي بالمُعاصِ

وهكذا يمكن القول بوجود طبقة من الفقراء في مواجهة طبقة الأغنياء في المجتمع الجاهلي، وبأن انتقال بعض الناس من طبقة إلى أخرى كان كثيراً ومباغتاً حدوثه، ومن الظاهر أن انقسام المجتمع إلى طبقتين: فقراء وأغنياء، وتلقي بعض الفقراء مساعدات من أناس بعيد نسبهم من الأدلة على أن إضافة الانتماء الطبقي على الانتماء النسبي قد طوّر الأخير، إذ سمح بالتواصل بين الجماعات المتباعدة، وبوجود اهتمامات للفرد الجاهلي تتجاوز إطار قبيلته لتلتقي مع قبائل أخرى؛ فالفقراء كانوا لفقرهم يستشعرون الذل والهوان، فارتضى بعضهم أن يسأل الأغنياء أعطوه أو منعوه، وأبى بعضهم أن يسأل تعففاً وتكرماً، ولكن للصبر على الفقر حدود، فهل واجه الفقراء مشكلتهم بغير الاستعطاف؟ وكيف؟
3-مجابهة الفقر:
ثمة فئة من الجاهليين استمرأت ذلك السؤال والاستعطاف حلا لمشكلة فقرها؛ فالواحد من هذه الفئة همه أن يملأ بطنه طعاماً وأمثاله ((قراضيبٌ (صعاليك، فقراء) يحبون الطعاما))(( ))، وإذا كانت همة الفقير أن يحصل على الطعام ليأكل فقد ارتضى لنفسه أن يكون في درجة دنيا من الهرم الاجتماعي الجاهلي، وأن يكون غرضاً لسهام الهجاء والتقريع بمثل قول عروة بن الورد(( )):
لحَى اللهُ صُعُلوكاً إذا جَنَّ لَيْلُهُ
مَضَى في المُشَاشِ آلفاً كُلَّ مَجْزَرِ

يَعُدُّ الغِنَى مِنْ نفسهِ كلَّ ليلةٍ
أصابَ قراها مِنْ صديقٍ مُيَسَّر

ينامُ عِشَاءً ثمَّ يصبحُ طاوياً
يَحُثُّ الحَصَى عن جنبهِ المُتَعِفرِ

قليلَ التماسِ الزادِ إلا لنفسِهِ
إذا هو أَمْسَى كالعريشِ المُجَوَّرِ

يُعينُ نِسَاءَ الحيِّ ما يَستَعْنهُ
ويُمْسي طَليحاً كالبعيِرِالمُحَسَّرِ

وهذا الصعلوك لا خير فيه(( )):
وشرُّ الصعاليكِ الذي همُّ نفسِهِ
حديثُ الغواني وأتباعُ المآربِ

ولعل بعض الذين ارتضوا ذل السؤال لم يكن باستطاعتهم أن يطلبوا المعاش بغير ذلك لعجزهم، ولكن بعض أصحاب النفوس الأبية من الفقراء عجزوا عن الكسب فاختاروا الموت جوعاً، فثمة فقراء قرشيون اختاروا الاعتقاد في سني القحط، فكان الرجل منهم يأخذ عياله إلى موضع معروف، ويضرب عليهم خباءً حتى يأتي عليهم الموت(( )).
إن احتجاج بعض الفقراء على قسوة الأغنياء بالموت اعتقاداً كان الوجه السلبي للتمرد على الواقع المؤلم، وثمة وجه آخر تمثل بالسعي إلى امتلاك الأموال بانتزاعها من الأغنياء غصباً بالغزو(( )). وللفقراء من انتزاع أموال الأغنياء عدّة غايات، فبعضهم غزا ليسدّ رمقه، ويسكت جوع عياله، ومنهم هذا الفقير الذي وصفه أبو ذؤيب الهذلي بقوله(( )):
وأشعثَ بُوشِيٍّ شَفينَا أُحَاحَهُ
غَداتَئِذٍ ذِي جَرْدةٍ مُتَماحِلِ

أَهَمَّ بينِهِ صَيْفُهُمْ وشِتَاؤُهُمْ
فَقَالوا: تَعَدَّ، واغزُ وسْطَ الأَراجِلِ

إنه فقير، كثيرالعيال، امتلأ صدره غمَّا وغيظاً، وأتعب بنيه قلة ما ينفقه عليهم، فحضوه على الكسب بالغزو فَقُتِل دون ذلك. وكان الأعلم الهذلي أسعد حظاً من ذلك الأشعث، فقد عاد الأعلم من الغزو، ونفسه مشوقة إلى لقاء أهله الذين أضرهم الفقر، وجعلهم يتطلعون إلى إحسان الأقارب(( )):
وذَكَرْتُ أَهْلي بالعَرَاءِ وحاجَةَ الشُّعْثِ التَوالِبْ
المُصْرِمِينَ مِن التّلادِ اللاّمحِيِنَ إلى الأقَارِبْ

وغزا بعض الفقراء رغبة في الغنى الذي يكسبهم الاحترام، وينفي عنهم ذلّ الفقر وهوانه. يقول النمر بن تولب على لسان زوجه تحضّه على الغزو(( )):
خاطِرْ بنفسِكَ كي تُصيبَ غَنيمةً
إنَّ الجلوسَ مع العيالِ قَبيحُ

فالمال فيهِ تَجلّةٌ ومَهَابةٌ
والفقرُ فيه مَذّلةٌ وقُبُوحُ

ولكن الفئة الأكثر إنسانية ووعياً بين المنتمين إلى طبقة الفقراء هي فئة الصعاليك التي تمردت على واقعها المؤلم، وعملت جماعات من أجل الحصول على ما يسد رمقها، ويضمن استمرار حياتها، وطليعة هذه الفئة الشاعر الفارس عروة بن الورد، وهو واحد ((من الفِطر الفائقة التي تتجاوز عصرها، وتعلو عليه))(( ))، فقد حمل عروة هموم الفقراء من أبناء قبيلته، وحمّل ذاته مسؤولية مساعدتهم(( )):
أيَهْلِكُ مُعَتمٌّ وزَيْدٌ ولم أُقِمْ
على نَدَبٍ يوماً ولي نفسُ مُخْطِرِ

ومن الظاهر أن بني مُعَتّم، وبني زيد قد عضّهم الفقر بنابه، وأن عروة قد هاله ذلك، فأوجب على نفسه المخاطرة لإنقاذهم. وكان عروة يرى أن مساعدة المحتاجين حق واجب عليه، يدفعه إلى المهالك للحصول على الأموال التي يقضي بها الحقوق، يقول عروة(( )):
دَعيني أُطَوّفْ في البلادِ لَعَلّني
أفِيْدُ غنىً فيه لذي الحقِّ محْمَلُ

أَليْسَ عظيماً أنْ تُلِمَّ مُلمَّةٌ
وليس علينا في الحقوقِ مُعَوَّلُ

لقد جعل عروة الغزو ديدنه، فيوماً يغير على أهل نجدٍ، ويوماً يغزو بوادي الحجاز، أو يسلك شعاب الجبال للظفر بالأموال(( ))، ولسان حاله يقول(( )):
لَعَلّ انطلاقي في البلاد وبُغيتي
وَشَدِّي حيازيمَ المَطَيَّةِ بالرَّحْلِ

سيدفَعُني يوماً إلى رَبِّ هَجْمَةٍ
يدافعُ عَنْها بالعٌقوقِ وبالبخلِ

إنه يرجو أن يصيب إبل رجل بخيل، ورجاء عروة يدل على وعيه الكبير؛ فهو لا يحارب الأغنياء كافة؛ فالأغنياء الكرماء يؤدون ما عليهم من حقوق تجاه الفقراء، وأما الأغنياء البخلاء فكانوا هدف عروة، ولطالما نهب أموالهم، وقسمها في فقراء قومه(( )).
وعطاء عروة لم يكن مقصوراً على فقراء قومه، فهو يعطي الأقارب والأباعد، ويكرمهم، ولا يرى لنفسه على المكرَمِين فضلاً. ومن الأخبار البالغة الدلالة على ذلك أن عروة أدرك بوادي (ماوان) جماعة من الناس أجهدهم الفقر، وأضناهم الجوع، وهم من عشائر شتى فأحسَّ بأنهم عياله، وبأن عليه أن يعمل على صلاح حالهم، فدعاهم إلى الغزو معه، وقال لهم إن تغزوا معي(( )):
تَنالوا الغنى أو تبلغو بنفوسكمْ
إلى مستراحٍ مِن حِمامٍ مُبرِّحِ

ومن يكُ مثلي ذا عيالٍ ومٌقتِراً
من المالِ يطّرحْ نفسَهُ كلَّ مطْرَحِ

ليبلغََ عُذراً أو يُصيبَ رغيبةً
ومُبلغُ نفسٍ عُذرها مثلُ منجحِ

واختار عروة عدداً من الفقراء المجتمعين بوادي ماوان فغزا بهم، وعاد بإبل، فحلب لهم، ثم حملهم حتى إذا دنوا من بلادهم وعشائرهم أقبل يقسم الإبل فيهم، وأخذ مثل نصيب أحدهم، واستخلص امرأة لنفسه، فلم يرضوا بذلك، حتى جعل المرأة ضمن القسمة، فساءه ذلك، فقال(( )):
إَلاَ إنَّ أصحابَ الكنيفِ وجدتُهم
كما الناس لما أخْصَبُوا وتَمَوَّلوا

وإنّي لمدفوعٌ إليَّ ولاؤُهُمْ
بما وإنّ إذْ نمشي وإذْ نَتَملَّلُ

لقد قام عروة بأمر أولئك الفقراء، فقادهم إلى ما يصلح به حالهم، وجعل نفسه كواحد منهم، فنُسِبوا إليه لقيادته لهم، ولعلّ عروة أراد أن يكون رائد حركة اجتماعية إصلاحية، تنتصف للفقراء من الأغنياء البخلاء الذين لا يؤدّون ما عليهم من حقوق، ولكن الظروف التاريخية كانت أقوى من جهوده؛ فأصحاب ماوان ((كانوا عاهدوه حين كانوا معه أن لا يفارقوه))(( )) ولكنهم غدروا به حين شبعوا، وقربوا من عشائرهم، فكانت حركته صيحة في وادٍ، تردد صداها فحسب. ومن ذلك الصدى وجود صعاليك هَمَّهم حالُ غيرهم من الفقراء؛ فتأبط شرّاً يؤثر فقيراً مثله بنعله الخلق، ويقول(( )):
وَنعْلٍ كأشلاءِ السُّمانَى نبذتُها
إلى صاحبٍ حافٍ وقلتُ له انْعَلِ

وإيثار الصاحب بالنّعل له دلالة إنسانية عميقة إذا عرفنا ما يقاسيه من يمشي أو يجري حافياً في بوادي الجزيرة العربية وشعابها.
وممن أهمّه حال الفقراء فغزا لإطعامهم أثيلة بن المتنخّل الطانجيّ، وله يقول ربيعة بن الجحدر الهذليّ(( )):
وذَي إبِلٍ فَجّعْتَهُ بِخِيَارِها
فَأَصْبَحَ مِنْها وَهْو أسوْانُ يَائِسُ

وحَيٍّ جِيَاعٍ قد ملأتَ بَطُونَهُمْ
وأنطقتَ بعدَ الصمتِ مَنْ هُوَ ناكِسُ

وإذا كان عروة بن الورد قد فاخر قيس بن زهير سيد بني عبس بقوله(( )):
إنّي امرُؤٌ عافي إنائيَ شِركَةٌ
وأنتَ امرؤٌ عافي إنائِكَ واحدُ

أتهَزأُ مِنّي أنْ سَمِنْتَ وأن ترَى
بوجهي شحُوبَ الحقِّ والحقُّ جاهدُ

أٌقسِّم جسمي في جُسومٍ كثيرةٍ
وَأحسو قَراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ

فإن دريد بن الصمة قد افتخر بما يشبه ذلك إذ قال(( )):
وإنْ تَسَألي الأقوامَ عنّي فإنّني
لمُشْتَركٌ مالي، فدونَكِ فاسْألي

إنّ في لفظة عروة (شِرْكة) نزوعاً ((نحو حالة إنسانية نبيلة))(( )) وهذه اللفظة دلالتها تقرب من دلالة لفظة دريد (مشترك). وإذا كان عروة قد حرّض على انتزاع أموال الأغنياء من أجل صلاح حال الفقراء فذمّ الصعلوك الأنانيّ الطفيلي الذي يلتمس الزاد لنفسه بالسؤال، وحيّا الصعلوك الذي يتلألأ وجهه قوة وكرامة، وهو يسعى لانتزاع قوته بالغزو(( )) فإنّ حاتماً يماثل عروة في ذم الصعلوك المستخزي، وتحية الصعلوك المتمرّد(( )). ولذلك يمكن الادعاء بأن عروة الشريف لم يكن حالة فريدة؛ فالعصر الجاهلي زاخر بالرجال السادة الذين عانوا الصعلكة، وتمرّدوا على الفقر وكان اختيارهم أن يعيشوا أو يموتوا كرماء شعاراً يرفعونه، ويعملون بهدية، يقول الصعلوك عمرو بن براقة الهمداني، وكان صاحباً لتأبط شَرّاً(( )):
مَتَى تَطُلُبِ المالَ المُمنّعَ بالقنا
تَعِشْ ماجداً أو تَخْتَرِمْكَ المخارِمُ

ولذلك عاش أغلب الصعاليك المتمردين في أجفان الردى، فغلب على مشاعرهم القلق، وجفاهم الإحساس بالأمان، يقول عمرو بن براقة الهمداني يخاطب امرأة كان يؤامرها(( )):
ألمْ تَعْلمِي أنَّ الصعاليكَ نومُهمْ
قَليلٌ إذا نامَ الخَلِيُّ المُسالِمُ

وكانوا ينتقلون من مكان إلى آخر طلباً للكرامة إذا انْتُقِصَت بين الأقارب(( )):
وسائلةٍ: أي الرحيلُ؟ وسائلٍ
ومَنْ يَسْألُ الصّعلوكَ: أين مذاهُبهْ

مذاهبهُ أن الفِجاجَ عريضةٌ
إذا ضَنَّ عنه بالفعالِ أقاربُهْ

إن الصعاليك الذين انتزعوا أموال الأغنياء بسيوفهم كثرُ، ومنهم سادة مشهورون. ويبقى عروة فيما عرفنا علماً متميزاً؛ فهو رائد في مجال الإحساس بالمساواة، وبالمسؤولية تجاه الفقراء المعدمين، وإذا كان بعض الصعاليك ينسون الفقر والفقراء إذا اغتنوا، ومنهم جابر ابن ثعلب الطائي الذي يقول(( )):
كأنَّ الفتى لم يعْرَ يَوْماً إذا اكتَسَى
ولم يَكُ صُعْلُوكاً إذا مَا تَمَوَّلاَ

ولم يَكُ في بُؤْسٍ إذا باتَ ليلةً
يُناغِي غَزَالاً سَاجِيَ الطرفِ أكْحَلاَ

فإن عروة لا يشغله الغنى عن الفقراء، ولكنه يهرع إلى مساعدتهم، فيفتقر، ويعود من جديد إلى الغزو للحصول على المال. يقول عروة(( )):
إذا قلتُ: قد جاءَ الغنى حَالَ دُونَهُ
أبو صِبْيَةٍ يشكو المفاقِرَ أعْجَفُ

له خَلّةٌ لا يَدْخُلُ الحقُّ دونَها
كريمٌ أصابتُهُ خطوبٌ تُجَرّفُ

فإني لمستافُ البلادِ بسُربةٍ
فَمُبْلِغُ نفسِي عُذْرَها أو مُطوِّفُ

وكان التمرد على واقع الفقر المؤلم محاولةً لإعادة التوازن إلى شخصية الفقراء ورفضاً للخلل الذي أصاب المثل الجاهلية بتقدم القيمة المادية أحياناً على غيرها، وبذلك يُفسَّرُ إعلان عروة أنّه(( )):
ما بالثراءِ يَسُودُ كلُّ مُسَوَّدٍ
مُثْرٍ ولكنْ بالفَعالِ يَسُودُ

إنه يسعى إلى تصحيح التطور بالمحافظة على ما فيه خيرالمجتمع كله لا خير فئة قليلة، وقد رأينا محاولته تأكيد قيمة المساواة بين الناس، معبراً بذلك عن هواجس كثيرين أقلقهم التفاوتُ الطبقي، ومعاناةُ الفقراء، وإعراضُ بعض الأغنياء عن مساعدتهم(( )).
كان الانتماء إلى طبقة الفقراء، وأغلب الذين استشهدت بأشعارهم صرحاء، إضافة جديدة إلى الانتماء النسبي طورته، وأدت إلى التواصل بين جماعات نسبية متباعدة، وقد رأى يوسف اليوسف أن الفقراء المتمردين (الصعاليك) ((ظاهرة من ظواهر الانتماء إلى نحن جديدة. إذ باستطاعتي الافتراض أن الشرط الأسبق الذي يفضي بالصعلوك إلى الخروج عن قبيلته هو حاجته إلى إقامة نحْنِيّة جديدة نظراً لإخفاقه في مضمار التكيف مع عشيرته))(( )).
وأرى أن الصعلوك لم ينتم إلى نحن تناقض انتماءه النسبي؛ فالصعلكة لم تدفع الصعلوك إلى التخلي عن انتمائه النسبي(( ))، بل إلى السعي لاكتساب ما يُقدره على التكيف مع عشيرته، فقائد الصعاليك عروة هو الذي يقول(( )):
إذا المرءُ لم يَبْعَثْ سَواماً وَلَمْ يُرَحْ
عليهِ ولم تَعْطِفْ عليه أقارُبُهْ

فَللْموت خَيْرٌ للفتى مِنْ حياتِهِ
فَقيراً ومِنْ مَوْلىً تدبُّ عقاربُهُ

إن الحياة الكريمة في رأي عروة أن يكون الإنسان ذا مال، وأن تعطف عليه أقاربه وإذا عرفنا أن الفقير يهون على أقاربه، ويبغضونه فسوف نتفهم الدلالة العميقة لحرص عروة على اكتساب الأموال، وهي الرغبة بالعودة الكريمة إلى رحاب الانتماء النسبي، فالجاهلي يبقى بحاجة إلى هذا الانتماء من أجل الحماية الفضلى التي تتحقق ظلال الانتماء النسبي، ولا تتحقق في ظلال الانتماء إلى طبقة الفقراء(( )).
وقبل الانتقال إلى صورة أخرى من صور المستضعفين أودّ الإشارة إلى أنّ التمرد على الفقر بالغزو لم يكن خيراً دائماً، ويكفي للدلالة على ذلك قول زيد الخيل الطائي(( )):
لعمركَ ما أخشى التصعلكَ ما بقى
على الأرضِ قيسيٌّ يسوقُ الأباعرا

فالغزو لاكتساب الأموال لا يفرق بين غني بخيل وغني كريم إلا نادراً(( ))، فكان التمرد على الفقر بالغزو سبباً في مظالم كثيرة، وفي إشعال حروب كثيرة.
وبعدُ، أكان باستطاعة الصعاليك أو بعضهم أن يتمردوا على الفقر بالعمل المنتج؟ بلى. ولكنهم لم يفعلوا، فلماذا؟ لأن الصعاليك الذين دار الحديث حولهم وعنهم بداة، تأسرهم قيم الحياة المتبدية التي تحتقر المهن والحرف، وترى أن امتهان الأعمال اليدوية أكثر مهانة من الاستخزاء باستجداء الأغنياء، وفيما يلي بيان لحال المنتمين إلى طبقة المهنيين والحرفيين.
***
4-أصحاب المهن والحرف:
إن أصحاب المهن والحرف ليسوا مستضعفين جميعاً؛ فقد أشير في الفصل السابق إلى أن العلاقة الجدلية بين الإنسان المستقر ومكان الاستقرار دفعت إلى الاشتغال والاهتمام بالزراعة والتجارة لتطوير إمكانات الاستقرار. وكان المشتغلون بالزراعة والتجارة أو المشرفون على شؤونها من الصرحاء، والسادة الأغنياء الذين افتخروا بالمكاسب التي تحققت لهم بالزراعة والتجارة، فعبروا بذلك عن قيم عارضها الأعراب، وذمّوا أصحابها، وحرصاً على تجنب التكرار ها هنا يكتفى بالاشارة المقتضبة إلى ما يدلّ على الموقفين المتعارضين في مجال الزراعة، فمن ذم الزراعة استنكارُ الأعشى أن يكون مزارعاً في قوله: “متى كنتُ زراعاً أسوق الشوانيا(( ))))، وهجاءُ طرفة بن العبد تغلبَ لاشتغال نسائهم بالزراعة، في قوله(( )):
وعذاريكمْ مُقلِّصةٌ
في دُعَاعِ النَّخلِ تجترمُهْ

ولكن بعض القبائل عملت بالزراعة، ومنهم الخزرج، وفي ذلك يقول دريد بن الصمة(( )):
وربّتَ غارةٍ أوضعتُ فيها
كسحِّ الخزرجيِّ جريمَ تمْرِ

وكذلك الأوس، وكان لسيدهم أحيحة بن الجلاح بالزوراءِ ثلاثمائة ناضج (بعير أو ثور أو حمار يستقى عليه)! وفي اهتمامه بزراعة أرضه، الزوراء، يقول(( )):
إنّي مٌقيمٌ على الزّوْراءِ أعْمُرُها
إن ****** إلى الإخوانِ ذو المالِ

فلا يَغُرَّنك ذو قُرْبى وذو نَسبٍ
من ابْنِ عمٍّ ومن عَمٍّ ومن خالِ

كلُّ النداءِ إذا ناديتُ يَخْذُلني
إلا ندائي إذا ناديتُ يا مالي

إن أحيحة يعمر أرضه بالزراعة، ويسعى إلى زيادة أمواله، وهو مدرك أثر البيئة اليثربية (الحضرية) في إعلاء شأن القيمة المادية على حساب عصبية الانتماء النسبي الصريح. ومن المنطقي أن أحيحة كان يستخدم، وأمثاله، عمالاً زراعيين كثيرين، ولكن ذلك لا ينفي إمكانية أن يباشر أحيحة الزراعة بنفسه أحياناً؛ فقد جاء في خبر الأبيات السابقة أن أحيحة دخل ((بستاناً له، فمر بتمرة، فلقطها))(( )).
ومن المرجّح أن الاعتداد بالزراعة لا يصدر إلاّ عن أناس ذوي ملكيات كبيرة، تدُرّ عليهم أموالاً كثيرة، وأن الذين يعملون بالزراعة بقوت يومهم كانوا موضع احتقار وتهكّم، وقد كثر وصف هؤلاء بأنهم نبط لا صرحاء، وبأن أشكالهم تدل على طول معاناتهم العمل الزراعي، وتبعث في النفوس ما يثير الضحك، يقول خداش بن زهير العامري يهجو قريشاً(( )):
كأنّكُمْ نَبَطيّاتٌ بمَزْرَعَةٍ
قُشْرُ الأُنوفِ دراديرٌ داديرُ

ترى صدورَهُمُ سُمْراً مُحَسّرةً
وفي أسافلهم نَشْرٌ وتَشْمِيرُ

إن خداشاً يتهكم على نبطيات تجمعهن للعمل في مزرعة، فنفوسهن هلعة مضطربة وأشكالهن مثيرة للسخرية، وقد تثير الشفقة؛ فأسنانهن متساقطة، ووجوههن لوحتها الشمس، فقشرت أنوفهن. ولعل خداشاً أراد المبالغة في الهجاء والتهكّم فقال: ((ترى صدورهم)) فعبر بذلك عن رغبته بتشبيههن بالرجال لافتقادهن الأنوثة، وزاد في سخريته إذ رسم صورة لهن وقد حسرن عن صدورهن، وشمرن عن سيقانهن لبيان مقدار جهدهن، وجدّهن في العمل الزراعي(( )).
إنّ فقر أصحاب المهن والحرف هو السبب الرئيس الذي جعل غيرهم يسخر منهم، ويذمهم، فاحتقار الأعراب للمهن التي يمارسها الحضر من الصرحاء وغير الصرحاء ليس تعبيراً مطلقاً عن معارضتهم لنمط حياة متطور، بل قد يكون تعبيراً عن إزدراء الأغنياء للفقراء، ويدلّ على ذلك المواقف المتباينة من الصيد والرعي، وهما مهنتان وثيقتا الصلة بالمجتمعات القبلية والبدوية.
كان الصيد وسيلة كسب رئيسة للإنسان قبل أن يبلغ مرحلة متطورة، استأنس فيها بعض الحيوانات، واستصلح الأراضي وزرعها. ولكن الإنسان الجاهلي لم يسقط الصيد من قائمة الوسائل التي يحصل بها على ما يأكله؛ فالجاهلي الغني كان يصطاد للهو والرياضة برفقة الأصحاب، وللاستمتاع بشواء ما يصطاد، والجاهلي الفقير كان يصطاد ليسكت جوعه، ويملأ بطون أفراد أسرته.
كان الملوك والسادة (الأغنياء) يصيدون ويفخرون ويُمدحون بالخروج إلى الصيد، ويامتلاك الخيل التي تصلح للركوب في رحلات الصيد وبإهدائها(( ))، وقد جعل أولئك الأغنياء لرحلات صيدهم الجماعية بخاصة تقاليد تظهر ترفهم إذ يصطحبون معهم من يستطلع لهم الصيد، ويخدمهم، وقد يكلفون خادمهم باللحاق بالصيد لقنصه، ثم اشتوائه(( )). ومن افتخار اولئك الأغنياء بخروجهم إلى الصيد قول متمم بن نويرة(( )):
ولقد غَدَوْتُ على القَنِيصِ وصَاحبْي
نَهْدٌ مَراكِلُهُ مِسَحٌّ جُرْشُعُ

قول زهير بن أبي سلمى(( )):
إذا ما غَدَوْنا نَبْتَغي الصّيدَ مَرَّةً
مَتَى نَرَهُ فإنّنا لا نُخاتِلُهْ

وفي مقابل رحلات المترفين إلى الصيد نجد بحث الصيادين الفقراء عن صيد يقيمون به أودهم، وقد وصف ربيعة بن مقروم الضبيّ واحداً منهم بقوله(( )).
إذا لم يَجْتَزِر لبنيهِ لَحْماً
غَريضاً من هَوادي الوحشِ جاعُوا

وتظهر في الشعر الجاهلي أسماء قبائل وأفراد اشتهروا بأنهم كانوا يصيدون بمهارة لسد مفاقرهم، فمن القبائل بنو الغوث في قول زهير يصف بقرة وحشية: (( وتخشَى رُماةَ الغوَثِ من كل مْرصَدِ))(( ))، ومن الأفراد قيس، أبو عامر في قول ربيعة بن مقروم يصف أتنا(( )):
وبالماء قيسٌ، أبو عامِرٍ
يُؤمِّلُها ساعةً، أن تَصُوما

وإذا كان الأغنياء يسعون إلى الصيد مترفين، تحملهم الخيول، ويحيط بهم الخدم والحشم فإن الصيادين الفقراء كان يسعون بأكلبهم المدربة على الصيد(( ))، مسلحين بالسهام وبالصبر على ألم الانتظار، ومرارة الإخفاق، يقول الشماخ يصف واحداً من أولئك الصيادين(( )):
أبو خَمْسٍ يُطفْنَ بهِ صِغَارٍ
غدا منهنَّ ليس بذي بَتَاتِ

مُخفاً غيرَ أسهُمِه وقوسٍ
تَلوحُ بها دِماءُ الهادِياتِ

فسدَّدَ إذ شَرَعْنَ لِهُنَّ سَهْماً
يَؤُمُّ به مقاتلَ بادياتِ

فلهَّفَ أمُّهُ لما تولَّتْ
وعَضَّ على أنامِلَ خائباتِ

إنه يسعى لإطعام خمس صغار لا زاد لهن، مسلحاً بأسهم وقوس، ولكنه أخفق في الصيد، فعضّ أصابعه ندماً.
إن الذين يصيدون طلباً للهو والمتعة يظفرون ببغيتهم، والذين يحترفون الصيد يكثر إخفاقهم كثرة توحي بالتعصب على أولئك الفقراء، وعدم التعاطف مع آلامهم(( ))، ومما يوحي بذلك أيضاً افتخار السادة الأغنياء الذي يصيدون بأنهم لا يخاتلون الصيد، كقول علقمة الفحل(( )).
إذا ما اقتَنَصْنا لم نُخَاتِلْ بِجُنّةٍ
ولكن نُنادي من بعيدٍ: ألا أركبِ

فالأغنياء حين يصيدون لا يضطرون إلى مخاتلة الصيد، بل يمتطون خيولهم، وقد يكلفون خدمهم بذلك، ويلحقون بالصيد، وأما الفقراء فهم الذين يخاتلون الصيد ليرموه بسهامهم على غفلة لافتقارهم إلى ما يطاردون به الصيد.
وثمة أشعار لا توحي بالنظرة الوضعية إلى الصيادين الفقراء بل تظهر ذلك بجلاء، كقول عمرو بن معد يكرب يهجو قوماً(( )):
حًيُدٌ عن المعروفِ سَعْيُ أبيهمُ
طَلَبُ الوُعُولِ بِوَفْضَةٍ وبأكلُبِ

وقول بشر بن عمرو بن مرثد(( )):
أبلغْ لَدَيْكَ أبا خُلَيدٍ، وائلاً
أنّي رأيْتُ اليومَ شيئاً مُعْجباً

أنّ ابن جَعْدَةَ بالبُويَنِ مُعزِّباً
وبنو خَفاجَة يقْترُون الثّعلَبا

وفي مواجهة ذم الأغنياء للصيادين نجد شعراء فقراء تعاطفوا مع الذين اتخذوا الصيد حرفة يتعيشون بها، وذلك ظاهر في شعر هذيل(( ))، فثمة لوحات شعرية كثيرة تظهر انتصار الصياد الفقير، وظفره بصيد يقتات به بأسلوب يوحي بالتعاطف معه(( )).
ومثلما كان الفقر سبباً في ذم فئة الصيادين المحترفين كان سبباً أيضاً في ذمّ فئة من الرعاة، وقد يثير الاستغراب أن يصدر ذمّ الرعي عن أناس عماد حياتهم تربية الحيوان، ولكن ذلك الاستغراب يتوارى إذا لاحظنا العلاقة بين ذمّ الرعي وانقسام المجتمع القبلي إلى فقراء وأغنياء؛ فالأغنياء أصحاب الإبل الكثيرة استخدموا الفقراء في الرعي، وظهرت في الشعر ألفاظ تدلّ على ذلك مثل (رعاؤهم(( )))و(راعينا(( ))).
وكان افتخار بعض الجاهليين بالرعي يشبه افتخار أحيحة بن الجلاح وأمثاله من المزراعين الأغنياء بالزراعة، ولعلّ في قول عوف بن عطية التيمي يفخر بقومه الرعاة(( )):
ونَرْعَى مارَعَيْنا بين عَبْسٍ
وَطَيّئها، وبين الحيٍّ بَكْرِ

وقوله يهجو رجلاً بأمّه الراعية(( )):
ولقد أراكَ ولا تَؤبّنُ هالكاً
عدْلَ الأصِرّةِ في سَنَامِ الأكْوَمِ

ما يوضح موقف أصحاب الإبل من الرعي، إنهم يفتخرون بامتلاك الإبل وتوفير المراعي لها، وبالرعي، ولكن افتخارهم لا يعدو أن يكون اعتداد رب عمل بعمله، فاعتداده بعمله لا يمنعه من امتهان من يشتغلون عنده، وبذلك يمكن أن نفهم ذمّ الأعراب (الرعاة) للرعي، كقول الخنساء ترثي أخاها صخراً(( )):
إنَّ أخي ليسَ بِتَرْعِيَةٍ
نِكْسٍ هواءِ القَلْبِ ذي مَاشِيَهْ

وكان قيام الرجال بالرعي أقل هوانا من قيام النساء به، فحرصت النساء على ألا يمارسن الرعي، وعلى أن يبعدن عن كل ما يدمغهن به(( ))، وقد افتخر ذو الإصبع العدواني بقوله: ((فما أميّ براعية))(( ))، وهجا الحطيئة قوماً بأنّ نساءَهم يعملن بالرعي(( )).
وإذا كان الرعي، ومثله الصيد والزراعة والتجارة، مستهجناً لدى فئة من الجاهليين فمن المنطقي أن تستهجن تلك الفئة مهناً أخرى مارسها الجاهليين كالحدادة والنجارة والحياكة ولاسيما في المراكز الحضرية؛ فقد نسب إلى بعض سادات قريش اشتغالهم ببعض تلك الحرف(( ))، ومنهم العاص بن وائل، وكان جزاراً، ولابنه عمروٍ يقول عمارة بن الوليد المخزومي يهجوه(( )):
وكان أبوك جزّاراً وكانتْ
له فأسٌ وقِدْرٌ من حديدِ

وهجا عمرو بن كلثوم النعمام بن المنذر بأخواله، وكانوا يعملون بالحدادة والصياغة، فقال(( )):
لَحَى اللهُ أَدْنانا إلى اللّؤمْ زُلَفةً
وأعْجَزها خالاً وأَلأَمَنا أبَا

وأجْدرنا أن يَنْفُخ الكيْر خالُهُ
يصُوغُ القُرُوطَ والشُنُوفَ بِيَثْرِبا

وهجا أوس بن حجر قوماً من إياد فادعى أنه تنكب ماءهم حين عرف أنهم قصّارون، وكان ((بأيديهم بيازيرُ))(( ))، وهُجيت نساء بني تميم لاشتغالهن بالحياكة(( ))، ومدحت نساء من فزارة لأنهن مترفات منعمات، لا يعملن بالحياكة، يقول قُراد بن حنش الغطفاني فيهن(( )).
تَعَوَّدْنَ أنْ يعبَأْنَ مِسْكاً وعنْبَراً
ذَكِياً وماعُوّدْنَ نَسْجَ الغرائرِ

إن ذم الحرف وامتهان أصحابها من قبل فئة من الجاهليين قد يعوقان التطور، ولكنهما لا يوقفانه؛ فالاشتغال بالحرف كان عنوانا بارزاً على تطور المجتمع القبلي، وإقبال فئة من أبنائه على الأعمال اليدوية التي تلبي حاجات الإنسان الجاهلي، وتحقق له الاكتفاء الذاتي، وقد اشتغل بتلك المهن رجال ونساء صرحاء(( ))، واشتهر بذلك سكان الحواضر، ولاسيما في اليمن(( )).
إن الوجود الموضوعي لمهن يحتاج إليها الناس يوجب ظهور من يقدرها، ويحترم أصحابها، فقول امرىء القيس في وصف فرسه(( )):
لها جَبْهةٌ كَسَرَاةِ المَجنِّ
حَذّقَهُ الصانِعُ المُقْتَدِرْ

يوحي بتقدير الشاعر، هو ملك، للعامل الحذق الذي أتقن صناعة المجنّ. وكان إعجاب عنترة بجودة صناعة سيفه مدعاة للدعاء للصانع بقوله: ((وأقول: لا تقطعُ يمينُ الصقيلِ))(( )) ولسبب مماثل قال الأعشى يصف سيفاً(( )):
أكبَّ عليه مِصْقَلَتَيهِ يَوْماً
أبو عَجْلانَ يَشْحَذُهُ فَتَانا

فَظَلَّ عليهِ يرشَحُ عارضَاهُ
يَحُدُّ الشّفرتيَنِ فَمَا ألانا

فأبرز تقديراً كبيراً لذلك الصانع الحاذق، فهو ليس بنكرة، بل له كنية (أبو عجلان)، وفي الكنية تقدير واحترام، وهو فتى القوم، وتلك التفاتة من الأعشى تدل على اعتماد القوم على ذلك الصانع اعتماداً أجاز لشاعرهم أن يقول فيه ما قال.
وكذلك حظيت المرأة الصناع بالتقدير؛ فهي حاذقة بأعمال يدوية منها نسج الحصر(( ))، وصقل الجلود(( ))، وقد مدح أبو شهاب المازني امرأة يحبها بقوله(( )):
صَنَاعٌ بإشَفاها، حصانٌ بشكْرِهَا
جَوَادٌ بِقُوتِ البَطْنِ والعِرْقُ زاخِرُ

إنها حصان، جواد، كريم نسبها، وهي قبل ذلك صناع تحسن خرز المزاود والقرب والأساقي وأشباهها.
لقد أدركت فئة من الجاهليين أهمية العمل اليدويّ، وشدّة الحاجة إليه. فلم تأنف من مزوالته، ولم تأبه لاستهجان من يعيبها لذلك؛ فحين هجا يزيد الصعق رجلا من بني أسد بقوله: ((ولعْتُمْ بِتَمرينِ السّياط)) أجابه الأسدي(( )):
أَعِبْتَ علينا أن نُمَرّنَ قِدّنا
وَمَنَ لا يُمَرّنْ قدَّهُ يتقطَّعِ

فالأسدي لا ينفي اشتغال قومه بتمرين السياط، بل يقرّ بذلك، ويبين أهمية العمل في توفير مستلزمات الحياة.
وثمة أعمال يدوية قام بها الرجال والنساء حفاظاً على أموالهم من الضياع؛ فقد أبدى دريد بن الصمة إعجابه بالخنساء، وقد رآها تطلي بعيراً أجرب بالقطران، فقال(( )):
ما إنْ رَأيْتُ ولا سَمعتُ بهِ
كاليومِ طَالي أينقن جُربِ

مُتبذِلاً تبدْو مَحَاسِنُهُ
يَضَعُ الهنَاءُ مواضِعَ النّقْبِ

فالخنساء ابنة سيد قومها تترك التزين، وتباشر بنفسها مداواة انفق جرب بالقطران، ودريد بن الصمة، وهو سيد قومه، يعجبه ذلك ولا يرى فيه ما يعيب الخنساء. وافتخر عبد الله بن سُليم الأزدي بأنه يحضّر الأدوية اللازمة لمداواة الجمال من الجرب، ويقوم بعلاجها بما يعجز عنه الطبيب الحاذق، يقول عبد الله(( )):
ولقد أداوي داءَ كل مُعَبّدٍ
بعَنيةٍ غَلَبَتْ على الّنطيّسِ

تلك صور من مواقف الجاهليين المتباينة من المهن اليدوية، تبرز تفاعل الناس، وترسم بعض الخطوات في حياتهم، وفي تنتقل من طور إلى آخر. وقد أبرزت مواقف الفئة المقدرة للمهن الجانب المتطور والمستنير من الحياة الجاهلية، وذلك في مواجهة مواقف الذين احتقروا تلك المهن، واستهانوا بأصحابها لأنهم فقراء؛ فالشّماخ بيدي إعجابه بامرأة لأنها منعمة، ولا تعمل بالحياكة، في قوله(( )):
مُنَعَّمَةٌ لم تَلْقَ بُؤْسَ مَعِيشَةٍ
ولم تَغْتَزلْ يوماً على عُودِ عَوْسَجِ

ولكن فقر أصحاب المهن لم يكن سبباً وحيداً لهجائهم بل كانت أصولهم الوضيعة (غير الصريحة) سبباً لا يقل أهميّة عن الفقر؛ فخداش بن زهير يعتدّ على امرأة عطارة من دارين (نسبها غير صريح) بأنه من بني عامر، يقول خداش(( )):
فإني امرؤٌ من بني عامرٍ
وإنكِ داريَّةٌ ثيتَلُ

ولطالما وصفَ أصحابُ المهن بأنهم عبيد، ومن أصول غير صريحة(( ))، أو أسارى، استعبدوا، وأكرهوا على الأعمال اليدوية(( )).
كان المهنيون يشكلون طبقة مستضعفة في المجتمع الجاهلي لأن فئة منها غير صريحة نسباً في مجتع يعتز بصراحة النسب ويقدرها، ولأن فئة منها مستعبدة في مجتمع يقدر الحرية، ولأنها فقيرة في مجتمع بلغ مرحلة اقتصادية تجاوزت النظام المشاعي البدائي، وعرفت نظام الملكيات الفردية الكبيرة(( )). ولكن إقدام فئة من الصرحاء على ممارسة الأعمال اليدوية مباشرة أو بالواسطة(( ))، وحاجة المجتمع المتطور إلى سواعد تلك الفئة الحرفية- من أسباب ظهور ما يعلي شأن المنتمين إلى الفئة المستضعفة.
إن الإنتماء إلى طبقة الحرفيين لم يكن ذلاًّ مطلقاً؛ فقد ظهرت نتيجة التطور الاقتصادي إرهاصات تقدير العمل اليدويّ، واحترام أصحاب الحرف والمهن، فتطامنت بذلك حدّة غلواء العصبية إلى النسب، ولكن المغالين في التعصب ظلّوا يقومون بما يعوق استقرار المجتمع وتطوره السلمي؛ فقد حملت تلك الفئة راية العداء لكلّ حرفة، ورأت أن السيف هو الطريقة المثلى للكسب؛ فقوم عوف بن عطية يكسبون بالغزو لا بالرعي في قوله(( )):
غَزَوْنا العدوَّ بأبياتنا
وراعي حَنِيفةَ يَرْعَى الصّغارا

فَشَتانَ مُخْتَلفٌ بَالُنا:
يُرعّي الخَلاءَ، ونَبْغي الغِوارا

وقوم العباس بن مرداس يكسبون بالغزو لا بالزراعة في قوله(( )):
فأمّا النخيلُ فليست لنا
نَخيلٌ تُسَقَّى ولا تُؤْبَرُ

ولكنَّ جَمْعاً كجِذْلِ الحِكا
كِ فيه المُقَنّعُ والُحّسرُ

وقوم الممزق لا يتجرون للسمن ولكن للقتال(( ))، وتجارة قوم حاتم قود الجياد إلى أرض العدو في قوله(( ))
إنَّا تجارَتُنا قودُ الجياد إلى
أَرضِ العَدُوِّ، وإِنّا نَقْسِمُ النّفَلاَ

إن هؤلاء الشعراء الصرحاء يعوقون التقدم بلسانهم وسيوفهم وفكرهم، فهم يأنفون من الرعي ومن الزراعة ومن التجارة، وأحْر بهم أن يأنفوا بشدة من المهن الأخرى، وهم لا يرتضون أن يكسبوا بغير سيوفهم التي تسرق وتخرّب ما يبنيه المجدون العاملون، وتزرع الانقسام، وتثير الفتن والحروب.
وإذا كان اشتغال العبيد والإماء بالحرف سبباً في احتقار فئة من الجاهليين للحرفيين كافة فسوف يكون للعبيد والإماء نصيب وافر من الإذلال والامتهان، وفيما يلي بيان ذلك.
***
5-العبيد والإماء:
للعبيد والإماء في المجتمع الجاهلي ثلاثة مصادر هي: الأعاجم والمولدون والعرب. وأغلب الأعاجم أحباش، ومنهم فرس وروم(( ))؛ فقد ارتاد العرب أسواق فارس والروم واشتروا منها الأرقاء(( ))، وأما المولدون فأغلبهم أبناء حبشيات لم يعترف أسيادهن بحرية أبنائهن المولدين(( )). وأما ا لرقيق العربي فمصدره السبي والأسر حين يعجز أهالي السبايا والأسارى عن فكاكهم، ويرغب المنتصر باستعبادهم، فيستخدمهم أو يبيعهم، والأخبار والأشعار الدالة على ذلك كثيرة، ومنها أسر بني خُناعة الهذليين لسيد بني ذؤيبة، وبيعه بمكة، وقول معقل بن خويلد الهذلي له(( )):
فإنكَ قد شُريتَ فَعُدْتَ عَبْداً
بِمَكَّةَ حَيْثُ تَرْتَمُّ العِظَاما

ومنها قول زهير بن جناب الكلبي في انتصاره على تغلب وسوقه نساءها السبايا إلى المواسم لبيعهن(( )):
تَبّاً لتَغْلِبَ أن تُساقَ نِساؤُهم
سَوقَ الإماء إلى المواسمِ عُطَّلا

وقد أوكل الجاهليون إلى عبيدهم الأعمال التي يأنفون منها كالرعي والحدادة(( ))، وأوكلوا إلى الإماء أعمالاً مرهقة كالرعي(( ))، وجمع الحطب(( ))، وكان الجاهليون يسمون الأمة الممتهنة في رعي الإبل وسقيها، وجمع الحطب اللخناءَ(( )). ويبدو أنها سميت بذلك لما تكابده من مشاقّ تجعلها تتعرق، وتؤذي الناس برائحتها. واشتغلت بعض الإماء بأعمال أقل إرهاقاً كتهيئة الخيام للسكن(( ))وطهي الطعام(( )).
إن الأشعار التي ذُكرت فيها تلك الأعمال الموكلة إلى الإماء جاءت غالباً في سياق تُعظم فيه النساء المترفات المخدومات من قبل الإماء، وفي ذلك السياق ما لا يخفى من امتهان للأعمال الحرفية والمنزلية، وللإماء اللواتي يقمن بها. ولكن احتقار الصرحاء المترفين للإماء لا يقتصر على ما ذُكر آنفاً بل يتعداه إلى جوانب أخرى، منها نعت الإماء بالفجور، وقد اشتهر قول زيد بن عمرو في أمتهِ(( )):
إذا طمثِتْ قادتْ وإنْ طهُرتْ زنتْ
فهي أبداً يزنى بها وتقودُ

وفجور الأمةِ ليس فطرة، ولكنه إرث ظروف اجتماعية واقتصادية تدفع بالأمة إلى الخضوع لرغبات من له سلطة عليها، رغبت في ذلك أم لم ترغب، وأوضح دليل على ذلك أن بعض السادة أكرهوا إماءهن على المساعاة، وكسبوا بفجورهن(( ))، وأن الملوك والسادة كانوا يتهادون القيان(( )). وهنّ إماء محببات لاشتغالهن بما يقود إلى الفجور، فهن يرقصن ويغنين ويعزفن ويسقين الخمر(( ))، وبذلك يظهر تعصب الصرحاء على الإماء، وظلم المجتمع الجاهلي لهنّ؛ فالسادة الصرحاء سبب رئيس في دفع الإماء إلى البغاء، وذمّ الإماء بالبغاء مردود أكثره على أولئك السادة.
وثَمّة مظاهر أخرى لنظرة الصرحاء الدونية إلى الإماء؛ فابن الصريحة الحصان جدير بالمكارم التي يعجز عنها أبناء القيان(( ))، والذين يهربون في ساحة الحرب يشبهون أقفية الإماء(( ))، والذين يغدرون يشبهون إماءً يعملن بالنسيج(( ))، والذي يكتشف أن زوجه الصريحة أمة يطلقها(( ))، والإماء- عدا القيان منهم- تنفر النفوس من سوادهنْ وقبحهن(( )). وكان حال العبيد مشابهاً لحال الإماء، إذ كلفوا بالأعمال الشاقة التي يرغب عنها الصرحاء، وكانت قلوب بعض السادة على عبيدهم كالحجارة أو أشدَ قسوة، ومن الشعر الدال على ذلك قول مالك ابن حريم الهمداني يفتخر(( )):
ونَخْلَعُ نَعْلَ العبدِ من سُوءِ قَودِهِ
لكيْما يكونَ العَبْدُ للسَّهلِ أضْرَعَا

وقد وعدوهُ عقبةً فمشى لها
فما نالها حتى رأى الصبح أدرعا

وأوسعن عقبيهِ دماءً فأصبحتْ
أصابعُ رجليه رواعِفَ دُمَّعَا

ويظهر من الأبيات أن العبد المذكور كان دليلاً لقوم الشاعر الذين تخوَّفوا، وهم يسيرون ليلاً، أن تتأذى حوافر خيولهم من المسير فوق الأرض الصلبة، وأنهم طلبوا من عبدهم الدليل أن يسلك بهم الأرض السهلة، وحرصاً على قيام العبد بما أوكل إليه بدقة أجبروه على خلع نعله كي يتوخى السهل وقاية لنفسه من الأذى، وقد وعدوه أن يركب حين يصل عُقبة، ولكن ذلك العبد المسكين أدمت خيل السادة الذين يسيرون وراءه ويحثونه عقبيه، كما أدمى الحفا أصابع رجليه قبل أن ينال ما وعدوه به.
إن الافتخار بالشدة على العبد يظهر قسوة بعض السادة وعدم إنسانيتهم، ويوحي بنظرتهم الدونية إلى العبيد. وثمة أشعار جاهلية كثيرة تفصح عن اضطهاد الصرحاء واحتقارهم للعبيد؛ فقد نسب إلى أبي دؤاد الإياديّ قوله(( )):
والعبدُ يُقْرعُ بالعَصَا
والحُرُّ تكفيهِ المقالهْ

وفي هذا القول ما يدل بوضوح على منزلة العبيد؛ فالعبد يؤدب بالضرب والإهانة، والحر يؤدب بالقول والإشارة. والأحرار لا العبيد جديرون بالأفعال المجيدة(( ))، فإن صدر عن أحد العبيد فعل من الأفعال التي يفخر بها الصرحاء الأحرار كان فعله مستغرباً؛ فحين أنشد سحيم عبد بني الحسحاس الشعر وأجاد فيه قيل: ((أعبد بني الحسحاس يُزْجي القوافيا))(( ))، وحين حمل صؤاب العبد لواء سادته يوم أحد قال حسان يهجوهم بذلك(( )):
فخرتُمْ باللّواءِ وشَرٌّ فَخْرٍ
لواءٌ حين رُدَّ إلى صُؤابِ

جَعَلْتُم فَخْرَكَمْ فيه لِعْبدٍ
مِنَ الأمِ مَنْ يطا عفرَ التُّرابِ

وإذا تزوج العبد فقد يقال لزوجه(( )):
أمِنْ حذرِ الهُزالِ نكحتِ عبداً
وصَهِرُ العبدِ أقَرَبُ للهُزالِ

وإذا أراد الصريح أن يهجو صريحاً حُرّاً أو صرحاء أحراراً كان النعت بالعبودية سلاحاً ماضياً ينتضيه الشعراء في الهجاء(( ))؛ فالعبيد يمثلون الطبقة الاجتماعية الأكثر ضعفاً وهوانا في المجتمع الجاهلي، والتي افتخر الصرحاء الأحرار بامتلاك الكثير من أفرادها، معبرين بذلك عن شدة بأسهم إذ يأسرون الأعداء فيستعبدونهم، وعن غناهم إذ يشترون العبيد بأموالهم، وعن حياتهم المترفة إذ يستخدمون العبيد في قضاء حوائجهم، ولذلك أجاز بشر بن عُليق الطائي أن يهجو بني عاملة بقوله(( )):
قُبيَّلةٌ دقتْ وقلَّ عبيدُها
وذلّتْ، فما كُنتُمْ تُفيئُون مغنمَا

فكثرة العبيد في القبيلة دليل على بأس رجالها، وعلى وجود من يكفيهم أمر القيام بالأعمال اليدوية المهنية.
ونظرة المجتمع الجاهلي إلى العبيد تختلف باختلاف أصولهم؛ ففي قول المُنَخَّل اليشكري(( )):
ولقد شَربتُ الخَمْرَ بالــــ
ــعبدِ الصَّحيحِ وبالأسيرْ

نجد نوعين من العبيد: الأول من المولدين والمباعين في الأسواق وهم غير صرحاء وأعاجم، والثاني من الصرحاء الذين استعبدوا بالأسر. ومن الظاهر أن المنخل يرى أن عبودية الفئة الأولى صحيحة، وأن عبودية الفئة الثانية حالة طارئة، وهو بذلك يرفع العبيد من العرب الصرحاء مرتبة فوق العبيد المولدين والأعاجم.
وكان للإماء غير الحبشيات (السوداوات) منزلة تفوق غيرهن لبياض بشرتهن المحببة إلى العرب، ولخبرتهن في مجال الخدمات(( ))، وقد لقيت تلك الإماء معاملة حسنة، ولاسيما في بلاط الغساسنة، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول حسان بن ثابت يمدح جبلة الغساني(( )):
قَدْدَنا الفصحْ فالولائدُ ينـ
ـــظمنَ قُعُوداً أكَلةَ المَرْجانِ

يَجْتَنبنَ الجاديَّ في نُقَب
الرِّيطِ عليها مَجَاسِدُ الكتَّانِ

فهؤلاء الولائد يعشن في ترف ونعيم، ينظمن العقود، ويُضَمَّخْن بالزعفران، ويلبسن الثياب الرقيقة. وقد وصف النابغة ولائد الغساسنة بأنهن بيض يحسنَّ خدمة الملوك(( ))، ولأنهن يخدمن الملوك لم يقمن بالأعمال المجهدة الوضيعة كجمع الصمغ ونقف الحنظل(( ))، وقد لقيت أمثالهن ممن كنَّ في حوزة سادات القبائل معاملة مشابهة، ومن الشعر الدال على ذلك قول سلامة بن جندل(( )):
وعندنا قَيْنَةٌ بَيْضاءُ ناعمَةٌ
مِثْلُ المهاةِ، من الحُورِ الخَراعيبِ

تُجْري السِّواكَ على غُرٍّ مُفَلَّجةٍ
لم يَغُزها دنسٌ تحتَ الجلابيبِ

وإذا كان للإماء البيض الخراعيب ميزة عند العرب الجاهليين فقد كان للعبيد الأشداء الشجعان ميزة أيضاً، فقد استعان الأحرار بالعبيد الشجعان في الحروب، وأشركوهم في الغنائم؛ فقد روي أن عبساً أغارت على سُليم، وكان في عبس زنجيّ من عبيدهم، جعل له مولاه أفضل جارية في بني سُليم إن هم ظفروا بهم لبأسه وشدته، وحين ظفر العبسيون اختار الزنجي (سلمى)، فربطها على ظهره، وجعل يقاتل، إلى أن استنقذها منه صخر بن عمرو الشرَّيدي(( )).
إن معاملة الأحرار الحسنة للإماء الحسناوات وللعبيد الأقوياء ترجع إلى إدراك الأحرار أن مصالحهم تتحقق على نحو أفضل بتلك المعاملة، وفي ذلك مكاسب لأولئك العبيد والإماء أيضاً. وكان لتلك المعاملة الحسنة مظهر متطور تمثل في إفساح المجال أمام الرقيق لتطوير انتمائهم بالتحرر من العبودية بالمكاتبة، أو بالتبني أو بتأدية خدمات حربية جليلة؛ فالمكاتب يتفق مع سيده على أن يشتري حريته بمبلغ من المال، فيسمح له سيده بالعمل حتى يجمع المال، وينال حريته(( ))، وأما التَّبنيّ فيكون بإعلان السيد أنه اتخذ عبده ابناً له، وبذلك يغدو العبد حراً، ويلتصق نسبه بنسب سيده(( ))، ويغدو صريحاً في عرف أبناء مجتمعه، وأمّا العبيد الشجعان فنال بعضهم حريته بشجاعته وجرأته(( ))، ونال بعضهم بشجاعته وقوته الحرية والنسب الصريح(( )). وكذلك ارتقى بعض العبيد إلى منزلة السيادة بأخلاقهم، ومنهم عصام بن شهير، حاجب النعمان بن المنذر، وعصام هو القائل في رواية(( )):
نفسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عصاما
وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقدامَا

وصَيَّرتهُ ملكاً هُماما

لقد وجد بعض العبيد فرصاً بطرق ارتضاها سادتهم. وثمة فئة تحدّت إرادة السادة، فهربت من كنفهم رغبة في التحرّر من العبودية؛ فقد هرب حبيب الهذلي من مالكه في الشام إلى أرض قومه في الحجاز، وقال في ذلك(( )):
ولقد نَظَرْتُ ودُونَ قومي مَنْظرٌ
منْ قَيْسَرونَ فبلقعٌ فسلابُ

فجبالُ أيلة فالمحصَّبُ دوننا
فألاتُ ذي علجانةٍ فذهابُ

فحسبتُ أني قد بدا لي طوْدهُمْ
كفراً على أشرافِهِنَّ ضبابُ

ولقد سريتُ الليلَ في مُتهالكٍ
حيران لا تَسرْي به الأتبابُ

ولقد وردتُ الماءَ أكثرُ وردِهِ
وخْطُ السِّباعِ كأنَّها النشَّابُ

وإذا كان ابتعاد المستعبد بالأسر عن أسريه كافياً لتحرره فإن حال غيره من المستعبدين كانت لا تسر، فالعبد قد يدفعه ظلم مالكه إلى الهرب(( )):
كالحبشيينِ خافَا من مليكهما
بعضَ العذاب فجالاَ بعدما كتفا

لقد كُتف هذان الحبشيان، وهما يترقبان سوء العذاب من سيدهما، ولكنهما حلا وثاقهما وانطلقا هاربين، فإلى أين يهرب العبد الحبشي وأمثاله؟ أعتقد أنه يهرب من عبودية إلى أخرى؛ فلونه يفضحه، والدنيا حوله ملأى بالطامعين باستعباد أمثاله ممن لا ناصر لهم، ولا معين إلا جماعات من صعاليك الصحراء، وذؤبانها الذين يعيشون على القتل وسفك الدماء.
وقد يخفق العبد في الهرب من سيده، فيكون بانتظاره عظيم العذاب يقول البُرْجُ بنُ مُسهرٍ الطائي(( )):
جَدَيلَة تُخَشْى الغَوْثَ خَشْيَة آبقٍ
رأى ربَّهُ والسوطَ، والقلبُ حاذرُهُ

فالعبد الآبق يلقاه سيده بما يهلع فؤاده، ويزيد عذابه.
لقد عانى المنتمون إلى طبقة العبيد والإماء عنتَ العبودية، وذلّ الاسترقاق وكلّف أكثرهم بالأعمال اليدوية الوضيعة والمتعبة التي يأنف منها السادة، ويرغبون عنها.
ولم يلق أحد من العبيد والإماء تقديراً من السادة إلا من امتلك قدرات استثنائية على تقديم ما يلتذ به السادة، وما يزيدهم غنىً ورفاهية وقوة. ولذلك عاش أكثر العبيد والإماء في ذلّ لا فكاك منه. يقول السليك، وكانت أمه أمةً، يصف ذلّ الإماء، وتعاطفه معهنّ(( )):
أشابَ الرأسَ أني كلَّ يوَم
أرَى لي خالةً بين الرّحال

يشقُّ عليَّ أن يلقينَ ضيماً
ويَعْجَزُ عن تخلّصهنَّ مالي

وأحسّ العبيد بأنَ وجودهم الإنساني منتقص؛ فعبوديتهم جبال من الهموم والآلام، تعوق رغباتهم، يقول سحيم عبد بني الحسحاس(( )):
فلوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لعشقنني
ولكنَّ ربّي شَانني بسواديا

كان سحيم يبغض الرق لأنه يحول بينه وبين أن يكون معشوقاً، ويرتضيه إذا لم يعق رغبته في أن يكون محبباً إلى النساء، يقول سحيم(( )):
وددتُ على إبْغاضي الرقَّ أنني
أكونُ لأجماالِ ابن أيْمَنَ راعيا

وفي الشرطِ أنّي لا أُباعُ وأنَّهمْ
يقولونَ: غبقْ يا عسيفْ العذاريا

فأسْندُ كسْلى بزّها النومُ ثوبَها
إلى الصَّدرِ والمملوكُ يَلْقَى الملاقيا

ويبدو أن سحيماً استحق تقدير سادته فأحس بعمق ارتباطه بهم، وتمثل قيمهم، ومدحهم، وافتخر بهم(( ))، ولكن ذلك لم يَرْقَ به إلى المستوى الاجتماعي الذي يجعله قادراً على الزواج من الحرائر؛ فكان همه الأكبر أن يكون معشوقاً منهن، لا أن يكون حراً، وكان بذلك أقلّ وعياً من عنترة الذي أدرك أن التحرر من العبودية هو الطريق الموصل إلى عبلة. كانت منافذ التحرر من الرق ضيقة لا يكاد يخرج منها إلا قلة من العبيد سعوا إلى التحرر رغبة في استكمال مقومات الوجود الإنساني المقبول في المجتمع الجاهلي، فعنترة قاتل ليكون حراً، وكفؤاً للحبيبة.
وهكذا نجد الأرقاء (وكذلك أغلب المستضعفين) في الجاهلية منتمين انتماءً قسرياً إلى وضع اجتماعي، فيه انتقصت حقوقهم الإنسانية، وبه افتقدوا توازنهم النفسيّ، وحرموا الحماية والرعاية، واستقروا في الهاوية الاجتماعية والاقتصادية مرجومين بأعمالهم المرهقة والمذمومة غالباً.
وأما حظوة قلة من الأرقاء بالتقدير، واقتدار قلة أخرى على التحرر من إسار العبودية فمن مظاهر الجدل الإنساني، وهو يرقى بالعبيد والإماء رقياً يسيراً، فليس في الجاهلية ما يوجب تحرير العبيد، وليس فيها ما يغري بتحريرهم، وكذلك لم يكن لدى العبيد ما يجمع كلمتهم، ويوحد موقفهم في موجهة عنت السادة وظلمهم؛ فسحيم عبد بني الحسحاس كان همه الأول أن يكون معشوقاً للحرائر؛ وعنترة العبد الهجين حرر نفسه، واحتال لتحرير أخوته لأنه من العبودية(( ))، ولكنه لم يسع إلى تحرير أمثاله من العبيد، ولا إلى تحسين أوضاعهم، بل انسلخ عنهم، وعبر بشعره عن احتقار اللون الأسود، وهو رمز للعبودية في الجاهلية، متناسياً أنه هجين أسود(( ))؛ وأما السليك، وكان هجيناً أسود، فقد تعاطف مع خالاته (الإماء)، وأشفق عليهن، ولكنه عجز عن تقديم يد العون لهنّ.
تلك جهود مشتتة تعبر عن تطلعات المنتمين إلى طبقة الأرقاء نحو الأفضل، وهي تطلعات يسيرة، تدل على أن الأرقاء- وكذلك بقيةب المستضعفين- كانوا بحاجة إلى جهد منظم، وعقيدة جامعة تنير قلوبهم وعقولهم، وتلزم الأحرار الأقوياء بإنصاف المستضعفين إنصافاً تتحقق به إنسانيتهم، وتقوى به فرص اندماجهم في الحياة العربية اندماجاً عضوياً، يتطور به المجتمع وتتحقق وحدة أبنائه على نحو أفضل.
3- الحلف والجوار
إن ظاهرة الحلف والجوار من أبرز ما يدل على التفاعل الإنساني النشط في المجتمع الجاهلي، فيها تطور الانتماء النسبيّ، وسار الإنسان الجاهلي خطوات تجاه تكوين مجتمع الأمة المهيأة للتوحيد.
1- الحلف:
((القسم..(و) أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق))(( )).وبذلك يتراءى لنا معلمان رئيسان في ظاهرة الحلف هما: عظمة موقع الحلف في نفوس المتحالفين لارتباطه بالقسم والعقد والعهد، وتكافؤ الأطراف المتحالفة تكافؤاً يسمح بالتعاضد والتساعد، أي يتبادل المصالح بين المتحالفين، والحلف يكون بين الجماعات ويكون بين الأفراد. وقريب من تحالف الأفراد الصداقة.
أ- تحالف الجماعات: لقد اتخذ الحلف بين الجماعات عدة أشكالٍ، فثمة أحلاف قبلية كانت تحدث بسبب تنافس البطون داخل القبيلة الواحدة تنافساً يؤدي إلى ظهور حلفين متنافسين داخل تلك القبيلة، ومن هذا القبيل تنافس زعماء قريش على تسلَم مقاليد بعض المناقب التي ورثّها قصي بن كلاب بنيه، وقد أدى ذلك إلى ظهور حلفين قرشيين هما: المطيّبون والأحلاف(( ))؛ وقد يكون خلاف أبناء النسب الواحد سبباً في تحالف شطرٍ منهم مع قبائل أخرى ضد شطره؛ فقد تحالفت الأوس مع بني قريظة والنضير(( )) وكذلك مع مزينة ضد الخزرج(( ))، وما حدث في مكة ويثرب يصور انقساماً بين أبناء النسب الواحد، واتحاداً بين الداخلين في كلّ من الأحلاف المذكورة.
ومن الحلف بين الجماعات تحالف بطن من قبيلة مع بطن من قبيلة أخرى كتحالف بني ليث بني بكر الكنانيين مع بني عمرو بن عامر العامريين، يقول عبد الله بن ثور العامريّ(( )):
ألا تلكمو ليثٌ وعمرو بن عامرٍ
حَليفانِ رَاضُوا أمرُهمْ فتحلفوا

أو تحالف قبيلة عدا بطن منها مع قبيلة أخرى، يقول حاتم الطائي(( )):
تحالفتْ طيىءٌ من دوننا حلفاً
والله يعلمُ ما كنا لها خذُلا

أو تحالف عدة بطون من عدة قبائل، ومنها البطون التي ضمها اسم تنوخ(( ))، أو تحالف قبيلة مع مملكة، كتحالف طيىء مع عمرو بن هند(( ))، أو تحالف قبيلة مع أخرى كتحالف أسد مع غطفان(( ))، أو تحالف عدة قبائل كتحالف أسد وغطفان وطيىء(( ))، أو تحالف قبيلة مع حلف معقود، كتحالف قريش مع الأحابيش(( ))، والتحالفات المذكورة آنفاً تبرز وجود كيانات موحدة، دفعتها الضرورات إلى تكوين الأحلاف ((للمحافظة على الأمن، وللدفاع عن مصالحها المشتركة))(( )). تلك صور رئيسة لتحالف الجماعات في الجاهلية، وفي تنوعها ما يدل على غنى حياة الإنسان الجاهلي بالتفاعل، والنشاط المتعدد الجوانب في رعاية إرادات فاعلة وواعية، اختارت أن تتعاقد وتتعاهد على ما ترى فيه تطويراً لحياتها، فسادات القبائل والبطون كانوا يعقدون الأحلاف بالتراضي فيما بينهم، وكانوا يوثقون هذه الأحلاف بكتابة ما تعاهدوا عليه(( ))، أو بإشهاد الشهود، وأخذ الرهائن(( )).
وأحلاف الجاهليين تمثل معلماً بارزاً لتطور الإنسان الجاهلي؛ فهو يسعى بإراداته إلى تجاوز دائرة الانتماء النسبي الضيق المتعصب بإضافة انتماءات تطور الانتماء النسبي، ولا تلغيه؛ فالأخبار والأشعار الجاهلية تظهر الجدل بين المعصبين للنسب والراغبين بتطويره بعقد التحالفات.
كانت القبائل الأكثر تعصباً لنسبها لا تحالف أحداً، ولا تدخل أحداً معها، وهم جمرات العرب. وقد ((أطفئت جمرتان من جمرات العرب: بنو صبّة، لأنها صارت إلى الرباب فحالفتها، وبنو الحارث لأنها صارت إلى مذحج فحالفتها))(( ))، وقد مدج سلمة بن الخرشُب الأنماريّ بني ذبيان بأنهم كثر ينزلون مياهاً مختلفة، ولكنهم متواصلون، لا ينقطع بعضه عن بعض بغرباء أو حلفاء، يقول سلمة(( )):
وأمْسَوا حلالاً ما يُفرَّق بينهُمْ
عَلَى كلِّ ماءٍ بين فَيْدَ وساجِرِ

ومن التعصب للنسب الأبوي على الحلف أن تحاول القبيلة تقويض حلف أقامه بطن منها مع بطن من قبيلة أخرى؛ فقد حالفت الحرقة (بطن من جهينة) بني سهم بن مرّة من غطفان ((فهمت غطفان بأكلهم، فخافوا، فانصرفوا فلحقهم حصين (بن الحمام المري، سيد بني سهم) وفردّهم، وشدّوا الحلف بينهم))(( ))، وفي ذلك يقول بشامة بين الغدير(( )):
فإمَّا هَلَكْتُ، ولم آتِهمْ
فَأبْلغْ أماثِلَ سهمٍ رسولا:

بأنْ قومكُمْ خُيِّروا خصْلَتيـ
نِ، كلتاهُما، جَعَلوها عُدُولا:

خزْي الحياة وحَرْبُ الصديقِ
وكُلاًّ أراهُ طَعاماً، وبيلاً

فإنْ لم يَكُنْ غيرُ إحداهُما
فسيروا إلى الموتِ سيراً جميلاً

إنه يريد أن يخبر بني سهم بأن قبيلته (غطفان) قد خيرتهم خصلتين: السماح لغطفان بأكل الحرقة حلفاء بني سهم، وفي ذلك تقديم للنسب على الحلف، وذلّ يسربل بني سهم؛ أو الوقوف مع الحلفاء ضد القبيلة، وفي ذلك تقديم للحلف على النسب، وفخار بالحفاظ على الحلف. وفي المحافظة على أولئك الحلفاء (الحرقة) ضد أطماع بني العمّ فيهم يقول الحصين ابن الحمام يخاطب أبناء عمومته(( )):
فلستُ بمُبتاعِ الحياةِ بسُبةٍ
ولا مُبتعٍ، مِن رَهْبةِ الموتِ سُلَّما

ولكنْ خذُوني، أي يومٍ قدرتُمُ
عليَّ فحزّوا الرأس أنْ أتكلما

إنه يصر على الوقوف مع حلفائه في مواجهة أبناء عمومته، غير تارك لهم بصيص أمل بالمهادنة أو الاستسلام لرغباتهم.
والتعصب للنسب الأبوي على الحلف فيه تقديم لمصالح القبلية على مصالح حلفائها ولعل ذلك من أسباب انهيار بعض التحالفات(( ))، ومن إقدام بعض الشعراء على ذكر أمجاد قومهم في الحروب، والإغضاء عن ذكر أفعال حلفائهم فيها(( ))
إن عقد الحلف فيه تقسيم وتوحيد وفق أسس متطورة، لا تلغي الانتماء إلى النسب الأبوي بل قد تعارضه، وهي تضيف إليه انتماء تقتضيه المصالح المشتركة، لا الأصول النسبية المشتركة فقط.
وقد أوجدت الأحلاف علاقات إنسانية متينة ومتطورة بين المتحالفين، وأظهر الشعراء ذلك في تأكيدهم أهمية الوفاء بالعهود؛ فامتدحوا الوفاء، وافتخروا به، وذموا الغدر بالحليف، والتخلي عنه، وأبرزوا الاستياء من تقصير الحليف في القتال إلى جانب حلفائه، وغضب الحليف لحفائه، وافتخروا بالدفاع عن الحليف كقول عبد الله بن ثور العامري في تحالف قومه مع بني ليث الكنانيين:
فكُنا كَمَنْ آسَى أخاهُ بنفسهِ
نعيش معاً أو يتلفَونَ ونتلَفُ

وكان الحلف عزاً لبعض الحلفاء؛ فقد خرج بنو بجلة من سُليم فأتوا بني عقيل، وحالفوهم وعاشوا أعزاء لديهم، وفيهم يقول العباس بن مرادس السُّلمي:
يا لهفتا من بعد بجلةَ أصبحوا
مواليَ عزِّ، ليس فيهم مُرغَّمُ

وكانت متانة العلاقة بين المتحالفين مدعاة لأن يمدح بعضهم بعضاً كقول النابغة يمدح بني أسد حلفاء بني ذبيان(( )):
ليهنىءْ بني ذُبيانَ أنَّ بلادهُمْ
خلتْ لهمُ من كلِّ مولىً وتابعِ

سوى أسدٍ يحمونها كلَّ شارقٍ
بألفي مُدلٍّ ذي سلاحٍ ودراعِ

فدعْ عنكَ قوماً لا عتابَ عليهمُ
وهمْ ألحقوا عبساً بأرضِ القعاقعِ

ولولا بنو دُود انَ كانت بلاقعاً
بلادُ بني ذُبيانَ يومَ التدافُعِ

إنّه يمدح حلفاءه بني أسد، لأنهم نصروا بني ذبيان، وأمكنوهم من الاستمرار بالإقامة في منازلهم، ومن الاقتدار على إجلاء بني عبس أبناء عمومه بني ذبيان(( )).
لقد عُرفَ النابغة بتقديم الانتماء إلى الحلف على الانتماء إلى النسب فحبّه لبني عبس أبناء عمومة الذبيانيين(( )) لم يمنعه من مساعدة بني أسد حلفائه على بني عبس(( )). وللنابغة قصيدة يتصدى فيها لعيينة بن حصن سيد بني ذبيان حين أراد أن ينصر أبناء عمومته العبسيين على أحلافه الأسديين، ومنها قول النابغة يخاطب عيينة(( )):
إذا حَاولتَ في أَسَدٍ فُجوراً
فإنيَ لَسْتُ مِنكَ ولستَ مني

همُ درعي التي استلأمتُ فيها
إلى يَوْمِ النّسارِ وَهمْ مجنيِّ

وهمْ وردوا الجفارَ على تُميمٍ
وهمْ أصْحابُ يومِ عُكاظَ إنّي

شهدتُ لهمْ مواطِنَ صادقاتٍ
أتينهُمُ بنُصحِ الصدرِ مني

ثم ذكر قتل بني أسد لملك كندة، وزحفهم على الغساسنة، ثم خاطب عيينة بقوله:
وَلوْ أنّي أُطِيُعكَ في أُمورٍ
عَضَضْتُ أنامِلي وَقَرَعْتُ سِنّي

فالنابغة يرى الغدر بالحليف فجوراً، وقد علّل ذلك بأن لبني أسد تاريخاً مشتركاً مع بني ذبيان، فقد حاربوا معاً في عدّة مواقع، وفضلاً على ذلك كان لبني أسد تاريخ حربي مجيد، يدل على قوتهم وشجاعتهم؛ فهم حلفاء أقوياء، عظم بهم شأن بني ذبيان، وفي نقض حلفهم خسارة كبيرة، وندامة شديدة.
ومن الظاهر أن حلف أسد وذبيان، وأمثاله أثمر معارك قبلية طاحنة، أثخنت المجتمع الجاهلي بالجراح، ولكن ذلك لا يخفي المظاهر الإيجابية في تلك الأحلاف، فهي دليل ماديّ على قدرة الإنسان الجاهلي على الإسهام النشط في صنع تاريخه، وفي تحديد معالم مستقبله، فبالحلف يخرج الحلفاء من قوقعة الانتماء النسبي خروجاً إرادياً واعياً، تتواصل به الجماعات الأبوية (بعضها متقاربة نسباً، وبعضها متباعدة) تواصلاً يحقق مصالحها على نحو أفضل. وبذلك نلمس إدراك الجاهليين لأهمية المصالح المشتركة في تقارب الجماعات المتباعدة نسباً، وكذلك نلمس إرادة الجاهليين وفعلهم الموصل إلى تلك المصالح بعقد الأحلاف، وبالحفاظ عليها.
وقد برز في ظاهرة الأحلاف تطور للانتماء النسبي تمثل في قبول الجماعة القبلية بالانقياد إلى رجل من حلفائها، وهذا الانقياد هو مقدمة موضوعية للقبول بالانقياد للدولة، فحصن بن حذيفة الفزرايّ الغطغاني كان قائد الحليفين أسد وغطفان، على الرغم من تباعد نسبيهما فهو ((عزيز إذا حلَّ الحليفان حولهُ)) تحدّى الملوك بهم، وامتنع بسيوفهم(( )).
إنّ انقياد حلف من الأحلاف إلى رئيس واحد دليل على تلاحم هذا الحلف، وارتضاء أعضائه بالتلاحم على أسس تعاقدية، تتحقق بها المصالح المشتركة للمتحالفين. ومن مظاهر تلاحم الأحلاف أيضاً أن يصبح الحلف علماً للقبائل المتحالفة؛ فالمطيبون والأحلاف والأحابيش أسماء أعلام، يدل كل منها على مجموعات نسبية متحالفة، وقد عبّر الشعراء بلفظة الحليفين عن أسد وغطفان(( ))، وبالأحلاف عن أسد وغطفان وطيىء(( ))، وبالأحاليف عن عبس وعامر(( ))، ((ويلاحظ أن الأحلاف إذا طالت وتماسكت أحدثت اندماجاً بين قبائل الحلف، قد يتحول إلى نسب))(( )).
لقد أدت التحالفات إلى تواصل جماعات جاهلية متنوعة؛ فبعضها متقاربة في الدار والنسب (منها المطيبون والأحلاف بمكة)، وبعضها متباعدة في النسب متقاربة في الدار (منها أسد وذبيان وطيىء)، وبعضها متباعدة في الدار والنسب، فكان الحلف سبباً في انتقال جماعة إلى منازل أخرى، ومن الشعر الدال على مثل هذا الانتقال قول سحيم عبد بني الحسحاس(( )):
بني عَمّنا من تَجْعَلُونَ مَكَانَنَا
إذا نَحْنُ سِرْنا نَبْتَغي منْ نُحالفُ

وصرْنا إلى السَّعْديَن سعد بن مالكٍ
وسعد بني الأحْلافِ تلكَ العَجَارفُ

وقلنا لهمْ والخيلُ تُرْدي بنا مَعاً
نُحارِبُ منْ حاربتمُ ونُحالِفُ

فالأبيات تشير صراحة إلى إمكانية أن تنتقل الجماعة من منازل قومها إلى منازل جماعة أخرى تقبل بالتحالف معها.
وإذا كان لبعض الأحلاف أظفارٌ أنشبت في أجساد أعدائها، وتسببت في الآلام والفرقة فإنَّ أحلافاً أخرى لم تعقد لأهداف حربية، بل كانت غايتها استتباب الأمن، ونعيم الناس في ظلاله؛ فقد أحدثت قريش نظام الإيلاف، فتعاقدت مع بعض القبائل عقوداً ضمنت بها سلامة القوافل التجارية الذاهبة من مكة والقادمة إليها، وتحققت بها مصالح مادية نعم بها الداخلون في نظام الإيلاف جميعاً(( ))، وقريب من ذلك (حلف الفضول)، وهو حلف تنادى إلى إقامته عدد من سادات قريش بمكة، حين كثرت المظالم فيها، وراح بعض المتجبرين والسفهاء من سكانها يظلمون التجار الذين يؤمون مكة، باغتصاب أموالهم(( ))، وانتهاك أعراضهم(( ))، واجتمع لذلك رؤساء بني هاشم وبني المطلب وبني زهرة، وبني تيم ((فاحتلفوا إلاّ يدعوا أحداً يظلم بمكة أحداً إلا نصروا المظلوم على الظالم وأخذوا له بحقهُ))(( )) وقد استطاع حلف الفضول أن يحقق الغاية التي عقد لأجلها، ومما يدل على ذلك أن لميس بن سعد البارقي قدم مكّة، فظلمهُ أبي بن خلف، فأخذ له حلف الفضول حقه من أبيّ، فقال(( )):
وناديتُ قومي بارقاً لتجيبني
وَكَمْ دوُنَ قوَْمي مِنْ فَيافٍ ومن سهبِ

سيأبى لكم حِلفُ الفُضُول ظُلامتي
بني خلفٍ والحقُّ يُؤْخذُ بالعضبِ

إن انعقاد حلف الفضول يدلّ على مستوى رفيع من الوعي الذي بلغه بعض سادة قريش؛ فقد أوكلوا لأنفسهم مهمة أن ينصروا كل مظلوم بمكة، فقاموا بالمهام التي توكل عادة بقبيلة المظلوم أو جيرانه أو حلفائه، وعبّر أولئك السادة عن انتمائهم إلى جماعة تمتلك مشاعر إنسانية نبيلة لا يحدّ منها انتماء نسبيّ ولا مكانيّ ولا تعاقديّ، إنهم ينصرون المظلوم في مكّة غير آبهين بنسبه أو موطنه أو حلفه أو جواره، ولكن ذلك لا ينفي وجود مصلحة لقريش كلها في ذلك الحلف؛ فقد ضمن لها استمرار توافد التجار إلى مكةن،وصلات حسنة بالقبائل، وتحققت بذلك مصالح مشتركة تطوّرت بها قريش، وتطورت بها قبائل أخرى.
وتحالف الجماعات مظهر من جدل الإنسان الجاهلي، وهو يسير نحو التواصل، بخطوات تقسم المجتمع تارة، وتوحّده أخرى، وهي في أثناء التقسيم والتوحيد تتجاوز دائرة الانتماء النسبي بخطوات متفاوتة، بلغت ذروتها في حلف الفضول.
وقد حققت أحلاف الجماعات للمنتمين إليها بإرادتهم ووعيهم حمايةً وأمناً خارج دائرة الانتماء النسبي، دون أن تلغي مهمته، ومن الشعر المعبر بإيجاز عن ذلك قول حاجز بن عوف، وكان قومه بنو سلامان حلفاء لبني مخزوم القرشيين، مفتخراً(( )):
قَمْ سَامانُ إمَّا كُنْت سائلةً
وفي قريشٍ كريمُ الحلفِ والحسب

إنّه يفخر بقومه (بالانتماء النسبيّ) ثم بحلفائه (بالانتماء الحلفيّ)، فالانتماء الثاني لم يلغ الأول بل أضاف إليه إمكانات جديدة أسهمت في تطور المتحالفين الذين اكتشفوا بالخبرة العملية الطاقات الكبيرة الكامنة في تقارب الجماعات ووحدتها بناء على أسس تعاقدية تحقق مصالح مشتركة للمتحالفين غالباً، ولغير المتحالفين أحياناً.
***
ب- تحالف الأفراد: أسهم الأفراد في تقارب الإنسان مع أخيه الإنسان في المجتمع الجاهلي؛ فثمة أفراد دفعتهم ظروف قاهرة إلى ترك أهلهم ومنازلهم، وإلى النزول في كنف سيد يقبل محالفتهم، فيؤمن لهم الرعاية والحماية من غضبة ملك، أو طالب ثأر(( ))؛ وثمة أفراد رغبوا بالحلف، فقد دعا حرب بن أمية القرشي أبا مطر الحضرميّ إلى النزول في مكّة، ومحالفته، حيث يلقى المعاملة الحسنة والعيش الرغد، والأمن، يقول حرب(( )):
أبا مطرٍ هلُمَّ إلى صلاحٍ
فَتَكنُفكَ النَدامَى من قريشِ

وتَأْمَنَ وَسْطَهُمْ وتعيشَ فيهمْ
أبا مطرٍ هُديتَ لخيرِ عيشِ

وتَسْكُنَ بَلْدَةً عزَّتْ قديماً
وتأمنَ أن يزوركَ ربُّ جيشِ

ومن المرجح أن ((دعوة حرب لأبي مطر تنتظم في إطار جذب رؤوس الأموال إلى مكة، وتشجيع الاستثمار فيها))(( )) وفي ذلك تحقيق لمصالح مشتركة للمتحالفين، فقد كانت المنافع الاقتصادية المتبادلة سبباً في تحالف أفراد كثيرين مع رجال من بطون قريش الغنية(( )).
والتحالف بين الأفراد كان يتم وفق أسس تشبه التحالف بين الجماعات؛ فالأفراد يتحالفون على الوفاء بشروط يتفقون عليها، وكان الوفاء بها حمداً، والرجوع عنها غدراً وعيباً(( )).
وكانت بعض تحالفات الأفراد متينة بدليل مدح بعضهم بعضاً(( ))، واستشارة بعضهم بعضاً في أمور جليلة؛ ففي يوم ذي قار كان يزيد بن حمار السكوني حليفاً لبني شيبان فقال لهم ((أطيعوني، وأكمنوا لهم كميناً، ففعلوا، وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم))(( )). وفي هذا الخبر ما يظهر بجلاء عظمة منزلة الحليف، وشدة ارتباطه بحلفائه، بحيث يغدو واحداً منهم بل رئيساً لهم أحياناً، وإن في إطلاق لفظة المولى على الحليف وعلى ابن العم ما يؤكد متانة العلاقة بين الحلفاء في الجاهلية، يقول الحصين بين الحُمام المريّ مفرقاً بين المولى النسيب والمولى الحليف(( )):
مواليُّنا: مَوْلَى الوِلادةِ مِنهُمُ
ومَوْلى اليَمينِ، حابِساً، مٌتقسَّما

وقد أكثر الشعراء من الامتداح والافتخار بحماية المولى ورعايته، والحلم عليه، ومن غمز قناة من يخذل المولى، ولا يرعى حقوقه، ومن ذلك الشعر قول الخنساء ترثي صخراً(( )):
لهَفْي عل صَخْرٍ لقد كانَ عِصْمةً
لمولاه إذ نَعْلٌ بِمَولاهُ زلَّتِ

يَعودُ على مَوْلاه منهُ برأفةٍ
إذا ما الموالي من أخيها تخَلَّتِ

إن موقف الأحلاف من العهود التي تربط بينهم ليس واحداً؛ فبعض الحلفاء التزموا بما يجب عليهم تجاه أحلافهم، وبعضهم لم يلتزم بذلك؛ ولعلّ التعصب إلى الانتماء النسبي كان سبباً في خذلان الحليف؛ فمحبة أبي سفيان لقريش دفعته إلى مسالمة أقربائه الذين قتلوا حليفه أبا أزيهر الدوسيَّ، فقد أبى أن تضرب قريش بعضها ببعض في رجل من دوس(( )).
ومثلما أطلقت لفظة (المولى) على الحليف وعلى ابن العم، وفي هذا إعزاز وإكرام للحليف، فقد أطلقت أيضاص على العسيف(( )) (الأجير، والمملوك المستهان به)، وفي هذا احتقار وامتهان للحليف، ففي دلالة لفظة (المولى) على الحليف وابن العم والعسيف ما يدل على اختلاف آراء الجاهليين حول قيمة الحلف ومنزلة الأحلاف، وهذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى تباين منازل الحلفاء؛ فالأصل في الحلف التعاقد على تبادل المصالح، وحين يقدر الحليف على ذلك يكون بمثابة ابن العم، فيحظى بالاحترام والتقدير(( ))، وحين يتلكأ الحليف عن تقديم العون لحليفه، فقد تنفصم عرى التحالف، وأما حين يغدو أحد الحليفين ضعيفاً، يحتاج إلى مساعدة حليفه، ويعجز عن مكافأته فإنَّ الحليف الضعيف قد يغدو عسيفاً، يستخدمه حليفه مقابل حمايته ورعايته.
***
جـ- الصداقة: إن الأصدقاء ومثلهم الأصحاب والأخلاء والرفاق(( )) تجمعهم خصال وهموم مشتركة، ويقومون بأنشطة متشابهة، فيغزون معاً، ويتنادمون معاً، ويسافرون معاً، يصنعون ويواجهون ظروفاً مشتركة، بأساليب متشابهة، وبذلك تكوّن الصداقة انتماء جديداً يضيفه الأصدقاء إلى انتماءاتهم السابقة، ولاسيما الانتماء النسبي الذي يقوى حين تكون الصداقة بين الأقارب، ويُهذبُ حين تكون الصداقة بين الأباعد.
وكان الجاهليون ((لا يسافر منهم أقل من ثلاثة))(( ))، وقوافلهم تتكون من وحدات ((كل وحدة من ثلاثة أنفار على بعير واحد، واحد يسوق أو يحدو، واثنان يركبان، ويتعاقبان السياقة والركوب، فكلِّ رجل صاحبان))(( ))، وقد تكون الوحدة المسافرة مكونة من رفيقين، يقول حاتم الطائي(( )):
إذا كنتَ ربّاً للقَلُوصِ فلا تَدَعْ
رَفَيقكَ يَمْشي خَلْفَها غَيْرَ راكبِ

أنِخْها، فَأَردفهُ فإنْ حَمَلتْكُما
فَذَاكَ، وإنْ كان العِقابُ، فعاقبِ

وفي المسير إلى الغزو كان اختيار الصحبة الملائمة القادرة على أداء تلك المهمة وعلى حماية بعضها بعضاً ضرورة لازمة لتوفير الظروف الملائمة لنجاح الغزو، وللعودة منه بسلام، فأبو كبير الهذلي يفخر بأنه جمع من الصحاب سرية، وأنهم لدات، أقوياء، متصافون، صرحاء، يتعطفون على جرحاهم وقتلاهم كما تتعطف الأمهات على أطفالهن(( )). فالصحاب في الحرب يدافع بعضهم عن بعضهم الآخر، ففي الحرب(( )):
لا يُسلمُ ابنُ حُرَّةٍ زميلهْ
حتّى يَمُوتَ أو يَرَى سبيلهْ

وحين يحطّ الجاهلي رحال سفر أو غزو تجتذبه مجالس السمر والشراب مع الأصدقاء، ليستمتع بلقائهم، وإكرامهم بالإنفاق عليهم، يقول رجلٌ من بليٍّ(( )):
أبوهَهُ كُرِّي الخَمرَ بين صحابتي
فإنّ نَدَامَاي لَدَيكِ عِطاشُ

تلك صور من الحياة التي تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان بعرى الصداقة؛ وهي عرى تبدو من خلال الشعر متينة غالباً؛ وفي تتبع تصوير الشعراء للصداقة الحقّ تتراءى للمستقصي علاقة الصداقة في نسيج لا يقلّ متانة عن علاقة النسب. فالصديق لا يهجو صديقه(( ))، بل يحافظ على عهده في حضوره وفي غيابه(( ))، والصديق يحلم على صديقه(( ))، ويحسن استقباله(( ))، ويحوطه بالرأفة والرعاية والإكرام(( ))، ويقاتل دفاعاً عنه(( ))، ويشركه بماله(( ))، وينجز وعده(( ))، وقد يفديه بنفسه؛ فقد آثر كعب بن مامة رفيق سفره بحصته من الماء، فنجا الرفيق، ومات كعب عطشاً(( )) والصديق يأسى لفقدان أصدقائه(( ))، ويحرص على الثأر لهم، وعلى تنفيذ وصاياهم، يقول عبد الله بن ثور العامري(( )):
بانَ الخليلُ وأوصانِي بأثؤرةٍ
ألا لأُميَ إنْ لم أفعلِ الهَبَلُ

وإلى جانب ذلك ظهر في الشعر الجاهلي حرص الصديق على عرض صديقه وشرفه يقول حاتم الطائي(( )):
رُبَّ بَيْضَاءَ، فَرْعُها يَتَثَّنى
قَدْ دَعَتْني لِوْصلها، فَأَبيْتُ

لم يكنْ بي تحرَّجٌ غير أنيَ
كُنْتُ خِدْناً، لِزَوْجِها، فاسْتَحيْتُ

وإذا كان ركم أخلاق حاتم يمنعه من خيانة الصديق فإن عديّ بن زيد يمنعه من ذلك كرم أخلاقه ودينه أيضاً(( )).
وكان الوفاء للأصدقاء بما ذكر آنفاً مفخرة، وعدمه منقصة؛ فثمة أشعار تدل على أن بعض الأصدقاء شرّ، وبعضهم خير؛ يقول سلامة بن جندل(( )):
وشرّ ُالأخلاءِ الخَذُولُ، وخَيْرُهُمْ
نَصِيُركَ في الدَّهياءِ حينَ تنُوبُ

ولعلّ ذلك من أسباب الدعوة إلى مصاحبة الأخيار، يقول عديّ بن زيد(( )):
إذا كنتَ في قومِ فصاحبْ خيارَهُمْ
ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الرَّدي

ويقول ذو الإصبع العدواني يوصي ابنه(( )):
آخِ الكرامِ إن اسْتَطَعْـــ
تَ إلى إخائهمِ سَبيلا

واشْرَبْ بِكَأُسِهمِ وإنْ
شربُوا بهِ السُّمَّ الثَّميلاَ

أهِنِ اللئامَ ولا تكُنْ
لإخِائهمْ جَمَلاً ذلُولا

إنَّ الكرامَ إذا تُوا
خيهمْ وجدْت لهمْ فُضُولا

فالجاهلي يحرص على تكوين صداقات مع أناس كرماء، تتطور بهم حياته؛ فهم أنصاره على مصاعب الحياة، وهم أنسه في اقتطاف مباهجها(( ))، ولا غرابة، والحال كذلك، أن تعظم الصداقة في نفوس الجاهليين؛ فالجاهلي يقبل بشهادة أصحابه كقول حاتم الطائي(( )):
فلا تَسْأَلِيني واسألي بي صُحْبَتي
إذا ما المَطيُّ بالفلاةِ تَضَوَّرا

وقبول حاتم بشهادة أصحابه على صبره وبلائه دليل على تعظيمه للصداقة تعظيماً يُذكر باستشهاد الصريح على حسن بلائه في الحياة بأقاربه، ومثل ذلك التفدية بالأصحاب كقول المعرور التيمي لكلدة بن الحارث التيمي(( )):
فداءٌ خالتي وفدىً صديقي
وأهلي كلّهمْ لأبي قُعَينِ

إنه يفدي أبا قُعين بأغلى الناس، بأقاربه من جهتي أمه وأبيه، وبصديقه، والجمع بين الأقارب والصديق ها هنا يوحي بتقارب منزلتهما في نفس الشاعر.
إنّ ما ذُكر عن الصداقة في الصفحات الآنفة يستدعي إلى الذاكرة ما قيل عن ترابط المنتمين إلى نسب صريح واحد؛ فالحقوق الواجبة للصديق على صديقه شبيهة بما يجب للقريب على قريبه، والصداقة، مثل النسب الصريح، تمنح المرتبطين بحبالها رعاية وأمناً، وتحظى باحترام الجاهليين وتقديرهم، فهل كانت رابطة الصداقة وجهاً آخر لرابطة النسب الصريح في الجاهلية؟
لقد كانت أغلب تفاعلات الإنسان الجاهلي مع أخيه الإنسان تتم داخل دائرة الجماعة القبلية التي ينتمي إليها، ولذلك يتوجب أن يكون أصدقاء الجاهلي على الأغلب من المنتمين إلى دائرة انتمائه القبلي؛ وفي الشعر ما يدل على أن القريب قد يكون صديقاً، كقول عامر بن الطفيل يرثي ابن أخيه عبد عمرو بن حنظلة بن الطفيل(( )):
وهَلْ داعٍ فيُسمِعَ عبدَ عمروٍ
لأُخْرَى الخَيْلِ تَصْرَعُها الرّماحُ

فلا وأبيكَ لا أنْسى خَليلي
بَبدوَةَ ما تَحَرَّكتِ الرياحُ

وكُنْتَ صَفِيَّ نَفْسي دون قَوْمي
وَوُدّي دُونَ حامِلةِ السِّلاحِ

فالصداقة ها هنا رابطة جديدة تضاف إلى رابطة النسب وتقويها، فابن الأخ صفي وودّ لعمه دون قومه عامة، ودون فرسانهم خاصة، فهل كانت القرابة النسبية شرطاً مسبقاص للصداقة؟
ليس في الشعر الجاهلي ما يشير إلى وجوب أن يكون الصديق قريباً نسبه، ولكن فيه ما يوحي بالتعصب للنسب الصريح، فالجاهلي حين يفخر بأصدقائه وندمائه، يترنم بأنسابهم الصريحة، كقول عمرو بن قميئة(( )):
وندمانٍ كريمِ الجدِّ سَمْحٍ
صَبَحْتُ بسُحْرةٍ كأساً سَبيّا

وقول نبيه بن الحجاج(( )):
وندامَى بيضُ الوُجوه كهولٌ
وشبابٌ أسهرتُ ليلاً طويلا

غير هُجنٍ لا لئامٍ ولا تعـــ
ـرفُ منهم إلاّ فتىً بُهلُولا

فنديم عمرو كريم الجدّ، وندامى نبيه غير هجن ولئام. وافتخر أبو كبير الهذلي بأنّه يصحب إلى الحرب لداتٍ أصفياء لنفسه، صرحاء، ليست أمهاتهم أمهات سوء(( )).
إنّ فخر الجاهلي بصراحة نسب أصدقائه لا ينفي إمكانية أن يكون نسبهم بعيداً عن نسبه، وإنّ في تفاعل الإنسان الجاهلي مع غيره خارج دائرة انتمائه القبلي ما يحتم حدوث صداقات بين أناس من قبائل شتىً، وقد أظهرت الأخبار والأشعار الجاهلية عدداً منها؛ فخفاف بن ندبة السُّلمي كان نديماً وصديقاً لحضير الكتائب سيد الأوس، وقد قتل حضير، فرثاه خفاف(( ))، وكان بين رجل من طيىء والربيع وعمارة ابني زياد العبسيين مودة، فقال يرثيهما(( )):
فإنْ تكنُ الحوادِثُ جَرَّبتني
فَلَمْ أرَ هالكاً كأبْنَي زيادِ

هُمَا رُمحانِ خطّيانِ كانا
من السُّمرِ المثقفةِ الصِّعادِ

تُهالُ الأرضُ إنْ يطآ عليها
بمثلهما تُسالمُ أو تُعادي

وهكذا نجد أن أصدقاء الإنسان الجاهلي قد يكونون أقارب أو أباعد، وبذلك يكون فخر الجاهلي بنسب أصدقائه الصريح ليس تعصباً للانتماء النسبي بل مظهراً متطوراً له؛ فالجاهلي يهتم بالنسب الصريح لأصدقائه، ولكنه لا يشترط القرابة النسبية لإقامة الصداقة، وفي ذلك تجاوز متطور لدائرة الانتماء النسبي، يقول الأعشى موصياً ابنه(( )):
فإنَّ القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نَفْسَهُ
لَعْمرُ أَبِيكَ، لا مَنْ تنسَّبا

ويقول أكثم بن صيفيّ: ((القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة))(( ))، وبذلك تكون الصداقة، والمودة شرط لازم لها، أشملمن القرابة النسبية؛ فالمودة قد تقع بين الأقارب، وقد تقع بين الأباعد، ولعلّ أشمل علاقة ودّ ذُكرت في الشعر الجاهلي قول المتلمس الضبعي، في مقتل طرفة بن العبد(( )):
منْ مُبْلغُ الشُعراءِ عن أخَوَيْهمُ
خَبَراً، فَتَصْدقَهمُ بذَاكَ الأنْفَسُ

أودَى الذي عَلِقَ الصَّحيَفَة منْهُما
وَنَجا- حِذَارَ حبائِهِ- المتَلمِّسُ

أَلقْىَ صَحيفتهُ ونَّجَّتْ كُورَهُ
عَنسٌ مُداخَلةُ الفَقَارةِ عِرمِسُ

فالشعراء إخوة، ولذلك راح المتلمس يحذرهم من غدر عمرو بن هند ملك الحيرة؛ فذكرهم ما فعله بأخيهم طرفة، وبأخيهم المتلمس، وقد عبّر المتلمس بذلك عن وعيه بوجود رابطة تجمع بين الشعراء، وهي رابطة مهنية لا نسبية؛ فالشعراء إخوة لأنهم يمتهنون إبداع الكلمة الشاعرة، ولأن لهم هموماً مشتركة، ولأن لهم أساليب متشابهة في التفاعل مع تلك الهموم.
ولكن ما يحصل حين يقع الشر بين قبيلتي رجلين بينهما روابط مودّة وصداقة؟ في الإجابة عن ذلك التساؤل يقول إحسان النص: ((وهنا أيضاً نجد أن العصبية تفصم عرى هذه المودة، وسرعان ما تنقلب صداقة الرجلين إلى ضدّها، فإذا كل منهما للآخر عدوٌّ مبين))(( )) ولكن القول السابق لا يصدق دائماً؛ ففي أخبار الجاهلية ما يدل على أن عرى الصداقة مقدمة على عرى العصبية عند بعض الجاهليين؛ فقد مكّن خداشُ بن زهير العامري قيسَ بن الخطيم الأوسيّ من قتل قاتل جدّه، وهو ابن عمّ لخداش، وذلك تعبير عن وفاء خداش لرابطة الصداقة التي كانت تربطه بوالد قيس(( )).
في الإجابتين السابقتين يتجلّى الجدل بين انتماءين، يتلاقيان وينتجان قيماً متطورة؛ فبين الأصدقاء، سواء أكانت أنسابهم قريبة أم متباعدة، رعاية ومودّة وتناصر وتعاون واحترام؛ وكانت الصداقة سبباً في قبول الصريح بالقيام بأعمال يأنف منها عادة؛ فالأنفة من القيام بأعمال الخدمة تعصباً للنسب تتضاءل أمام رابطة الصداقة؛ فالصديق، ولاسيما في السفر، يبادر على خدمة رفاقه، يقول الشماخ يمدح فتى كريماً(( )):
وأشعثَ قدْ قدَّ السِّفارُ قَمِيصَهُ
وَجَرُّ الشِّواءِ بالعَصَا غيرَ مُنْضَجِ

فهذا الفتى يبذل نفسه، ولا يصونها عن التعمل في السفر، فتقطع قميصه لتحمله عن أصحابه أثقال المهن، وهو فتى كريم إن دعوته أجابك، وأسرع إل نجدتك، وافتخر عمرو بن شأس بمثل ذلك فقال(( )):
وإنّي لأشوي للصّحَاب مَطيَّتي
إذا نزلوا وَحْشاً إلى غيرِ منزلِ

إنه يفخر بشواء اللحم لأصحابه، وبمثل ذلك رثت الخنساء صخراً، فقالت(( )):
فظلَّ يُشوّي لأَصحابهِ
وظلَّ يُحيَّا، وظلُّوا شُروبا

تلك هي الصداقة، إنها تحالف بين شخصين أو عدة أشخاص، وكل صداقة تشكل انتماء صغيراً داخل المجتمع الجاهلي، ويبدو من كثرة أحاديث الشعراء عن الصداقة أنها كانت شائعة، ومؤثرة في الحياة الاجتماعية. وانتماء الصداقة أساسه الاختيار والاصطفاء، ولذلك يكون قابلاً للاستمرار وللانقطاع أيضاً؛ فالعلاقة الجدلية بين الأصدقاء قد تؤدي إلى تمتين عرى الصداقة، حين تتقارب أهواؤهم ومشاربهم، وتتشابه أقوالهم وأفعالهم، فمجموعة الأصدقاء تتشكل من أشخاص متشابهين، يقول طرفة(( )):
عَنِ المْرءِ لا تَسْألْ وأَبْصِرْ قَرينهُ
إنَّ القَرينَ بالمُقارنِ مُقْتَدِ

وقد تؤدي العلاقة الجدلية بين الأصدقاء إلى انفراط عقد الصداقة حين تتنافر قلوبهم، وتتضاءل مصالحهم المشتركة؛ فالنابغة الجعدي لا تنقاد نفسه إلى صديق ماكر مخادع، ولا يرى حلاًّ لذلك إلا بهجره(( ))، وعبيد بن الأبرص لا يبتغي ودّ امرىء قلّ خيره، ولكنّه يصل الصديق، ولا يتجنبه، يقول عبيد(( )):
ولا أبتغي ودَّ امرىءٍ قَلَّ خَيرُهُ
وما أنا عَنْ وَصْلِ الصديقِ بأَصْيَدِ

ولماذا لا يتجنب الصديق؟ الجواب في الشطر الأول!
***
إن الصداقة، وكذلك تحالف الأفراد، والجماعات، تقوى بوجود المصالح المشتركة، وتتضاءل بضعف تلك المصالح، ولقد أضاف التحالف إلى الانتماء النسبي انتماءات جديدة تطورت بها الحياة الجاهلية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً؛ فقد سمحت بالتواصل بين القبائل، وكذلك بين الأفراد، بناء على وجود مصالح مشتركة لا أنساب مشتركة فقط، وبذلك انتقل الإنسان الجاهلي خطوات نحو تقبّل فكرة التعايش مع الآخرين، وتحت رايتهم أيضاً.
وإذا كان التقارب المكاني سبباً مهماً في عقد الحلف فإنه سبب لازم لرابطة اجتماعية عظيمة الأهمية في المجتمع الجاهلي، وهي رابطة الجوار، وفيما يلي بيان لذلك.
***
2- الجوار:
بين الحلف والجوار تقارب؛ فكلاهما أسهما في تعايش الإنسان الجاهلي مع أخيه الإنسان، وإن كان بعيداً عنه نسباً؛ فلفظة (الجار) لها معان كثيرة منها: الحليف والناصر(( )). وإنّ في لفظة (الناصر)، وهي مشتركة بين الحليف والجار، ما يظهر إبداء أهمية الجوار في تأمين الحماية والرعاية للإنسان الجاهلي.
أ- أنواع الجوار:
لما كانت المساكنة معنى رئيساً في الجوار(( )) فإنّ المجاورة ظاهرة لها وجود موضوعي قديم يسبق الحلف، ويفوقه اتساعاً وشمولاً؛ فكلّ تجمع إنساني قائمٍ على المساكنة تجمعُ بين أفراده رابطة الجوار؛ فالأقارب الذين يسكنون معاً تجمع بينهم رابطتان: النسب والجوار معاً(( ))، والأباعد الذين يسكنون معاً تربط بينهم رابطة الجوار مضافة إلى انتماءآتهم النسبية المختلفة والمتباعدة. والأباعد المتجاورون هم وحدهم مدار الحديث ها هنا(( ))، لأن الجوار رابط رئيس يجمع بينهم، فينتمون إليه، ويتفاعلون تحت ظلاله.
والجوار: ((أنْ تُعطي الرجل ذمةً، فيكون بها جارك، فتجيره.... واستجار طلب أن يُحار، وأجاره أنقذه، وأعاذه))(( )).
وحين لا تكون بين المجبر والمجار قرابة نسب يدعى المجار بالجار الجنبُ، فهذا من يجيء إلى من تُرجى نصرته ((ويسأله أن يجيره، أي: يمنعه، فينزل معه، فهذا الجار الجنب له حرمة نزوله في جواره، ومنعته، وركونه إلى أمانه وعهده))(( ))، وفي ذلك يظهر الفارق الدقيق بين الحلف والجوار؛ فالأصل في الحلف المعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، أي: على تبادل المصالح بين أطراف متكافئة، وأما الأصل في الجوار فهو طلب الضعيف النصرة والمساعدة من القوي. وهذا يعني أن المنتمين إلى رابطة الجوار غير متكافئين، ولكن ذلك لا ينفي وجود مصالح مشتركة تتطور بها حياتهم، باختيارهم الواعي لتلك المصالح.
إن الانتماء إلى رابطة الجوار أساسه عقد اختياريّ بين أطرافها، وهذا الاختيار يكون تلبية لطلب إجارة يقبل به المجير، وهو غير ملزم بقبول إجارة من يلجأ إليه، فقد تمتنع الجماعة عن إجارة اللاجىء إليها رغبة في تجنب حروب قد ي***ها ذلك الجوار(( ))، وقد تأبى الجماعة أو الفرد إجارة اللاجىء لفقر أو بخل أو ضعف، ويدل على ذلك قول معاوية بن مالك مفتخراً بقومه(( )):
بل لا نقولُ إذا تبوَّأَ جيرةٌ
إنَّ المَحَلةَ شِعْبُها مكدودُ

إذ بَعْضُهمْ يَحمي مراصِدَ بيتهِ
عنْ جارهِ، وسبيلُنا مَوْرودُ

إن نفي معاوية لصفة الامتناع عن إجارة المعوزين والمخوفين عن قومه يثبتها لغيرهم، ويدل بذلك على أن لطالب الإجارة أن يقصد من يرغب بجواره(( ))، وعلى أن للمرغوب أن يقبل أو يرفض جوار ذلك الطالب.
وثمة أنواع من الجوار لا تحتاج إلى تعاقد أطرافها تعاقداً رضائياً مباشراً، فالأعراف الجاهلية ترى أن التقارب المكاني وحده كاف ليكون حرمة بين المتقاربين، ولربطهم برابطة الجوار؛ فالمستجير بالقوم له حرمة تبدأ بطلب الاستجارة، وإن لم ينل الموافقة عليها، وكانوا يسمّون ذلك المستجير هديّاً، يقول زهير ذاكراً حرمة الهديّ، وحرمة الجار(( )):
فلمْ أَرَ مَعْشَراً أسروا هَدِيّاً
ولم أرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَباءُ

وشبيه بذلك من يجالس قوماً، فإنّ له حرمة عندهم تشبه حرمة من يجاورهم، ويدل على ذلك قول زهير(( )):
وجارُ البيتِ والرَّجُلُ المنادي
أمَامَ الحيِّ عَقْدهُمَا سَوَاءُ

ومن ذلك أيضاً اجتماع قبائل شتىً في مكان واحد أيام الكلأ، فتقع بينهم الألفة، ويكون تجاورهم حرمة بينهم، ويقال لأولئك المجتمعين: خليطٌ. يقول وعلة الجرمي مظهراً حرمة الخليط، وشبهه بالجوار(( )):
سائِلْ مجاوِرَ جرمٍ: هل جنيتُ لهُمْ
حرباً، تُفرقُ بين الجيرة الخُلُطِ؟

وأما الظاهرة الأكثر شبها بالجوار فهي الضيافة، ولطالما ربط الشعراء بين الضيافة والجوار(( ))، بل إنّ متمم بن نويرة كان يرى أن الضيافة هي الجوار ذاته، وذلك في قوله. يرثي أخاه(( )):
وكانَ إذا ما الضيفُ حَلَّ بمالكٍ
تَضَمَّنهُ جارٌ أَشَمُّ مَنيعُ

وما ذلك إلا لشدة تقارب الأسباب الموجبة للضيافة والموجبة للجوار، ولتشابه المصالح المحققة في ظلِّ كلٍّ منهما.
ولأن الجوار، وشبهه، انتماء اختياري ينعقد برضا الأطراف المشاركة فيه، فإن فكَّ عرى ذلك العقد حقّ لأي طرف فيه، فالمجير قد يجد أن المجار سيقوده إلى حرب لا يودُّ خوضها، فيؤذنه بفكّ الجوار؛ فقد طلب حاجب بن زرارة من الحارث بن ظالم وكان في جواره، أن يتنحى عنه، رغبة في تجنب محاربة بني عامر، وكان لهم ثأر عند الحارث، فغضب الحارث، وهجا حاجباً، ولكن حاجباً دافع عن نفسه بأبيات منها قوله(( )):
لَعَمْرُ أبيكَ الخَيْرِ يا حارِ إنَّني
لأمَنْعُ جاراً من كليبِ بن وائلِ

ولكنَّني لا أبَعْثُ الحربَ ظالماً
ولو هِجْتُها لَمْ أُلفَ شحْمَةَ آكلِ

وقد يقع شرّ بين قوم المجير وقوم المجار، فيطلب المجيرون من المجار أن يرحل عنهم(( ))، أو يطلب المجار الأذن بالرحيل(( ))، ولكن أمان المجير للمجار لا ينقطع ساعة الإذن بالارتحال بل يُمهل المجار ثلاثة ليالٍ وهي خفرة الجار، وبعدها يحقّ لقوم المجير أن يلحقوا الشرّ بالمجار إن كان لهم عنده ثأر أو كانوا يخشون أن ينالهم مكروه من قبله(( )).
وقد تنحل عرى الجوار بانتفاء السبب الموجب له؛ فالعرب ((كانوا يتجاورون في الشتاء لشدة الزمان، وعدم الخصب، وكثرة غارة بعضهم على بعض، فإذا أقبل الصيف رجع كل جار إلى أهله ومحضره))(( )). فرابطة الجوار انتماء مؤقت، وكذلك ما يشبه الجوار، يقول الحطيئة(( )):
وإنَّ الجارَ مِثْلُ الضَّيْفِ يَغْدُو
لوجْهَتهِ، وإنْ طالَ الثَّواءُ

فالجوار قد يطول، ولا يكون ذلك إلا باستمرار توافق مصالح المشاركين فيه، ولمعرفة تلك المصالح يحسن أن نتعرف الدوافع إلى طلب الاستجارة.
***
ب- دوافع الاستجارة ومنافعها: إن من يطلب الجوار وشبهه في الأباعد نسباً يكن مستضعفاً على الأغلب، ويستوي في ذلك الأفراد والجماعات؛ فالمستجير قد يكون طريداً، مطلوباً دمه، يقول شيبان بن دثار النمريّ يمدح مجيره الزبرقان بن بدر(( )):
منْ يَكُ سائلاً عنِّي فإنّي
أنا النَّمريُّ جَارُ الزَّبْرقَانِ

طريدُ عَشيرةٍ وَطَرَيدُ حَرْبٍ
بما اجَتَرَمتْ يَدي وَجَنَى لِسَاني

كأني إذْ حَلَلْتُ به طريداً
حَلَلْتُ عَلَى المُمَنَّع مِنْ أبانِ

وقد يكون المستجير فقيراً محتاجاً، يقول راشد بن شهاب اليشكري يفخر بقصر بناه في اليمامة(( )):
ويأوي إليه المُسْتَجيرُ مِنَ الرَّدى
وَيَأوي إليه المُستَعيض مِن العَدمْ

وقد يكون المستجير مسافراً، يرغب بالجوار ليأمن أخطار الطريق، يقول زهير يمدح بني مُرة(( )):
ولستُ بلاقٍ بالحجازِ مُجاوراً
ولا سفراً إلا لهُ منهمُ حبلُ

وقد يكون طالب الاستجارة أسيراً ينشد الفكاك من الإسار، فيجد من يسمع نداءه، ويسارع إلى إجارته، وفدائه(( )).
ولكنَّ بعض المستجربين كانوا سادة قبائل؛ ففي حرب الفجار كان قيس بن زهير سيد بني عبس جاراً لعوف بن الأحوص الكلابي العامري(( ))، ومن المرجح أن يكون جوار السادة في غير قبائلهم له دوافع سياسية؛ ففي حرب الفساد التي احتدمت داخل طيىء آثر بعض السادة اعتزال تلك الحرب، فتركوا قبائلهم، وجاوروا في غيرها، ومنهم حاتم الطائي الذي جاور بني بدر الفزاريين، وقال يمدحهم(( )):
جاورتُهُمْ زمنَ الفسادِ فنعْــ
ــمَ الحيُّ في العوصاءِ واليُسرِ

وأما جوار الجماعات فيكون في حالتين: حاجة الجماعة إلى المراعي الخصبة أو حاجتها إلى مسالمة أعداء أقوياء؛ فمن الأولى قول الطفيل الغنوي يمدح بني سعد بن عوف(( )):
جَزَى اللّهُ عَوْفاً من مَوَالي جَنَابةٍ
وَنَكراءَ خَيْراً، كلُّ جَارٍ مُوَدَّعُ

أباحوا لنا قوّاً، فرمَّلَة عالجٍ
وَخَبْتاً، وَهَلْ خَبْتٌ لنا مُتَرَبَّعُ؟

نَشُقُّ العِهَادَ الحُوَّ لم ترعَ قَبْلَنا
كما شُقَّ بالمُوْسَى السَّنامُ المُقَلَّعُ

إنه يدعو لبني عوف بالخير، فهم غرباء بعداء، ولكنهم قبلوا إجارة قوم الشاعر، فأباحوا لهم أراضيهم، يرعونها قبل غيرهم، وهي مراعٍ ليست لقوم الشاعر صلة بها إلا صلة الحوار بأصحابها؛ ومن الثانية إجازة حصن بن حذيفة لبني عبس حين تصالحت عبس وذبيان(( )). وقد تجتمع في جوار واحد الحالين؛ فبنوفهم احتاجوا إلى موادعة أعدائهم بني صاهلة، وإلى الرعي في أراضيهم، فقبل بنو صاهلة إجارتهم، وقالوا: ((قد أجرناكم، فارعوا في أرضنا حيث شئتم))(( )).
وإذا كان أغلب المستجيرين مستضعفين، فإن أغلب المجيرين أقوياء؛ فقوتهم لازمة، ليكونوا قادرين على النصرة والإعانة، فالملوك يجيرون من يلجأ إليهم ومن يرغبون بقربه منهم، وقد مدح النابغة الذيباني جوار الغساسنة، فقال(( )):
لا يُبْعِدُ اللهُ جِيراناً تَرَكْتُهمُ
مِثُلَ المَصَابيحِ تَجْلو لَيْلَةَ الظُّلمِ

وكان السادة يجيرون، وكانت قبائلهم تجيز جوارهم غالباً(( )). وقد أجار بعض السادة على الملوك، فعاذ بهم الهاربون منهم(( )) وأمضى بعض الملوك جوار بعض السادة عليهم، فأمنوا من قدم إليهم محميّاً بجوار أولئك السادة(( )).
وكان للمرأة مشاركة في الجوار؛ فقد أجارت ريطة بنت جذل الطعان الكنانية دريد ابن الصمة الجشمي، وكان أسيراً في قومها، فقبل قومها إجارتها لدريد، وأطلقوا سراحه(( )). وريطة هي ابنة سيد قومها، وزوج فارسهم ربيعة بن مُكدَّم، ولعلّ في ذلك ما يفسر قبول قومها بإجارتها لأسيرهم.
ولأن القوة شرط لازم للمجير كان المغترب عن قومه لا يستطيع أن يجير أحداً، وهو مقيم بعيداً عنهم، يقول الأعشى في اغتراب الإنسان عن أهله(( )):
متى يَغْتَربْ عَنْ قَوْمِهِ لا يَجْد لَهُ
عَلَى مَنْ لهُ رَهْطٌ حَواليْهِ مُغْضَبَا

وليس مُجِيراً إنْ أتَى الحيَّ خائفٌ
ولا قائلاً إلا هُوَ المُتَعيِّبا

وأما ادعاء طرفة بن العبد بأنَّ جار قومه يُجيرُ من يلجأ إليه(( )) فمن المرجح أنه مبالغة من الشاعر في وصف قومه بالعزة، وبإكرامهم الجار، ومما يرجح ذلك أن الأخنس بن شريق الثقفي- كان حليفاً لقريش، ومقيماً في مكة بعيداً عن موطنه الطائف- قال حين طلب منه إجارة الرسول (صلى الله عليه وسلم): ((إنَّ حليف قريش لا يجير على صميمها))(( )). ومما يؤكد أن الأضعف لا يجير على الأقوى قول سهيل بن عمرو العامريّ حين طلب منه إجارة الرسول(ص):((إنَّ بني عامر بن لؤي لا تُجير على بني كعب بن لؤي!)(( )) ومن المعروف أن بني كعب أعظم منزلة في قريش من بني عامر.
الجوار- إذاً- علاقة بين قويّ (مجير) وضعيف أو مستضعف (مُجار)، ويندر أن يكون المجار ذا شوكة كحاتم الطائي أو قيس بن زهير العبسيّ. وإذا كان الجوار كذلك فإن المجار له مصلحة بالانتماء إلى من يُجيره، فهل كان للمجير مصلحة في الانتماء إلى من استجار به؟. إن الإجابة عن التساؤل السابق يمكن إنّ تغدو أكثر وضوحاً ببيان المصالح التي تتحقق للمجارين بانتمائهم إلى رابطة الجوار.
إنّ للمجارين منافع كثيرة تتحقق بانتمائهم إلى رابطة الجوار. فبها يحظى المجار بالحماية والأمن. يقول أبو دؤاد مفتخراً بقومه(( )):
تَرَى جَارنَا آمناً وَسْطَنا
يَرُوحُ بِعَقْدٍ وَثيقِ السَّبَبْ

وإذا قُتل الجار فعلى مجيره أن يطلب بدمه(( ))، وإذا أُسر فعلى مجيره أن يفكَّ أسره، يقول حاتم الطائي(( )):
أمَاويَّ، إنّي ربَّ واحدِ أمّهِ
أَجَرْتُ فلا قَتْلٌ عليهِ ولا أَسْرُ

والحماية لا تقتصر على الأنفس بل تتعداها إلى الأموال، ومن الشعر الدال على ذلك قول امرىء القيس يحمد جوار بني ثُعل الطائيين(( )):
أَبَتْ أجأٌ أنْ تُسلِمَ العامَ جارَها
فمنْ شاءَ فَلْيَنْهَضْ لها من مُقَاتِلِ

تبيتُ لبوني بالقُرَيَّة أُمَّناً
وأسْرَحُها غِباً بِأَكنْافِ حائِلِ

بنو ثُعَلٍ جيرانُها وحَمُاَتُها
وتُمْنَعُ منْ رُماةِ سَعْدٍ ونائلِ

فأموال المجار تحظى بالرعاية والحماية فتنمو، وتكثر، وفي ذلك يقول عمرو بن الخثارم البجلي يمدح بني أفصى(( )):
ألا منْ كان مُغْتَرباً فَإنّي
لغُرْبته على أقصَى دليلُ

يُغَنَونَ الغنيَّ على غناهُ
وَيَثروُ في جوارهم القليل

فالغني في جوار بني أفصى يزداد غنىً، والفقير برعايتهم وحمايتهم ثرياً.
وفي أخبار الجاهلية وأشعارها ما يدل على المبالغة في حماية الجار ورعايته، وفي الحفاظ على أمواله. والحرص على نمائها؛ فبنو بجيلة كانوا ((إذا جاورهم جار عمدوا إلى ماله فأحصوه، ودفعوه إلى ثقة، فإنْ مات له شاة أو بعير أخلفوه عليه حتى ينصرف موفوراً، فإن مات قبل أن يصير إلى وطنه ودوهُ، وإن قتل طلبوا بدمه(( )). وبنو بجيلة ليسوا حالة خاصة، فقد وصف زهير إكرام بني عُليم الكلبيين لجارهم بقوله(( )):
ضَمْنُتمُ مَاَلهُ، وغَدا جَميعاً
عليكُمْ نَقْصُهُ، وَلَهُ النَّماءُ

ومدح الحطيئة جوار قوم فقال(( )):
همُ المتضمنونَ على المنايا
بمالِ الجار ذلكمُ الوفاءُ

وعلى المجير أن يقدّم للمجار المحتاج الطعام، ولا سيما في أوقات المحل، حتى يغدو المجار كأنه واحد من أهل المجير، ومن الأشعار الدالة على ذلك قول يزيد بن حمانَ السكوني يمدح بني شيبان(( )):
ومن تكَرمِهم في المَحّلِ أنَّهُمُ
لا يَعْلَمُ الجارُ فيهْم أنَّهُ الجَارُ

فكثرة إكرام بني شيبان لجارهم في أوقات المحل تجعله في شكِّ، فيتساءلُ أهو من جيرانهم أم من صميمهم، وقد بالغ بعض المجيرين في إكرام جيرانهم، ومنهم حاتم الطائي الذي يقول(( )):
إذا كانَ لي شيئانِ يا أمَّ مالكٍ
فإنَّ لجاري مِنْهمُا ما تَخَيّرا

وفي واحدٍ إنْ لم يَكُنْ غَيْرُ واحدٍ
أراهُ لَهُ أهْلاً إذا كانَ مُقترا

إنّه يشارك الجار بما عنده، ويسمح له باختيار الأفضل، فإذا كان الجار محتاجاً فإن حاتماً يؤثره على نفسه.
لقد حظي المجار بالحماية والرعاية لنفسه ولأمواله، كما حظي بالضمان الجواريّ ضد الفقر والحرمان. وإلى جانب ذلك نعم المجار بالحصانة ضد كلّ ما ينتهك حرماته، فمن أكرم صفات الإنسان الجاهلي أن يحافظ على شرف جاراته، فلا يُرمين من قبله بسوء، ولطالما افتخر الشعراء بالحفاظ على شرف الجارة، وحصانتها، كقول عروة بن الورد(( )):
وإنْ جارتي ألوتْ رياحٌ ببيتها
تغافلتُ حتى يسترَ البيتَ جانبُهْ

وقول زهير(( )):
وجاريْ ليس يَخْشَى أَنْ أُرَنَّي
حَليَلتهُ بسرٍّ أو عِلانِ

وفي الشعر الجاهلي ما يدل على أن للجارة حصانة ترقى إلى مستوى حصانة نساء الجاهلي، ونساء أقاربه وأصحابه، ومن الشعر الدال على ذلك قول قيس بن الخطيم(( )):
ومِثْلِكِ قد أصْيَبْتُ لَيْسَتْ بِكنَّةٍ
ولا جارَةٍ، ولا حَليلةِ صاحبِ

إنه يستميل النساء إليه غير الكنات، والجارات، ونساء الأصحاب، فإنّ لهؤلاء، حرمات يمتنعن بها، فلا يميل إليهن.
والحرص على شرف الجارات وحصانتهن لا ينفي إمكانية أن تميل بعض قلوب المتجاورين إلى بعضهن، وقد صرح بعض الشعراء بميلهم إلى جاراتهم(( )). وفي تصريحهم ما يدل على أن حبّ الجار لجارته ليس معيباً، ما دام مقصوراً على إبداء العواطف. وأما القرب منها طلباً لوصالها فأمر معيب؛ فالشاعر الأعشى على مجونه يقول(( )):
ولا تَقْرَبنَّ جارةً إنَّ سِرَّها
عليكَ حرامٌ، فانكِحَنْ أو تَأبِّدا

فالجارة محرّمة، وعلى الراغب فيها أن يتزوجها، وفي ذلك إقرار ضمني بالحرمة المطلقة للجارة المحصنة أو أن يتعفف، ويتركها لشأنها، وقد اشترط الأعشى للزواج بالجارة إلا يكون بهدف استغلالها، وذلك في قوله يمدح سلامة ذا فائش الحميري(( )):
وَقَوْمُكَ إنْ يَضْمَنوا جَارةً
يَكُونوا بِمَوْضِعٍ أنْضَادها

فَلَنْ يطلُبوا سِرَّها للغْنَى
ولن يُسلمُوها لإزْهَادِها

فقوم سلامة إذا جاورتهم امرأة يقومون مقام أهلها، ولا يطمعون في مالها، فيسعون إلى الزواج منها إن كانت غنية، ولا يضيقون بها إن كانت فقيرة، إن الأعشى لا يرتضي العبث بالجارات، كما لا يرتضي الزواج بهن إلا رغبة فيهن لا في أموالهن.
ومن إكرام المجار ألا يكافئه المجير على جهله بالجهل بل بالحلم(( ))، وأن يُدعى إلى مجالسة مجيريه على الشراب إن شربوا، وأن يشركوه في هزلهم ليأنس بهم(( ))، وألا يتجسسوا عليه، ولا يتتبعوا عيوبه(( )).
وبذلك يتبين لنا أن المجار يغدو آمناً في حصن الانتماء إلى رابطة الجوار على نفسه وماله وعرضه، ومحاطاً بالرعاية والأنس، ولا غرو- والحال كذلك- أن يرتضي كثير من الناس بالعيش في كنف ذلك الحصن(( ))، ولكن المثير للتساؤل هو إقدام المجير على بذل المساعدة والنصرة للمستجير، فما الدافع إلى ذلك؟
إن المجير، ومثله المضيف، يندفع إلى تقديم العون والنصرة التزاماً بعقد اجتماعي أقرّه المجتمع الجاهلي نتيجة لظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية قاسية عاشها الإنسان الجاهلي؛ فالفقر والجدب يدفعان إلى الجوار، فإذا عرفنا شيوع تلك الدوافع وأشباهها في المجتمع الجاهلي فسوف نستنتج أن ظاهرة الجوار كانت قيمة عليا رئيسة(( )) تحدّ من خطورة عوائق الأمن والتوحد والسلام، ونتفهّم تبجيل الجاهلي للجوار تبجيلاً يبلغ درجة القداسة أحياناً(( )).
ولذلك يمكن القول إن إكرام الجار واجب على المجير وحقٌ للمجار، يقول المثقب العبديّ(( )):
أُكرمُ الجارَ، وأرْعَى حَقَّهُ
إنَّ عِرفَانَ الفَتَى الحَقَّ كرمْ

فإكرام الجار حقّ، وعرفان ذلك دليل على طيب الجار، وكرم الأخلاق.
إن رعاية حقوق الجار تدعو إلى الفخر، وت*** الثناء والحمد(( ))، وبها تفاضل السادة، والأقوام، فأكثر الشعراءُ من تفضيل سيد على آخر، وقبيلة على أخرى بحسن الجوار(( ))، ومن ذمّ من يغدر بجيرانه(( ))، أو يتغافل عن إكرامهم ونصرتهم(( ))، وكان المجار، لأنه صاحب حقّ، يطالب مجيريه بحقوقه إن قصروا بها، ويهجوهم إن عجزوا عن أدائها(( ))، ويتحول عنهم إلى غيرهم، يقول العباس بن مرداس السلمي ناصحاً من يريد مجاورة غير قومه(( )):
فإنْ بوَّءوُك مَنْزِلاً غيرَ طائلٍ
غليظاً، فلا تَنْزِلْ به وتَحَوَّلِ

وقد ينتقم منهم قبل التحول عنهم(( ))، أو بعده(( ))، وقد يجد من يؤازره من الجاهليين الذين يرون وجوب رعاية كائناً من كان، وأينما كان؛ فالعباس بن مرداس السلمي أهمَّه أمر رجل من قضاعة جاور قيس بن عاصم التميمي، فأحسن جواره، ثم انتقل القضاعي إلى جوار رجل من طيىء، فوثب على القضاعي رجال طائيون، فقتلوه، وأخذوا أمواله؛ فأنشد العباس أبياتاً مدح فيها قيساً، وهجا الطائي(( )).
إن المصلحة الأولى التي تتحقق للمجير حين يُحسن الجوار أنه ينال الحمد والثناء والرفعة، ويشعر بالفخر والاعتزاز لأنه أدى عملاً أرضى به المجتمع، وأكد به قوته المهيبة، وخلقه القويم، وتفضّله على غيره بالنصرة والرعاية(( )). وأمّا المصلحة الثانية التي تتحقق للمجير فهي تكثير قومه بأناس يوالونهم، وقد يدافعون عنهم بسيوفهم وألسنتهم؛ فحين أغار بنو عجل على بني منقر التميميين قاتل زيد الخيل الطائي مع جيرانه بني منقر، وأبلى بلاءً حسناً، حتى هزمت عجل(( ))، ولطالما مدح زهير بن سلمى المزني أخواله الذبيانيين، وكان مجاوراً فيهم، ولطالما دافع عنهم بشعره، وفي ذلك يقول كعب يفخر بوالده زهير(( )):
وكان يُحَامِي حينَ تَنْزِلُ لَزْبةٌ
مِنَ الدَّهرِ في ذُبيانَ إنْ حَوْضُها انْهُدَمْ

وثمة مصلحة آجلة تتحقق للمجير، فهو لا يضمن استمرار الحال التي هو عليها، فقد يحتاج إلى من يجيره، وقد يغدو مجاوراً من استجار به سابقاً، ومن الأخبار الدالة على إدراك الجاهليين لذلك أن بني فهم وبني صاهلة كانوا أعداء، فأجدبت بلادفهم، وخشوا على أنفسهم الهلاك، فجاءوا بني صاهلة، وقالوا لهم: أرعونا في بلادكم، وآمنونا حتى يقع بأرضنا غيث، فإن الأيام عُقبٌ، ولعلكم أن تبتغوا إلينا مثل ذلك يوماً من الدهر، وبعد حوار قيل لبني فهم: يا معاشر فهم، قد أجرناكم، فارعوا في أرضنا حيث شئتم(( )).
وهكذا نجد أن في الحوار الحسن مصالح لكلّ طرف فيه، وأن في تحققها ترتقي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للإنسان الجاهلي.
***
جـ- بين الجوار والنسب: إن العلاقة الحسنة بين المنتمين إلى رابطة جوارية دليل على تطور الانتماء النسبي عندهم. ولكن الإساءة إلى الجوار كانت وجهاً آخر للعلاقة بين المتجاورين؛ فقد وصف جعفر بن أبي طالب قومه في حضرة النجاشي، فقال: ((أيها الملك، كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف))(( ))، ومدح الحطيئة جوار قوم، فقال(( )):
جَاوَرْتُ آل مُقلدٍ فَحَمْدتُهُمْ
إذْ لا يكادُ أخو جوارٍ يُحْمَدُ

إنّ وصف جعفر لقومه يسيئون الجوار، وقول الحطيئة ((لا يكاد أخو جوار يحمد)) يظهر أن شيوع الإساءة إلى الجوار في أواخر العصر الجاهلي، ويوحيان بتطامن تلك القيمة آنذاك. فإذا عرفنا أن كثيراً من حوادث الإساءة إلى الجوار ترجع إلى طمع المجيرين في اغتصاب أموال المجارين(( )) فمن الممكن القول بأن ما شهدته الجزيرة العربية من تطور اقتصاديّ تسبب في بروز القيمة الماديّة ومزاحمتها لقيم حياة الحلّ والترحال، ومنها قيمة حسن الجوار، وهي من مكارم الأخلاق الجاهلية التي تتطلب ما يحضّ الناس عليها، ويلزمهم التَّمَسك بها.
ولكن التطور الاقتصادي ليس سبباً وحيداً لضعف قيمة حسن الجوار؛ فالعصبية إلى الانتماء النسبي كانت عائقاً يحول دون إقرار بعض الجاهليين بوجوب الإحسان إلى الحوار، فالذين اغتصبوا أموال جيرانهم كانوا يقدّمون أنفسهم وأقاربهم على جيرانهم؛ والذين حضّوا على قبول دفع الدية لأهل المجارحين يقتله أقارب المجير، وأنكروا الثأر له، كانوا بذلك يقدمون العصبية للانتماء النسبي على الجوار، ومما يدل على ذلك صراحة أن امرأة من أفصى كانت في جوار سلمى بن المُقْعَد الهذلي، فقتلها بعض أقاربه، ثم حضّوه على أخذ العقل لأهلها، وعلى ألا يثأر لها، وله يقول قيس بن عيزارة الهذليّ(( )):
بني كَاِهلٍ، لا تُنْغِلنَّ أَدِيمَهَا
ودَعْ عَنْكَ أفْصَى لَيْسَ مِنْكَ أديمُهَا

إنها دعوة صريحة إلى تقديم الانتماء النسبي على الجوار؛ فمقتل تلك الجارة الغربية في رأي قيس لا يوجب الثأر لها من الأقارب.
وفي مقابل ذلك كانت صلة المجاور بأهله لا تنقطع، فهو يشتاق إليهم، ويتوق إلى لقائهم(( ))، ويتسقط أخبارهم، فيفرح لانتصاراتهم، ويتغنى بها(( ))، ويتألم إن أصابهم مكروه(( )).وكان الأهل يتتبعون أخبار المجاور منهم في غيرهم، فيغضبون له إن قصر مجيروه في نصرته(( )). فالصلة بين المجاور وأهله سياج يسهم في حمايته، وفي ردع من يفكر بظلمه، وهي حصن يلوذ به المجارحين يتطاول عليه المجيرون؛ فحين فخر مزرد بن ضرار الذبياني بأنّ قومه أحلّوا كعب بن زهير في ديارهم(( )) غضب كعب، وانتسب إلى قومه، قائلاً(( )):
هُمُ الأصْلُ مني حيثُ كنتُ وإنني
مِنْ المُزَنِّيين المُصَفِّينَ بالكَرَمْ

وكان بعض المجاورين لذلك لا يرتضون التبعية لمجيرهم، فزهير بن أبي سلمى يفخر بأن نزوله في بني سهم الذبيانيين لا يجعله تابعاً لهم(( )) بل يرى أنه ندّ للذبيانيين إذ يقول(( )):
لذي الفَضْلِ مِن ذُبيانَ عِندي مَوَدَّةٌ
وَحِفْظٌ، ومَنْ يُلْحمْ إلى الشَّرِّ أنْسُجِ

الجوار - إذاً- لا يلغي الانتماء النسبي بل يضاف إليه، وفي الإحسان إلى الجوار يتطور الانتماء النسبي عند المجير والمجار معاً؛ فالمجار يلقى الرعاية والنصرة من قوم بعداء عنه نسباً فيلمس، ويدرك إمكانية تواصل الجماعات النسبية المتباعدة، وضرورة تعايشها من أجل مجابهة عوائق الحياة الامنة المتطورة، فكان المجاور حين يحسنُ إليه بشعر بقربه من مجيريه، فيمدحهم، ويفخر بهم، ويدافع عنهم كأنه واحد منهم، كقول زهير بن أبي سلمى المزني، وكان نازلاً عند أخواله، فبلغه أن سُليم تريد الإغارة عليهم(( )):
رأيتُ بني آلِ امرىء القيس أصْفَقُوا
علينا، وقالوا: إنّنا نحنُ أَكْثَرُ

إن زهيراً في قوله (علينا) يدخل نفسه في جملة الناس الذين يدافع عنهم، وهم أخواله، ومجيروه، فعبر بذلك عن عمق ارتباطه بهم، وشعوره بالانتماء إليهم.
وكان الجوار سبباً في المصاهرة، فقد جاور عبد الله بن عتمة الضَّبيّ في بني شيبان وتزوج منهم(( )). وقد تكون المصاهرة سبباً في الجوار أيضاً(( )). ويبدو من كثرة الأخبار والأشعار عن مجاورة الأولاد لأخوالهم أن المصاهرة بين المتجاورين كانت ظاهرة شائعة، وأن الجوار قد أسهم- إذ تسبب في المصاهرة- في تقارب الجاهليين وتوادهم.
وأما المجير فكان إحسانه إلى المجار الغريب دليلاً مادّياً على تطور انتمائه النسبي بالانفتاح على الآخرين، فالمجير يرتضي أن ينصر ويرعى غير أقربائه، ويهتم باكتساب الحمد والثناء من الأباعد لإحسائه إلى أناس غرباء عن نسبه(( ))، فاكتسب الجوار بذلك بعداً إنسانياً، وأضحى قيمة عليا تشمل النسب ولا تلغيه، فأخضع كثير من الجاهليين النسب للجوار إذ أبوا أن يظلم أقوامُهم جيرانهم، فدلّوا بذلك على تهذيب الجوار للانتماء النسبي، ومن الأخبار والأشعار الدالة على ذلك أن بني لحيان الهذليين قتلوا رجلاً خزاعياً وامرأته، وكانا في جوار أبي جندب الهذليّ، فقدم مكة، وأنشد فيها(( )):
إنّي امرؤٌ أبكي على جاريهْ
أبكي على الكعبي والكعبيهْ

ولو هلكتْ بُكَيَا عليَّهْ
كَانَا مكانَ الثَّوبِ من حَقْويَّهْ

ثم جمع بعض الخلعاء، وأغار على بني لحيان فقتل فيهم قتلى، وسبى نساءً، وله في ذلك أشعار(( )).
وفي مقابل ذلك كان بعض المجارين لا يتورعون عن تقديم مجيريهم على أقوامهم ومن ذلك قول يزيد بن حمَّان السكوني، وكان مجاوراً بني شبيان(( )):
إنّي حَمِدتُ بني شَيْبَانَ إذ خَمَدَتْ
نشيْرَانُ قَوْمِي، وفيهم شُبَّتِ النارُ

إنه يرفع منزلة مجيريه فوق منزلة قومه؛ فبنو شيبان يوقدون النار للضيوف، ونار قومهم خامدة.ولقد أسهم الجوار وشبهه في تواصل الجماعات، وحدّ من غلواء العصبية القبلية وكان قيمة جاهلية عليا، أقرتّها غالبية أفراد المجتمع، وتواصت باحترامها، والأخذ بها، فغدت رابطة الجوار انتماء يضاف إلى انتماءات الإنسان الجاهلي النسبية والمكانية وغيرها.
والجوار انتماء اختياري مؤقت، ولكن انفصام عراه، ولا سيما حين تطول مدته، لا يعني انقطاع الصلة بين أطرافه؛ فما يحصل لا يمكن إلغاؤه، فالمجير المسيء يجازي بالهجاء والوعيد، والمجير المحسن يكافأ بالمدح والمودة، وإن في قول الطفيل الغنوي: إنني ((بذي لطف الجيران قدماً مُفجعُ))(( )) ما يدلّ على استمرارية التعلق بالانتماء الجواريّ بعد افتراق أطرافه(( )).
***
تبين لنا في هذا الفصل أن أنشطة الإنسان الجاهلي في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد أنتجت عدة انتماءات أضيفت إلى النسب والمكان. وكانت هذه الانتماءات. واختلاف المواقف والآراء حولها ممّا يعبر بوضوح عن شدة التفاعلان الإنسانية، وتنوعها في العصر الجاهلي، وهي تفاعلات أظهرت أهمية إضافة تلك الانتماءات إلى الانتماء النسبي الصريح بخاصة، فقد طورته بالحذف والإضافة؛ فخفّ غلواء العصبية القبلية، وتعددت انتماءات الإنسان الجاهلي، واتسع نطاقها إذ عُرف الانتماء إلى الطبقة السياسية، وإلى الطبقة الاجتماعية، وإلى الحلف والجوار وشبههما، وظهرت بذلك ملاجىء- غير النسب- يحتمي بها الإنسان، ويجد فيها الرعاية، كما ظهرت في المجتمع انقسامات واتحادات وفق أسسٍ، وتلبية لحاجاتٍ دائرة الانتماء النسبي، ولا تلغيه، وتستشرف العقيدة الجامعة، والإرادة الفاعلة التي تلمّ شعث تلك الانتماءات، من أجل وحدة شاملة، وكيان سياسي قومي موحَّد، وانتماء عظيم يشمل الانتماءات الجاهلية المختلفة، ويعبّر عن بلوغها ذروة التطور. وفي الفصل التالي، وهو الأخير، رصد للتفاعلات الدينية، وللإرهاصات القومية العربية، وإشارة إلى قيام الدول العربية في المدينة المنورة.
***




الفصل الخامس

الانتماء الديني والعربي

إن التدين فطرة إنسانية تلبي حاجة الإنسان إلى الاستقرار النفسيّ، فالدين يقدم للإنسان إجابات عن تساؤلات كبرى تتعلق بوجوده وفنائه، وبحريته وعبوديته، وبثوابه وعقابه. واقتناع المتدين أوتسليمه بإجابة الدين عن تلك التساؤلات، وغيرها تكسبه الاستقرار النفسيّ، وتسهم في تكوينه العقلي، وفي توجيه سلوكه، وبذلك يغدو المنتمون إلى دين واحد متقاربين في أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم تقارباً تزداد أواصره بتشابه ظروفهم الموضوعية، وتقلّ باختلافها. وفي هذا الفصل تتبع للانتماءات الدينية الجاهلية، وبيان لأثرها في تقارب الجاهليين وتباعدهم، ويتلو ذلك بيان لإرهاصات التكوين القومي العربيّ الذي اكتمل باعتناق أغلب العرب للإسلام، وبقيام الكيان العربي السياسيّ الموحَّد المستقلَ.
1- الانتماء الدينيّ
1- ديانات الجاهليين:
حين ظهر الإسلام كانت مشاعر العرب وأفكارهم تتنازعهم ديانات سماوية ووثنية، وقد تتبع تلك الديانات باحثون كثر، ولذا سنكتفي ها هنا بالإشارة الموجزة إلى تلك الديانات على أن يوقف على بيان أثرها في تطور انتماء الإنسان الجاهلي نحو الوحدة والتحرر.
يرى بعض العلماء أن عبادة الجاهليين في الأصل هي عبادة كواكب، وأن أسماء الأصنام والآلهة ((ترجع كلّها إلى ثالوث سماويّ هو الشمس والقمر والزهرة))(( ))، ويؤكد عبادة الجاهليين للشمس والقمر أن الله تعالى خاطب الجاهليين بقوله: *ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واستجدوا لله الذي خلقهُنَّ إن كنتم إياه تعبدون*(( ))، وقد نُعتت الشمس في شعر جاهلي بالإلهة(( )).
وكانت بعض أصنام الجاهليين رموزاً للأجرام السماوية المعبودة، فمن أصنامهم (الشمس)، وهو صنم قديم،(( )) عبده بنو أد كلهم(( ))، وقدسته قبائل أخرى، فقد أقسم سلمى بن المقعد الهذلي في شعر له بصنم الشمس(( )). وكان((ودُّ)) صنماً عبده بنو كلب بدومة الجندل(( ))، ويرمز إلى القمر((عند المعنيين، وهوالإله الرئيس عندهم، و.. عند بقية العرب الجنوبيين، ومتى ورد اسمه في نص قُصِدَ به القمر))(( )).
والأصنام التي عبدها الجاهليون كثيرة، ويدّل على ذلك قول ابن الكلبي: ((كان لأهل كلّ دار من مكة صنمٌ في دارهم يعبدونه))(( ))، وكذلك الخبر عن وجود ثلاثمائة وستين صنماً حول الكعبة حين فتح المسلمون مكة(( ))، ورجح د. زيتوني رجوع كثرة الأصنام حول الكعبة ((إلى أنّ كلّ القبائل العربية كانت تضع الأصنام التي تقدسها هناك، فكانت تلك الأصنام تمثل معظم معبودات القبائل. ولا يمنع ذلك وجود نماذج أخرى من تلك الأصنام في أحياء هذه القبائل))(( )).
والأًصنام التي عبدها الجاهليون ليست دائماً رموزاً إلى الأجرام السماوية المعبودة، فثمة جاهليون عبدوا الملائكة، ومنهم قرشيون قالوا للرسول(ص): ((نحن نعبد الملائكة بنات الله))(( )) ويرى د. دروزة أن فئة من الذين عبدوا الملائكة كانت تعتبر اللات والعزى ومناة رموزاً وهياكل مادية في الأرض للملائكة الذين هم في السماء(( )).
ومن الوثنية عبادة بعض الأشجار، وممَّا يدل على وجودها عند الجاهليين أنّ ابن إسحاق في حديثه عن دخول أهل نجران في النصرانية ذكر أنهم كانوا ((يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم))(( )) ونجد تعظيماً للشجر في قول عروة بن مرّة الهذليّ(( )):
وقال أبو أُمَامَةَ: يا لبَكْرٍ
فَقُلْتُ: ومَرْخَةٍ دَعْوَى كَبيرُ

إنه يقسم بمرخة، وهي شجرة، وفي ذلك تعظيم وتقديس لها.
ولقد قسم "النجيرمي" وثنية العرب إلى طائفتين: طائفة تزعم أن الأصنام هي التي تضرّ وتنفع، وطائفة تزعم أن الأصنام تقربها إلى الله(( )). أما الفئة التي تزعم أن الأصنام هي التي تنفع وتضرّ فأفرادها هم الوثنيون، ولعل في قسم بعض الجاهليين بالأنصاب والأصنام فحسب ما يوحي باعتقادهم بقدرتها على الضرّ والنفع ومن ذلك قول طرفة يخاطب عمرو بن هند(( )):
إنيّ وَجَدِّكَ ما هَجَوْتُك والـ
أنصْابُ يُسْفحُ بَيْنَهُنَّ دمُ

وكذلك قسم المتلمس الضبعي باللات والأنصاب معاً(( )). وقسمُ غيره بالعتائر التي تذبح حيث الضبعي (فلس)(( ))، وقسمُ عبد العزى بن وديعة المزني يمين صدق برةً بـ(مناة)(( )).
وأما الفئة التي تزعم أن الأصنام هي التي تقربها إلى الله فأفرادها هم المشركون، وهم أغلب الجاهليين، والأدلة على الإشراك كثيرة، ومنها قول القرشيين في أثناء طوافهم بالكعبة: ((واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهنّ الغرانيقُ العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.(( )) وقولهم في التلبية: ((لبيّك اللهم لبيّك، لبيّك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك))(( )).
إن المشركين يوحدون الله سبحانه ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلوها أمرها-وكذلك أمرهم- إلى الله وحده، فالله أكبر من أصنامهم، وأعظم يقول أوس بن حجر:(( ))
وباللاتِ والعزَّى ومنْ دانَ دينَها
وبالله إنَّ الله ِمْنُهنَّ أكْبرُ

إنّ اللات والعزى صنمان يعظمهما أوس، ولكنه يرى لشركه أن الله أكبر منهن وأعظم؛ فالأصنام عند المشركين معبودات صغيرة يملكها ويملك عبادها ربٌ واحد عظيم هو الله تعالى(( )).
وعرف الجاهليون إلى جانب الوثنية والشرك ثلاث ديانات سماوية هي: الحنفية واليهودية والمسيحية.
أما الحنيفية فهي دين إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام. ويبدو من أخبار الجاهلية أن كثيراً من معالم ذلك الدين قد ضاعت ((ولهذا قام جماعة يبحثون عنه، ويطلبون الكشف عن حقيقته وجوهر تعاليمه، وهؤلاء هم الذين عُرفوا باسم الحنفاء أو الأحناف، نسبة إلى بحثهم عن دين الحنيفية، وإيمانهم به مجرداً من مفاسد ذلك العصر))(( )). وكان أمام الباحثين عن حقيقة الحنيفية أمورمن دين إبراهيم تحظى باحترام الجاهليين وتقديسهم ومنها ((تعظيم البيت والطوف به والحجّ والعمرة والوقوف على عرفة ومزدلفة وإهداء البُدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه))(( )).
والذي أدخله الجاهليون إلى دين إبراهيم مما ليس منه هو الشرك وهو رأس المفاسد التي حاربها الباحثون عن حقيقة دين إبراهيم، فكانت محاربة الشرك بإعلان التوحيد قاسماً مشتركاً بين أولئك الباحثين (الحنفاء) ومن ذلك الإعلان قول زيد بن عمرو العدوي القرشي(( )):
عَزَلْتُ الِجنَّ والِجنَّانَ عَنّي
كذلكَ يَفْعَلُ الجَلْدُ الصَّبُورُ

فلا العُزَّى أدِينُ ولا ابنَتَيها
ولا أُطْمَي بني طَسْمٍ أُديرُ

ولا غنماً أدينُ وكان ربّاً
لنا في الدهر إذ حلمي صغيرُ

أرباً واحداً أَمْ أَلْفَ رَبٍّ
أَدينُ إذا تَقَسَّمتِ الأُمورُ

وقد تبع الإيمان بالله الواحد الإيمان بأمور أخرى منها علم الله المطلق، والبعث والحساب ومن شعر الحنفاء في ذلك قول زهير بن أبي سلمى(( )):
فلا تَكْتَمنَّ اللهَ ما في نفوسكُمْ
لِيَخْفَى، وَمَهْما يُكتمِ اللهُ يَعْلَمِ

يُؤخَّرْ، فيوضَعْ في كِتابٍ، فيُدَّخرْ
لِيَوْمِ الحسَابِ، أو يُعَجَّلْ، فَيَنُقَمِ

وكان الباحثون عن حقيقة الحنيفية متنورين، أرادوا أن يرقوا بالعقول والمشاعر فوق ضعة الوثنية والشرك وقد آزرهم على ذلك اتصالهم باليهود والنصارى وكان ذلك سبباً في القول بنصرانية بعض الحنفاء تارة، وبيهوديتهم أخرى(( )).
وأمّا اليهود فقد كانوا في مواضع المياه والعيون من وادي القرى وتيماء وخيبر إلى يثرب، وفي اليمن(( )). وتضاربت الآراء والأقوال حول تاريخ دخول اليهودية إلى تلك البقاع والمظنون أن اليهود هاجروا من فلسطين إلى الحجاز واليمن سنة (70م) وسنة (132م) أيضاً(( )).وقد اجتذبت اليهودية بعض الصرحاء إليها فدانوا بها ولا سيما في اليمن ويثرب(( )) ولكنها لم تبلغ شأو المسيحية في الانتشار بين الجاهليين.
وأمّا المسيحية فقد انتشرت في اليمن وشمالي الجزيرة العربية الغربي والشرقي كما عرفت في أنحاء أخرى من جزيرة العرب، وانتشار المسيحية في اليمن بدأ على الأرجح ((منذ القرن الرابع الميلادي وكان من أهم الأسباب في انتشارها هناك بعثات دينية كان يشجعها القياصرة))(( )) ولكن انشارها في بلاد الشام والعراق كان أكثر اتساعاً(( وقد انتشرت بين عرب بلاد الشآم بنسبة تزيد على نسبة انتشارها بين عرب بلاد العراق وهو شيء طبيعي، فقد كانت بلاد الشأم تحت حكم البيزنطيين، وديانتهم الرسمية، هي الديانة النصرانية، وكانوا يعملون على نشرها وترويجها بين شعوب (إمبراطوريتهم) وبين الشعوب الأخرى لاسيما الشعوب التي لهم مصالح اقتصادية معها))(( ))، ومنها العرب.
ووجدت المسيحيةُ في وسط الجزيرة العربية الشرقي والغربي بتأثير تواصل سكانها مع المسيحيين بالتجارة، وبالرقيق الأبيض المجلوب من الشام والعراق، وبقدوم النسّاك والمبشرين إلى تلك البقاع(( )). ومن الظاهر أن المسيحية لقيت مقاومة من الشرك وسط الجزيرة، فكان انتشارها محدوداً، فقبيلة قريش ذات الصلات الكثيرة بالمسيحية لم يتنصر منها سوى ثلاثة رجال هم: ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث الأسديان، وشيبة بن ربيعة الأموي(( )).
لقد غدت المسيحية مثل الشرك ديناً رئيساً لدى الجاهليين، ويؤكد ذلك قول الجاحظ ((كانت النصرانية فاشية في العرب إلا مضر، فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون العباد، فإنهم كانوا نصارى.. ولم تعرف مضر إلا دين العرب (الشرك) ثم الإسلام))(( )). وهكذا يتبين تعدد ديانات الجاهليين، فثمة وثنيون ومشركون، وأتباع ديانات سماوية (حنيفية، ويهودية ومسيحية)، ويضاف إلى ذلك وجود أشتات من العرب دانوا بعقائد أخرى كالمجوسية والصابئة والدهرية(( )).
إن تعدد ديانات الجاهليين يعني تعدد انتماءاتهم الدينية، ويدفع إلى التساؤل عن أهمية هذه الانتماءات في تطور الإنسان الجاهلي نحو الوحدة القومية؛ أعاقت تطور الوحدة أم أسهمت في بنائها؟ وكيف كل ذلك؟
***
2- الفرق والصراعات الدينية:
يكاد توزع ديانات الجاهليين أن يتطابق مع توزعهم النسبي والجغرافي، ومما يدل على ذلك أن أكثر قبائل الشام والعراق دانت بالمسيحية، وأن أكثر سكان الحجاز ونجد دانوا بالشرك. وهذا التوزع قد يوحي بإسهام ديانات الجاهليين في إقامة حدود تفصل بين القبائل، وتعوق تواصلها، ويقوى الإيحاء بذلك حين نعرف تعدد انتماءات المشركين الدينية بتعدد فرقهم وأصنامهم المقدسة، وتعدد انتماءات المسيحيين بتعدد مذاهبهم، وحين نعرف أن من الجاهليين رجالاً أدركوا أهمية الانتماء الديني في رسم الحدود الفاصلة بين الجماعات القبلية، ومنهم حاتم الطائي الذي يقول:(( ))
إلههُمُ رَبِّي، وربّي الههُمْ
فأقسمْتُ لا أَرْسُو، ولا أتمعَددُ

إنه طائي يرتبط بقومٍ برابطة الانتماء الديني، ولذا لا يقبل أن يقلد معداً، ولا أن ينتسب إليها. وجمع عمرو بن قميئة بين الانتماء إلى النسب والانتماء إلى الدين في قوله عن قومه، وكان بعيداً عنهم:(( )).
على أنّني قدْ أدَّعِي بأبيهمُ
إذا عَمَّتِ الدعْوى وَثَابَ صَرْيُحها

وأني أرى ديني يوافقُ دينهمْ
إذا نَسَكُوا أفْراعُها وذَبيحُها

إن جمع عمرو بين الانتماءين: النسبي والديني يعني إدراكه أن الجماعات تتمايز بالنسب، وبالدين أيضاً، ويشبه عمراً في ذلك مالك بن العجلان الخزرجي في قوله للربيع بن الحقيق اليهودي(( )):
إنّي امرؤٌ من بني سالم
كريمٌ وأنت امرؤٌ من يَهُودْ

لقد تعددت انتماءات الجاهليين الدينية بتعدد الأديان التي ذُكر اعتقادهم بها، وإذا كنا لا نتبين في شعر الجاهلية وأخبارها انقسامات مذهبية بين أتباع كل من اليهودية والمجوسية والصابئة والدهرية فإن الانقسامات بين أتباع كل من الوثنية والشرك والمسيحية منصوص عليها في المصادر الجاهلية.
وإذا وقفنا عند الأصنام التي تعبد لها الجاهليون فسوف نجد ثلاث دوار تعبدية، هي: دوائر تضم صنماً تعبده قبيلة، ودائرة تضم صنماً تعبده قبيلتان أو عدّة قبائل، ودائرة تضم صنماً تعبده العرب المشركون بعامة. فمن الدائرة الأولى عبادة مزيمة لنُهمَ(( )). وعبادة طَيْىء للفلس(( ))، وعبادة هوازن لجهار(( ))، ومن الدائرة الثانية عبادة همدان وخولان ليعوق(( )) وعبادة بجيلة وخثعم والحارث بن كعب وجرم وزبيد والغوث بن مرّ بن أدّ، وبنو هلال بن عامر لذي الخلصة(( ))، ومن الثالثة تعظيم العرب المشركين للآت والعزى ومناة، مع اختصاص بعضهم بتعظيم اللات أو العزى أو مناة أكثر من غيرها(( )). وبإعادة النظر في ثلاث الدوائر المذكورة نلحظ تنوع انتماءات المشركين الدينية وتعددها تنوعاً وتعدداً يدلان على شتات المشركين من جهة وعلى تواصلهم من جهة ثانية، فالقبيلة الواحدة قد تنتمي إلى تلك الدوائر معاً، ومنها مزينة، فيه تختص بعبادة نهم، وتشترك مع كنانة وهذيل وعمرو ابن قيس عيلان بعبادة سُواع(( ))، كما تشترك مع المشركين كافة في تعظيم اللات والعزى ومناة.
وأما المسيحية فقد عرف العرب مذهبين رئيسيين منها، وهما: المذهب النسطوري(( )). والمذهب اليعقوبي(( ))، وهما من المذاهب الشرقية ((التي ظهرت وانتشرت في الشرق، ووجدت لها مجالاً وانتشاراً في العراق وفي بلاد الشام، ومصر والحبشة، وجزيرة العرب))(( )). وهذان المذهبان يخالفان المذهب الرسمي للدولة البيزنطية وقد عرف عرب اليمن النصرانية التابعة للكنيسة الإسكندرية الرومانية بواسطة التبشير الذي رعاه الإمبراطور قسطنطين الأكبر(( )). وإضافة على ذلك فقد وجدت شيع، عقائدها مزيج من اليهودية والمسيحية، سبيلاً للوصول إلى العرب(( )).
وهكذا نلحظ تعدد الانتماءات الدينية بين الجاهليين، وكان تعددها جديراً بأن يوجد شروخاً عميقة، وصراعات عنيفة، ولكن حياة الجاهليين لم تشهد صراعات دينية إلا نادراً، ومن ذلك ما وقع بين اليهود والمسيحيين في اليمن، فقد أدخل تبّع، تُبان أسعد، أبو كرب اليهودية إلى اليمن(( ))، وعمل خليفته رُعين، ذو نواس على تهويد نصارى نجران، فسار إليهم بجنوده ((فجمعهم، ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فَخَذَّلهمُ الأخدود فحرَّق بالنار، وقتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة، حتى قتل منهم. قريباً من عشرين ألفاً))(( )) وقيل في سبب إقدام ذي نواس على فعلته أن يهودياً من أهل نجران أخبره أن أهالي نجران النصارى قتلوا ابنين له ظلماً، فحمي ذو نواس لليهودية وغزا نجران(( )). ولكن د. نجيب البهيبتي يرى أن حادثة الأخدود كانت محاولة لاجتثاث السلطان الأجنبي، وهو النصرانية، فقد أدخلها الروم والأحباش إلى اليمن لاستمالة أهلها إليهم برابطة الانتماء إلى دين واحد(( )).
ويبدو أن ما قيل عن سبب إقدام ذي نواس على فعلته لا يناقض رؤية د. البهبيتي لها، فما قيل يصلح أن يكون ذريعة (سبباً مباشراً) لإقدام ذي نواس على تحقيق رغبته في تخليص بلاده من بؤرة للنفوذ الأجنبي في اعتقاده. وبذلك لا يكون الصراع بين اليهودية والمسيحية في اليمن صراعاً دينياً بل صراعاً سياسياً وقومياً ارتدى لبوساً دينياً، ويؤكد ذلك أن الروم والأحباش استنفروا قواهم بعد حادثة الأخدود، فأمدّ قيصر الأحباش بالسفن، فاجتازوا البحر إلى اليمن واحتلوها، وأذلوا أهلها، ورفعوا لواء المسيحية فيها. ثم طمح أبرهة الحبشي إلى أن يصرف العرب عن مكة إلى كنيسة عظيمة بناها في صنعاء، وكان ذلك من أسباب إقدامه على المسير إلى مكة لهدم كعبتها(( ))، وكان لقريش أشعار مقاومة لمحاولة أبرهة المخففة، ومنها قول عبد المطلب بن هاشم(( )):
لا هُمَّ إنّ العَبْدَ يمْــ
ــنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حلالكْ

لا يغلبنَّ صَليبهُمْ
ومحَالُهُم غَدْواً محالك

جَرَّوا جُموعَ بلادِهِمْ
والفيلَ كي يسبوا عيالكْ

إن عبد المطلب يدعو الله إلى دفع المسيحيين الأحباش الذين قدموا من (بلادهم) إلى بلاد عبد المطلب ليذلوا أهلها، ويُدنَسّوا مقّدساتهم، إنه لا يعارض المسيحية بل يعارض احتلال الغرباء لأرضه، ورغبتهم في تدمير الكعبة، قُدس العرب الأول، ومما يدل على أن عبد المطلب لا يعارض المسيحية أن قريشاً، وعبد المطلب منها، لم يضطهد المسيحيين المقيمين في مكة، كما لم تعارض خروج بعض رجالها من الشرك ودخولهم في المسيحية(( )).
ومن الصراعات التي يشتبه باندلاعها لأسباب دينية ما وقع بين الأوس والخزرج من جهة ويهود يثرب من جهة أخرى، فقد استعان الأوس والخزرج بأقاربهم الغساسنة، وأوقعوا مجتمعين باليهود وقعة أذلتهم ومكنت الأوس والخزرج من السيادة على يثرب(( )). وليس في هذا الصراع ما يدل على وجود عصبية دينية بل عصبية نسبية جمعت أقارب مشركين (الأوس والخزرج) ونصارى (الغساسنة) فحاربوا اليهود وحققوا مكاسب سياسية واقتصادية لا دينية، فالمنتصرون لم يبشروا بنصرانيتهم ولا بشركهم والمنهزمون لم تنل الهزيمة من حريتهم الدينية.
إن الصراعات المذكورة آنفاً- وإن كانت بي أصحاب ديانات مختلفة- لم تكن دينية. ولو تتبع باحث أيامَ الجاهليين، وأشعارهم الدينية فسوف يعجز عن الإمساك بدليل قاطع على وجود عصبية دينية أشعلت حرباً أو أثارت بغضاء بين الجماعات القبيلة، وغاية ما يصل إليه إشارات توحب أن التمايز الديني لم يكن غائباً غياباً كلياً عن أذهان المتحاربين في الجاهلية ومن الأدلة على ذلك قول النابغة الذبياني يصف غزو النعمان بن الحارث الغساني لبني أسد في رواية(( )):
مُستشعرينَ قد ألفوا في ديارهم
دعوى يسوعَ ودعميٍّ وأيوبِ

فإذا صحت رواية البيت فإنها دليل على أن الغساسنة اتخذوا من الانتماء إلى المسيحية شعاراً، يرفعونه في حروبهم، ويعرفون به، وربما كانوا يقاتلون لنشر النصرانية.
وكان لجديلة من طيىء صنم أخذه منهم بنو أسد فاستبدلت به جديلةُ (اليعبوب)، ولبني جديلة يقول عبيد بن الأبرص الأسديّ(( )):
وتَبَدَّلُوا اليَعْبوبَ بعد إلهِهِمْ
صنماً، فَقَرُّوا يا جَديلَ وأعذِبُوا

وأخذ بني أسد لصنم بني جديلة يوحي باحتمال وجود سبب ديني للصراع بين القبيلتين، ولعل ما فعله الأسديون ليس عصبية دينية بل عصبية نسبية أراد أصحابها أن يبالغوا في إذلال أعدائهم فأخذوا معبودهم(( ))، وربما كان بنو أسد يرغبون بأخذ الصنم للتعبد له، والاستئثار به دون جديلة، وفي أخبار الجاهلية ما يدل على إمكانية ذلك، فقد كان (يغوث) عند بطنين من مراد، هما أعلى وأنعم، فرغب أشراف مراد بنقل (يغوث) إلى منازلهم، فأبى بنو أعلى وأنعم ذلك، فوقعت الحرب بينهما(( )).
تلك هي حال الجماعات التي احتكمت إلى السيوف لأسباب يتراءى فيها العامل الديني، ولا يكاد يظهر، وأما الأفراد فليس في أخبار الجاهليين قبل ظهور الإسلام ما يشير إلى وجود اضطهاد ديني إلا في حالة واحدة، هي اضطهاد الخطّاب بن نفيل العدويّ لزيد بن عمرو بن نفيل العدوي، فقد عاب زيد دين قومه (قريش)، ودعا إلى اعتزال الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تنحر على أعتاب الأصنام والأوثان، ونهى عن وأد البنات(( ))، فاستاءت منه قريش، فأخرجته من مكة وآذته(( ))، ووكل الخطّاب بن نفيل بزيد سفهاء قريش ليمنعوه من دخول مكة، كي لا يفسد على قريش دينها، وقد تألم زيد من ذلك، وشكا أمره إلى الله في قوله()( ):
لا همَّ إنّي محرمٌ لا حِلَّهْ
وإنَّ بيتي أوسطَ المحَلَّهْ

عند الصفا ليس بذي مَضَلَّهْ

وقد عاب زيد (هُبلَ) في أبيات تبرأ فيها من الشرك، ودعا إلى الحنيفية، ومنها(( )):
ولا هُبلاً أدين وكان ربّاً
لنا في الدَّهرِ إذْ حلمي يسيرُ

ويظهر من غربلة الأخبار والأشعار المتصلة بدعوة زيد إلى الحنيفية أن دعوته إلى الوحدانية لم تكن سبباً في اضطهاده بل كان السبب هو العيب الصريح لآلهة قريش (هبل واللات والعزى)، فقريش لم تضطهد ورقة بن نوفل الذي ترك الشرك، ودخل في دين النصرانية، وأيد في شعره اعتقاد زيد، لكنه لم يذكر آلهة قريش بسوء(( ))، ولعل إعراض ورقة عن عيب آلهة قريش هو السبب الرئيس لتسامحهم معه(( )).
وهكذا تمايز الجاهليون بانتماءاتهم الدينية، ولكنها لم تسبب إلا نزاعات قليلة لا تكاد تذكر في خضم الحياة الجاهلية المجهدة بالحروب، وإذا كانت تلك النزاعات هي أحد وجهي الجدل الديني في الحياة الجاهلية فإنّ الوجه الآخر كان سلاماً دينياً، واتحادات دينية، وتطوراً دينياً نحو التوحيد، فكيف كان ذلك؟
***
3- التسامح الدينيّ
إن تعدد الديانات في مجتمع ما لا ينفي إمكانية تقارب المنتمين إليها، ما داموا قادرين على التفاعل السلمي الموصل إلى الأفضل. ويبدو من أخبار الجاهلية وأشعارها أن التعصب إلى الانتماء الديني كان بعيداً عن تفكير الجاهلي وسلوكه.
كانت حرية الاعتقاد سمة رئيسة للعلاقة بين المنتمين إلى ديانات مختلفة في الجاهلية، فاليهود انتشروا في عدة مواضع من الجزيرة العربية، واشتغلوا بالتجارة(( ))، آمنين من الاعتداد عليهم بسبب عقيدتهم. ويجد المرء في أشعار غير اليهود ما يؤكد فكرة التسامح، فلليهود أحبارهم، يقول أبو محجن الثقفي(( )):
تقولُ ابنةُالحَبْرِ اليهودِيّ ماأرى
أبا مِحْجَنٍ إلا وللقلبِ ذاكِرُ

فإنَّ ابنةَ الحَبْرِ اليهودِيّ تَيَّمَتْ
فؤادي، فَهَلْ لي يا سُمّيَّةُ زاجِرُ

والأحبار يكتبون بالأحرف العبرانية، يقول الشماخ( ):
كما خَطَّ عِبرانَّيةً بَيمِينِه بِتَيْماءَ حَبْرٌ ثُمَّ عَرَّضَ أسْطُرا
واليهود يبنون الكنائس ويعمرونها بالعبادة، يقول عمرو بن معد يكرب( ):
عَمَرْتُ مَجَالَ الخيلِ بالبِيْضَ والقَنَا كما عَمَرَتْ شُمْطُ اليهودِ الكنائِسا
ويصلّون، يقول لبيد في رثاء أخيه ( ):
يَلْمَسُ الأحْلاَسَ في منزِلِهِ بِيَدَيْهِ كاليهوديّ المُصَل
ويرفعون أصواتهم بقراءة التوراة، يقول أبومحجن الثقفي( ):
وإنّي وما صاحتْ يهودُ وطَرَّبَتْ ثلاث ليالٍ بالحجازِ لحاذِرُ
إنَّ الأشعار السابقة تدل على تواصل أصحابها مع اليهود، وعلى تعايشهم معهم، وفيهما ما لايخفى من التقدير لأصحاب الديانة اليهودية، ولاسيمافي تشبيه لبيد باليهودي المصلّي( ).
وبمثل ذلك اقترن ذكر النصارى في أشعار كثير من الجاهليين، فللنصارى رهبان يتعبّدون اللَّه في صوامع، فيها مصابيح لاستقدام الناس إليهم ليلاً( )، ولهم كتاب يقرؤونه( ) ولهم كنائس تنصب فيها الصلبان( )، ويجتمعون فيها للصلاة( ) ويقرعون الناقوس( ) ولهم أعياد دينية يحتفلون بها، ومنها عيد الفصح( ) ولهم بيت المقدس، يحجّونه، يقول امرؤ القيس( ):
فَأدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بالسَّاقِ والنَّسَا
كما شَبْرَقَ الوِلْدانُ ثَوْبَ المُقّدِّسِ

إن أظهار تلك الأمور الخاصة بالمسيحيين في الشعر غير مشوبة بالتعصب على المسيحية يدل على تواصل أصحابه مع النصرانية، وعلى قبولهم التعايش مع أهلها، وإن في قول صخر الغيِّ الهذلي يصف سحاباً( ):
كأنَّ تَوَالِيَهُ بالمَلاَ
نَصَارَى يُسَاقُوْنَ لاقَوْا حَنِيْفَا

ما يؤكد احترام النصارى لغيرهم أيضاً، فصخر يشبّه شكل السحاب بنصارى يسقي بعضهم بعضاً في عيد لهم، فلاقوا (حنيفاً) فاحتفلوا به بالتفكير له، وذلك بالانحناء وطأطأة الرأس( ).
وكذلك كان الحنفاء متسامحين مع المنتمين إلى ديانات أخرى، فلقد بحث الحنفاء عن حقيقة دين إبراهيم، ولكنهم أعرضوا عن امتهان عقائد غيرهم عدا زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وقد أشيرإلى إيذاء قريش له لأنه عاب آلهتها صراحة، وقد انتهى الأمر ببعض الباحثين عن حقيقة دين إبراهيم إلى ترك الشرك، والدخول في المسيحية على مرآى من قومهم المشركين ومسمعهم( )، كما انتهى الأمر بباحثين آخرين إلى التقارب مع المسيحية، وإن لم يدخلوا فيها، يقول النابغة الجعدي( ):
ومازلتُ أسْعَى بين بابٍ ودارةٍ
بنجرانَ حتَّى خِفْتُ أَنْ أَتَنَصَّرا

وثمة شعراء مشركون أظهروا تعظيم الشرك تارة، وتعظيم المسيحية أخرى، فالنابغة الذبياني وصف الذاهبين إلى مكة للحج، بأنهم عامدون( ):
إلى خَيْرِ دِينٍ نُسْكُه قد عَلْمِتُهُ
وميزانُهُ في سُورةِ البرِّ ماتِعُ

لقد وصف الشرك بأنّه خير دين، ولكن ذلك لم يمنعه من وصف المسيحية، دين الغساسنة بأنها دين قويم أيضاً، وذلك في قوله يمدح الغساسنة( ):
مخَافُتُهْم ذاتَ الإلهِ ودينُهُمْ
قَويمٌ فما يَرْجُونَ غَيْرَ العَواقِبِ

وثمة شعراء مشركون أظهروا تعظيم الشرك والمسيحية معاً في شعر واحد، كقول عمرو بن عبد الجن الجرمي التنوخي( ):
أمَا ودماءٍ مائِراتٍ تَخالُها
على قُلَّةِ العُزَّى أو النّسْرِ عَنْدَمَا

وما قَدَّسَ الرهبانُ في كلِّ هيكَلٍ
أبيلَ الأبيلينَ عيسى بن مَرْيما

ومثل ذلك قول الأعشى يخاطب رجلاً( ):
فإنّي، وثوَبيْ راهِبِ اللُّجِّ والتي
بَنَاها قُصيٌّ والمُضَاضُ بنُ جُرْهُمِ

لئنْ جَدَّ أسبابُ العداوةِ بَيْنَنَا
لَتَرْتَحِلَنْ منّي على ظَهْرِ شَيْهَمِ

وقد يدفع تعظيم بعض المشركين صراحة للمقدسات المسيحية إلى القول بدخلوهم فيها، وأرى أن مافعلوه كان انعكاساً فنياً لشيوع التسامح الديني، والتواصل بين المنتمين إلى الأديان الجاهلية، ولاسيما التواصل بين المشركين والمسيحيينن ولعل في قول عدي بن زيد العبادي( ):
سَعَى الأعداءُ لا يَأْلونَ شرّاً
عليَّ ورَبِّ مَكْةَ والْصليبِ

مايؤكد ذلك؛ فالمسيحيّون بلسان عديّ يقابلون التسامح بآخر مثله، وتعظيم المقدسات بتعظيم مشابه:
إن تعايش المنتمين إلى الديانات الجاهلية بعيداً عن التعصب يمثل الدائرة الأوسع للتسامح الديني بين الجاهليين، وهذه الدائرة تشمل داوائر أصغر منها تمثل التسامح بين أتباع كلّ ديانة من الديانات الجاهلية، وإذا كنا نفتقد مايدل صراحة على الصراع المذهبي بين أتباع كلَّ دين جاهلي فذلك نفي لوجود ذلك الصراع، ويقوى هذا الدليل بأخبار تدل على التسامح المذهبي، فقد كتب المنذر بن الحارث الغساني إلى قيصر الروم من أجل إطلاق الحرية لجميع النصارى، وأن يصلي كلّ واحد منهم أينما شاء، وحيثما شاء( ).
وبعد شيوع الإسلام في أثناء الحج إلى الكعبة بين المتعبدّين للأصنام المختلفة، والملبين بتللبيات مختلفة دليلاً على التسامح بين المشركين( )، ويؤكد هذا التسامح أن انقسام المشركين إلى ثلاث فرق دينية كبرى لم يسبب صراعات دينية فيما بينهم، وثلاث الفرق المذكورة هي: الحُمْس، والحُلّة،والطلس.
أما الخمس فهم (قريش كلّها، وخزاعة لنزولها مكّة، ومجاورتها قرّيش، وكلّ من وَلدت قريش من العرب، وكلّ من نزل مكة من قبائل العرب)( ) وقريش هي التي ابتدعت الحُمس، يقول ابن إسحاق: (وقد كانت قريش -لا أدري أقبل الفيل أم بعده- ابتدعت رأي الحمس، رأياً رأوه، وأداروه، فقالوا: نحن بنوا إبراهيم، وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطّان مكّة.... فليس لأحد من العرب مثل حقّنا، ولا مثل منزلتنا... فلا تعظّموا شيئاً من الحلّ كما تعظمون الحرم.... نحن أهل الحرم فليس لناأن نخرج من الحُرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظّمها، نحن الحُمس)( )وهذه الفرقة تَشَدَّدت في تَدَيّنها، وأعطت لنفسها مزايا دينية على غيرها من العرب الذين يعظمون مكة( )، ومن تلك المزايا أنهم لا يخرجون في الحج إلى موقف عرفة لأنه من الحلّ، وإلى ذلك اشار المعطّل الهذّلّي في قوله لرجل من بني سدوس( ):
إخَالُكُمُ مِنْ أُسْرَةٍ قَمَعَّيِةٍ
إذا نَسَكُوا لا يَشْهَدونَ المُعَرَّفا

وكانت قريش - وهي من أصل الحمس- تُسمَّى آل اللَّه، وجيران اللّه، وسكان حرم الله وفي ذلك يقول عبد المطلب بن هشام القرشي( ):
نحنُ آلُ اللّهِ في ذّمتِهِ
لَمْ نَزَلْ فيها على عَهْدٍ قَدُمْ

ويبدو أن الحمس كانوا يقرّون لقريش بالتقدم عليهم بتد‍َينّها، ومما يدل على ذلك قَسَمُ عوف بن الأحوص( )، بالذي حجت له قريش، وبشهر بني أمية( )في قوله( )
وإنّي والذي حَجَّتْ قُريشٌ
مَحَارِمَه، وما جَمَعَتْ حِراءُ

وشَهْرَ بني أُمّيَّةَ والهدايا
إذا حُبِسَتْ مَضَرِّجَها الدماءُ

أَذُمُّكِ ماتَرَقْرَقَ ماءُ عيني
عَلَيَّ إذاً من اللهِ العَفاءُ

وحظيت قريش لتدينها بتعظيم غيرالحمس من العرب، ومن الشعر الدال على ذلك قول الأعشى يهجو ابن عمّ له( ):
فَمَا أنتَ مِنْ أهْلِ الحَجُونِ ولا الصَّفَا
ولا لكَ حقُّ الشِّرْبِ مِنْ ماءِ زَمْزَمِ

وما جَعَلَ الرحمن بَيْتَكَ في العُلى
بِأجْيادَ غَرْ بِّي الصَّفا والمُحَرَّمِ

إن الأعشى يقدّم في البيتين السابقين أهل مكة، وهم حُمْس، على ابن عمه، بل على قومه قيس، وهم من الحلّة، وأرى إن إقرار العرب بتقدم الحمس، ولاسيما قريشاً، على غيرهم في المنزلة الدينية هوالسبب الكامن وراء تقديم الأعشى لقريش (الحمس) وعلى قومّه (الحلّة).
وأمّا الحلّة، فهم (تميم بن مرّ كلّهاغير يربوع،ومازن، وضّبَّة، وحميس، وظاعنة، والغوث ابن مرّ، وقيس عيلان بأسرها ماخلا ثقيفاً، وعدوان، وعامر بن صعصعة، وربيعة بن نزار كلّها، وقضاعة كلّها ماخلا علافا وجنابا، وخثعم، وبجيلة، وبكر بن عبد مناة بن كنانة،وهذيل ابن مدركة، وأسد، وطيّئ، وبارق)( )، وكان للحلّة شعائر دينية تختلف عن بعض شعائر الحمس( ).
ويبدو أن المنتمين إلى الحلّة كانوا يقرّون غيرمرغمين بتقدّم الحمس عليهم في المنزلة الدينية، ومن ثمّ في غيرها، وقد مرّ بنا في شعر الأعشى آنفاً مايدل على ذلك، وكان التواصل بين الحمس والحلّة شديداً؛ فبعض شعائر الحلّة في الحج كانت تتم بتقديم المساعدة من الحمس لهم، ومن أجل ذلك (كان لكل رجل من الحلة حرمّي من الحمس يأخذ ثيابه، فمن لم يجد ثوباً طاف عرياناً.... وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حرميّ عياض بن حمار المجاشّعي، كان إذا قدم مكة طاف في ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم)( ).
ومن الأدلة على تقارب الحمس والحلّة أن بني عبس، وهم من الحلة، كانوا حلفاء لبني عامر، وبعضهم حمس، وقيل: كلهم من الحمس( )، ولهما يقول أبو إياس بن حَرْملة الذبياني، وبنو ذبيان من الحلّة، في يوم شعب جَبَلَة( ):
أَقْدِمْ قَطيبُ إنَّهُمْ بنو عَبْسِ
المَعْشَرُ الحِلَّةُ في القَوْمِِ الحُمْسِِ

ولكن تعظيم الحلّة للحمس ليس مطلقاً، فتألّه الحمس هوالسبب الرئيس لتعظيمهم، والتألّه يوجب الإحجام عن غزو الناس وقتلهم، فإن كان للحلّة ثأر عند الحمس فلا تعظيم للحمس، ولا حرمة لهم، قتل بنوعامر لقيط بن زرارة التميمي، وهو من الحُلَّة، يوم شعب جَبَلَة، قالت ابنته دَختنوس ترثيه، وتهدد بني عامر الحمس( ):
فإنْ تُعْقِبِ مِنْ عَامرٍ يَكُنْ
عَلَيْهمْ حَريقاً لا يُرامُ إذا سَمَا

لِيَجِزيَهُمْ بالقَتْلِ قَتْلاً مُضَعَّفا
وما في دماءِالحُمْسِ يامالِ من بَوا

وأما الطُّلْس، فهم (سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعكّ، وعجيبْ، وإياد بن نزار)( )، وكانت الطلس بين الحلّة والحمس (يصنعون في إحرامهم مايصنع الحلّة، ويصنعون في ثيابهم، ودخولهم البيت مايصنع الحمس)( ). ويبدو من شعرلعمرو بن معد يكرب الزبيدي، وهو من الطلس، أن الطلس كانوا يقرّون للحمس بعظمة منزلتهم الدينية، وذلك في قول عمرو مهدداً العباس بن مرداس السلمي( ):
أعَبَّاسُ لو كانت شِياراً جيادُنا
بِتْثلِيثَ، مانصايتَ بعدي الأحَامِسَا

ومن المعروف أن سُلماً نازعت الأحامس (قريشاً) في حروب الفجار (7)، فكأنّ عمراً أراد بقوله السابق، ذمَّ سليم لمحاربتها قريشاً، بأنه سينتصر الحمس معبراً بذلك عن تعظيم الطلس للحمس.
فالمشروكون ينقسمون إلى ثلاث فرق دينية كبيرة لم تتصارع دينياً، وكانت كلّ فرقة تضم قبائل شتّى بعضها من عرب الشمال، وبعضها الآخرمن عرب الجنوب، وفي ذلك، دليل قوي على أن الانتماء الديني الجاهلي زاحم الانتماء النسبي بل غدا الدين نسباً عند أشتات من الناس، سُمّوا بالعباد( ).
لقد أثمرالتعايش بين المنتمين إلى الديانات الجاهلية المختلفة، والفرق الدينية الجاهلية تحت ظلال التسامح الديني تقارباً فكرياً ومعاشياً تطورت به حياتهم تطوراً تجاوزوا به الحدود النّسبية، وانطلقوا به نحوبناء صرح الأمة الأشمل، إنّ تتبع التقارب الفكري والمعاشي الناتج عن تسامح الجاهليين الديني جدير بدراسة خاصة تفيه حقّه، وتفي الجاهليين حقّهم، وتمنح أحفادهم رؤية جديدة لتراثهم الإنساني، ولكن ذلك لا يعفي -هاهنا- من النظر في ذلك التقارب.
إن المظهر الرئيس للتقارب الفكري بين المنتمين إلى الأديان الجاهلية المختلفة هو الإيمان باللّه الواحد، ربّ الكون، وخالقه، فاللّه هو الواحد الباقي في قول يزيد بن خذّاق الشَّنِّيّ يرثي نفسه( ):
هَوِّن عليكَ، ولا تُولَعْ بإشْفَاقِ
فإنّما مالُنا للواحِدِ الباقي

وله السيطرة على البلاد والعباد، فالأرض بلاد اللّه في قول حاتم( ):
فارْحَلْ فإنَّ بلادَ اللهِ ماخُلِقَتْ
إلاّ لِيُسْكَنَ منها السَّهْلُ والجبلُ

واللّه ربّ الناس في قول ابن عنمة الضبّي يمدح مُتَمّم بن نويرة( ):
جزَى اللّهُ ربُّ الناسِ عنّي مُتَمِّماً
بِخَيْرِ جَزَاءٍ ما أعَفَّ وأمْجَدَا

وهو صاحب المشيئة في الخلق في قول طرفة( ):
فَلَوْ شَاءَ ربّي كنتُ قيْسَ بنَ خالدٍ
ولو شَاءَ ربّي كنتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ

وصاحب المشِيئة في الانتماء الديني في قول أبي قيس بن الأسلت( ):
فلولا رَبُّنا كُنَّا يهوداً
ومادينُ اليهود بذي شُكُوكِ

ولولا رّبُّنا كُنّا نَصَارَى
مع الرُّهبانِ في جبل الجليلِ

ولكِنَّا خُلِقْنا إذ خُلِقْنا
حنيفاً دينياً عَنْ كلّ جيلِ

واللّه خير واقٍ في قول أُفنون التغلبي( ):
لَعَمْرُكَ مايدري امرؤٌ كيف يَتّقي
إذا هو لم يجعلْ لهُ اللهَ واقِياً

تلك مختارات من الأشعار الدالة على إيمان الجاهلي باللّه، ولو أرد باحث الاستقصاء فسوف يقف على أشعار كثيرة، ومعانٍ متنوعة تدل على التوحيد، غير أنها لا تدل علىمايميز بين دين جاهلي وآخر إلا في حالات قليلة، وكان ذلك سبباً في اختلاف الآراء حول الانتماء الديني لكثير من الشعراء الجاهليين وسبباً في اتفاق الآراء بل أكثرهاعلى شيوع الإيمان بالله بين الجاهليين( )، وهذا يعني أن الإيمان باللّه كان أصّلاً دينياً وفكرياً مشتركاً، انتهى إليه الجاهليون بعامة، ودلّ على تقاربهم الفكري والروحي.
ولمّاكان التأثير متبادلاً بين الفكر والسلوك فإن تسامح الجاهليين المؤمنين باللّه أسهم في وجود سبل للتعايش السلمي والتوحّد؛ فالجاهليون كانوا يعظمون الكعبة بعامة، ويحجون إليها، وكان موسم الحد هدنة تغمد فيها السيوف، فالعرب كانت (تحجّ في الجاهلية فلا يعرض بعضهم لبعض)( ).
كان للحج إلى الكعبة من شعائر الإيمان باللّه لدى الحنفاء والمشركين( )، فالحجاج يأتون إلى مكة لاعتقادهم بأنها بيت الله، يقول شاعرقرشي( ):
حُجَّاجَ بيتِ الله إنّ
ضُبَيْرةَ السَّهمِيّ مَاتَا

وأنهم بقدومهم إليها يحجون إلى اللّه( )، وذلك في أشهر معلومة، يقول خفاف بن ندبة( ):
وأَبَدى شُهورُ الحّجِّ منها محاسِناً
وَوَجْهاً متى يَحْلِلْ له الطِيبُ يُشرِقِ

وشهور الحجّ ثلاثة من أربعة الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم،، ورجب( )، وكان رجب (للعمّار يأمنون فيه مقبلين وراجعين، نصف شهر للإقبال ونصفه للإياب، إذ لا تكون العمرة من أقاصي بلاد العرب كما يكون الحج)( )، وكان الملتزمون بحرمة أربعة الأشهر المذكورة يعرضون في أثنائها عن اغتصاب الأموال، وعن الغزو وأخذ الثارات، ويرون في ذلك مفخرة يعتدّون بها( )، وقد دفع الاعتقاد بعظمة الأشهر الحرم بعض الجاهليين إلى انتظار حلولها ليطلبوا من الله فيها أن ينتقم من أعدائهم( ).
وكانت رغب بعض العرب الملتزمين بحرمة الأشهر الحرم في التعجيل بالغزو، والإغارة على الأعداء، سبباً في ابتداع النَّسِيء، وبه حَرّموا شهراًحلالاً (صفر)، وأحَلّوا شهراً حراماً (المحرّم)، وأول من نَسَأ الشهور، القَلَمَّس الكناني، وله في ذلك شعر( )، وقد بقي النَّسِئ في بني كنانة، وافتحرو به، كقول عمير بن قيس بن جذل الطّعان الكناني( ):
أَلَسْنا النَّاسئينَ على مَعَدٍّ
شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراماً

إن الإقرار بحرمة الأشهر الحرم هو التزام ديني أسهم في نشر الأمن والنظام بين الجاهليين في أوقات معلومة من كلّ عام، ويضاف إلى ذلك وجود واحة سلام دائم تحوط الكعبة، ومكّة، وتُسَمَّى الحَرَم، من دخله فهو آمن، ففي اليوم الأول من الفجار الثاني أدركت هوازن قريشاً وقد دخلوا الحرم، فأمسكوا عنهم، (ونادوهم، يامعشر قريش، إنها نعاهد اللّه أن لا نبطل دم عُروة الرحّال أبداً، ونقتل به عظيماً منكم)( )، وفي ذلك يقول خداش بن زهير العامري( ):
يا شِدَّةً، ما شَدَدْنا غَيْرَ كاذبةٍ
على سَخِينةَ لولا البيتُ والحَرمُ

ويؤكد الالتزام بالسلام داخل الحرم أن رجلين من لحيان كانا يسكنان الحرم، ولا يخرجان منه، فأحسّ أحدهما تنكُّراً من جيرانه بني ليث بن بكر، فقال لأخيه جنيدبٍ: (اخرج بنا من وسط بني بكر، فإنّي واللّه رأيت شأن القوم يريدون بنا غدرا، فقال جنيدب: واللّه ماعلينامن بأس، وإنا لفي الحرم، وما أنا بخارج منه.... وقعد جُنيدب جاراً لدار من بني ليث... ثم إن غيثاً وقع المغّمس، وراء الحرم بأميال، فقالوا لجنيدب: اخرج معنا إلى هذا الغيث، فقال: واللّه إنّي لأكره أن أخرج من الحرم... فقالوا: أمعنا تخاف؟... فخرج معهم، حتى دخل المغمّس، فأغاروا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله)( ).
والنظر في الخبرين السابقين يظهر الالتزام بالسلام داخل الحرم، وهذا الالتزام نابع من انتماء ديني يقرّ بقداسة الكعبة والحرم المحيط بها( )، ولم يكن القتل وحده مستنكراً في الحرم بل استنكر الظلم فيه أيضاً، يقول قيس بن شيبة السُّلمي، وقد ظُلِمَ في مكّة( ):
يالقُصَيٍّ كيف هذا في الحَرَمْ؟
فسارع بعض القرشيين إلىنصرة السُّلمي، وكان ذلك من أساب قيام حلف الفضول.
ويبدو أن من واجب سدنة البيت وولاة الأمر في مكة أن يمنعوا وقوع المظالم فيها، وفي الحرم كلّه، فمنع الظلم واجب ديني على قريش ولاة البيت، وكان هذا واجب علىبني خزاعة قبلهم، وقد افتخر عمرو بن الحارث الخزاعي بأن قومه ولو أمر البيت بعد جرهم ليمنعوه من كلّ ظالم، وليحافظوا على طهارته خوفاً من غضب الله وعقابه، يقول عمرو( ):
نحن ولينا البيت من بعد جُرْهُمِ
لِنَمْنَعَهُ من كلِّ باغٍ وآثِمِ

ونقبلَ ما يُهْدَى له، ولا نَمَسَّه
نخافُ عِقابَ اللهِ عندَ المحَارمِ

وحرم مكّة لم يكن دار أمان للإنسان فحسب بل للحيوان غير المستأنس أيضاً، فقد عرفت في قريش أسطورة تدل على تعظيم حرمة الحيوان في الحرم، وعلى شدة الانتقام ممن يصطاد فيه( )؟
وكان تعظيم الجاهليين لحرم مكة قابلاً للانتقال خارج نطاق الحرم، فقد كان (الرجل في الجاهلية يأخذ لحاء شجر الحرم، فيجعل منه قلادة في عنقه ويديه، فيأمن بذلك( )) وكان بعض الراجعين من الحج يعرضون عن أذى غيرهم، فقد ذُكر أن عميرة بن اليربوعي رأى ناساً يرعون السِّدْر، فتحَرَّف عنه مخافة أن يأخذوه، فناداه بعضهم: (إنما نحن صُدّارُ البيت فلا تخف)( ).
وهكذا نجد أن الزمان والمكان ينقسمان عند الذين يعظمون الكعبة، ويحجون إليها، إلى حل، وحرم( )، وقد أسهم التقيّد بحرمة الزمان (الأشهر الحرم) وبحرمة المكان (حَرَمَ مكة) في الحدّ من حروب الجاهلية، في إحلال السلام في ربوع الجزيرة العربية.
إنّ الذين عظّموا الكعبة، وحجُّوا إليها في الجاهلية هم مشركون وأحناف التزموا بسلوك ديني أسهم في تطور الجاهليين بالسلام في الأشهر الحرم، وفي حرم مكة، ولكنّ التزام المشركين بذلك السلام لم يكن مطلقاً، فقد وقعت حوادث انتهكت فيها الحرمات،ومن أبرز الأدلة على ذلك حروب الفجار( )، وقد سُمّيت بذلك (لأنها كانت في الأشهر الحرم، وهي الشهور التي يحرّمونها، ففجروا فيها)( )، ومن الأحداث الدالة على انتهاك الأشهر الحرم أيضاً قتل قيس بن زهير العبسي لابن الخمس التغلبي في الأشهر الحرم بعكاظ (5) ويُفهم من شعر للمهلهل أن أخاه كليباً قتل، وهو محرم، يقول مهلهل في رثاء كليب( ):
فَقَدْ تَرَو‍َّوْا مِنْ دَمٍ مُحْرمٍ
وانتهكُوا حُرْمَتَهُ مِنْ عُقُوقْ

إن انتهاك حرمة الأشهر الحرم من بعض المعظّمين لها يعوق السلام، ولكن فئة من الجاهليين كانت أكثر تعويقاً لأنها تحلّ تلك الأشهر، بيد أن اقتصارها على قبيلتين هما: طيء وخثعم( ) قّلل خطورتها على نظام الأشهر الحرم، وقلّل خطورة منتهكي حرمة تلك الأشهر أيضاًن وجود فئة من العرب وقفت أفرادها (على الدفاع عن الناس وحماية أموالهم وأرزاقهم في مواسم الحج، وقد دُعُوا بالذّادة المُحّرِّمين)( ).
وكذلك انتهكت حرمة مكة، فقد وثب بنو تميم على البيت الحرام (قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة، فاستلبوه، وأجمعت العرب عليها لما انتهكتْ مالم ينتهكه أحد قطّ، فأجلتها عن أرض تهامة)( )وهذا الخبر يدلّ على أن العرب بعامة كانوا يعظمون الكعبة، وأنهم قاوموا الاعتداء على حرمتها، وكذلك قاوموا محاولات صرف الحج عنها إلى مقدسات مستحدثة، فقد اتفق بنو بغيض من غطفان على أن يتخذوا (حَرَما مثل حرم مكّة، لا يُقتل صيده، ولا يُعضّد شجره، ولا يهاج عائذه)( )وحين أقاموا حرمهم، وبنوا حائطهم، علم بذلك زهير بن جناب الكلبي، فقال، واللّه لا يكون ذلك أبداً وأنا حيّ، ولا أُخلي غطفان تتخذ حرماً أبداً، ثم جمع قومه وأخبرهم بأن أكرم مأثرة يعتقدها هو وقومه أن يمنعوا غطفان من ذلك وأن يحولوا بينهم وبينه، فأجابوه إلى طلبه فغزا غطفان وخرب حرمهم( ).
إن وصف زهير لما سيفعله بحرم غطفان بأنه مأثرة عظيمة يدل على اعتقاده بأنّ فعله سيلقى تقديراً، وقبولاً حسناً من العرب بعامة، لأنهم يعظمون مكة ولا يرضون منافساً لها يضعف عقيدتهم، ويهدد وحدتهم الدينية.
وهكذا نجد أن المنتمين إلى الشرك والحنيفية قد سلكوا بسبب الانتماء الديني لكلّ منهم سلوكاً مسالماً في أشهر معلومة، وفي أماكن محددة، أبرزها حرم الكعبة، وقد جوبه سلوكهم السلمي بعوائق قوبلت بالتنديد تارة، وبالقوة تارة أخرى.
ولكن التحدي الأكبر جاء من اليمن ومن نجران بخاصة، فقد بُني فيها دير (وهو المسمى كعبة نجران، كان لآل عبد المدان بن الديان، سادة بني الحارث بن كعب، وكان مربعاً، مستوي الأضلاع، والأقطار، مرتفعاً، يصعد إليه بدرجة على مثال الكعبة، فكانوا يحجّونه، هم وطوائف من العرب، مِمنّ يُحِلّ الأشهر الحرم، ولا يحجّون الكعبة، وتحجّه خَثْعَم قاطبة).
إن الرواية السابقة تدفع إلى القول بوجود منافسة بين عرب الشمال الذين يعظمون مكة والأشهر الحرم، وعرب الجنوب ومنهم بنو الحارث بن كعب وخثعم، ولكن غربلة الأخبار والأشعار تدل على أن التنافس بين كعبة مكة وكعبة نجران كان تنافساًبين الشرك والمسيحيّة، فنجران كانت المركز الرئيس للنصارنية في اليمن آنذاك، وكان فيها أساقفة، ورجال دين مسيحيّون( )، ويؤكد الوجه الديني لذلك التنافس أن كثيراً من أهل اليمن كانوا يحجّون إلى كعبة مكة لأنهم مشركون، ومن الشعر الدال على ذلك قول حاجز بن عوف الأزدِيّ يصف أعداءه( ):
فَلَمْ نَشْعُرْ بِهِمْ حَتَّى أَتَوْنا
كَحِمْيَرَ إذْ أناخَتْ بالجِمَارِ

إنَّ إناخة حمير بالجمار لدليل على تعظيم كثير من أهالي اليمن لكعبة مكة، ولو كان التنافس بين الكعبتين قبلياً أو وطنياً لحجّت حمير إلى نجران فهي وأهلها أقرب إلى حمير وطناً ونسباً( )ولكن تحدّي نجران لمكة لم يعق سلوك السلام في الجزيرة العربية، فالتنافس بينهما لم يكن تناحرياً حربياً بل دينياً وسياسياً مسالماً، ومتسامحاً، ولقد أشير سابقاً إلى التسامح الديني بين المسيحيين والمشركين، وإلى اتفاقهما حول الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ويضاف إلى ذلك هاهنا اشتراكهم بإشاعة السلام في الجزيرة العربية بطرق مختلفة؛ فالمشركون لهم أشهر حرم، وأماكن حرم، والمسيحيون لهم عقيدة تنص على التسامح، وعلى إشاعة السلام والعدل، أما التسامح فقد مضى الحديث عنه، ولكني أستحسن مع ذلك الإشارة إلى قول عدي بن زيد العبادي( ):
وما بدأتُ خليلاً لي أخا ثِقَةٍ
بِرِيبَةٍ، لا وربِّ الحِلِّ والحَرَمِ

فَقَسَمُ عدي، وهو نصرانيّ، بربّ الحلّ والحرم يدل على تعظيمه لمن ارتضى الالتزام بنظام الأشهر الحرم، والأماكن الحرم، وأرى أن تعظيم عديّ -هاهنا- له دافع ديني مسيحي يلتقي مع المشركين والأحناف في الإيمان بالله، وفي العمل من أجل السلام، فكيف عمل العرب المسيحيون من أجل إشاعة السلام بين الجاهليين؟
إن أخبار الجاهيلة لا تدل على وجه حركة مسيحية منظّمة تدعو إلى إشاعة السلام، ولكن العقيدة المسيحية نفسها تدعو إلى السلام، وتنفّر من الحرب، وهي من العقائد المعروفة في الأرض العربية، وكان لها أثر في تفكير الناس وسلوكهم، ومما يدلّ على معرفة كثير من الجاهليين لذلك قول قُريط بن أنيف( ):
لكنَّ قَوْمي وإنْ كانوا ذّوي عَدَدٍ
لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيْءٍ وإنْ هانا

يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظلْمِ مَغْفِرَةً
ومِنْ إساءَة أَهْلِ السُّوْءِ إحْسَانا

كأنَّ ربَّكَ لم يَخْلُق لِخَشْيَتِهِ
سِواهُمُ مِن جميعِ الناسِ إِنْسَانا

إن هذه الأبيات تشير إلى معرفة العرب لديانة ترى أن من خشية الله الصبَر على الظلم، ومقابلة الإساءة بالإحسان، وماتلك الديانة إلى المسيحيّة، ويؤكد ذلك قول جابر بن حُنَيّ التغلبي( ):
وَقَدْ زَعَمَتْ بَهْرَاءُ أنَّ رِمَاحَنَا
رِمَاحُ نَصَارى لا تَخُوضُ إلى الدَّمِ

ويبدو أن قوم جابر كانوا نصارى، ولكن رماحهم كانت تخوض إلى الدماء، وكذلك كان حال رماح الغساسنة، وغيرهم من العرب المسيحيين، ولكن ذلك لا ينفي وجود نصارى التزموا بدعوة عقيدتهم إلى السلام: ووجود تأثر بذلك من غير النصارى.
وكذلك أسهم الانتماء الديني في توجيه سلوك الجاهليين نحو إقامة العدل، ومحاربة الظلام، فعدي بن زيد العباديّ يدعو إلى العدل بقوله:(وبالعدل فانطق إن نَطَقْتَ)( )، وإلى التوبة عن الخطايا في قوله( ):
رَحِمَ الله مَنْ بكى لِلْخَطايا
كلُّ باكٍ فَذَنْبُهُ مَغْفُورُ

إن دعوة عديّ، وهو مسيحي، إلى العدل وإلى السلوك القويم تلتقي مع ما دعا إليه بعض الشعراء غير النصارى، فالنابغة مدح النعمان بن المنذر بالعدل والوفاء( ):
أَبَى اللّهُ إلاّ عَدْلَهُ وَوَفَاءَهُ
فلا النُّكْرُ مَعْروفٌ، ولا العُرْفُ ضائعُ.

وبمثل ذلك مدح الغساسنة( ):
مَخَافَتُهُمْ ذاتَ الإلهِ وِدَينُهُمْ
قويمٌ، فما يَرْجُونَ غير العواقِبِ

إن خشية الله تدفع إلى إقامة العدل، وإلى السلوك القويم، وذلك عند المؤمن باللّه خير زاد في قول المتلّمس الضُّبَعِّي( ):
وَأَعْلَمُ عِلْمَ حَقٍّ، غَيْرَ ظنٍّ
وتقوى اللّهِ مِنْ خَيْرِ العَتادِ

ورهبة اللّه أحد سببين لإعراض ذي الإصبع العدواني عن أذاة ابن عمه، يقول ذو الإصبع مخاطباً ابن عمه( ):
لولا أواصِرُ قُرْبَى لَستَ تَحْفَظُها
وَرَهْبَةُ اللّهِ في مَوْلىً يُعَادِيني

إذاً بَرَيْتُكُ بَرْياً لا انْجِبارَ لَهُ
إنّي رَأَيْتُكَ لا تَنْفَكُّ تَبْرِيني

إن خشية الجاهلي للّه جعلته يتقيد بأمور يوجبها عليه انتماؤه الديني، ويبدو من شعر لعمرو بن الإطنابة الخزرجي أن تلك الأمور كان لها الصدارة بين الأمور التي ينشغل بها قومه في مجالسهم، يقول عمرو( ):
إنّي مِنَ القَومِ الذينَ إذا انْتَدَوْا
بَدَأوا بِحَقِّ اللِه ثُمَّ النائلِ

لقد أسهمت الانتماءات الدينية الجاهلية في تطوير حياة الجاهليين، وقد دّلّ على ذلك سيادة التسامح الديني بينهم، وشيوع الإيمان باللّه الواحد، رب الكون والناس كلهم، وكذلك إحلال السلام في شهور معلومة، وأماكن محددة، وفي تَسَرّب مفاهيم دينية عن السلام والعدل والحقّ إلى نفوس الجاهليين، وفي ذلك تطوير للانتماءات النسبية، والمكانية والاجتماعية والسياسية؛ فالإيمان بالله الواحد يشمل الانتماءات السابقة، ويطّورها، ولمّا كان التعصّب للنسب الصريح أكثر تعويقاً لتطور الجاهليين من الانتماءات الأخرى فسوف أبرز أثر الانتماءات الدينية في تطور الانتماء النسبي الصريح.
قسمت الانتماءات الدينية الجاهلية الناس إلى مجموعات يربط بين كل منها رابط الدين لا النسب، مع ملاحظة أن الدين يطور النسب، ولا يلغيه، وقد مر امتناع ذي الإصبع العدواني عن بري ابن عمه لسببين: هما: أواصر القربى (النسب) ورهبة اللّه (الدين).
إن ماذكر عن تعايش القبائل تحت ظلال التسامح الديني، والإيمان بالله الواحد، والحج إلى البيوت المقدسة، ولاسيما مكة والإقرار بوجود واحات السلام، وأشهر حرم، والدعوة إلى إقامة العدل الذي يرضاه الله - يدلّ على تواصل الجاهليين، وعلى انقسامهم أيضاً وفق أسس عمادها الدين.
وإن في إقرار قبيلة بتقديم غيرها عليها لأسباب دينية دليلاً على تطامن العصبية للنسب الصريح أمام الانتماء الديني، وعلى استعداد القبائل للانقياد إلى قبيلة تمتلك قيماً دينية تتطور بها، بل كان في شعائر الحج مايدل على استعداد القبائل للانقياد إلى رجل واحد يلي شؤونها الدينية، وقد اشير إلى مايدل على ذلك في نسئ القَلّمّس الكناني ثم أولاده من بعده للشهور، ومثل ذلك انقياد الحُجّاج إلى رجل واحد يخطبهم ويجيزهم، فيدفع بهم من عرفات( ).
وكان الانتماء الديني من أسباب الاعتقاد بأن الناس متساوون، وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص( ):
أَبْلِغْ جُذاماً ولَخْماً إنْ عَرَضْتَ لَهُمْ
والقومُ ينفَعُهُمْ عِلْمٌ إذا عَلِمُوا

بأنّكمْ في كتابِ اللهِ إخوانُنا
إذا تُقُسِّمَتِ الأرْحامُ والنّسَمُ

إن الشاعر أسدي من عرب الشمال يعتقد بأخوّته للخم وجذام، وهم من عرب الجنوب وتلك - لعمري- إخوة إنسانية تدل على تجاوز فئة من الجاهليين بالدين للعصبية النسبية، واقترابها من حدود العروبة والإنسانية.
لقد ظهرت لنا الآثار العميقة لانتماءات الجاهليين الدينية في تطوير حياتهم، ولست أجد بعد ذلك مايوجب الدلالة على شدة تدين الجاهليين، أو مايوجب الرد على القائلين بأن الجاهلي كان لا يؤمن إلا بالحياة الحاضرة فلو كان الأمر كذلك لَمَا كان للدين تلك الآثار العميقة( )، ولما كان التدين من سمات الجاهليين، وكان الإيمان بالله متغلغلاً في نفوسهم فإن كثيراً منهم وجدوا في الانتماء الديني الطمأنينية، والعزاء للنفوس المتعبة، وقد دّل على مثل ذلك عدي بن زيد، وهو في سجن النعمان، في قوله( ):
وإنّي قَدْ وَكَلْتُ اليومَ أمْري
إلى رّبٍّ قَريبٍ مُستجيبِ

***
2- الانتماء العربيّ
1- التكوين التاريخي للعرب الجاهليين:
شهد العصر الجاهلي إرهاصات الولادة الطبيعية للأمة العربية، ففي أثناء التفاعل الإنساني الطويل فوق الجزيرة العربية وفيما حولها، تكونت علاقات تواصل كثيرة بين سكان تلك الجزيرة، وحدث ارتباط وثيق لهم بها، وظهر بذلك وجود إنسانيّ عربي متميز بلغة محددة، وأرضٍ تتحدّد أطرافها، وثقافة خاصة، وهذا التمّيّز صنعه الجاهليون بالحرب والسلام، وبالعصبية والتسامح، وبالارحال والاستقرار، وبالشعر والدين، وبغير ذلك، لقد صنع الجاهليون تاريخاً مشتركاً( )، فتشابهت ظروفهم، وتحتّم عليهم لذلك أن يَتَّحد جُهدهم، وفكرهم من أجل حذف مايعوق التطور (التشرذم وعدم الاستقرار) وإضافة مايحقق التطور (الوحدة والاستقرار).
لقد تبين لنا في أثناء هذه الدراسة أن العصبية للنسب الصريح كانت العائق الأكبر لتطور الإنسان الجاهلي، ولكن رغبته في التخلص من عوائق تقدمه دفعته إلى الحدّ من غلواء العصبية إلى ذلك النسب؛ فكان التواصل بين الجماعات الصريحة بالزواج والالتصاق، وبالاستقرار المكانيّ، وبتشكيل طبقات اجتماعية وسياسية، وبالحلف والجور، ومايشبههما، وبالانقسام والتوحّد الدينَّيين، وبذلك التواصل تنوع انتماء الإنسان الجاهلي، وازداد شمولاً إذ تجاوز إطار القبيلة: أبناءها الصرحاء، ومنازلها، وديانتها؛ فكانت الانتماءات المكانية والسياسية والاجتماعية والدينية المتنوّعة، والمطوّرة للانتماء النسبيّ الصريح.
ولكن الانتماء الأكثر شمولاً وتطويراً هو الانتماء العربيّ الذي يشمل، ويوحّد في إطاره تلك الانتماءات المتنوعة، والمختلفة اتساعاً وشمولاً.
إن الانتماء العربي الجاهلي له وجود موضوعي وحقيقي قوامه الناس الذين يتكّلمون اللغة العربية فوق أرض اختصّوا بها، وتطّوروا فوق ترابها، فارتبطوا بها بطرق معاشية مختلفة، كما ارتبط بعضهم ببعض بروابط اجتماعية وسياسية ودينية ومختلفة.
لقد عرفنا أولئك السكان في أثناء الحديث عن الانتماء النسبي الصريح والانتماء النسبيّ غير الصريح الذي عرفنا فيه أيضاً إدراك الجاهليين لتمايزهم باللغة العربية، وكذلك عرفنا تفاعل أولئك السكان مع أرضهم في أثناء الحديث عن الانتماء المكاني، كما عرفنا في ثلاثة الانتماءات المذكورة، وفيما تلاها في هذه الدراسة صوراً كثيرة لتواصل الجاهليين، وتملّكهم قيماً مشتركة، ومن المؤكد أن تكرار ماذكر آنفاً لا يغني هذه الدراسة، ولكنّ الإشارة إلى مظاهر أخرى للتواصل بين الجاهليين فيها تأكيد على تعدّد مظاهر التقارب التي جمعت القبائلَ بل ا لسكانَ تحت راية الانتماء العربي.
من مظاهر تقارب الجاهليين إقرار بعضهم لبعض بالفضل والتقدم، أو بالتساوي في المنزلة، ومن الإقرار بالتساوي قول الخنساء السُّلمية تصف بني جُشَم( ):
وهُمْ أكْفَاؤنا في كلِّ خَيْرٍ
وَهُمْ أكفَاؤنا في كلِّ شَرِّ

ويشبه قول لبيد العامري يصف عزّة قومه( ):
يَرْعُونَ مُنْخرِقَ اللّديدِ كأَنَّهُمْ
في العزِّ أُسْرَةُ حاجبٍ وَشِهابِ

وله بعد هذا البيت في رواية( ):
مُتَظَاهرٌ حَلَقُ الحديدِ عليهمُ
كبني زُرارةَ أو بَني عَتّابِ

لقد شبه لبيد عزّة قومه بني جعفر بن كلاب العامريين بأسرة حاجب الدّارميّ، وشهاب اليربوعي، ثم شبههم، وقد لبسوا الدروع، ببني زرارة أو بني عتّاب، وهؤلاء، وأولئك من تميم.
إن تشبيه لبيد لقومه، وهو يفتخر بهم، بأسرٍ تميمية يدل على إقراره وغيره بمبدأ التساوي بين الصرحاء، بل إن في تشبيه لبيد مايوحي بإقراره بتقديم أولئك التميمين على قومه.
ومن إقرار الصرحاء بتقدُم بعضهم على بعض وجود حكام يقضون بين متخاصمين يفدون إليهم، يقول المثقب العبديّ( ):
مَثَلاً يضرِبُهُ حكَّامُنا قَولُهمْ: (في بيتهِ يُؤتى الحَكَمْ).
فالحَكَمُ يأتيه متخاصمون من غير قبيلته، فيقضي بينهم، ويظهر ذلك في المنافرات، ومنها المنافرة بين عامر بين الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريَّيْنِ، وقد أنشدت فيها أشعاراً كثيرة، منها قول مروان بن سُراقة العامري حين طُلب من قريش أن تحكم بين عامر وعلقمة( ):
يَالَ قُرَيشٍ بَيِّنُوا الكَلاَما

إنّا رَضِينا مُنكُمُ الأحْكَامَا

وقول لبيد حين طُلِب من هَرِم بن قطبة الفزارِيّ أن يحكم بينهما( ):
يا هَرِم بنَ الأكرَمينَ مَنْصِبا

إنّكَ قَدْ وَليتَ حُكْماً مُعْجبا

فاحْكُمْ وَصَوِّبْ رأس مَنْ تَصَوَّبا

إنّ في المجيء، إلى الحكم، والرضا بحكمه تقديراً وتقديماً للحكم ولقومه، وإقراراً بوجود قيم مشتركة، يتم الحكم بين الجاهليين على أساسها.
ويكثر إقرار الصرحاء لبعضهم بالفضل والتقدم في أشعار المديح والرثاء، وعلى الرغم من اختلاف دوافع الشعراء في المديح والرثاء، فإنّ أشعارهم في ذلك قاربت بين الجاهليين، وأظهرت فضل بعضهم على بعض ومن ذلك المديح قول عامر بن مالك العامِريّ يذكر يداً لأوس بن حارثة الطائي عليه( ):
أَلمْ تَرَنِي رَحَلْتُ العِيسَ يَوْماً
إلى أَوْسِ بنِ حارثَةَ بنِ لأْمِ

إلى ضَخْمِ الدَّسِيعَةَ مَذحجِيٍّ
نَمَاهُ منْ جَديلَةَ خَيْرُ نامِ

ومن ذلك الرثاء قول زينب بنت مالك العامريّة ترثي يزيد بن عبد المدان الحارثي، وكان له يدٌ عندها( ):
سَأبكي يزيدَ بنَ عبدِ المَدانِ
على أّنَّهُ الأَحْلَمُ الأكْرمُ

رِمَاحٌ مِنَ العَزْمِ مَرْكوزَةٌ
مُلوكٌ إذا بَرَزَتْ تَحْكُمُ

ومن تواصل القبائل الرضا بإشهاد الأباعد على حسن الفعال كقول حاتم الطائي يخاطب ملكاً( ):
فَتَجَمَعَ نُعْمَى على حاتمِ
وتُحْضِرَها مِن مَعَدٍّ شُهُودا

وإذا كان حاتم، وهو من عرب الجنوب، يرضى بإشهاد عرب الشمال (معدّ)، فإن بعض الشعراء افتخروا بإشهاد القبائل كلها على أفعالهم، ومنهم عبد اللّه بن رواحة في قوله( ):
وَقَدْ عَلِمَ القبائلُ غَيْرَ فَخْرٍ
إذا لم تُلْفَ مائِلَةً رَكُودا

بِأَنَّا تُخرجُ الشَّتَواتُ مِنّا
إذا ما استحكمتْ حَسَباً وُجُودا

وكانت التجارة من أسباب التقارب بين الجاهليين، فالتجارة تستدعي الارتحال من مكان إلى آخر، وتحتاج إلى الأمن، وقد تحقق ذلك بنظام الإيلاف بخاصة (فكانت قوافل قريش تخرج من مكّة آمنة إلى مقاصدها، وكذلك كانت قريش تخفر التجار الذين يمرون ببلاد مضر)( )، والظاهر أن القوافل التجارية كانت تحظى بالحماية، وكذلك الأسواق التجارية، ومن جيد الشعر الذي يصور الارتحال الآمن للتجار ببضاعتهم قول أبي ذؤيب الهذلي( ):
فَمَا فَضْلَةٌ مِنْ أَذْرِعاتٍ هَوَتْ بها
مُذَكَّرةٌ عَنْسٌ كهاديةِ الضَّحْلِ

سُلافَةُ راحٍ ضَمَّنَتْها إداوةٌ
مَقيّرةٌ رِدْفٌ لُمؤْخِرَةِ الرَّحْلِ

تَزَوَّدَها مِنْ أَهل بُصرى وغزَّةٍ
عَلَى جَسْرِةٍ مَرْفُوعَةِ الذَّيْلِ والكِفْلِ

فَوافَى بها عُسْفَانَ ثُمَّ أتَى بها
مَجَنَّةَ تَصْفُو في القِلالِ ولا تَغْلِي

وراحَ بها مِنْ ذي المَجَازِ عَشِيَّةٌ
يُبَادِرُ أُولَى السَّابِقَاتِ إلى الحَبْلِ

فَجِئْنَ وجاءَتْ بَيْنَهُنَّ، وإنّهُ
لَيَمْسَحُ ذِفْرَاها، تَزَعَّمُ كالفَحْلِ

فجاءَ بها كَيْما يُوَفِّيَ حَجَّهُ
نَديمُ كِرامٍ غَيْرُ نِكْسٍ ولا وَغْلِ

فباتَ بِجَمْعٍٍ ثُمَّ تَمَّ إلى مِنىً
فَأَصَبَحَ رَاداً يَبْتَغِي المِزْجَ بالسَّحْلِ

فجاءَ بَمْزجٍ لم يَرَ الناسُ مِثْلَهُ
هُوَ الضَّحْكُ إلاّ أنّهُ المِزْجَ بالسَّحْلِ

يَمَانِّيةٍ أحْيَا لها مَظَّ مأبَدٍ
وآلَ قَرَاسٍ صَوْبُ أَرْميَّةٍ كُحْلِ

فَما إنّ هُمَا في صَحْفَةٍ بارِقيَّةٍ
جديدٍ أُرِقّتْ بالقَدُومِ وبالصَّقْلِ

بأطْيَبَ مِن فيها إذا جئتُ طَارقاً
وَلَمْ يُتَبّيَّنْ ساطِعُ الأُفُقِ المُجْلي

إنّ الأبيات السابقة تقدّم لنا تصويراً لبعض مظاهر تجارة الجاهليين التي تحقّق بها التواصل والأمن، فهي تشير إلى تاجر *** الخمر من أطراف الشام، من سوق أذْرِعاتِ، وقد ابتاعها من أهل بُصرى وغزّة، فوافى بها عُسْفَان (منهل ماء بين مكة ويثرب) ثم أتى بها سوق ثم ذي المجاز بعرفة، وقد جمع ذلك التاجر بين الحدجّ والتجارة، فأدّى شعائر الحج، وإضافة إلى الخمرة الشآمية تذكر الأبيات العسل المجلوب من اليمن، والجفنة المصنوعة ببارق( ).
لقد ذُكرت في الصفحات الآنفة نبذة يسيرة من تفاعل الجاهليين وقد أفضى ذلك التفاعل إلى وجود ثقافة مشتركة تُمّيّز الجاهليين بلغتهم، وأساليب تعبيرهم وطرق تفكيرهم وبلباسهم وأنماط حياتهم الاقتصادية والسياسية، وبغير ذلك، فكان حَرِيّاً بالجاهليين لذلك أن يتوحدوا في كيان سياسي يلمّ أشتاتهم كلّها أو أغلبها، ولكن الطبقة الملكية كانت عاجزة عن تحقيق ذلك( ).
***
2- القحطانيّون والعدنانيّون:
إن عجز الطبقة الملكية عن تحقيق الوحدة السياسية لا ينفي وجود الظروف الموضوعية اللازمة لتحقيقها.وهي ظروف أوجدها جدل الإنسان الجاهلي فوق أرضه، وهي بانتظار الإرادة الإنسانية الفاعلة، والمسلّحة بماعجزّت عنه الطبقة الملكية، وإن من أبرزّ ماتَهَيّأ في الجاهلية لظهور الوحدة وجود تجمعات قبلية كبيرة ترجع في عرف الجاهليين إلى أصلين: جنوبي قحطّاني، وشماليّ عدنانيّ.
لقد كثرت في الشعر الجاهلي الإشارات الدالة علىتلك التجمعات، ومنها بنو قيس عيلان وبهم افتخر عامر بن الطفيل في قوله( ):
وما الأرضُ إلاّ قَيْسُ عَيْلانَ أَهْلُها
لَهَمْ ساحَتَاها: سَهْلُها وَحُزُومُها

ومنها بنو خِنْدِف وهي أم أولاد الياس بن مضر، ومن الشعرالدال على ذلك قول قصي بن كلاب( ):
أُمَّهتي خَنِدَفُ والياسُ أبي

وقول عامر بن مالك العامري، وعامر من قيس عيلان، يفخر على بني تميم، وهم من خِندف( ):
وقامَتْ رجالٌ مِنْكُمُ خِنْدِفيَّةٌ
يُنادُونَ جَهْراً لَيتنا لم نُقاتِلِ

ولقد تكوَّنَ تجمع قيس عيلان من قبائل كثيرة في مقابل تجمع خندف، ويبدو من أخبار الجاهلية وأشعارهم وجود تنافس بين قيس وخندف، ومن الشعرالدال على ذلك قول خداش بن زهير العامري( ):
ألم يبلغْكَ بالعَبلاءِ أنّا
ضَرَبْنا خِنْدِفاً حتَّى استقادوا

نُبَنِّي بالمنازِلِ عِزَّ قَيْسٍ
وودّوا لو تَسيخُ بنا البلادُ

والتنافس بن قيس عيلان وخندف لا يخفي وعيهما بالانتساب إلى مضر، فالياس، والد بني خندف، وقيس عيلان ولدهما مضر بن نزار( )، وكان المضريون يشعرون بأنهم تجمع واحد تقابله تجمعات نسبية أخرى، ومن الشعر الموحي بذلك قول سلامة بن جندل من قصيدة يفخر فيها بانتصار بني منقر، وهم من تميم، من خندف، من مضر، على الحوفزان الشيبانّي( ):
ألاَ هَلْ أتَى أفناءَ خِنْدِفَ كُلَّها
وعَيلانَ إذا ضمَّ الخميسيينِ يَتْرَبُ

فإذا عرفنا أن المنتصر عليهم، بني شيبان، يرجعون إلى بني ربيعة بن نزار أدركنا إيحاء البيت السابق بوعي الشاعر لوجود تجمّع نسبي كبير يضم بني مضر بن نزار في مقابل بني ربيعة بن نزار، ومن الشعر الذي ذُكرت فيه ربيعة قول عمرو بن كلثوم( ):
لَقَدْ عَلِمَتْ عُليا ربيعَةَ أنَنَّا
ذُراها، وأَنَّا حِينَ تُنسَبُ جيدُها

وإضافة إلى مُضر وربيعة بن نزار بن معد إياداً، وأنماراً( )، ومن ذكر إياد في الشعر قول الحارث بن دوس الإيادي( ):
وفُتُوٍّ حسن أَوْجُههمْ
مِنْ إيادِ بن نزارِ بن مَعَدّ

وإضافة إلى نزار ولد مَعَدٌّ قُضَاعة( )، ومن الشعر الذي ذكرت فيه قضاعة قول زهير بن أبي سُلمى يصف الحرب ( ):
قَضَاعِيَّةٌ أو أُخْتُها مُضَرِيَّةٌ
يُحَرَّقُ في حافاتِها الحَطَبُ الجَزْلُ

وأما ذكر معدّ في الشعر الجاهلي فكثير، ومنه قول عمرو بن كلثوم( ):
وَقَدْ عَلِمَ القبائِلُ مِنْ مَعَدًّ
إذا قُبَبٌ بأبْطَحِهِا بُنْينا

بأنّا العاصمونَ إذا أُطِعْنا
وأنّا العارِمُون إذا عُصيْنا

إن (مَعَدّاً) تجمّع قبليّ كبير انتمى إليه أكثر العرب المقيمين في الشمال وبعض العرب المقيمين في الجنوب، ومن الفخر بالانتماء إلى معد قول المثّقب العبدي( ):
أنا بَيْتي مِنْ مَعَدٍّ في الذُّرَى
وَلِيَ الهامَةُ والفَزْعُ الأشَمْ

ومثل ذلك قول عمرو بن حَوْط اليربوعي يفخر بقومه( ):
فَمَا قومٌ كقومي حين يخشى
على الخَوْذِ المُخَدَّرَةِ الفِضاحُ

أذبُّ عَنِ الحفائظِ في مَعَدٍّ
إذا ما جَدَّ بالقومِ النَّطاحُ

وإضافة إلى معدّ، وَلَدَ عَدْنانُ بن أُدَد الحارثَ، وهو عَكٌ( )، وللعباس بن مرداس السلمّي شعر يذكر فيه مجمل القبائل العدنانية، وذلك في قوله يخاطب عمرو بن معد يكرب الزبيدي القحطاني( ):
وإنّ تَكُ مِنْ سَعْدِ العشيرةِ تلْقني
إلى الفرع من قيسِ بن عيلانَ مَوْلدي

إلى مضرَ الحمراءَ تنمِي جُدودُنا
وأحسابُنا إذْ مَجْدُنا غيرُ قُعْدُدِ

فسائِلْ بنا عُليا ربيعة إنّها
أخونا وإن نقصرْ عن المجدِ نَزْدَدِ

وإنْ أدعْ يوماً في قُضاعةَ تَأتني
شآبيبُ بحرٍ ذي غوارب مزبد

وعكُّ بن عدنانَ الذين تلاعَبُوا
بِغَسَّانَ حَتّى طُرِّدوا كُلَّ مَطْرَدِ

إنّ العباس بن مرداس يفاخر بانتمائه العدنانيّ، وهو يعي أن عمرو بن معد يكرب ينتمي إلى تجمع نسبي كبير مغاير، وهو تجمع القحطانيين، وقد ذُكر قحطانُ في شعر سلامة بن جندل التميمي العدناني صراحة، وذلك في قوله:
والحيُّ قَحطانٌ قِدْماً مايزال لها
مِنّا وقائِعُ مِنْ قَتْلٍ وتَعْذِيبِ

وفي المقابل كان القحطانيون يعون انتسابهم إلى تجمع قبليّ كبير، ومنهم كعب بن مالك الأنصاريّ الذي افتخر بقوله( ):

أنَا ابنُ مُبَارِي الريحِ عمرو بن عامرٍ
نَمَوْتُ إلى قَحْطَانَ في سالِفِ الدَّهْرِ

وكان القحطانيون يعون أيضاً وجود تجمع قبلي كبير مغاير لهم، هو تجمّع العدنانيين، ومن الأشعار الدالة على ذلك قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي، القحطاني يخاطب عامر بن الطفيل ووالده الطفيل( ):
يا ابني نزارٍ لقد لاقيتما عَجَباً
مِنّا ومِنْ سادةٍ عَنْ فعلكم أنِفُوا

وكذلك افتخر امرؤ القيس، فذكر معّداً في قوله( ):
وأنا الذي عَرَفتْ مَعَدٍّ فَضْلَهُ
وَنَشَدْتُ عن حُجْرِ بنِ أمِّ قَطَامِ

ونسب الأفوهُ الأودّي القحطاني تجمّعَ العربِ الشماليين إلى هاجر أمّ إسماعيل، في قوله( ):

يا بني هاجرَ ساءَتْ خُطَّةً
أنْ تروموا النّصفَ مِنّا ،ونُجَارُ

لقد تعارف الجاهليون على أن الصرحاء ينتمون إلى تجمُّعَين قَبَليَّيْن كبيرين، ويبدو من علاقة كلّ منهما بأرضه أن القحطانيين قد بلغوا منزلة من التطور والتوَحّد تفوق منزلة العدنانيين، فالقحطانيون، يجمعهم انتماء مكاني واحد، هو الانتماء إلى اليمن، وأما العدنانيون فتفرقهم انتماءات مكانية، فمنهم نجديون، وحجازيون، وتهاميون وغير ذلك، وقد أدى اتصال موطن القحطانيين بمواطن العدنانيين اتصالاً طبيعياً مُيَسّراً إلى شدة التفاعل بينهما، وهو تفاعل بين تجمعين أحدهما أرقى من الآخر، ولكنه تفاعل مهمّ في تاريخ صنع الإنسان الجاهليّ لانتمائه العربي.
كانت التجارة من المظاهر البارزة للتواصل بين الشماليين والجنوبيين، وكذلك التقارب الديني بينهما، ولكن المظهر الأكثر بروزاً للتواصل هو الهجرات البشرية من موطن إلى آخر، وكانت أغلب الهجرات من الجنوب إلى الشمال، ومن ذلك نزول طيء في جبلي أجأ وسلمى، ونزول الأوس والخزرج في يثرب.
وقدعبرّ التفوّق الحضاريّ للجنوبيين على الشماليين عن نفسه بسيطرة سياسية للقحطانيين على العدنانين، فكانت الطبقة الملكية العربية في الجاهلية قحطانية نسباً، وقد ارتضى قسم من العدنانيين ذلك، وأقرّوا بتقدم القحطانيين عليهم، ومن الأخبار البالغة الدلالة على ذلك أن يزيد بن المدان الحارث، المذحجّي القحطاني، قال لعامر بن الطفيل الهوازنيّ، العدنانيّ: يا عامر، هل تعلمُ شاعراً من قومي رحل بمدحةٍ إلى رجل من قومك؟ قال اللهم لا، قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدائحهم إلى قومي؟ قال: اللهمَّ نعم، قال: فهل لكم نجمٌ يمانٍ أو بُرْدٌ يمان أو سيف يمان أو رُكْنٌ يمانٍ؟ قال لا، قال: فهل ملكناكم ولم تملكونا؟ قال: نعم، فنهض يزيد، وأنشأ يقول:
أُمَيَّ يا بنَ الأسكرِ بن مُدْلِجِ
لا تَجْعَلَنْ هَوَازناً كمذْحِجِ( )

إن رفض يزيد للمساواة بين هوازن (العدنانيين) ومذحج (القحطانيين) مُعَلَّل بأمور منها التبعِيَّة السياسية والتقدم الحرفيّ وقد اتصل الخبر السابق بشعر لمرّة بن دُودانَ العامريّ، فقد طلب منه العامريون أن يهجو بني الدّيان رهط يزيد، فلم يطاوعهم، واستبدل بالهجاء مديحاً، فقال( ):
تُكَلفَّني هوازِنُ فَخْرَ قَوْمٍ
يقولون: الأنامُ لنا عبيدُ

أبونا مَذْحِجٌ وبنو أبيهِ
إذا ما عُدَّتِ الآباءُ هُودُ

وَهَلْ لي إنْ فَخْرتُ بغيرِ حَقٍّ
مَقَالٌ، والأنامُ لهم شُهُودُ

فَأَنَّى تَضْرِبُ الأعلامُ صَفْحاً
عَنِ العَلْياءِ أمْ ذا يَكيدُ

فقُولوا يا بني عَيْلانَ كنَّا
لُهم قِنَّا، فَمَا عَنْها مَحِيدُ

إن مرَّة العامِريّ يعلن عجزه عن مفاخرة القحطانيين ومنهم ملوك استعبدوا قومه.
وحين توفي يزيد بن عبد المدان رثته زينب بنت مالك العامرية، فلامها بنو عامر على رثائها له لأن يمان، وهم نزاريون، فقالت لهم( ):
ألاَ أيُّها الزَّاري عَلَيَّ بأنَّني
نِزَارِيّةٌ أبكي كريماً يَمَانيا

ومالِيَ لا أبْكِي يزيدَ وَرَدَّني
أجُرُّ جَديداً مِدْرَعي وَرِدائيا

فموقف بني عامر (العدنانيين) ليس واحداً من القحطانيين، فمنهم من يقر بفضل القحطانيين وتقدمهم، ومنهم من يجحد ذلك، فزينب رثت يزيد لأنه أسر أخوين لها ثم أطلق سراحهما بغير فداء( )، فعرفت له ذلك، وجحد قومها ما أقرت هي به.
ويبدو أن لأسرة يزيد بن عبد المدان أفعالاً حميدة متوارثة، بوأتها منزلة سامية عند فئة من العدانيين، وجعلتها أهلاً للمديح كقول المسيب بن علسة الشيباني يمدح الدّيان جدّ يزيد( ):

لقد أعملتُ راحِلَتي وَرَحْلي
إلى الدَّيانِ خيرِ فتىً يماني

فَلَمْ أر مِثْلَهُ من أهلِ كَعْبٍ
ولا وَلَدِ الضِّبابِ ولا قَنَانِ

وخيرُ النّاسِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ
لِضَيفٍ أو لجارٍ أو لِعاني

ويشبه ذلك مدح بعض الشعراء العدنانيين لقيس بن معد يكرب المرادي القحطانيَّ، فقد مدحه المتلمسّ الضُبعي( )، وخصّه الأعشى ببضعة قصائد، ومنها قوله( ):

فَمَنْ مبَلغٌ وائلاً قومَنا
وأعْني بذلك بَكَّراً جِمارا

فَدُونكُمُ رَبَّكُمْ حَالفِوهُ
إذا ظاهرَ المُلْكُ قَوْماً ظِهِارا

فإنَّ الإلهَ حَبَاكْمْ بهِ
إذا اقتَسَمَ القومُ أمْراً كبُارا

فإنّ لكُمْ قُرْبَهُ عِزَّةً
وَوَسَّطَكُمْ مُلْكُهُ واستَشارا

إن الأبيات السابقة تحمل دلالة سياسية عميقة، فالأعشى ليس شاعراً مدّاحاً فحسب ولكنه صاحب فكرة سياسية تدعو إلى الوحدة بين الشمال والجنوب بزعامة جنوبية، فهو يدعو قومه إلى مخالفة قيس بن معد يكرب بل إلى الانضواء، تحت سلطانه، وتلك الدعوة صريحة في قوله: (فدونكم ربَّكُمْ حالفوه)( ).
لقد كثرت مدائح الأعشى للقحطانيين، فرأى د. محمد ألتوبخي في ذلك (أن الأعشى كان جنوبي الهوى... نعني أنّه كان شاعر عرب الجنوب)( )، وأود أن أضيف هاهنا أن الأعشى كان شاعر العرب كلهم فهو عدناني يعتز بقومه، ويفخر بهم، ولكنه يرتضي أن يكونوارعايا لملكٍ يمانٍ، فمن ذلك الملك؟
إنه قيس بن معد يكرب؛ فقد مدحه بتسع قصائد( ) أو رجل من بني الديان سادة نجران، فقد مدحهم بثلاث قصائد( )، أو إياس بن قبيضة الطائي، وكان يسكن قرب الحيرة وفقد مدحه الأعشى بأربع قصائد وأما المناذرة والغساسنة فأعتقد أن الأعشى أدرك عجز ملوكهم عن النجاح بإقامة كيان عربي مستقل وعادل، ولذلك كانت صلته بهم ضعيفة، ومدائحه لهم نادرة( )وإن في قول الأعشى يمدح سادة نجران( )
أيا سَيَّدَيْ نَجرانَ لا أُوصِيَنْكُما
بِنجَرانَ فيما نَابَها واعْتَراكُما

فإنْ تَفْعَلاَ خَيْرا، وَتَرتدْيَا بهِ
فإنَّكُما أَهلٌ لِذَاكَ كلاَكُما

وإنْ تَكِفْيا نَجَرْان أَمْرَ عَظِيَمةٍ
فَقَبَلُكماما سَادَها أبوَاكُما

وإنْ أجْلَبَتْ صِهيْونُ يَوْماً عَلَيْكُمَا
فَإنَّ رَحَى الحربِ الدَّكُوكِ رَحاكما

ما يؤكد أمله في تحرير العرب بقيادة يمانية قحطانية لم تفسدهما التبعية للنفوذ الأجنبي، فالأبيات السابقة ليست مديحاً، ولكنهانصح سياسي، وتشجع على مقاومة النفوذ الأجنبي، بالحفاظ على نجران مستقلة عن نفوذ الروم الذين أرادوا من التبشير بالمسيحية في اليمن أن يمتد نفوذهم إليها.
ولكن رغبة الأعشى وأمثاله بالوحدة والاستقلال بقيادة قحطانية لم يكتب لها النجاح، فقد لقيت معارضة سياسية من المناذرة بخاصة( )، كما لقيت معارضة من أغلب العدنانيين، فقد خبروا قيادة القحطانيين لهم فبان فسادها، وظهر لهم استعلاء القحطانيين عليهم بالسيادة والملك، وقد رأينا ذلك في مفاخرة يزيد بن عبد المدان لعامر بن الطفيل ومثل ذلك قول عُبيد بن عبد العزّي السلامي يفخر بإخضاع الملوك القحطانيين للعدنانيين( ):
ومنِّا بنو ماءِ السَّماءِ وَمُنْذِرٌ
وَجَفْنَةُ مِنّا والقُرومُ النّزايعُ

قبائلُ مِنْ غَسَّانَ تَسْمُوا بِعامِرٍ
إذا انْتَسَبَتْ والأزْدُ بَعْدُ الجَوامِعُ

أدانَ لنا النُّعمانُ قَيسْاً وَخِنْدفاً
أدانَ، ولم يَمْنَعْ رَبيعةَ مانِعُ

وكان من المنطقي أن يقع الصراع بين العدنانيين والقحطانيين، ومن الشعر المعبّر عن بعض ذلك قول أنيف بن حكم النبهاني الطائي( ):
دَعَوا لِنِزارٍ وانْتَمَيَنا لطِّيءٍ
كَأُسْد الشَّرى إقْدَامُها وَنِزالُها

ولست معنياً هاهنا بتتبع الحروب بين الطرفين( )، بل بذكر أبرز مايدل على ثورة الشماليين السياسية على ظلم الجنوبيين، وذلك في يوم خزارى،وهو يوم قديم، اضطربت الروايات حوله، فاختلف في تسمية القبائل المشاركة فيه، وفي تسمية قائد معدّ، وفي تحديد سببه المباشر( )، ولكن المُتَّفَق عليه أن معداً قاتلت وهي مظلومة وأن يوم خزارى (كان أول يوم امتنعت معد عن الملوك، ملوك حِمير)( )، والمشهور أن كليب بن ربيعة التغلبي كان قائد معدّ وقد افتخر بذلك حفيده عمرو بن كلثوم( ).
وقد شهد يوم خزازى من القحطانيين الشعراء الأفوه الأودي مُؤَمّراً من قبل تبع بن ذي الأذعار على أود وجميع مذحج فانهزم، وأقبل إلى ابنته جريحاً، فقالت: أين إخواني؟ قال: قتلوا جميعاً، قالت: فأين الملوك؟ قال: قُتِلوا، قالت: فأين الأقيال من حمير؟ قال: أساري في كليب، قالت: فأين حقك؟ قال: هذه الجراحات، وأنشأ يقول( ):
لمّا رَأتْ بُشْرَى تَغَّيَرَ لَونُها
مِنْ بَعْدِ بَهْجَتِهِ، فَأقْبَلَ أحْمَرا

ألوتْ بإصبَعِها وقالت إنّما
يكفيك ممِا قد أرى ماقُدِّرا

ثم لَخَصّ الأفواه النتائج التي اسفرت عنها يوم خزازى بقوله:
كان الفخار يمانياً مُتَقَحْطِناً
وأراهُ أصبحَ شامياً مُتَنَزَّراً

إن تفاعل القحطانيين مع العدانيين أوجد شرخاً سياسياً بينهما، فقد عانى العدنانيون من ظلم الملوك، وهم قحطانيون، فانتفضوا عليهم؛ فقُتِلَ بعض الملوك، وأُذلّ بعضهم الآخر( )، ومن الشعر المعبر عن استعلاء العدنانيين على ملوك اليمن قول أبي داؤد الإيادي مفتخراً( ) :
ضربنا على تُبَّعٍ جَزْيَةً
جيادَ البُرُودِ، وَخَرْجَ الذَّهَبْ

وَوَلَّى أبو كَرَبٍ هارباً
وكانَ جَبَاناً كثيرَ الكَذِبْ

إن البيتين السابقين يدلان على أن تُبّعاً وصل بغزوه إلى منازل إياد، وأنه اضطر لسبب ماأن يهادن إياداً وأن يسترضيها بالعطايا.
لقد حاول العدنانيون وقف الامتداد غير المشروع للقحطانيين، ولكنهم لم يعارضوا الوجود المسالم لبعض القطانيين المهاجرين من اليمن إلى يثرب وغيرها، فَأمِن المهاجرون المسالمون، وحُوربَ الملوك الظالمون، وجوبهت الغزوات الغاشمة، وإنّ في قول الفند الزِّمّاني البكريّ( ):
إنّما قَحْطَانُ فينا حَطَبٌ
ونزارٌ في بني قَحطانَ نَارُ

فارجعوا مِنَّا فُلولاً واهرُبُوا
عائذينَ ليس تُنجيكمْ ظَفَارُ

ومايدل على الهوة السياسية بين المنتمين إلى قحطان والمنتمين إلى عدنان، على رغبة العدنانيين في إرجاع القحطانيين من الشمال إلى مواطنهم في اليمن.
لاشك في أن الصراع بين التجمّعين الكبيرين: القحطانيين والعدنانيين قد أوجد حاجزاً يعوق وحدتهما، ويحد من قدرتهما على التطوّر، ولكن ذلك لا ينفي تقاربهما، وتشاكلهما في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والأدبية، ولا يلغي وحدة الأرض التي يعشون عليها، ولا وحدة اللغة التي يفكرون بها، ويتحدثون بها، ويبدعون أدبهم بها، وماوحدة اللغة وتَمَلُّك الأرض، والتشاكل في نواحي الحياة إلاّ نتاج تاريخ مشترك لتفاعل القحطانيين والعدنانيين فوق أرضهم الخاصة بهم، وما الخلاف بينهمامن قبيل الخلاف بين شعبين تجمعهما رابطة الانتماء إلى أمة واحدة.
إن عوامل التقارب بين القحطانين والعدنانيين أكثر من عوامل التباعد، إنهما تجمعان كبيران، بل شعبان كبيران ينتميان إلى العروبة، وإن القول بوجود شعبين عربيين في الجاهلية ليس بدعة، فقد سَمَّى حسان بن ثابت تجمعاً من أحدهما بأنه شعب عظيم، وذلك في قوله( ):
وَشَعْبٌ عظيمٌ مِنْ قُضَاعَةَ فاضِلٌ
عَلَى كلِّ شَعْبٍ من شُعوبِ العَمَائرِ

فأَحْرِ بنا أن نسمي الكلّ بما سُمِّي به الجزء.
كانت ملامح الشعبين: القحطاني (أهالي اليمن بخاصة) والعدناني (أهالي نجد والحجاز بخاصة)- واضحة المعالم في الجاهلية، وإلى جانب ذلك وجدت تجمّعات عربية في غير تلك البقاع تعيش في طور تشكيل شعوب عربية، ولاسيما في العراق والشام ومِمّا يدل على ذلك الطور تمايز الجاهليين بالانتماء إلى أوطان كبيرة أفصح عنها الشعراء الجاهليون ومنها العراق والشام إلى جانب اليمن والحجاز ونجد( ).
وقد أدرك الجاهليون - على الرغم من تمايزهم بالنسب والمكان والدين وطرائق المعيشة -أنهم ينتمون إلى تجمع كبير متآلف يشملهم، ولا يلغي تعدّدهم، لقد أدركوا أنهم عَرَب؛ ومن ذكر العرب في أشعارهم قول دريد بن الصمة يمدح عبد الله بن جدعان( ):
رَحَلْتُ البلادَ فما إنْ أَرَى
شَبيهَ ابنِ جُدْعانَ وَسْطَ العربْ

ومن ذكر الانتماء إلى العرب في الشعر قول امرئ القيس( ):
...................................
نَوَى عَرَبِيَّاتٍ يَشِمْنَ البَوارِقَا

وقول النابغة الجعدي( ):
وما عُلِمَتْ منْ عُصْبَةٍ عَرَبيَّةٍ
كَمِيلادِنا مِنّا أَعَزَّ وَأَكْبَرَا

ونُسِبَ حسان بن تُبّع الحميري حين أراد أن يغزو الفرس والروم قوله( ):
أيّها النّاسُ إنَّ رأيي يُريني
- وهو الرأيُ- طوفَةً في البلادِ

بالعوالي والقنابل تَرْدي
بالبطاريقِ مِشْيَةَ العُوَّادِ

وبجيشٍ عَرَمْرَمٍ عَرَبِيٍّ
جَحْفَلٍ يَستَجيبُ صَوْتَ المنادِي

من تَميمٍ وخِنْدِفٍ وإيادٍ
والبهاليلِ حِميرٍ ومُرادِ

وإذا صحت نسبة الأبيات السابقة إلى حَسّان بن تبع فهي من الأدلة الصريحة على إدراك الجاهليين انتماءهم -على الرغم من تعدد أنسابهم وتجمّعاتهم السكانية إلى رابطة توحدهم هي رابطة العروبة التي أنتجها جدل الإنسان الجاهلي، وهذا الجدل ليس تفاعلاً إنسانياً بين الجاهليين فوق أرضهم الخاصة، وبلغتهم الخاصة فحسب ولكنه تفاعل بين الجاهليين وغيرهم أيضاً، وإذا كان نتاج التفاعل الأول تكوين الوجود العربي المتميز بلغته وأرضه وتاريخه المشترك، وهمومه المشتركة فإن تفاعل الجاهليين مع غيرهم أنتج وعي الجاهليين بوجودهم المتميزّ وأسهم في تطوّرهم على الرغم من الصراعات العنيفة التي نشبت بينهم وبين الفرس والأحباش بخاصة، فكيف كان ذلك.
***
3- إحساس العرب بالتَّمايز
اتصل العرب بالأمم القريبة منهم اتصالاً مباشراً سلماً وحرباً، فأدركوا بالتفاعل مع تلك الأمم أنهم متميزون باللغة العربية بخاصة، فالذين يتكلمون العربية هم العرب، ومن سواهم عجم، وهؤلاء العجم أجناس، أشهرها الفرس والروم والأحباش والأنباط، ولقد أظهر الجاهليون ذلك في أشعارهم( ).
وإلى جانب التميز باللغة أدرك الجاهليون أنهم عربٌ ومتميزون ببعض نواحي السلوك الإنساني؛ فمعقل بن خويلد الهذلي، يدل في شعر على أنه ينتمي إلى قوم لا يفعلون فِعْلَ الأحباش الذين يختنون نساءهم، ولا يأنفون من أكل الجراد، وكان ذلك سبباً لنفور معقل من الاقتران بامرأة من الأحباش حين رغبه بذلك أبويكسوم، ولتفضيله الزواج من فتاة عربية من قومه( )، ومما يتصل بالزواج أن في ديانة الفرس إباحة الاقتران بالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وأن العرب كانوا يحرمون ذلك في الجاهلية، ويأنفون منه( )ويعيبون من يقدم عليه( )ويبدو من قول أوس بن حجر يهجو قوماً من العرب( ):
والفارسِيَّةُ فيهمْ غيرُ مُنْكَرَةٍ
فُكُلَّهُمْ لأبيهِ ضَيْزَنٌ سَلِفُ

وجودُ اعتقاد عربي بأن زوج المقت نقيصة، رشحت إلى المجتمع العربي من الفرس، ووجود اعتقاد عربي بالتمايز الديني (الثقافي) بين العرب والفرس، ومن الشعر المؤكد لهذا الاعتقاد قول لقيط بن يعمر الإيادي يصف الفرس في أثناء تحذيره لقومه منهم( ):
أبناءَ قَوْمٍ تَأَوَّوكْم عَلَى حَنَقٍ
لا يَشعرونَ أَضَّرَ اللَّهُ أم نَفَعَا

وكان بين العرب والفرس تمايز بالألبسة( )، وقد أدرك العرب هذا التمايز، واستنكروا إقدام فئة منهم على التزّيي بزيّ الأعاجم، وذلك واضح في قول حسان لوفد تميم حين جاؤوا لمفاخرة الرسول صلى الله عليه وسلم( ):
فإنْ كنتمُ جِئتُمْ لِحْقِنِ دمائِكُمْ
وأموالِكُمْ أنْ تُقْسَمُوا في المَقَاسِمِ

[فلا] تَجْعَلُوا للَّهِ نِدّاً وأَسْلِمُوا
ولا تَلْبَسُوا زيَّاً كَزِيِّ الأعاجمِ

وإضافة إلى ماسبق أدرك العرب تمايزهم من الأعاجم بالخِلقَة، ولاسيما اللون منها( )، وبذلك تتراءى لنا معالم وجود عربيّ يدرك أبناؤه الانتماء إليه، وإذا أعدنا النظر في الأشعار الدالة على ذلك الوجود المتميز فسوف نلحظ تعصب العرب على الأعاجم ولكن ذلك لا ينفي وجود مايدل على التواصل والتسامح بين الفريقين، ولعل في دراسة العلاقات بينهما ما يوضح مشاعر الانتماء العربي عند الجاهليين، وهم يستجيبون لتحديات الصراع مع الأمم المجاورة.
4- مجابهة التحديات الخارجية:
كانت ثلاث الأمم (الفرس والروم والأحباش) المحيطة بالوجود العربي الجاهلي تسعى إلى توسيع دوائر نفوذها باحتلال الأرض العربية لاستغلالها، ولاستعباد الإنسان العربي واستغلاله، فكان الصراع مع تلك الأمم أمراً لا محيد عنه، وكان الصراع يزداد عنفاً بازدياد الرغبة في تملك الأرض ولاسيما في الشمال الشرقيّ من الجزيرة العربية، حيث كانت ترسم الحدود المكانية الفاصلة بين العرب والفرس، وتتحدّد ملكية الأراضي المتنازع على استغلالها.
أ- الصراع مع الفرس:
إن أقدم حدث من أحداث الصراع بين العرب والفرس إذاعه الشعراء الجاهليون، -هو سقوط مملكة الحضر، والحضر (حصن عظيم كالمدينة، كان على شاطئ الفرات)( ) وأهله من قضاعة، ويبدو أن الحضر كانت حاضرة مملكة عربية واسعة، ومن الشعر الدال على ذلك قول عدّي بن زيد( ):
وأخو الحَضْرِ إذْبَنَاهُ وإذْ دِجْـ
ـلَةً تُجْبَى إليه والخابورُ

وأن مملكة الحضر كانت تحاول مدّ نفوذها على سواد العراق، ومن الشعر الدال على ذلك قول الجُدَيّ بن الدلهات القضاعي في غارة لملك الحضر على (شهرَزَور) من سواد العراق( ):
دَلَفْنا للأعادي مِنْ بَعِيدٍ
بجيشٍ ذي التهابٍ كالسَّعيرِ

فلاقَتْ فارسٌ مِنَا نكالاً
وَقَتَلَّنَا هَرَابذَ شهْرَزُورِ

لَقِيناهُمْ بخيلٍ من عِلافٍ
وبالدُّهْمِ الصلادِمَةِ الذُّكُورِ

وكان ذلك في عهد سابور الجنود بن أرد شير (241-272م) الذي هاجم الحضر، وحاصرها إلى سقطت بيده بعد سنتين من صمود أهلها، وقد أشار الأعشى في شعره إلى ذلك الصمود، وذكر دعوة ملك الحضر أهله إلى الموت كرماً( ).
وربّ مطلّع على الأشعار التي قيلت في سقوط مملكة الحضر يرى أنها تخلو من الإشارة إلى الانتماء العربي، ولكن انعدام الاشارة الصريحة إلى وجود ذلك الانتماءلا ينفي اعتماله، في نفوس قائلي تلك الأشعار؛ فالصلة النسبية بعيدة بينهم وبين أهل الحضر، وهذا مِمّا يرجح أن الاهتمام بسقوط الحضر دافعه شعور بالانتماء القومي العربي، ويقوّي القول بصحة وجود ذلك الدافع أن اثنين (أبا داؤود، والأعشى) من أولئك الشعراء ينتميان إلى قبيلتين حاربتا الفرس، هما: إياد وبكر.
إن سقوط مملكة الحضر هوتحطيم لجهد قبائل قضاعة في إقامة كيان سياسي في العراق مستقلّ عن النفوذ الفارسي، وهو كيان لو قدر له البقاء، لكان دولة عربية جاذبة لكثير من العرب الراغبين في الإقامة في العراق، وفي التحرر من سيطرة الفرس عليهم، ومن الظاهر أن الفرس أدركوا خطورة (الحضر) على وجودهم في العراق فأصروا على تحطيمها، فهدموا المدينة، وقتّلوا، وشردوا أهلها بعد حصار دام سنتين( )، تدلان على إصرار الفرس على الاستيلاء على الحضر، وعلى شدة مقاومة أهلها لأعدائهم.
وكذلك جذب سواد العراق قبائل إياد، فكان الصراع بينهم وبين الفرس على تَمَلّك الأراضي الخصبة واستغلالها، يقول أبو داؤد الإيادي( ):
فنازَعْنا بني الأحرارِ حَتىَّ
عَلَفْنا الخيلَ من خَضِرِ السَّوادِ

ويبدو أن الفرس حاولوا اصطناع الإياديين( )، فلم تنجح محاولة ترويضهم على الخضوع للسلطة الفارسية، فلقيت إياد مصيراً مشابهاً لمصير قضاعة، فقد عَبّأ كسرى لإياد قوة ضاربة، فأنذرهم بها لقيط بن يعمر الإيادي، إذ بعث إليهم -وكان يعمل عند كسرى- بصحفية فيها( )
سلامٌ في الصحيفةِ من لَقيطٍ
إلى مَنْ بالجزيرةِ من إيادِ

بأنّ الليثَ كِسْرَى قَدْ أتاكُمْ
فلا يَشْغَلْكُمُ سَوْقُ النِّقادِ

أتاكُمْ منهم سِتُّوَنَ ألْفاً
يَزُجُّون الكتائبَ كالجرادِ

علىحَنَقٍ أتينكُمُ، فهذا
أوانُ هلاكِكُمْ كهلاكِ عادٍ

ولكن هذه الرسالة لم تفلح في تنبيه الإياديين على الخطر القادم إليهم، فأتبع لقيط تلك الأبيات بقصيدة مطولة دعاهم فيها إلى اليقظة، والاستعداد لمجابهة ذلك الخطر بتوحيد الجهود، بالتعبئة للحرب، وبالانقياد إلى رجلٍ منهم حازم، ذي نجدة، قادر على تحدّي الناس كلهم، ثم ختم قصيدته بقوله( ):
هذا كتابي إليكُمْ والنذيرُ لكم
لِمنْ رأى رأيه منكمْ ومن سَمِعَا

لَقَدْ بَذَلْتُ لكمْ نُصْحِي بلا دَخَلٍ
فاستيقظُوا إنّ خيرَ ا لعلمِ مانفعا

فَلَمّا بلغ إياداً (كتاب لقيط استعدوا لمحاربة الجنود التي بعث بها كسرى( ))، وقيل إن الإياديين (لم يلتفتوا إلى قول لقيط وتحذيره إياهم ثقة بأنّ كسرى لا يقدمُ عليهم( ))، وحين التقى الفريقان هُزمت إياد ولحقت بأطراف الشام، فكان مصيرها مشابهاً لمصير قضاعة التي ارتحلت فلولها إلى الشام بعد سقوط الحضر( ).
واللافت في خبر انتصار الفرس على إياد أن جموع الفرس كانت بقيادة رجل عربي هو مالك بن حارثة الجشمّي، التغلّبي، فقد بعث إليه كسرى (ووجه معه أربعة ألاف من الأساورة)( )، فإذا صحت هذه الرواية، وصدق لقيط في إخباره عن جيش قوامه ستون ألفاً فإن الجيش الذي هزم الإياديين كان جيشاً عربياً فيه عدة آلاف من الفرس يأتمر بأمر كسرى، ولكن شعر لقيط لا يدل على وجودٍ عربيّ في جيش كسرى، فلماذا أغفل لقيط ذلك؟ ثمة احتمالان: الأول أن جيش كسرى لم يكن فيه عرب أو أن لقيطاً لم يكن يعرف بوجود العرب في ذلك الجيش، وهذا أمر مستبعد؛ فصلةُ لقيط كانت وثيقة ببلاط كسرى؛ والثاني أن لقيطاً أغفل عامداً الإشارة إلى وجود العرب في الجيش الفارسي لإدراكه أن الصراع هو بين إياد والفرس، وليس بين إياد وتغلب، فكان تحذيره لقومه من الفرس وحدهم وضعاً للأمور في مواضعها الصحيحة، ومنعاً لتحويل الصراع من صراع بين العرب والفرس إلى صراع بين القبائل العربية الموجودة في العراق، وهذا التحويل كان هدفاً فارسيّاً به يضعف العرب، وتضعف فرص توحدهم ضد الفرس، وبه تتضائل القوى التي تلزم الفرس للحفاظ على وجودهم في العراق، وسيادتهم على العرب فيه، وبه يفلون الحديد بالحديد.
وأمّا قبول مالك بن حارثة التغلبي بقيادة الهجوم على إياد فمن المرجح أن كسرى أغراه بمكاسب مادية له ولقبيلته، فانقاد إلى كسرى، ودلّ بذلك على عجزه عن فهم حقيقة الصراع في العراق، وعلى تقديمه الانتماء النسبي (القبلي) على الانتماء العربي، فكانت رغبته في تحقيق المصالح الخاصة به وبقبيلته سبباً في قبوله التبعية للفرس والانقضاض على العرب الإياديين.
لقد ربح الفرس جولتين ضد الجاهليين، الأولى حين واجهت قضاعة الفرس وحدها فسقطت الحضر، وطردت قضاعة من العراق والثانية حين واجهت إياد مصيراً مشابهاً لمصير قضاعة، وبأيدٍ عربية. وأرى أن هاتين الجولتين كانتا درسين أسهما في تكوين الوعي العربي لدى فئة من الجاهليين، فكان الإحساس بالوجود العربي في مواجهة الوجود الفارسي في العراق، وإنّ في مصرع النعمان بن المنذر وفي معركة ذي قار مايؤكّد ذلك الإحساس، ومايوحي بوجود جهد خفي لتثبيت الوجود العربي المستقل في العراق.
وبأمر من كسرى، وتحت أرجل الفيلة قُتِلَ ملكُ الحيرة النعمان بن المنذر (580-605م)( )ومن المشهور أن كسرى أقدم على فعلته بسبب مكيدة حاكها عميل للفرس هو زيد بن عدي العبادي التميمي، فقد حَبّبَ زيد إلى كسرى الزواج من أسرة النعمان، ولكن النعمان رفض تلبية طلب كسرى الذي صبر مدّة، ثم استدعى النعمان إلى العاصمة الفارسية، ولما قدم إليها، أمر كسرى بالقبض على النعمان ثم قتله، وَوَلّى على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي( ).
كانت غضبة كسرى أعظم من رفض النعمان لطلبه؛ فقد قُتل النعمان، وانتقل ملك الحيرة إلى أسرة جديدة، وتلك عقوبة لا يوجبها رفض النعمان لزواج إحدى بناته من كسرى، بل توجبها ضرورة سياسية عليا، وقد أفصح كسرى عنها حين كتب إلى ابنه شيرويه: (وأمّا ما زعمت من قتلي النعمان بن المنذر، وإزالتي الملك عن آل عدّي إلى إياس بن قبيصة، فإن النعمان وأهل بيته واطَؤُوا العرب، وأعلموهم تَوَكّفهم (توقعهم) خروج الملك عَنّا إليهم، وقد كانت وقعت إليهم في ذلك كتب، فقتلته، ووليتُ الأمرَ أعرابيّاً لا يعقل من ذلك شيئاً)( )
وبذلك تتضح الأسباب البعيدة لمقتل النعمان؛ فلقد اتبع سياسة جعلت كسرى لا يتخَوّف من انكماش النفوذ الفارسي على العرب فحسب بل يتخوّف من انتقال الملك من الأكاسرة إلى النعمان والعرب، وقد لمس كسرى (في تصرفات النعمان بعض ما يعزّز ظنونه، إذ اتجه إلى توسيع نفوذه في شبه الجزيرة العربية، فامتد سلطانه إلى البحرين وجبل طّيئ، وكثرت لطائمه التي يرسلها إلى الحجاز، و..... أصبح بلاطه موئلاً للشعراء العرب ولأدبائهم، والتفّ حوله زعماء القبائل)( )ويضاف إلى ذلك قتل النعمان لعدي بن زيد العبادي، وهو رأس أسرة عربية عميلة للفرس، وكذلك، وهو الأهم، اطلاع كسرى على كتب تدل على نوازع النعمان والعرب المعادية للسلطة الفارسية.
ومن المحتمل وقوع مراسلات بين الغساسنة والنعمان وقيام بعض المتنورين العرب بمحاولة التقريب بين الغساسنة (عرب الشام) والمناذرة (عرب العراق) ويرى د. البهبيتي أن النابغة الذبياني كان (يطوف في الأرض، يبغي جمع الكلمة، ولم الشعث، ويحاول أن يوفق بين الخصمين التقليدين في هذا: وهم الغساسنة والمناذرة، ويكاد النابغة يذهب ضحية في هذا، لولا فطنة النعمان الأخيرة، وانصياعه آخراً إلى دعوة الوحدة)( )، ويميل د.البهبيتي إلى أن كسرى حبس النعمان، وأن حبسه أثار حفيظة العرب، ودفع النابغة صاحب الدعوة إلى الوحدة، والسعي إليها بين الحيرة والغساسنة إلى أن يقول:( )
إنْ يَرْجِعِْ النُّعْمَانُ نَفرَحْ ونَبتْهِجْ
وَيَأْتِ مَعَدّاً مَلْكُها وَرَبيعُها

وَيَرْجِعْ إلى غَسّانَ مَلْكٌ وسُؤدُدٌ
وَتِلْكَ المُنَى لو أَنَّنَا نَسْتطيعُها

وإنْ يَهْلِكِ النُّعْمَانُ تُعْرَ مَطِّيةٌ
وَيَخْبَأُ في جَوْفِ العِيابِ قُطُوعُها

فهذه الأبيات -إن صح توجيه د.البهببيتي لمناسبتها- تعبر عن آمال عربية في الوحدة، (فالنعمان إن نجا سادت غسان، وسادت معدّ، والنعمان بعد هذا صاحب الحيرة، وتلك كانت الكتل التي تتصارع، وتقتتل في جزيرة العرب، والتي كان دعاة الوحدة يعملون على جمع كلمتها لتجتمع بذلك كلمة العرب)( ).
قتل الفرسُ النعمانَ بن المنذر (وكان قتله سبب وقعة ذي قار)( ) وهي وقعة أشعلتها رغبةُ كسرى في إحكام قبضته على القبائل العربية المقيمة في العراق( )، وعلى إذلالها من جهة وغضبةُ تلك القبائل لمقتل النعمان، وحرصها على التحرر من سيطرة الفرس وعلى عدم الارتحال عن العراق من جهة أخرى.
وكان السبب المباشر لمعركة ذي قار أن النعمان بن المنذر كان يتوجّس شرّاً من قدومه إلى عاصمة الفرس، فاستودع أهله وسلاحه عند هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني، وكان سيداً منيعاً( )، وبعد مقتل النعمان طلب كسرى من عامله على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي أن يضمّ ماكان للنعمان، ويبعث به إليه، فبعث إياس إلى هانئ: أن أرسل إليّ ما استودعك النعمان من الدروع وغيرها، فأبى هانئ أن يُسلم خفارته، فغضب كسرى، وأظهر أنه يريد أن يستأصل بني بكر بن وائل، ولكنه تريث بناءً على نصيحة من رجل يحب هلاك بكر، هو النعمان بن زُرْعة التغلبيّ، فلما حلّ القيظُ نزلت بكر حنو ذي قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة التغلبيّ، فنزل على هانئ، ثم قال له: إمّا أن تُعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء، وإمّا أن تُعَرُّوا الديار (تغادروها) وإمَا أن تأذنوا بحرب، فتشاور البكريون في ذلك، ثم أخذوا برأي حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي الذي قال لهم: لا أرى إلا القتال.... فآذنوا الملك بحرب( ).
وحينئذٍ قرّر كسرى أن يضرب البكريين، فاتخذ إجراءات تذكّر بالأسلوب الذي ضُرب به الإياديون سابقاً، فقد عقد كسرى (للنعمان بن زرعة على تغلب والنمّر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه: الشهباء والدّوسر، وعقد للهامرزْ التُّسْتَريّ، وكان على مسلحة كسرى بالسواد، على ألف من الأساورة)( )، وعقد لخنابرين على ألف( )، (وكتب إلى قيس بن مسعود... وكان عامله على الطّف، طَفّ سَفَوان،وأمره أن يوافِيَ إياس بن قبيصة، ففعل)( )، وبذلك تتوضح خطة كسرى، وهي ضرب العرب بأيدٍ عربية، بل ضرب القبيلة (بكر) بأيدي أبنائها (قيس بن مسعود)، وذلك بإشراف فارسي مباشر.
ولكنّ تنامي الوعي بالانتماء العربي ساعد على تقوية البكريين، وعلى إضعاف جبهة الفرس وعملائهم، فانتصر البكريون (العرب) وانهزم الفرس وعملاؤهم، وقتل الهامرز، وخُنابِرين، فكيف أسهم الوعي بالانتماء العربي في تحقيق ذلك؟
لقد أنذر بعض العربُ بني بكر بالخطر المحدق بهم، ومنهم قيس بن مسعود الشيباني وله في ذلك أشعار، ومنها قوله( ):
ألا لَيَتني أرشُو سِلاحي وَبَغْلَتي
فَيُخْبرَ قومي اليومَ ما أنا قائِلُ

وإنّ جُنودَ العُجْمِ بيني وبَيْنَكُمْ
فيا فَلَجِي يا قومُ إنْ لم تُقَاتِلوا

واشترك بعض العرب إلى جانب بكر في محاربة الفرس؛ فقد كان في بكر أسرى من تميم قريباً من مائتي أسير ( فقالوا خَلُّوا عنا نقاتل معكم، فإنّما نَذُّب عن أنفسنا، قالوا: فإنّا نخافُ إلاّ تناصحونا، قالوا: فدعونا نُعلم، حتى تَرَوا مكاننا وغَنَاءَنا)( )، واشترك بالحرب إلى جانب بكر ربيعةُ بنُ غزالة السَّكوني وقومُه،وكانوا نزولاً في بني شيبان، وكان لربيعة رأي في تلك الحرب، فأخذ به البكريون( )، وكذلك أشار عليهم في أثناء المعركة يزيد بن حمار السَّكوني بأن يكمنوا للفرس كميناً، فأخذ البكريون برأي يزيد، وجعلوه رأسهم في ذلك الكمين، وبذلك يتبين لنا أن البكريون لقَوا دعماً عربياً، وأنهم أفسحوا في المجال لمن قرب منهم من العرب كي يشاركوافي محاربة الفرس بسواعدهم وعقولهم وخبراتهم أيضاً.
وكذلك لقي البكريون دعماً من القوة المعادية؛ فقبيل ا لمعركة انسَلَّ قيس بن مسعود الشيباني- وهو من قادة الجيش الفارسيّ إلى قومه (ليلاً، فَأتى هانئاً، فأشار عليهم كيف يصنعون، وأمرهم بالصبر، ثم رجع)( )وكذلك أرسلت (إياد إلى بكر سًراً -وكانوا أعواناً على بكر مع إياس بن قبيصة: أي الأمرين أعجب إليكم، أن نطيرَ تحتَ ليلتنا فنذهب، أو نقيم ونفرّ حين تلاقوا القوم؟ قالوا: بل تقيمون، فإذا التقى القوم انهزمتم بهم... وولت إياد منهزمة كما وعدتهم، وانهزمت الفرس)( ).
إن وعي القبائل بانتمائها العربي منع تكرار ماحدث لإياد وقضاعة؛ فبكر لم تقاتل الفرس وحدها بل قاتلت معها قوى عربية فاعلة، وأكثر العرب الذين حشدهم كسرى لمحاربة بكر دفعهم انتماؤهم العربي إلى إضعاف الفرس، ونصرة العرب البكريون، لقد أراد الفرس أن يئدوا تطلّعات العرب القومية فقتلوا النعمان، وسعوا إلى إشعال نيران الحرب بين العرب، وإلى كسر شوكة بكر المتمردة على نفوذهم ولكن مساعي الفرس عجزت عن وقف نسغ الانتماء العربي وهو يسري إلى كل بقعة من أرض العرب، وتتشربه قلوب أبنائها.
ولذلك كان الانتصار في ذي قار نصراً عربياً لا قبلياً، وماسيوف البكريين وحلفائهم المنتصرة إلا رسل متقدمون للقوى العربية الناهضة، ولمشاعر الانتماء العربي النامية، وأضاء تلك الحقيقة إعلان الرسول العربي محمد بن عبد الله القرشي صلى الله عليه وسلم لها من يثرب في قوله عن ذي قار (هذا يوم انتصفت فيه العَرَبُ من العجم، وبي نصروا)( )، وإن في قوله (ص) (انتصفت) مايدل على أن وقعة ذي قار لم تكن نصراً عسكرياً فحسب بل انتصار للحق العربي على الظلم الفارسيّ.
وأما عملاء الفرس فقد تطامنوا أمام المدّ القومي، ومن الأشعار الدالة على الأسف لما بدر منهم قول والدة عميل فارسي (عمرو بن عدي بن زيد العبادي) قتل في ذي قار( ):
ليتَ نُعمانَ علينا مَلِكٌ
وبُنَيَّ لي حيٌّ لم يَزَلْ

وقد أدرك الشعراء عظمة يوم ذي قار، فتغنوا به، ففي أثناء احتدام المعركة انطلقت ألسنة بعض المقاتليين بالأهازيج الحماسية ضد الفرس، كقول حنظلة بن ثعلبة بن سيَّار العجلي( ):
يا قَوم طِيْبُوا بالقتالِ نَفْسَنا
أجْدرُ يومٍ أن تَفُلُّوا الفُرْسَا

وبعد النصر تعالت صيحات الفخر بيوم عظيم، كقول العُديل بن الفرخ العجلي: البكري( ):
ما أَوْقَدَ الناسُ مِنْ نارٍ لَمْكرُمَةٍ
إلاّ اصطْلَيْنا، وكُنَّا مُوقِدِي النَّار

ومايَعُدُّونَ من يومٍ سِمعْتُ بهِ
للناسِ أفْضَلَ مِنْ يَومٍ بذي قارٍ

وقد أكثر الأعشى من الافتخار بذي قار، ومن ذلك قوله( ):
وَجُنْدُ كِسْرَى غَداةَ الحِنْوَ صَبَّحَهُمْ
مِنّا كتائِبُ تُزْجي الموتَ، فانْصَرَفُوا

جَحَاجِحٌ وَبَنُوا مُلْكٍ غَطارِفَةٌ
مِنَ الأعَاجمِ في آذانِها النُّطَفُ

إذا أَمَالُوا إلى النُّشَابِ أيديَهُمْ
مِلْنا ببيضٍ فَظَلَّ الهامُ يُخْتَطَفُ

وخيلُ بَكْرٍ فَما تَنْفَكُّ تَطْحَنُهُمْ
حتى تَوَلَّوا، وكاد اليَوْمُ يَنْتَصِفُ

لو أنَّ كلَّ مَعَدٍّ كانَ شاركَنَا
في يومِ ذي قارَ ما أخطَاهُمُ الشَّرَفُ

وإن افتخار الشاعر بقبيلته المنتصرة، وفي تمنيه مشاركة قبائل معدّ لقومه في ذلك النصر دلالة واضحة على وجود المشاعر العربية عند الأعشى؛ فهو يتمنى مشاركة قبائل أخرى لقومه بالنصر، وبالانتماء النسبي (القبلي) وحده لا يطلق تلك المشاعر بل يطلقها الانتماء العربي الذي يشد تلك القبائل بعضها إلى بعض، ويزداد القول بإظهار الأعشى لانتمائه العربي في ذي قار صحّةً إذا استذكرنا وجود مشاعره العربية في مديحه لسادات اليمن، وإن هذه المشاعر لدى الأعشى، وهي موجودة لدى غيره من العرب، هي التي دفعته إلى عتاب بل هجاء سيد قبيلته، قيس بن مسعود الشيباني البكري لأنه وفد على كسرى بعد ذي قار، يقول ا لأعشى( ):
أَقَيْسَ بْنَ مَسْعُودِ بنِ قَيْسَ بن خالدٍ
وَأَنْت امرؤٌ تَرْجُو شبابَكَ وائلُ

أَطَورَيْنِ في عامٍ غَزَاةٌ وَرِحْلَةٌ
إلا ليت قَيْساً غَرَّفَتْه القَوابِلُ

وَلَيْتَكَ حالَ البَحْرُ دُونَكَ كُلُّهُ
وَكُنْتَ لَقَّى تَجري عليه السَّوائِلُ

كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ قَرابينَ جّمَّةً
تَعِيثُ ضِبَاعٌ فِيهمُ وَعَواسِلُ

تَرَكْتَهُمُ صَرْعَى لدى كُلِّ مَنْهَلٍ
وَأقْبَلتَ تبِغي الصُّلْحَ أُمُّكَ هابِلُ

لقد كانَ في شَيْبَانَ لو كُنْتَ راضياً
قِبَابٌ وَحَيٌ حِلَّةٌ وَقَنَابِلُ

وَرَجْرجَةٌ تُعْشِي النواظِرَ فَخْمَةٌ
وَجُرْدٌ على أكنافِهنَّ الرَّوَاحِلُ

تَرَكْتَهُمُ جَهْلاً وكنتَ عَمِيدَهُمْ
فَلا يَبْلُغّني عَنْكِ ما أنتَ فاعِلُ

إن مشاعر الانتماء العربي والقبلي لدى الأعشى ثائرة ومتألمة لأنّ سَيِّداً عربياً من قبيلته خضع لكسرى في عام واحد مرتين: الأولى حين رضي أن يكون أحد القادة العرب في الجيش الفارسي يوم ذي قار، والثانية حين رضي أن يفد إلى كسرى بعد ذي قار، ولكن غضب الأعشى على قيس لا يخفي حبه له، وإعجابه بصفاته القيادية؛ فقيس محط رجاء لبني وائل (بكر وتغلب)، ولكن خضوعه للفرس جعل الأعشى يتمنى لو أن قيساً مات قبل ذلك، إن الأعشى المفعم بمشاعر الألفة العربية والقبلية يستغرب رغبة قيس في مصالحة كسرى بعد ذي قار؛ ففيه رأى قيسٌ قومه يقتلون بالسيوف الفارسية والعربية العميلة للفرس، والأعشى يرى أن باستطاعة قيس -لو شاء- أن يمتنع على كسرى بسيوف قومه بني شيبان، ولكن الجهل ساق قيساً إلى كسرى، وإن قول الأعشى لقيس (وكنت عميدهم) لدليلاً على أن الخضوع لكسرى أفقد قيساً زعامة بني شيبان، وإن في قوله (فلا يبلغني عنكَ ما أنت فاعل) لدليلاً على أن الأعشى يتمنى الموت على أن يسمع بأن زعيماً عربياً شيبانياً يلقي بيده إلى كسرى.
ولكن قيساً لقي لدى كسرى مالقي النعمان بن المنذر قبله، فلماذا؟ من المرجح اعتماداً على مجيء ليلة يوم ذي قار إلى قومه، وإشارته عليهم بما يصنعون أن قيساً لم يكن عميلاً للفرس.
ولكنه سياسي عربي أراد استمرار صلته بكسرى ليحقق لقومه مالا يستطيع تحقيقه بإعلان عدائه للفرس، ولكن فطنة كسرى السياسية أوقفته على صلات قيس بقومه يوم ذي قار، وعلى نوازعه العربية المعادية للفرس، فاستدرجه إلى بلاطه، وَقْبَل مسير قيس إلى كسرى (اجتمعت رجال من بكر بن وائل، فَنَهُوه، وقالوا: إنما بعث إليك لما بلغه عنك، فقال: كلاّ ما بلغه ذلك، فأتاه فحبسه في قصر له بالأنبار حتى هلك، وفي ذلك القصر حبس النعمان بن المنذر حتى هلك)( ).
وأما شعر الأعشى السابق فإنه تعبير عن أنفه عربية من الخضوع للفرس وعن رغبة في نهج سياسية مغايرة لسياسية قيس، عن رغبة في سياسة المواجهة والتحدي العربي للفرس( ). ولم تكن رغبة الأعشى بعيدة المنال بل كانت أملاً يوشك أن يتحقق بالإرادة في يثرب، المدينة المنورة، ثم بدأ بذلك الحلم يتحقق على أرض الواقع حين بدأ الفتح العربي للعراق بسيوف عربية شيبانية بقيادة المثنى بن حارثة الذي نشأ في مدرسة هانئ، وقيس والأعشى وغيرهم من رجال ذي قار، ثم اكتمل الإسلام.
ب- الصراع مع الروم:
وأما في الجهة المقابلة للفرس، في بلاد الشام فكان الروم يحكمون مثل الفرس في العراق غير أنهم اتبعوا مع العرب في الجاهلية سياسة انتفت منها حدّة الخصومة، وبرز فيها تبادل المصالح، فانجذبت إلى بلاد الشام قبائل راغبة في الأمن والعيش الرغيد، ومن أبرز الأدلة على ذلك اتجاه القبائل المضطهدة في العراق من قبل الفرس إلى بلاد الشام، ومنها قضاعة، وإياد، وأنها استقرت في بلاد الشام فلم يعارضها الروم، ولا حلفاؤهم الغساسنة، وفي مقابل ذلك أعرضت تلك القبائل عن أعمال السلب والنهب التي كانت تمارسها في العراق( ).
وممّا يؤكد رضا الروم عن القبائل العربية القادمة إلى بلاد الشام من العراق أن بعض العرب توغلّوا في بلاد الشام، بل تجاوزوها، فحين هُزمت إياد في العراق (سارت بقيتهم إلى أرض الروم، وبعضها إلى حمص)( )، وللأسود بن يعفر شعر يدّل على أن إياداً وصلت إلى أنقرة التي في بلاد الروم، وذلك في قوله يذكر ارتحال إياد عن العراق( ):
نَزَلوا بِأَنْقَرةٍ يَسيلُ عليهمُ
ماءُ الفُراتِ يجيء مِنْ أطوادِ

وأرى أن الفارق بين سياسة الفرس وسياسة الروم تجاه العرب في العراق والشام ترجع إلى الاختلاف في أهمية المكان؛ فالفرس أرادوا أن يجعلوا العراق مركز مملكتهم، فبنوا المدائن، بين دجلة والفرات وجعلوها عاصمة لهم، ولذلك سعوا إلى إحكام قبضتهم على العراق، ليجعلوه خالصاً لنفوذهم، واستشعروا الخطر في أية قوة عربية ناهضة في العراق أو على أطرافه لأنها تهّدد عاصمتهم وملكهم بالزوال؛ وأمّا الروم فإن الشام مجال حيويّ يقع في أطراف (إمبراطوريتهم) الشاسعة، ولذلك قَلّ اهتمامهم بالقوة العربية القادمة إلى الشام مادامت راضية بالحياة السلمية؛ فتلك القوة تُعّد عند قيصر الروم إضافة جديدة إلى رعاياه من الشعوب والأقوام المختلفة، وهي إضافة تلقى الترحيب لأنها معادية للفرس أعدائه التقليدين الذين كانوا يستخدمون العرب في محاربة الروم.
إن سياسة اللين التي اتبعها الروم مع عرب الجاهلية في بلاد الشام تُفَسِّرُ لنا خُلُّو الشعر الجاهلي شبه التام من أخبار الصراع العربي مع الروم، وأمّا مديح الأعشى لإياس بن قبيصة الطائي، قبل وقعة ذي قار، حين استعان به كسرى على محاربة الروم، فنجح في مهمته، فإنّه من قبيل الاعتداد بعربي نجح في مهمة أعلت شأنه وشأن العرب لا شأن الفرس. ويؤكد ذلك أن الأعشى يرى في عودة إياس المظفرة من غزو الروم عودة بالخير إلى قبائل معدّ كلها( ).
ويبدو أن تلك السياسة الرومية إضافة إلى البعد المكاني من الأسباب التي جعلت بعض العرب لا يرهبون الروم، ومن الشعر الدال على ذلك أن عمرو بن الأهتم التميمي اتَّهَمَ ابن عمه قيس بن عاصم بأن أصله رومِيٌّ، وذلك في قوله لقيس في أثناء وفادة تميم على الرسول صلى الله عليه وسلم( ):
إن تُبْغِضُونا فإنَّ الرّومَ أَصْلُكمُ
والرومُ لا تملِكُ البغضاءَ للعربِ

إن قول عمرو التميميّ وهو في يثرب: (والرومُ لا تملِكُ البغضاءَ للعربِ) دليل على أنه يشعر بالانتماء إلى العرب، وهم في عرفه لا يخشون الروم، وهذا العرف ينطبق على الأقل على قومه تميم، وعلى المستمعين إليه، وهم سكان نجد والحجاز البعيدون عن السلطة الرومية.
ولكن الاختلاف بين سياسة الروم، وسياسة الفرس تجاه العرب لا ينفي تشابه أطماعهم في احتلال الأرض العربية، واستغلال أهلها؛ فالروم حريصون على استمرار وجودهم في بلاد الشام، وكانوا يرغبون في السيطرة على الحجاز واليمن، وفي استمالة عرب العراق أيضاً، وإن في قول عدي بن زيد العباديّ يصف النعمان بن المنذر( ):
ولا تَحُلُّ نَبِيَّ البِشْرِ قُبَّتُهُ
تَسُومُهُ الرومُ أنْ يُعْطُوهُ قِنْطارا

مايوحي بأن الروم حاولوا استمالة النعمان بن المنذر إليهم بالمال، ولعلّ ذلك من الأسباب التي دفعت كسرى إلى البطش بالنعمان.
وأما في الحجاز فقد حاول الروم في العصر الجاهلي أن يبسطوا نفوذهم على مكة وأهلها من خلال رجل كان يطمع أن يملك قريشاً، وهو عثمان بن الحويرث الأسديّ القرشيّ، فقد قَدِمَ على قيصر، وذكر له مكّة، ورغبه فيها، تكون زيادة في ملكك كما في ملك كسرى صنعاء، وقد صادف قول عثمان رغبة لدى قيصر بضمّ مكّة، وهي مركز تجاري مهم بالنسبة إلى الروم، إلى ملكه، فملّكه على مكة، وكتب إلى قريش بذلك، فلما قدم عليهم قال: يا قوم إن قيصر مَنْ قد علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه وقد ملكني عليكم، وإنما أنا ابن عمكم وأحدكم....، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به، فخافت قريش قيصر، وتخوفت على تجارتها في الشام، فأزمعت أن تتوج عثمان، ثم نفرت من ذلك قائلة: ماكان بتهامة مُلْكٌ قط، فلحق عثمان بقيصر ليعلمه.
لقد أنفت قريش من الانقياد إلى ملك عميل للروم، وإن كان واحداًمنها فدلت بذلك على ظهور بوادر الوعي بالانتماء العربي بين أبنائها، وإذا تَتَبَّعنا قصة عثمان فسوف نجد بوادر مشابهة عند الغساسنة، والأكثر أهمية من ذلك هو استغاثة القرشيين بالغساسنة من أجل صرف قيصر عن تمليك عثمان على مكة فكلم تجار من قريش بالشآم عمرو بن جفنة في عثمان بن الحويرث، وسألوه أن يفسد عليه أمره، فكتب إلى ترجمان قيصر من أجل أن يحوّل كلام عثمان عند قيصر، فلما دخل عثمان عند قيصر يكلمة، قال قيصر للترجمان: ماذا قال؟ فقال: مجنون، يشتم الملك، فأمر به فأخرج، ولكن عثمان عرف أنه أتي من قبل الترجمان، فاحتال حتى دخل على قيصر، وأعلمه رفض قريش لأوامره، فكتب قيصر لعثمان كتاباً إلى عمرو بن جفنة أن يحبس له من أراد حبسه من تجار قريش، فقدم عثمان على عمرو بن جفنة فوجد بالشآم أبا أحيحة سعيد بن العاص الأموي، وأبا ذيب العامري فحبسهما ولكن عمرو بن جفنة دس السم لعثمان بن الحويرث، فقتله( )، وبذلك وئدت محاولة قيصر للاستيلاء على مكة بتضافر مساعي قريش مع مساعي الغساسنة، ولم يكن ذلك التضافر إلا تعبيراً عن تلاقي مشاعر الانتماء العربي المعادي للنفوذ الرومي( ).
ومن الظاهر رضا قريش عن قتل الغساسنة لعثمان بن الحويرث، ولذلك لم تطالب بدمه، ولم يرثه أحد سوى رجل من رهطه، هو ورقة بن نوفل الأسدي الذي قال( ):
فَلأَبكَيِنْ عثمانَ حقَّ بكائِهِ
ولأَنْشُدَنْ عَمْراً وإنْ لم يُنشَدِ

وإن في قوله ورقة: "ولأنشدن عمراً وإن لم ينشد" لدليلاً على أن قريشاً كانت راضية عن مقتل عثمان، فلم ينشد أحد دمه لدى عمرو بن جفنة سوى الشاعر، ويبدو أن ورقة نفسه كان غير راضٍ عن سعي عثمان إلى جعل مكة تابعة للنفوذ الرومي، ولو كان راضياً عن فعلة عثمان لكان ذكرها، وعدّها مأثرة له، فهي أهم حدث في حياته، وهي سبب مقتله.
وكان الروم يطمحون إلى السيطرة على اليمن، وقد تعذّر عليهم ذلك، فاستعانوا بالأحباش ويبدو أنّ أطماع الروم باليمن لم تكن خافية على بعض العرب، ومنهم الأعشى الذي مدح سَيِّديْ نجران بل أوصالهما بالحفاظ على نجران، وبفعل الخير، وبأن يكفيا نجران أمر عظيمة، ثم أفصح الأعشى عن تلك العظيمة فإذا هي حشد القوة الرومية من أجل السيطرة على نجران في قوله( ):
وإنْ أَجْلَبَتْ صِهْيُونُ يَوْماً عليكُمَا
فإنَّ رَحَى الحرب الدَّكُوكِ رَحَاكُما

وبذلك تتجلى صفحة أخرى من وعي الأعشى لانتمائه العربي، ومن رغبته في مواجهة المعتدين على العرب سواء أكانوا فرساً أم روماً، وهذا الوعي يلتقي مع وجود أحساس عربي بالعداوة للروم؛ فقد أكثر الشعراء من الرمز للعداوة بلون الصهبة، وهي بلون الروم بخاصة( ).
ج- الصراع مع الأحباش:
وأما الأحباش فقد احتلوا اليمن بمساعدة الروم، فأذّلوا شعبه، وهو شعب عريق ماعرف الاحتلال من قبلُ، فكان وقع الاحتلال عظيماً عليه وعلى كثير من العرب، وكانت حادثة الأخدود هي الشرارة التي أشعلت الصراع بين العرب والأحباش؛ فقد قَتَلَ ذو نواس الحميريُّ اليهودي نصارى نجران، لاعتقاده أنهم عملاء للروم، فأوعز قيصر الروم إلى أتباعه الأحباش كي يحتلوا اليمن، وقدم لهم الدعم، فقدم إلى اليمن جيش من سبعين الف مقاتل، فأذّلوا حمير بقتل ثلث رجالها، وتخريب ثلث بلادها، وسبي ثلث نسائها، وإرسالهن إلى الحبشة بعد مقاومة يسيرة من أهالي اليمن، وذلك عام 525م( ).
ولقد حاول ذو نواس أن يجمع حوله أقيال اليمن ليقاتل الأحباش، فخذله الأقيال، فأعمل الحيلة، وخدع الأحباش، وحقّق نصراً يسيراً عليهم، ولكنّهم عادوا إليه بجيش كبير لا طاقة له به، فقال:
(الموت خير من إسار أسود، ثم أقحم فرسه لجّة البحر، فمضى به فرسه، وكان آخر العهد به)( ).
وكذلك فعل ذو جَدَن الهمداني، فقد ناوش الأحباش، ولكن همدان تَفَرّقت عنه، فتخَّوف على نفسه، فقال: (ما الأمر إلا ماصنع ذو نواس، فأقحم فرسه البحر، فكان آخر العهد به)( ).
وقد أظهر ذو جَدَن الحميري في شعره الأسى للخراب الذي أنزله الأحباش باليمن، فقال( ):
هَوْنَكِ ليس يَرُدُّ الدمعُ مافاتا
لا تَهْلِكي أَسَفاً في ذِكْرِ مَنْ ماتا

أَبَعْدَ يَبْنُونَ لا عَيْنٌ ولا أَثَرٌ
وَبَعْدَ سِلْحينَ بَيْني الناسُ أبياتاً

وقال أيضاً مظهراً الأسى لخراب حصن غُمْدان، ومشيراً إلى استماتة ذي نواس، وتحذيره لقومه من شدة الاحتلال( ):
وغُمْدان الذي حُدِّثَتِ عَنْهُ
بَنُوه مُسَمَّكاً في رَأسِ نِيقِ

فأَصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَماداً
وغَيَّرَ حُسْنَه لَهَبُ الحريقِ

وَأَسْلَمَ ذو نُواسٍ مُسْتكيناً
وَحَذَّر قَوْمَهُ ضَنْكَ المَضِيْقِ

ومن الحجازِ ارتفع صوت عبد الله بن الذئبة الثقفي يذكر ما أصاب حمير على يد الأحباش( ):
لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى مِنْ مَفَرّْ
مع الموتِ يَلْحَقه والكِبَرْ

لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى صُحْرَةٌ
لَعَمْرُكَ ما إنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ

أَبَعْدَ قبائِلَ مِنْ حِمْيَرٍ
أُتُوا ذا صَبَاحٍ بذَاتِ العَبَرْ

بِألفِ أُلُوفٍ وحَرَّابَةٍ
كَمِثْلِ السَّماءِ قُبَيْلَ المَطَرْ

يُصِمُّ صياحُهُمُ المُقْربَات
وَيَنْفُونَ مَنْ قاتلوا بالزُّمَرْ

إن هذا الشعر، وإن لم يذكر الأحباش صراحة، يدلّ على اهتمام عرب الشمال بأحوال عرب اليمن، وعلى تضامنهم معهم ضد الأحباش.
كانت صدمة العرب بالاحتلال الحبشي عظيمة، ثم تراءت لهم أطماع الأحباش المتزايدة في السيطرة، فأطماعهم لا تقف عند اليمن بل تتعداها إلى الحجاز، وإلى مكة مهوى الأفئدة العربية، وحينئذٍ أدرك العرب عظمة الخطب وشدة الهول، فكان التحدي العربي للأحباش، وكان التضامن العربي من أجل القضاء عليه.
بنى أبرهة الحبشي كنيسة القُلَّيْس بصنعاء، فكانت آية في الصنعة والإتقان، وقد استعان لبنائها بقيصر الروم، فأمده بالصناع والفسيفساء والرخام، ثم كتب أبرهة إلى النجاشي، فأخبره بأنه بنى تلك الكنيسة، وبأنه سيصرف إليها حاج العرب( )، ومن الجلّي أن أبرهة أراد بذلك أن يصرف العرب عن كتبهم المقدسة، ورمز وحدتهم إلى كنيسته رمز النفوذ الأجنبي في بلاد العرب، وبذلك يمكّن الروم والأحباش من إحكام سيطرتهم على العرب، فالانصراف عن الكعبة إلى القُلّيس هو انصراف العروبة والاستقلال إلى التبعية والاستعباد.
وكان الردّ العربي على سياسة أبرهة عفوياً، ومن الحجاز، فقد انطلق إلى اليمن رجل من بني كنانة، فأَتَى القُلّيس، وأحدث فيها، ثم لحق بأرضه، وحين سأل أبرهة عَمَن فعل ذلك في القُلّيس، قيل له: (صنع هذا رجل من العرب، من أهل البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة، لمَّا سمع قولك: أصرف إليها حَجّ العرب غضب، فجاء، فقعد فيها، أي أنها..... ليست لذلك بأهل)( )فغضب أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، وقد مَهَد لذلك بأن تَوّج محمد بن خُزاعيّ السُّلمي، وأمَّرَهُ على مضر، ثم أَمَرَه أن يسير في الناس يدعوهم إلى حجّ القُلّيس، فسار، حتى إذا نزل ببعض أرض كنانة -وقد بلغ أهل تهامة أمرُه، وما جاء له -بعثوا إليه رجلاً من هذيل، فرماه بسهم فقتله( )، فأضيف بذلك دليلٌ آخر على وجود الانتماء العربي، وعلى أهميته في محاربة الأجانب وعملائهم من العرب.
وحينئذ ازداد أبرهة غضباً وغيظاً، وحلف ليغزونْ بني كنانة، وليهد من البيت الحرام، فأمر الحبشة فتهيأت، وتجهزّت للمسير إلى مكّة، فأعظم العرب ذلك (ورؤوا جهاده حقاً عليهم..... فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن، وملوكهم يقال له: ذو نَفْر، فدعا قومه، ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، ومايريد من هدمه وإخرابه، فأجابه إلى ذلك مَنْ أجابه ثم عرض له، فقاتله فَهُزِم ذو نَفْر وأصحابه، وأُخذ ذو نَفْر، فأُتي به أسيراً فلما أراد قتله، قال له ذو نَفْر: أيها الملك: لا تقتلني، فإنّه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي، فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلاً حليماً)( ).
وتبعث محاولة ذي نَفْر محاولة عربية أخرى لصدّ الأحباش، فحين وصل أبرهة بجيشه إلى أرض خثعم (عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعمي، في قبيلي خَثْعَم: شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبرهة، وأُخذ له نُفيل أسيراً، فأتى به، فلما هَمّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك: لا تقتلني: فإني دليك بأرض العرب..... فأعفاه، وخَلَّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق)( ).
وحين وصل أبرهة إلى الطائف لقيه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، وقالوا له:(أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك، مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتناهذا الذي تريد -يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم.... فبعثوا معه أبا رغال، يدلّه علىالطريق إلى مكّة، فخرج أبرهة، ومعه أبو رغال حَتّى أنزله المُغَمَّس، فلما أنزل به، مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب( )، وما رَجْمُ العرب لذلك القبر إلا تعبير عن السخط على المتعاملين مع العدو، والمتخاذلين أمامه، فرجْم أبي رغال هو رجْم لكل عربيّ سار في جيش أبرهة، وهو راضٍ عن هدم البيت، واحتلال الأحباش للأرض العربية)( ).
ثم كانت محاولة ثالثة لصدّ أبرهة عن وجهته: فقد روي أن سيد قريش، عبد المطلب بن هاشم قدم إلى أبرهة ومعه سيّد بني كنانة، نُفاثة بن عديّ، وسيّد هُذيل، خُويلد بن وائلة، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم ذلك( ).
لقد استنفد العرب جهودهم لصدّ الأحباش، وهي جهود افتقرت إلى الوحدة فلم تنجح، ولكنها عظيمة الدلالة على تنامي الوعي بالانتماء العربي، وعلى تفاوت العرب في وعي ذلك الانتماء، فالعرب الأكثر وعياً قاوموا الأحباش، والأقل وعياً آثروا السلامة، ومنهم فئة قدّمت العون للعدو مؤثرة مصالحها الخاصة أو سلامتها القبلية على المصلحة العامة للعرب كلهم، فاستحقت الرجم واللعن إلى يوم الدين.
وهكذا أصبح جيش أبرهة في المُغَمَّس، يَتَهَّيأ لا حتلال مكة، وهدم كعبتها، بعد أن عجزت جهود العرب المبعثرة عن صدّه، وكانت آخر كلمة مقاومة للأحباش هي قول عبد المطلب لأبرهة:
(إنّ للبيت رَبَّاً سيمنعه، قال ماكان ليُمْنَع منّي، قال أنت وذاك)( ). ولكن أبرهة عاد ذليلاً مقهوراً، وقصّ علينا سبحانه وتعالى خبر جيشه في قوله: (ألم تَرَ كيفَ فعل ربُّكَ بأصحابِ الفيل* ألم يجعلْ كيدهمْ في تضليل* وأرسل عليهم طيراً أبابيل* ترميم بحجارة من سِجّيل* فَجَعَلَهم كعصفٍ مأكول)( ).
وكان للشعر الجاهلي صوت في ذلك الصراع، فعبد المطلب أخذ بحلقة باب الكعبة، وقال قبل هزيمة أبرهة( ):
ياربَّ لا أرجو لَهمْ سِواكا
ياربِّ فامنعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا

إنَّ عَدُوَّ البيتِ مَنْ عاداكا
امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا

وقال أيضاً من أبيات يناجي فيها ربَّهُ( ):
لا يَغْلُبَنَّ صَليبُهُمْ
وَمِحالُهُمْ غَدْواً محالك

ومن الأشعار المقاومة للأحباش أبيات لعكرمة بن عامر العبدري، دعا فيها الله ليخزي الأسود بن مقصود الذي استاق تهامة، وفيها مائتا بعير لعبد المطلب، وكان من قادة جند أبرهة( ).
وحين هزم الأحباش راحو يسألون عن نفيل بن حبيب الخثعمي ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال من أبيات له( ):
وَكُلُّهُمُ يُسائِلُ عن نُفَيْلٍ
كَأَنَّ عَلَيَّ للحُبْشانِ دَيْنا

وماكانت دلالَتُهُمْ بِزَينٍ
ولكنْ كانَ ذاك عَلَيَّ شَيْنا

إن نفيلا - وكان قائد حركة مناهضة للأحباش- أكره على المسير معهم، وهو يضمر العداء لهم( )، ولذلك كان يرى أن مساعدته للأحباش - وإن كان مكرهاً- عار لحق به، وماذلك إلا دليل على شدة وعيه بانتمائه العربي الموجب للدفاع عن مُقَدَّسات العرب ضد الغزاة الأجانب.
رجع الجيش الحبشي مدحوراً إلى اليمن، وفي ركابه عدد من الرهائن، من أبناء القبائل المنتشرة في الطريق من مكة إلى اليمن( ). وكانت تلك الرهائن سبباً في وفود العرب إلى الأحباش في اليمن رغبة في تخليص أولئك الرهائن من الأسر، ولعلّ الأحباش أخذوا الرهائن لأسباب منها أن يفد العرب إليهم ليصطنعوهم، وممن وفد إليهم لبيد بن ربيعة العامري، فأحسنوا إليه، وله في ذلك شعر( )، ووفد إليهم معقل بن خويلد الهذلي، فأحسنوا إليه، وأرادوا أن يزوجوه منهم ويبقوه عندهم، فأبى، وله في ذلك شعر( )، وكان مع معقل أساري من فلول الجيش الحبشي فافتدى بهم من عند الأحباش من أسراء بن كنانة، وأهالي نجد( )، افتخر بنجاح وفادته حين عاد إلى قومه بالأسرى، وذلك في قوله( ):
وَسوْدٍ جعادٍ غِلاظِ الرِّقا
بِ مِثْلَهُمُ يَرْهَبُ الرّاهِبُ

أشَابَ الرؤوسَ تَقَدِّيهمُ
فكُلُّهُمُ رامِحٌ ناشِبُ

أتيتُ بِأبْنائِكُمْ مِنْهُمُ
وليس مَعِي مِنْكُمُ صاحبُ

فذلِكُمُ كان سَعْيي لكُمْ
وكلُّ أناسٍ لَهُمْ كاسِبُ

إن وفادة معقل على الأحباش ليست عمالة، فدافعها انتماء عربي، دعاه إلى السعي من أجل فكاك أسرى من قبائل عربية مختلفة، ويؤكد شعوره بذلك الانتماء وعداءه للأحباش أنّه رفض الإقامة عندهم والزواج منهم.
ولكن أهالي اليمن لم يستسلموا لظلم الاحتلال، فانقضوا على رموزه الظالمة( )، غير أن قدراتهم المتاحة كانت عاجزة عن إخراج الأحباش، فتطلّعت القلوب الثائرة إلى العون الخارجي، وكان رأس تلك القلوب سيف بن ذي يزن، فقد وفد على قيصر يطلب عونه، فأبى قيصر ذلك، وقال له:(الحبشة على ديني، ودين أهل مملكتي، وأنتم على دين يهود)( )، ومن الجلي أن وفادة سيف على قيصر تدل على جهل بحقيقة العلاقة بين الروم والأحباش، ولعل سيفاً أدرك بعد إخفاقه عند قيصر أن العون ممكن عند أعدائهم، فاتجه إلى النعمان بن المنذر، وشكا إليه أمر الأحباش، فأوصل النعمان سيفاً إلى كسرى، وذلك موقف يضاف إلى صفحات النعمان الدالة على رغبته في تقوية العرب، واصطناعهم.
وبعد لأي نجحت وفادة سيف عند كسرى الذي أمدَّ سيفاً بجيش فارسيّ بقيادة وهرز، فانتصر سيف بمساعدة وهرز على الأحباش، واستُبْدلَ بالاستعمار الحبشي آخر فارسيّ، ولكنه أقل وطأة على العرب من احتلال الأحباش، وذلك عام 575م( ).
كانت نقمة العرب على الأحباش كبيرة، فقد احتلوا أرضهم احتلالاً مباشراً، وعاثوا فيها فساداً، وأرادوا هدم الكعبة قدس العرب الأول، ولذلك هلّل العرب لانتصار سيف، ولم يأبهوا للوجود الفارسي في اليمن، كان وجوداً رمزياً بخلاف الوجود الحبشي الكثيف، وقد رأى بعض العرب في سيف بطلاً قومياً، وفي الفرس حليفاً منقذاً.
وكان للشعرنصيب في التعبير عن ذلك الحدث العظيم، ومنه قول سيف بن ذي يزن يذكر مقتل مسروق بن أبرهة الحبشي، ويثني على وهرز الفارسي( ):
قتلنا القَيْلَ مسروقاً
وَرَوَّيْنا الكثيبَ دَمَا

وإنَّ القَيْلَ قَيلَ النا
سِ وَهْرِزَ مقسمٌ قَسَمَا

يَذوق مشعشعاً حتَّى
يفيء السبيَ والنَّعَما

وحين شاع خبر انتصار سيف، بمساعدة الفرس على الأحباش قدمت وفود عربية إلى صنعاء لتشارك أهالي اليمن فرحة الانتصار، وقد وصلت إلينا أخبار وفادتين: الأولى من ثقيف، والثانية من قريش، فأمّا وفادة ثقيف فكانت ممثلة بأمية بن أبي الصلت الثقفي الذي مدح سيفاً بقوله( ):
لِيَطُلُبَ الثأْرَ أمْثَالُ ابن ذي يزَنٍ
رَيَّمَ في البَحْرِ للأعداءِ أحْوالا

يَمَّمَ قَيْصَرَ لماحَانَ رِحْلَتُهُ
فَلَمْ يَجْدْ عِنْدَهُ بَعْضَ الذي سَالا

ثُمّ انثنىَ نَحْوَ كِسْرَى بعد عاشِرَةٍ
مِنَ السِّنينَ يُهينُ النفْسَ والمالا

حَتَّى أتى ببني الأحرارِ يَحْمِلُهُمْ
إنّك عَمْريَ لقد أسرعْتَ قَلْقَالا

مَنْ مِثْلُ كِسْرَى شَهِنْشاهِ الملوكِ لَهُ
أَو مِثْلَ وَهرِزَ يومَ الجيشِ إذْ صالا

لِلّهِ دَرُّهُمُ منْ عُصْبَةٍ خَرجُوا
ماإنْ أَرَى لَهُمُ في النّاسِ أَمْثالا

بيضاً مَرَازبَةً ،غُلْباً أساورَةً
أُسْداً تُرَبِّبُ في الغَيْضاتِ أَشْبالا

أَرْسَلْتَ أسداً على سُودِ الكلابِ فَقَدْ
أضْحَى شَريدُهُمً في الأرْضِ فُلاّلا

فاشْرَبْ هَنِيئاً عَلَيْكَ التاجُ مُرْتَفِقاً
في رأسِ غُمْدانَ داراً منكَ مِحلالا

واشْرَبْ هَنِيئاً فَقَدْ شالتْ نعامَتُهُمْ
وَأَسْبِلِ اليومَ في بُرْدَيْكَ إسْبالا

ومن المثير في هذه القصيدة أنها تضمنت إضافة إلى مديح سيفٍ مديحاً للفرس، وإدانة للفرس، وقد حكم د.عبد الحفيظ السطلي بأن تلك القصيدة شعوبية منحولة، لأسباب منها قلّةُ الإشادة بسيف، وكثرةُ الإشادة بالفرس، وإدانة الروم أعداء الفرسِ، ونصُّ بعض النقاد على أنّ بعضها أو كلّها مصنوع( ).
وأرى أن القصيدة لأمية؛ فعشرات المصادر القديمة تنصّ على ذلك، ومديح أمية للفرس وإدانة للروم لا يكفيان للقول بأن القصيدة من صنع الشعوبية، وقد يكون في القصيدة أبيات مضافة للتزيد في الإشادة بالفرس، ولكن ذلك لاينفي وجود الإشادة في الأصل، فإذا حُذفت بعض الأبيات التي تشيد بالفرس فسوف نلحظ توازناً في الكّم بين مديح الشاعر لسيف، ومديحه للفرس.
وأما أن ننكر مديح أمية للفرس وإدانته للروم والأحباش فأمر لا يؤيده النظر العميق في القصيدة، وفي دواعي إنشادها؛ لقد قدّم الفرس لسيف دعماً عسكرياً أحجم عن مثله الروم، وبفضل ذلك الدّعم حقّق عرب اليمن النصر على الأحباش، وكان من المنطقي أن يشيد أمية بمن قدّم الدعم لسيف، وكان طبيعياً أيضاً أن تأتي الإشادة بسيف وبالفرس من شاعرمثل أمية لأنه من الطائف قرب مكة، ولأن صلاته بمكة وثيقة، فهو من الذين استشعروا أكثر من غيرهم خطر الأحباش، ونصرائهم الروم على الوطن ومقدساته، فأهالي مكة والطائف لم يعانوا ظلم الفرس بل عانوا محاولات رومية وحبشية للسيطرة عليهم، فكان منطقياً أن يتوجهوا بالعداء إليهم لا إلى الفرس الذين أعانوهم على التحرر من الأحباش، فكانت قصيدة أمية تعبيراً عن الفرحة بالانتصار على المحتّل الأجنبي، وإشادة بأجنبي قدّم العون، ولَمَّا تظهر مظالمه بعد في اليمن، فالعامل المكاني كان سبباً في موقف أمية، ولعلّ هذا العامل هو السبب في إعراض شعراء شرقي الجزيرة العربية، وشمالها عن الاحتفال بنصر سيف بمساعدة الفرس لأنهم كانوا يعانون استغلال الفرس وظلمهم.
وإن في القصيدة نفسها مايدل على تقديم أمية لسيف على الفرس، وفي ذلك إنكار لصنع الشعوبية للقصيدة، وإظهار لرابطة الانتماء العربي التي حملت أمية من الطائف إلى صنعاء ليهنئ ملكها بالنصر؛ فقول أمية في مديح سيف: (حتى أتى ببني الأحرار) و: (أرسلتَ أُسْداً على سُودِ الكلاب) - دليل واضح على عروبة الأبيات لا شعوبيتها، فالشعوبي لا يجعل سيفاً قائداً للفرس، يأتي بهم، ويرسلهم، بل العربي يفعل ذلك حين تحمله عواطفه على وصف ممدوحه العربي بصفات حسنة مبالغ فيها؛ لم يكن قائداً للفرس بل تابعاً لهم أو شريكاً على أحسن الأحوال، ولا يعقل أن يصفه شعوبي بقيادة الفرس، وهي قيادة ماكانت لسيف في تلك الحرب المحررة.
لقد أسهمت وحدة الخطر الخارجي على اليمن في بروز مشاعر الانتماء العربي التي توحد عرب اليمن وعرب الحجاز على العداء للروم والأحباش، وتتأكّد تلك المشاعر في قدوم وفد قرشي من مكة إلى صنعاء لتهنئة سيف، وقد ضم الوفد عظماء قريش، ومنهم عبد المطلب بن هاشم الذي مَثُل مع الوفد بين يدي سيف، وألقى خطبة تدل على تلك المشاعر، وعلى أهمية الخطر المشترك في بروزها وتوحيدها، ومن تلك الخطبة قول عبد المطلب لسيف: (فَأَنَت- أبيت اللعن- ملك العرب، وربيعها الذي به تُخْصِب، وأنت أيُّها الملكُ رأسُ العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد.... نحن أهل حرم اللّه، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا، لكشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفود التهنئة)( ) فالوفد عبّر بلسان خطيبه عن مشاعره، ومشاعر قريش، ومشاعر كثير من العرب بالاعتزاز بسيف الذي انتصر للعرب، فغدا ملكهم وملاذهم، وسيفهم الذي كشف الكرب الذي فدحهم (غزو الأحباش لمكة)، وكذلك مدح أمية بن عبد شمس القرشي سيفاً بأبيات فدل بها على تلك المشاعر أيضاً.( )
إن انتماء العرب دفع بعضهم إلى مديح الفرس إذ ساعدوا سيفاً على تحرير اليمن، وذلك الانتماء دفع إلى محاربة الفرس وذمهم والفخر عليهم إذ عملوا على إذلال عرب العراق، ودفعهم عنه.
وقد دل مديح بعض العرب للفرس على ان الانتماء العربي يرتضي الانفتاح على الأمم، وقبول المعونة من الأجنبي مادام في ذلك تمكين للعرب من التحرر والتطور، وكذلك دل عداء العرب للفرس على أن الانتماء العربي يدفع أبناءه إلى رفض الاحتلال والتسلط، ومحاربة الأجنبي مادام يعوق تحرر العرب وتطورهم، ولعلّ ذلك من أسباب إدانة الأعشى للوجود الفارسي في اليمن حين اتضح أن العرب استبدلوا باحتلال الأحباش احتلالاً آخر يعوق تقدمهم، ونلحظ تلك الإدانة في قول الأعشى يصف خراب قصر ريمان( ):
بَكَرَتْ عليهِ الفُرْسُ بَعْـ
ــدّ الحُبْشِ حَتَّى هُدَّ بابُهْ

فتراهُ مَهْدومَ الأعا
لِي وَهْوَ مَسْحُولٌ تُرابُهْ

ولقد أراهُ بِغَبْطَةٍ
في العَيْشِ مُخْضرّاً جَنَابُهْ

فَخَوَى ومامِنْ ذي شبا
بٍ دائمٌ أبداً شَبَابُهْ

فالأعشى يأسى لخراب قصر ريمان، ويرى أن قوتين تعاورتا على تخريبه، وإزالة الغبطة عن أهله،وهما قوتا احتلال، فعلهماتخريب يعوق التطور، ويدمر الصروح الحضارية العربية في اليمن.ويبعد البسمة عن نفوس أهله، ولكن موقف الأعشى وأمثاله لا ينفي رغبة العربي الجاهلي في التواصل مع الحضارات المجاورة لوجوده الإنساني، وفي التأثر بها.
***
5- انفتاح وتأثّر:
لقد رفض العرب الجاهليون الاحتلال لأنه يعوق تطورهم وأدركوا أن لهم وجوداً متميّزاً، ولكنهم لم يرفضوا الصلات مع الأجانب مادمت تساعد على تأمين سبل أفضل لمعاشهم وتطورهم، ولعل وفادة الأجانب إلى الأرض العربية للتجارة أفضل دليل على ذلك، فقد وفد تجار أجانب إلى بلاد العرب، وهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، فالأخبار والأشعار الجاهلية لا تشير إلى نهب أو قتل للتجار الأجانب بل تشير إلى تجارتهم الآمنة، وإلى حرص العرب على إرضائهم( )، وفي مقابل ذلك كان العرب يفدون بتجارتهم إلى مناطق النفوذ الأجنبي، وهم آمنون( ).
ومن إسهامات تواصل العرب مع الأعاجم في التطوّر العربي أن اللغة العربية، على الرغم من تعصب العرب للغتهم، قد دخلتها ألفاظ أعجمية، فَعُرّبت وأضحت من صميم لغة العرب، وبذلك ازدادت اللغة العربية غنىً، فازدادت العرب على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويدل على ذلك كثرة الألفاظ الأعجمية المعربة في الشعر الجاهلي، ولاسيما الألفاظ الفارسية( )، وكذلك أسهم تواصل العرب مع الأعاجم في اتساع معارف العرب، وتنمية مقدرتهم الفنية في التصوير الفني كقول طرفة مشبهاً ناقته لانتفاخ جوفها، وشدة خلقها بقنطرة الرومي( ):
كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ، أَقْسَمَ رَبُّها
لَتُكْنَفَنْ، حَتّى تُشَادَ بِقَرْمَدِ

ومن تنمية المقدرة الفنية بالتواصل مع الأحباش قول لبيد يصف السحاب( ):
يُضيءُ رَبَابُهُ في المُزْن حُبْشاً
قِياماً وبالحِرابِ وبالإلالِ

وبالتواصل مع النبط قول الأعشى يصف أسداً( ):
كأنّ ثيابَ القومِ حَوْلَ عَرَينه
تبابينُ أنباطٍ إلى جَنْبِ مُحْصَدِ

وبالتواصل مع الفرس قول المرقّش الأكبر يصف ديار أسماء بأنها خلت بعد سكانها( ):
إلاّ مِنَ العِينِ، تَرَعَّى بها
كالفارِسيِّيْنَ، مَشَوْا في الكُمَمْ

وإذا أردنا تتبع مظاهر تواصل العرب مع الأعاجم فسوف نقف على مؤثرات أخرى( )، تضاف إلى ماقيل آنفاً عن تأثر العرب بالأعاجم، وبذلك يزداد التأكيد أن عرب الجاهلية كانوا يرفضون الأخذ عن الأعاجم، ولا يأنفون من التأثر بهم، وإذا أضفنا إلى ذلك الانتماء إلى العرب كان مُيَسّراً للهجناء وللمقرفين، وللأعاجم الذين يعيشون مع العرب، وي‍ت‍خَلّقون بأخلاقهم، ويتحدّثون بلغتهم( )، فسوف يسهل عليناالقول بأن الانتماء العربي لم يكن انتماء مغلقاً ولا متعصباً للذات تعصّباً مطلقاً، بل تعصباً مقيداً بأوضاعٍ سياسية واجتماعية كتعصب العرب للتحرر من الاحتلال الأعجمي، وتعصب العرب على الأعاجم الذين يقوومون بالأعمال الوضعية عند أسيادهم العرب. وإضافة إلى ماسبق نجد في الشعر الجاهلي مايدل على أن العربي كان يدرك أن الناس مشتركون في أمور يستوي فيها العرب والأعاجم، ومن ذلك الشعر قول عنترة( ):
أنا الهجينُ عنترهْ

كلّ امرئٍ يحمي حِرَهْ

أَسْوَدَهُ وأحْمَرَهْ

فالناس، سواء أكانوا عرباً أم أعاجم، يدافعون عن أعراضهم، ويحافظون على حماهم.
والناس كذلك مشتركون في الأرض التي يعيشون عليها، فهي بلاد الله، التي خلقت ليسكن فيها السهل والجبل( )، والناس أصلهم واحد، فهم أبناء آدم، يقول أفنون التغلبي مفاخراً قومه( ):
قدْ كنتُ أَسِبقُ مَنْ جَارَوْا على مَهَل
ٍ مِنْ وُلْدِ آدمَ مالم يَخْلَعُوا رَسَنِي

وافتخار الشاعر على وُلد آدم لا يلغي الاعتقاد بانتساب الناس كلهم إلى آدم؛ وهم بذلك متساوون في الأصل، ومتفاضلون بضفات لا تلغي ذلك الأصل، وبذلك يَتَأكّد وجود بذور للتسامح الإنساني عند الجاهليين؛ فانتماؤهم العربي لم يحجب عن أعينهم أنهم جزء من الوجود الإنسانيّ الأشمل.
***
وهكذا نجد أن القبائل العربية امتلكت في أثناء حياتها الطويلة لغة خاصة؛ وأرضاً خاصة، ولها حدود، بعضها واضحة المعالم، وبعضها تتحدّد بالصراع مع الأمم المجاورة، ولاسيما الفرس، وقد امتلكت تلك القبائل تاريخاً مشتركاً غنيّاً بالتفاعلات الإنسانية المختلفة، وهي تفاعلات توجَّهت بحياة الجاهليين من الانقسامات إلى الوحدة بالانتماء العربي، وهو انتماء يشمل ولا يلغي انتماءات الجاهليين النسبية والمكانية والسياسية والاجتماعية والدينية.
لقد صنع الجاهليون وجودُاً عربياً موضوعياً متمّيزاً، وكان ذلك الوجود مُدْركاً من قبل كثرة من أبنائه، ومن الإعاجم أيضاً، وساعد تفاعل العرب مع الأمم المحيطة بهم على إدراك ذلك التمايز، وعلى تطور الحياة العربية، وكان موقف العرب من الصراع مع الأعاجم دليلاً على تفاوت الوعي بالانتماء العربي لدى العرب، فثمة فئة تحدّث بوحي من وعيها لانتمائها العربي العدوان الخارجي، وحاربته، في مقابل فئة، وهي الأقل هادنت العدوان الخارجي على العرب، وتعاونت مع رموزه، مؤثرة لقلة وعيها مصالحها العامة للعرب، ولكن ذلك لا يلغي الانتماء العربي لهذه الفئة، فانتماؤها العربي له وجود موضوعي، وإن كان غير مدرك عندها.
وكان الانتماء إلى العرب يحمل بذور التسامح والرضا بالتعايش مع الأمم الأخرى، وكان بعيداً عن التعصب على تلك الأمم إلا ماكان تعصبّاً على العدوان الخارجي، أو تعصّباً على وضع اجتماعي وهو تعصب محكوم بالظرف التاريخي الذي عاش فيه الجاهلييون.
لقد عَرَف الجاهليون وجودهم الإنسانيّ المتميّز، فامتلكوا الإحساس بالانتماء العربي، وكان اختلاف درجات وعيهم بذلك الانتماء دليلاً على وجود تفاوت في درجات تطورهم، ولكن هذا التفاوت لا يلغي وحدة ذلك الوجود المتميز، فهو تفاوت من قبيل التَّعَدّدية الممكنة في المجتمع الواحد.
وكان الوجود العربي الجاهلي يحمل إرهاصات وحدة سياسية تحميه من العدوان الخارجي، وتحقق العدل بين أبنائه، ولكن عوائق كثيرة حالت دون ذلك، وأهمها التعصبُ للنسب، والعدوانُ الخارجي، وعجزُ الطبقة الملكية العربية لأنها تفتقر إلى العقيدة الموحّدة، وإلى مُقَوّمات القيادة السياسية الموحدّة التي تستشرف المستقبل الأفضل، وتَسَعَى إليه، وإذا كانت الأمة طبقاً لجدل الإنسان هي (مجموعة من الناس تجمعهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة التاريخ ووحدة المصير)( )، فإن عرب الجاهليية كانوا أمة، وإن لم تكن لهم دولة سياسية توحدّهم؛ فعرب الجاهلية تجمعهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة التاريخ ووحدة المصير.
ولقد عرفنا في أثناء هذه الدراسة تلك الوحدات بجلاء عدا وحدة المصير، فما المصير الذي ينتظر الجاهليين؟
***
إنّ الوحدة السياسية هي المصير المشترك للجاهليين؛ فبها تتحقَق مصالحهم إذ يرتقون من عصر التشرذم القبلي إلى عصر العروبة الموحدة، وكانت تفاعلات الإنسان الجاهلي فوق أرضه، ومع الأمم المجاورة تسير به من التشرذم إلى التوحد؛ فقد وُجدت تجمّعات قبلية كبيرة، ووُجد الانقسام والتوحّد وفق أسس غير نسبية، فظهرت الانتماءات المكانية والسياسية والاجتماعية والدينية، وقد دَلّت التجمّعات والانتماءات على تقارب الجاهليين، وقد لمس كثير منهم أهمية التقارب في تحقّق ظروف أفضل للتحرّر من عوائق التطور، وكانت الفئة الأكثر وعياً بين الجاهليين تطمح إلى تقارب أكثر شمولاً، ولكنها عجزت عن تحقيق طموحها لافتقارها إلى الرؤية العميقة الموصلة إلى ذلك، ولافتقارها أيضاً إلى القيادة السياسية القادرة على صنع القرارات العظيمة التي تصل بالجاهليين إلى إقامة وحدة عربية سياسية تمثل التقارب الأكثر شمولاً، وهو المصير الذي يجب على العرب أن يعملوا من أجله كي يمتلكوا الظروف الأكثر ملاءمة لتطورهم وتقدمهم.
لقد تهيأت الظروف الموضوعية التي تستلزم ذلك المصير (الوحدة العربية) من أجل مزيد من حرية العرب وتطورهم، ثم تحقق استغلال تلك الظروف على خير وجه بالإسلام؛ فهو إلى جانب كونه ديناً سماوياً صالحاً لكل زمان ومكان، ثورة عربية، قطعت استمرارية الظروف، فقدّمت للعرب رؤية عميقة وشاملة لواقعهم، تَمَّمت مكارم أخلاقهم، وسعت إلى تحريرهم من مساوئها، فآمن أكثر العرب به، والتفّوا حول دولته (المصير المشترك)، فاكتمل بالإسلام وجود العرب القومي، فخرجوا إلى العالم يحملون انتماءً قومياً متميّزاً برسالة خالدة هي رسالة الإسلام التي أكسبتهم انتماء جديداً متطوّراً، آمُلُ أن أعود إلى الحديث عنه في دراسة قادمة إن شاء اللّه.
الخاتمة
تبيّن في هذه الدراسة أن العرب الجاهليين قد عشاوا في مرحلة الانتقال من نظام التشرذم القبلي إلى نظام دولة مركزية توحدّهم وترقى بهم نحو الأفضل، فبهم، وعلى أرضهم، وبلغتهم بدأت إرهاصات التكوين القومي للأمة العربية، وقد دلّ شعرهم على تلك الإرهاصات، وعلى أن حياتهم ليست حياة رتيبة لشراذم من البشر يستغرقهم البحث عن الطعام والشراب، ويستهويهم الغزو والارتحال، ففي ذلك الشعر مايدل على أنهم جماعات إنسانية بلغت منزلة من التطور يسمح لها بأن تنشد التحرر بالانتقال من أَسْر القبيلة إلى رحاب الأمة، ومن الانتماء النسبي، والقبلي إلى الانتماء العربي.
وقَدْ مهّدتُ لدراسة (الانتماء في الشعر الجاهلي) ببيان المراد بالانتماء فرأيت أنه ظاهر إنسانية فطرية تربط بين مجموعة من الناس المتقاربين والمحدّدين زماناً ومكاناً بعلاقات تشعرهم بوحدتهم وبتمايزهم تمايزاً يمنحهم حقوقاً، ويحتّم عليهم واجبات، وهو متطّور بالإرادة الإنسانية الباحثة عن الأفضل تطوّراً ينوّع ويوسّع ويربط دوائره بالحذف والإضافة وليس بالإلغاء ولا الخلق الجديد. وأتبعت ذلك بالحديث عن الانتماء في العرف الجاهلي، فأشرت إلى أن الحديث عن الانتماء عند الجاهليين ليس إنطاقاً لأوابد بما ليس فيها، ولكنه كشف عن ظواهر إنسانية لها وجود محقّق، وقد وجدت في معاني لفظةٌ (الانتماء) وفي جذرها الثلاثي، وفي الألفاظ التي تشترك معها في ذلك الجذر مايدل على إدراك الجاهليين لكثير من المعاني التي تفيء تحت ظلال ظاهرة الانتماء.
وفي الفصل ا لأوّل (الانتماء النسبيّ الصريح) بيّنت المراد بالنسب الصريح، ثم تحدّثت عن ظاهرة أبوّة الصرحاء، فبيّنت مااستقر في عرف الجاهليين من تعظيم لصلات الانتماء إلى النسب الأبوّي الصريح؛ فهو الملاذ الأفضل إذ يوجب على المنتمين إليه التناصر والتكافل الاجتماعي، ويبعث في نفوسهم الفخر بالآباء والأجداد، والاقتداء بهم، وتبين أن تماثل قيم المنتمين إلى الجماعات الأبوية الصريحة دليل على تقاربها، وإمكانية تلاقيها، على الرغم من أوهام المغالين بالتعصب لانتمائهم الأبوي الصريح.
ثم تحدّثت عن ظاهرة أمومة الصرحاء، فتبيّن اعتداد الصرحاء بأمهاتهم اللواتي تلازم فيهن الحسب والنسب الثاقب، وبرئت أرحامهن من الرجس، وقد انتسب الصرحاء إلى أمهاتهم، وعبروا بذلك عن شدّة تعظيمهم لهن، وتبيّن أن الانتماء إلى الأمومة يعدل عند الصرحاء الانتماء إلى الأبوة، فكلا النسبين لازم لصحة النسب الصريح، وأنّ الأمومة أسهمت في تواصل جماعات أبويّة صريحة متباعدة على الرغم من المتشدّدين في التعصب لنسبهم الأبويّ برفضهم الزواج من الأباعد.
ثم تحدثت عن الأسرة الزوجية الصريحة، فتبين أنها امتلكت المقومات اللازمة لبناء الإنسان القادر على مواجهة الحياة بقوة، فهي أسرة تنشأ بعقد زواج بين رجل وامرأة من الصرحاء، تراعى فيه حرية إبرام ذلك العقد، وفيها يتحمّل البعل مسؤولية حماية الزوج وكفايتها، وتتحمل الزوج مسؤولية رعاية البعل وتربية الأبناء، وتحرص على صون شرفها، فكان الانتماء إلى تلك الأسرة باعثاً لمشاعرالطمأنينة والثقة بالنفس عند أفرادها غالباً.
وفي الفصل الثاني (الانتماء النسبي غير الصريح) تحدثت عن النسب اللصيق، وتبيّن أن أصول اللصقاء متعددّة وأن المنتمين إلى النسب اللصيق عانوا الاحتقار من الصرحاء، ولاسيما المغالين في التعصّب، وانتبابهم القلق، فثار بعضهم على واقعة، وتكفّل الجدل الإنساني بصيرورة نسب كثير من اللصقاء نسباً صريحاً في عرف المجتمع.
ثم تحدّثت عن النسب المختلط فميّزت بين الهجناء والمقرفين، وتبيّن معاناة المنتمين إلى النسب المختلط وازدراء الصرحاء المتعصبين، كما تبين ظهور مايدل على تسامح الصرحاء مع الهجناء، وعلى الرضا باندماجهم في مجتمع الصرحاء، وبالانتساب إليه، وبالارتقاء إلى منزلة السيادة فيه أيضاً، وأمّا المقرفون فلم يحظوا إلا بقليل من التقدير، ومن الأمل بالاندماج في مجتمع الصرحاء.
ثم تحدّثت عن النسب الأعجمي، فأظهرت اختلاف نظرات الصرحاء إلى المنتمين إلى النسب الأعجمي بين التعصب عليهم، والتسامح معه، وتبيّن انضواء بعض الأعاجم إلى أنساب جماعات صريحة، فغدوا صرحاء سلوكاً وفكراً وانتماءً، وبذلك تبيّن أن الجدل الإنساني أفضى إلى اختراق حدود الانتماءات الصريحة، وإلى ظهور مايدل على تَمّثّل العرب لبعض العناصر الأعجمية الوافدة إليهم.
وفي الفصل الثالث (الانتماء المكاني) تبيّن في أثناء الحدث عن القرار بالمكان أن الانتماء المكاني زاحم الانتماء النسبي الصريح، فانتسب الجاهليون إلى المكان، فغدا رابطة انتمائية تجتمع إليها أصول نسبية مختلفة، وكان الانتماء إلى مكان الاستقرار واعياً وعميقاً، وجعل الناس والمكان الذي يتفاعلون فيه وحدة متكاملة ينتمي إليها الإنسان ويشعر في ظلها بالرعاية والأمان.
ثم تبيّن في أثناء الحديث عن الارتحال عن المكان ان الارتحال كان في الغالب تعبيراً عن الارتباط بالمكان المرتحل عنه، وعن الرغبة في زيادة القدرة على دعم الاستقرار في ذلك المكان، وقد أسهم ارتحال الأفراد غالباً في ظهور انتماءات متطورة تجاوزت إطار الانتماء إلى الجماعة الأبوية وإلى منازلها الخاصة، فاتسعت بذلك دائرة علاقات الإنسان الجاهلي شمولاً، وأصبح وطنه يشمل كل مكان يجد فيه رزقاً وعيشاً كريماً، وكذلك أسهم ارتحال الجماعات في ارتياد أماكن جديدة بالسلم تارة وبالحرب أخرى، فازداد انتماء الجاهليين إلى المكان وإلى سكانه شمولاً وأضحت الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية مأهولة بالعرب، ومهيأة لتكون وطناً يتوحّدون فوق ترابه، وينتمون إليه، وتبيّن كذلك أن تنّوع المكان العربي أفضى إلى تنوع قيم السكان المنتمين إليه، واختلاف تفكيرهم.
ثم تبين أثر الانتماء المكاني في وجود مدّيين وعقليّتين، فسكان البوادي يتمايزون من سكان القرى والأرياف، ولكنّ ذلك لا يلغي وحدتهم الانتمائية، بل يؤكدها، ويدلّ على الحركة النشطة في المجتمع الجاهلي، وهو ينتقل من طور الأعراب المرتحلين إلى طور العرب المستقرّين.
وفي الفصل الرابع (الانتماء الاجتماعي والسياسي) تحدّثت عن طبقتي الملوك والسوقة، فحدّدت معالم المنتمين إلى كلّ منها، وجدل العلاقة بينهما، وتبيّن في أثناء ذلك سعي الملوك والسوقة بأساليب مختلفة إلى تجاوز معوقات التطور، فنجحوا تارة، وأخفقوا أخرى، وكان نجاحهم توسيعاً لدوائر الانتماء الصريح؛ فطاعة السوقة للملوك لا تلغي الانتماء النسبي، ولكنه تحدّ من غلوائه، وتمنح الصرحاء حين يعدل ملوكهم فرص تطوّر لا تتحقّق في ظل الانتماءات النسبية المغلقة والمتصارعة.
ثم تحدّثت عن السادة والمستضعفين فتبين أن الانتماء إلى طبقة السادة كان متيّسراً لكل فرد من الجماعة الأبوية، إذا امتلك القدرة على قيادة جماعته الأبوية نحو الأفضل، وكان امتلاك بعض السادة قدرات قيادية فائقة سبباً في اتساع نطاق الجهود المطوّرة للحياة السياسية، والاجتماعية، وكانت السيادة مفخرة لأصحابها، وموضع تقدير من المسودين غالباً.
وأما المستضعفون فكان الفقر عاملاً مشتركاً بينهم؛ فقد أدّى تطور العلاقات الاقتصادية في العصر الجاهلي إلى ظهور طبقة الأغنياء في مواجهة طبقة الفقراء التي عانى المنتمون إليها الإحساس بالهوان، وبعجز انتماءهم النسبي -وإن كان صريحاً- عن تأمين مايلزمهم لاستمرار وجودهم الإنساني، فارتضى بعض الفقراء ضعة الاستعطاف والأخذ من الأغنياء، ولكن بعض الفقراء أبوا ذلك، فآثر قلة منهم الموت جوعاً، وأشهر الأباة منهم سيوفهم، فأكلوا بها من أموال البخلاء بخاصة، ومن المستضعفين أيضاً أصحاب المهن والحرف، وتبيّن أن الفقر كان سبباً رئيساً في معاناتهم نظرات الاحتقار من الصرحاء، ولاسيما الأعراب المغالين في التعصب لأنسابهم ولنمط معيشتهم، ولكن ذلك لا يخفي بعض مظاهر التكريم التي حظي بها المهنيون، والتي تدّل على تطورا لمجتمع الجاهلي وتنوع مظاهر الحياة والانتماء فيه، وأمّا الفئة الأكثر ضعفاً في الجاهلية فهم العبيد والإماء، فهم منتمون انتماء قسرياً إلى وضع اجتماعي فيه انتقصت حقوقهم الإنسانية، وبه افتقدوا توازنهم النفسي، وحرموا الحماية والرعاية، واستقرّوا في الهاوية الاجتماعية والاقتصادية مرجومين بأعمالهم المرهقة والمذمومة غالباً. وكانت للأرقاء منافذ للتحرر، ولكنها يسيرة وضيقة، وتدّل على أن الأرقاء، وكذلك بقية المستضعفين، كانوا بحاجة إلى جهود منظمة، وعقيدة جامعة تتمنحهم القدرة على التحرر، وترقى بهم نحو الأفضل.
ثم تحدّثت عن ظاهرتي الحلف والجوار، فتبيّن تعدّد مظاهر الأحلاف، وتنوع الانتماءات إليها، وهي انتماءات تضاف إلى الانتماء النسبي وتطوّره، فقد سمحت الأحلاف بالتواصل بين الجاهليين لوجود مصالح مشتركة لا أنساب مشتركة، وكذلك أسهمت رابطة الانتماء الجواري بأشكالها المتعددة في الحد من غلواء التعصّب للنسب الأبوي، وفي تواصل الجاهليين وفق أسس إنسانية متطورة، وتبين في أثناء ذلك الجدل بين الراغبين بتجاوز الانتماء النسبي بالحلف والجوار والمتعصبين لأنسابهم الصريحة، والرافضين لتقديم أية رابطة انتمائية على رابطة الانتماء النسبي.
لقد تبين في هذا الفصل تعدّد انتماءات الإنسان الجاهلي وتطوّرها، فقد عرف الانتماء إلى الطبقة السياسية، وإلى الطبقة الاجتماعية، وإلى الحلف والجوار، ظهرت بذلك في المجتمع الجاهلي انقسامات واتحادات وفق أسس لا نسبية، تلّبي حاجات تتجاوز النسب الصريح ولا تلغيه، وتستشرف العقيدة الجامعة والإرادة الفاعلة للمّ شعث تلك الانتماءات.
وفي الفصل الخامس (الانتماء الديني والعربي) تبيّن بعد الإشارة إلى تعدد ديانات الجاهليين،وتنوع فرقهم الدينية أن إنتماءات الجاهليين الدينية لها أثار عميقة في نفوسهم، وفي تطوير حياتهم، فقد ساد بين الجاهليين الإيمان بالله والواحد، وعرفوا التسامح الديني، واتفق أغلبهم على إحلال السلام في شهور معلومة، وأماكن محدّدة عندهم مفاهيم دينية عن السلام والعدل، وانقسموا إلى مجموعات يربط بينها رابط الانتماء الديني، وفي ذلك تطوير لانتماءات الجاهليين، وتجاوز لرابطة الانتماء النسبي بخاصة.
ثم تحدّثت عن عروبة الجاهليين فتبين أن القبائل الجاهلية امتلكت في أثناء مسيرة تاريخها الطويل لغةً خاصة، وأرضاً خاصة، وتاريخاً مشتركاً، وغنياً بالتفاعلات الإنسانية التي صنعت وجوداً عربياً موضوعياً متميزاً، وهو وجود أدركه أبناؤه، وأدركه الأعاجم أيضاً، وقد ساعد تفاعل العرب مع الأعاجم على إدراك وجودهم المتمّيز، وعلى إظهار تطلّعاتهم نحوالوحدة والتحرر من العدوان الخارجي.
وتبيّن أن الانتماء إلى العروبة يحمل منذ الجاهلية بذور التسامح والرضا بالتعايش مع الأمم الأخرى مادام التعايش لا يحدّ من حريتهم واستقلالهم.
وقد امتلك عرب الجاهلية إحساساً بانتمائهم إلى العروبة، وقد اختلف بينهم درجات ذلك الإحساس تبعاً لاختلاف درجات وعيهم، ولكن ذلك لا ينفي وحدة وجودهم العربي، لأنه وجود موضوعي يسبق الإحساس بوجوده. وقد حمل ذلك الوجود إرهاصات وحدة سياسية تحميه من العدوان الخارجي، وتحقق العدل بين أبنائه.
لقد عرفنا في هذه الدراسة أن انتماءات الجاهليين تدل على وجود أمة في طور التكوين، فقد امتلك العرب لغة خاصة، وأرضاً خاصة، وتاريخاً مشتركاً، وكانوا بانتظار المصير المشترك، وهو الوحدة، وهذا ما تحقق بظهور الإسلام.






 ثبت المصادر والمراجع

أ - المصادر
- القرآن الكريم.
- الأخفش الصغير، 1984، الاختيارين، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت.
- الأزرقي، 1325-1357هـن أخبار مكّة وماجاء فيها من الآثار، تحقيق رشدي الصالح ملحس، مكّة.
- الأصفهاني، 1992، الأغاني، تحقيق الأستاذ عبد أ.علي مهنا، وسمير جاير، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت.
- الأصمعي، 1964م، الأصمعيات، تحقيق أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر.
- الأعشى الكبير، 1992، شرح ديوان الأعشى الكبير، قدّم له ووضع هوامشه وفهارسه الدكتور حنّا نصر الحتّي، دار الكتاب العربي، بيروت.
- الأفوه الأوديّ، بلا، ديوان الأفواه الأودي، الطرائف الأدبية، صحّحه وخَرّجه وعارضه على النسخ المختلفة، وذيّله عبد العزيز الميمني، دار الكتب العلمية، بيروت.
- امرؤ القيس الكندي، 1990م، ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبرهيم، الطبعة الخامسة، دار المعارف، مصر.
- أميّة بن أبي الصلت، بلا، ديوان أميّة بن أبي الصلت، جمع وتحقيق ودراسة، صنعة الدكتور عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق.
- أوس بن حجر، ديوان أوس بن حجر، تحقيق وشرح، الدكتور محمد يوسف نجم، الطبعة الثالثة، دار صادر، بيروت.
- بشر بن أبي خازم، 1972، ديوان بشر بن أبي خازم الأسدّي، عني بتحقيقه الدكتور عزّة حسن، الطبعة الثانية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق.
- ابن بكار- الزبير، 1381هـ، جمهرة نسب قريش، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة دار العروبة، القاهرة.
- البكري- أبو عبيد، بلا، التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه دار الكاتب العربي (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، بيروت.
1945-1951م، معجم مااستعجم، تحقيق مصطفى السقا، مطبعة لجنة التأليف، القاهرة.
- البلاذريّ، 1959م، أنساب الأشراف، تحقيق الدكتور محمد حميد اللّه، دار المعارف، مصر.- 1957م، فتوح البلدان، تحقيق عبد اللّه أنيس الطباع وأخيه، دار النشر للجامعيين.
- تأبط شرّاً، 1984م، ديوان تأبط شراً وأخباره، جمع وتحقيق وشرح، علي ذو الفقار شاكر، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
- التبريزّي، 1969م، شرح القصائد العشر، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، المكتبة العربية، حلب.
- أبو تمام الطائي، 1987م، الوحشيات، علّق عليه وحققه عبد العزيز الميمني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، القاهرة.
-الجبوري -د.يحيى، 1982م، قصائد جاهلية نادرة، مؤسسة الرسالة، بيروت.
-جران العود النميري، 1982م، ديوان جران العود النميري، تحقيق وتذييل الدكتور نوري حمودي القيسي، دار الرشيد، العراق.
- الجوهري، 1377هـ، الصحاح، تاج اللغة وصحاح اللغة العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطارد، دار الكتاب العربي، القاهرة.
- حاتم الطائي، 1990م، ديوان شعر حاتم بن عبد الله الطائي وأخباره، صنعه يحيى بن مدرك الطائي، دراسة وتحقيق، الدكتور عادل سليمان جمال، الطبعة الثانية، مكتبة الخانجي، القاهرة.
- الحادرة، 1973م، ديوان شعر الحادرة، حققه وعلّقَ عليه الدكتور ناصر الدين الأسد، دار صادر، بيروت.
- الحارث بن حلزة، 1991م، ديوان الحارث بن حلّزة، جمعة وحققه وشرحه الدكتور إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، بيروت.
- ابن حبيب- محمد، بلا، المحبر، تصحيح الدكتورة إيلزة ليختن شتيتر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
- ابن حزم الأندلسي، 1948م، جمهرة أنساب العرب، تحقيق ليفي بروفنسال، دار المعارف، مصر.
- حسان بن ثابت، 1983م، ديوان حسان بن ثابت الأنصاري تحقيق دكتور سيد حنفي حسنين، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة.
- الحطيئة، 1987م، ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكّيت، تحقيق الدكتور نعمان محمد أمين طه، مكتبة الخانجي، القاهرة.
- أبوحنيفة الدينوري، 1960م، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
- الخرنق بنت بدرن 1990م، ديوان الخرنق بنت بدر بن هِفّان، الرواية أبي عمرو بن العلاء، شرحه وحققه وعلّق عليه يُسري عبد الغني عبد اللّه، دار الكتب العلمية، بيروت.
- خفاف بن ندبة، 1967م، شعر خفاف بن ندبة السلمي، جمعه وحققه الدكتور نوري حمودي القيسي، دار المعارف، بغداد.
- الخنساء، 1986م، ديوان الخنساء، دراسة وتحقيق الدكتور إبراهيم عوضين، مطبعة السعادة، مصر.
- ابن دريد الأزدي، بلا، جمهرة اللغة (طبعة جديدة بالأوفست عن طبعة دار المعارف بيحدر آباد، 1951م)، دار صادر بيروت.
- دريد بن الصمة، 1981م، ديوان دريد بن الصمة الجشمي، جمع وتحقيق، محمد خير البقاعي، دار قتيبة، دمشق.
- ذو الإصبع العدواني، 1973م، ديوان ذي الإصبع العدواني، جمعه وحققه عبد الوهاب محمد علي العدواني ومحمد نائف الديلمي، مطبعة الجمهور، الموصل.
- ابن رشيق القيرواني، 1955م، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الثالثة، مطبعة السعادة،مصر.
- الزبيديّ، 1965م-؟ تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق عبد الستار أحمد فروج وأخرون، وزارة الإرشاد، الكويت.
- الزجّاجي، 1987م، أمالي الزجاجي، تحقيق وشرح، عبد السلام هارون، الطبعة الثانية، دار الجيل، بيروت.
- الزمخشري، 1992م، أساس البلاغة، دار النفائس، بيروت.
1992م، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، تحقيق عبد الأمير المهنا، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
- زهير بن أبي سلمى، 1970، شعر زهير بن أبي سلمى، صنعة الأعلم الشنتمري، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، المكتبة العربية، حلب.
- زيد الخيل الطائي، 1968م، ديوان زيد الخيل الطائي، صنعة الدكتور نوري حمودي القيسي، مطبعة النعمان، النجف الأشراف.
- سحيم عبد بني الحسحاس، 1965م، ديوان سحيم عبد بني الحسحاس، صنعة نفطويه، تحقيق عبد العزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة.
- السدوسي، مؤرّج بن عمرو، 1976م، حذف من نسب قريش، تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، الطبعة الثانية، دار الكتاب الجديد بيروت.
- السكّري، 1965، شرح أشعار الهذليين، حققه عبد الستار أحمد فراج، مكتبة دار العروبة، القاهرة.
- سلامة بن جندل، 1968م، ديوان سلامة بن جندل، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، المكتبة العربية، حلب.
- السموءل، 1909م، ديوان السموءل، رواية نفطوية، نشره الأب لويس شيخو، المطبعة الكاثوليكية، بيروت.
- السهيلي، 1968م، الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، تحقيق عبد الرحمن ال****، دارالكتب الحديثة، مصر.
- الشماخ بن ضرار، 1968م، ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني، حققه وشرحه صلاح الدين الهادي، دار المعارف، مصر.
- الشنفرى، بلا ديوان الشنفرى الأزدي، الطرائف الأدبية، صححه وخَرّجه وعارضه على النسخ المختلفة وذيّله عبد العزيز الميمني، دار الكتب العلمية، بيروت.
- ضرار بن الخطاب، 1410هـن شعر ضرار بن الخطاب الفهري، جمعه وحققه فاروق أحمد اسليم، دار أمية، الرياض.
- أبو طالب بن عبد المطلب، 1991م، ديوان أبي طالب، جمعه عبد الحقّ العاني، دار كوفان، المملكة المتحدة.
- الطبري، 1961م، تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الطبري)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر.
- طرفة بن العبد، 1975م، ديوان طرفة بن العبد، شرح الأعلم الشنتمري، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقال. مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.
- الطفيل الغنوي، 1968م، ديوان الطفيل الغنوي، تحقيق محمد عبد القادر أحمد، دار الكتب الجديد، بيروت.
- عامر بن الطفيل، 1963م ديوان عامر بن الطفيل، رواية أبي بكر الأنباري، دار صادر ودار بيروت، بيروت.
- العباس بن مرداس، 1968م، ديوان العباس بن مرداس السُّلمي، جمعه وحققه الدكتور يحيى الجبوري، المؤسسة العامة للصحافة والطباعة، بغداد.
- عبدة بن الطبيب، 1971م، شعر عبدة بن الطبيب، الدكتور يحيى الجبوري، دار التربية للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد.
- ابن عبد ربه الأندلسي، 1965م، العقد الفريد، شرحه وضبطه وعنون موضوعاته ورتّب فهارسه أحمد أمين وزميلاه، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، بيروت.
- عبد الله بن رواحة الأنصاري، 1972م، ديوان عبد اللّه بن رواحة الأنصاري، الخزرجي، دراسة جمع تحقيق، دكتور حسن محمد باجودة، مكتبة دار التراث، مصر.
- عبد الله بن الزبعرى، 1981م، شعر عبد الله بن الزبعرى، تحقيق الدكتور يحيى الجبوري، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت.
- عبيد بن الأبرص، 1957م، ديوان عبيدة بن الأبرص، تحقيق وشرح، دكتور حسين نصار، مطبعة البابي الحلبي، مصر.
- أبو عبيدة، 1908-1909م، نقائض جرير والفرزدق، دار الكتاب العربي، (مصورة عن طبعة ليدن)، بيروت.
- عدي بن زيد، 1965م، ديوان عدي بن زيد العبادي، حققه وجمعه محمد جبار المعيبد، وزارة الثقافة والإرشاد، بغداد.
- عروة بن الورد، 1966م، ديوان عروة بن الورد، شرح ابن السكيت، حققه وأشرف على طبعه ووضع فهارسه عبد المعين الملوحي، مطابع وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق.
- علقمة الفحل، 1969م، ديوان علقمة الفحل، بشرح الأعلم الشنتمري، حققه لطفي الصقال ودرية الخطيب، دار الكتاب العربي، حلب.
- عمرو بن أحمر الباهلي، بلا، شعر عمرو بن أحمر الباهلي، جمعه وحققه الدكتور حسين عطوان، مجمع اللغة العربية، دمشق.
- عمرو بن شأس الأسدي، 1976م، شعر عمرو بن شأس الأسدي، الدكتور يحيى الجبوري، مطبعة الآداب، النجف الأشرف.
- عمرو بن قميئة، 1965م، ديوان عمرو بن قميئة، عُني بتحقيقه وشرحه والتعليق عليه حسن كامل الصيرفي، مطابع دار الكتاب العربي.
- عمرو بن كلثوم التغلبي، 1991م، ديوان عمرو بن كلثوم، صنعة الدكتور علي أبو زيد، دار سعد الدين، دمشق.
- عمرو بن معد يكرب الزبيدّي، 1974م، شعر عمرو بن معد يكرب الزبيدي، جمعه وحققه مطاع الطرابيشي، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.
- غروبناوم غوستاف فون، 1959م، دراسات في الأدب العربي، أبو دؤاد الإيادي وماتبقى من شعره، ترجمة إحسان عباس وآخرون، مكتبة الحياة، بيروت.
- عنترة بن شداد، 1992م، شرح ديوان عنتره، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه مجيد طراد، دار الكتاب العربي، بيروت.
- الفرّاء، 1955م، معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف نجاتي، ومحمد علي النجار، دار الكتب المصرية.
- الفيروز آبادي، 1952م، القاموس المحيط، مطبعة مصطفى الباني الحلبي، مصر.
- القالي، بلا، الأمالي، دار الكتاب العربي ( مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، بيروت.- بلا، ذيل الأمالي، دار الكتاب العربي (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، بيروت.
- ابن قتيبة، بلا، عيون الأخبار، دار الكتاب العربي، مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية 1925م)، بيروت.- 1969م، المعارف، تحقيق ثروة عكاشة، دار المعارف، مصر.- بلا، المعاني الكبير، صححه سالم الكرنكوي، دار النهضة الحديثة، (مصور عن طبعة حيدر آياد 1367هـ)، بيروت.
- القرشي- أبو زيد، 1926م، جمهرة أشعار العرب، المكتبة التجارية الكبرى، مصر.
- قيس بن الخطيم، 1967م، ديوان قيس بن الخطيم، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، الطبعة الثانية، دار صادر، بيروت.
- أبو قيس صيفي بن الأسلت، 1973م، ديوان أبي قيس صيفي بن الأسلت الأوسي، دراسة جمع تحقيق، دكتور حسن محمد باجودة، مكتبة دار التراث، القاهرة.
- ابن كثير- إسماعيل، 1971-1976م، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت.
- كعب بن زهير، 1950م، شرح ديوان كعب بن زهير، صنعه أبي سعيد السكري، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة.
- كعب بن مالك، 1966م، ديوان كعب بن مالك الأنصاري، دراسة وتحقيق، سامي مكي العاني، مكتبة النهضة، بغداد.
- ابن الكلبي، 1964م، الأصنام، تحقيق أحمد زكي، الدار القومية للطباعة والنشر (مصورة عن طبعة الكتب المصرية)، القاهرة.
- لبيد بن ربيعة، 1984م، شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري، حققه وقدّم له الدكتور إحسان عباس، الطبعة الثانية، مطبعة حكومة الكويت.
- المبرّد، 1956م، الكامل، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاتة، مكتبة نهضة مصر، القاهرة.
- المتلمس الضبّعي، 1970م، ديوان شعر المتلّمس الضبعي، عني بتحقيقه وشرحه والتعليق عليه حسن كامل الصيرفي، مطابع الشركة المصرية للطباعة والنشر.
- المثّقب العبدي، 1971م، ديوان المثقب العبدي، عني بتحقيقه وشرحه والتعليق عليه حسن كامل الصيرفي، الشركة المصرية للطباعة والنشر.
- أبو محجن الثقفي، 1970م، ديوان أبي محجن الثقفي، صنعه أبي هلال العسكري، نشره وقدم له الدكتور صلاح الدين المنجد، دار الكتب الجديدة، بيروت.
- المرزباني، بلا، معجم الشعراء، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، منشورات مكتبة النوري، دمشق.
- المرزوقي، 1951- 1953م، شرح ديوان الحماسة، نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة.
- المصعب الزبيري، 1985م، نسب قريش، عني بنشره وتصحيحه والتعليق عليه ليفي بروفنسال، الطبعة الثالثة، دار المعارف، مصر.
- المفضل الضبي، 1987م، شرح اختيارت المفضل، صنعة الخطيب التبريزي، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت.
- ابن مقبل العجلاني 1962م، ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه الدكتور عزّة حسن، وزارة الثقافة، دمشق.
- ابن منظور، بلا، لسان العرب، دار صادر، بيروت.
- النابغة الجعدي، 1964م، شعر النابغة الجعدي، جمعه وقدّم له عبد العزيز رباح، منشورات المكتب الإسلامي، دمشق.
- النابغة الذبياني، 1968م، ديوان النابغة الذبياني بتمامه، صنعه ابن السكيت، تحقيق الدكتور شكري فيصل، دار الفكر، دمشق.
- النجيرمي، 1343هـ، أيمان العرب في الجاهلية، تحقيق محب الدين الخطيب، القاهرة.
- النمر بن تولب، 1969م، شعر النمر بن تولب، صنعه الدكتور نوري حمودي القيسي، مطبعة المعارف، بغداد.
- ابن هشام، 1975م، السيرة النبوية ( سيرة ابن هشام)، قدم لها وعلق عليها وضبطها طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت.
- ياقوت الحموي، 1977م، معجم البلدان، بيروت.
- د.يعقوب- عبد الكريم، 1982م، أشعار العامريين الجاهليين، دار الحوار، اللاذقية .
ب- المراجع:
- اسليم - فاروق، 1997م، شعر قريش في الجاهلية وصدر الإسلام، دار معدّ، دمشق.
- التوبخي- محمد، 1978م، الأعشى شاعر المجون والخمرة، مطبعة الشرق، حلب.
- إيزنار- هيلابرث، 1980م، المدى الجغرافي، ترجمة علي الخش، وزارة الثقافة، دمشق.
-بدوي - د. أحمد زكي، 1986م، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، الطبعة الثانية، مكتبة لبنان.
- برّو- د. توفيق، 1973م، تاريخ العرب القديم، دار القلم، حلب.
- البهبيتي- د. نجيب محمد، 1970م، تاريخ الشعر العربي، حتى أواخر القرن الثالث الهجري، الطبعة الرابعة دار الفكر، مكتبة الخانجي.
- الترمانيني - د. عبد السلام، 1984م، الزواج عند العرب، في الجاهلية والإسلام، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
- الحسين- د. قصي، بلا، العمارة الفنية في شعر امرئ القيس منشورات المكتبة الحديثة طرابلس.
- الحوفي- د. أحمد محمد، 1978م، تيارات ثقافية بين العرب والفرس الطبعة الثالثة، دار نهضة مصر، القاهرة.
1972م، الحياة العربية من الشعر الجاهلي- الطبعة الخامسة، دار القلم، بيروت.
- الحلواني- د. محمد خير، 1972م، سحيم عبد بني الحسحاس، مكتبة دار الشرق، بيروت.
- الخشروم- د. عبد الرزاق، 1981م، الغربة في الشعر الجاهلي، رسالة ماجستير، جامعة حلب، قسم اللغة العربية.
- حليف- د. يوسف، 1959م، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، دار المعارف، مصر.
- الخليل - د. أحمد، 1989م، ظاهرة القلق في الشعر الجاهلي، دار طلاس، دمشق.
- داوود- جرجس داوود، 1981م، أديان العرب قبل الإسلام، المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.
- دقة- د. محمد علي، 1989م، السفارة السياسية وأدبها في العصر الجاهلي، الطبعة الثانية، دار العلم، دمشق.
- الدين- محمد محمود إبراهيم، 1976م، الجغرافيا السياسية، الطبعة الثانية، مكتبة الأنجلو المصرية.
- ديورانت- ول، بلا، قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، وآخرون، الطبعة الخامسة، اختارته وأنفقت على ترجمته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في جامعة الدول العربية.
- رومية- د.وهب، 1981م، قصيدة المدح حتى نهاية العصر الأموي، وزارة الثقافة، دمشق.
- زيتوني- د. عبد الغني 1987م، الوثنية في الأدب الجاهلي، وزارة الثقافة، دمشق.
- سيف الدولة- د. عصمت، 1979م، نظرية الثورة العربية، دار الميسرة، بيروت.
- شحرور - د. محمد، بلا، الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، الطبعة الخامسة، دار الأهالي، دمشق.
- الشعلان- نورة، 1980م، أبو ذؤيب الهذلي، حياته وشعره، جامعة الرياض.
- صبحي - محي الدين، 1987م، دراسات رؤية، وزارة الثقافة، دمشق.
- الصليبي - د. كمال، 1988م، خفايا التوراة، دار الساقي، لندن.
- ضيف - د. شوقي، 1971م، العصر الجاهلي، الطبعة الخامسة، دار المعارف، مصر.
- طه - د. فرج عبد القادر وآخرون، بلا، معجم علم النفس والتحليل النفسي، دار النهضة العربية، بيروت.
- عبد الرحمن- د. نصرت، 1982م، الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، الطبعة الثانية، مكتبة الأقصى، عمان.
- عبد اللَّه- د. إصلاح مصيلحي، 1993م، شعر الكرم الجاهلي، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية.
- علي - د. جواد، 1976-1978م، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام الطبعة الثانية، دار العلم للملايين ومكتبة النهضة، بيروت، وبغداد.
- العمري -د. أحمد جمال، 1981م، الشعراء الحنفاء، دار المعارف، مصر.
- العوّا- د. عادل، 1986م، العمدة في فلسفة القيم، دار طلاس، دمشق.
- فالتشر- روبين وويجنر- دانيل، 1988م، علم النفس الضمني، ترجمة الدكتور عبد المجيد نشواتي، وزارة الثقافة، دمشق.
- لالو- شارل، 1966م، الفن والحياة الاجتماعية، تعريف الدكتور عادل العوا، دار الأنوار، بيروت.
- لنتون- رالف، 1964م، تربية الإنسان، ترجمة عبد الملك الناشف، منشورات المكتبة العصرية، بيروت.
- المرعي- د. فؤاد، 1989م، الوعي الجمالي عند العرب قبل الإسلام، دار الأبجدية. دمشق.
- مونتا غيو- أشلي، 1982، البدائية، ترجمة د. جابر العصفور، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
- النص- د. إحسان، 1963م، العصبية القبيلة وأثرها في الشعر الأموي، المطبعة التعاونية اللبنانية.
- النويهي - د. محمد، بلا، الشعر الجاهلي: منهج في دراسته وتقويمه، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة.
- هبو- د. أحمد، 1980م، تاريخ العرب قبل الإسلام، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، جامعة حلب.
- اليوسف- يوسف 1975م، مقالات في الشعر الجاهلي، وزارة الثقافة، دمشق.


المــحـتـوى :

مـقـدمة: 5
مــدخـل 9
1 - ظاهرة الانتماء 9
2 - الانتماء في العُرفِ الجاهلي: 14
الفصل الأول : الانتماء النّسبِيّ الصريح 29
-1- أبوّة الصّرحاء 31
1-الانتساب إلى الآباء 31
2-الحماية والتناصر 35
3-الصراعات الداخلية: 46
4-التكافل الاجتماعي 53
5-الاعتداد بالأبّوة الصريحة 56
6-المغالاة في التعصّب 70
2- أمومة الصرحاء 83
1-الانتساب إلى الأمّهات 83
2-تعظيم الصرحاء لأمهاتهم 85
3-التوازن بين الأبوّة والأمومة 92
4- التَّعصُّب للأبوّة على الأمومة: 99
-3- الأسرة الزواجية الصريحة: 105
1- تكوينها: 105
2- ولاية البعل: 110
3- الطلاق 121
4- إنجاب الأبناء ورعايتهم: 132
5 - أسرٌ أخرى 141
الفصل الثاني: الانتماء النسبي غير الصريح 147
1- النسب اللَّصيق 147
1- وجوده وشيوعه 147
2- مهانة اللّصقاء وتَمَرّدهم 153
3- اندماج اللصقاء بالصرحاء 157
2- النسب المختلط 162
1- النسب الهجين 162
2- معاناة الهجناء 165
3- اندماج الهجناء بالصرحاء 169
4- النسب المقرف 180
3- النسب الأعجمي 184
1- الأعاجم 184
2- بين العرب والأعاجم 186
الفصل الثالث: الانتماء المكاني 191
1- القرار بالمكان 192
1- أمكنة القبائل 192
2- الانتساب إلى المكان: 198
3- آثار التقارب والتباعد 201
4- تطوير أماكن الاستقرار 204
5- الاعتداد بالمكان والدفاع عنه 209
2- الارتحال عن المكان 216
1- أنواع الارتحال 216
2- دواعي الارتحال الفردي 217
3- معاناة الأفراد المرتحلين 222
4- دواعي الارتحال الجماعي 231
5- تصادم القبائل المرتحلة بالمستقرّة 238
6- تخوم الجزيرة والصراع حولها 242
3- عقلان ومديان 251
1- البوادي 251
2- القرى 263
الفصل الرابع: الانتماء الاجتماعيّ والسياسيّ 269
الملوك والسوقة 269
1- التمايز بين الملوك والسوقة 269
2-انقياد السوقة للملوك 272
3- عجز الطبقة الملكية 284
4- تمرّد السوقة على الملوك 293
2- السادة والمستضعفون 300
1-سادة ومسودون 300
2-فقراء وأغنياء: 318
3-مجابهة الفقر: 328
4-أصحاب المهن والحرف: 336
5-العبيد والإماء: 348
3- الحلف والجوار 358
1- الحلف: 358
2- الجوار: 378


































رقم إيداع مكتبة الأسد الوطنية :

الانتماء في الششعر الجاهلي:دراسة / فاروق أحمد اسليم - دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1998 - 509ص، 24سم .

1- 811.1009 ا س ل
2- العنوان
3-اسليم
ع- 323/2/1998 مكتبة الأسد

 




هذا الكتاب

الانتماء في الشعر الجاهلي

تتناول هذه الدراسة ظاهرة الانتماء كما قيدها الشعر الجاهلي وعبر عنها في نصوصه التي اظهرت الانتماء النسبي الصريح إلى الأباء والأمهات والانتماء غير الصريح، والانتماء للمكان و الانتماء الاجتماعي والسياسي والديني العربي.
وتقدم صورة واضحة عن جوانب مهمة من الحياة الاجتماعية للعرب في تلك الفترة من تاريخهم سطرها شعراؤهم بقصائدهم.



هذا الكتاب

للبنفسج أسراره ولقلبي الغناء

مجموعة شعرية جديدة من قصائد شعر التفعيلة.
تحمل هماً قومياً وانسانياً تبوح به الصور والرموز المستمدة من التراث العربي الغني يسقطها على الواقع فاضحاًاياه ومستبشراً بغدٍ مشرق.