المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حماس بعد المصالحة


عبدالناصر محمود
06-10-2014, 09:09 AM
حماس بعد المصالحة
ـــــــــ

(د. صالح النعامي)
ـــــــــ


12 / 8 / 1435 هــ
10 / 6 / 2014 م
ــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/809062014021130.png

لن يفضي تشكيل حكومة التكنوقراط برئاسة رام الله الحمد الله إلى إحلال المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، بل العكس تماماً هو ما يحدث. وهناك ما يؤكد أن تشكيل الحكومة الجديدة يفتح فقط السلطة الفلسطينية محمود عباس الحقيقية. فعباس ينطلق من افتراض مفاده أن حركة حماس قبلت اتفاق المصالحة من منطلق الضعف، وبالتالي ليس أمامها إلا قبول إملاءاته. وقد وجدت توجهات عباس هذه تعابيرها في الكثير من مظاهر السلوك، مثل: إصراره على تفكيك وزارة شؤون الأسرى، وتشديده بشكل احتفالي على أن التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني "مقدس". لكن مما لا شك فيه أن أكثر مظاهر تربص عباس بحماس هو تشديده على رفض دفع رواتب موظفي حكومة غزة، الذين يقدر عددهم بخمسين ألف موظف، وزعمه أنه لم يتم التوافق مع حركة حماس على ذلك. وهذا يعني أن عشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية ستتقطع بها السبل، وكأن الحكومة الجديدة لا تمثل إلا منتسبي حركة "فتح" فقط. ومن الواضح أن حرص عباس تحديداً على توجيه الانتقادات لحركة حماس خلال تواجده في القاهرة على هامش تنصيب عبد الفتاح السيسي يشي بطابع رهاناته على المصالحة. وبمجرد أن تم الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة حتى أنهى عباس اتصالاته مع حركة حماس، وسمح لبعض مقربيه بفتح حرب كلامية ضد حماس، وكأن كل ما يعنيه هو تشكيل الحكومة ليزعم أمام العالم أنه بات يمثل كل الفلسطينيين. وهناك ما يؤشر على أن عباس في ذروة تنسيق مع قوى إقليمية عربية لتحويل اتفاق المصالحة إلى آلية لتقليم أظافر حركة حماس والقضاء على قوتها العسكرية، مع العلم أن المستفيد الأبرز من هذا المخطط هو الكيان الصهيوني. لكن على الرغم من ذلك، فأنه لم يكن أمام حركة حماس بد، سوى التوصل لهذا الاتفاق لتخليصها من كوة النار المتمثلة في استحقاقات الحكم المستحيلة، سيما في ظل تشديد الحصار، وعجز حكومة الحركة عن الوفاء بدفع الرواتب لموظفيها، علاوة على أن هناك ما يؤشر على أن الحكومة توشك على العجز عن تقديم الخدمات في حدها الأدنى. لقد أحرقت كوة النار الملتهبة هذه أطراف حماس وقلصت هامش المناورة أمام قيادتها ودفعت بها إلى دائرة تناقضات، فاقمتها جملة التحولات الإقليمية التي يعد أبرزها الانقلاب الذي قاده عبد الفتاح السيسي على الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، مما زاد الأمور تعقيداً. لكن السؤال المهم، الذي يطرح نفسه هنا بقوة: ما يتوجب على حماس فعله بعد خروجها من دائرة الحكم؟. وكيف بإمكانها أن تحول تحديات ما بعد الحكم إلى فرصة تعزز وجودها وقدرتها على الفعل المقاوم، بما يسمح لها بمقاومة المحاولات الهادفة للمس بالقضية الوطنية من خلال التنازلات السياسية التي يمكن أن يقدم عليها عباس.
تقييم التجربة
إن أول ما يتوجب على قيادة حماس التصدي له هو إجراء عملية إعادة تقييم شامل لمسارها السياسي منذ أن خاضت انتخابات 2006 وحتى الآن، واستخلاص العبر المطلوبة بشفافية؛ لأننا نسمع صوتين داخل قيادة حركة حماس. فهناك من يرى أن خوض غمار الانتخابات وتشكيل الحكومة كان خطأ إستراتيجياً جسيماً وأنه يتوجب على الحركة عدم العودة لهذه التجربة مادام هناك احتلال وكانت مقاومة. وفي المقابل، هناك من لايزال يدافع عن هذا القرار ويشيد بتجربة الحكم، ويجاهر بأن الحركة لن تتردد في المشاركة في الانتخابات مستقبلاً، بل أن الأمور وصلت إلى حد أن البعض يتحدث علانية عن إمكانية المشاركة في انتخابات رئاسة السلطة. ومن الواضح أن حجج المدافعين عن تجربة الجمع بين الحكم والمقاومة ضعيفة وغير متماسكة. ونظراً لأن حركة حماس لا تستطيع التأثير بشكل جدى على البيئة الإقليمية بما يحسن من شروط دورها السياسي الداخلي، فأن أي قرار بالمشاركة في الحكم تحت شروط أوسلو لن يصب في صالحها. وهناك سؤال آخر يتوجب استدعاؤه: لماذا لم تغادر حماس الحكم عندما كانت في أقوى أوضاعها، سيما بعد انتهاء حرب 2012، حيث كان من المؤكد أنها كانت ستجني نقاط كبيرة.
الخطوة القادمة
يفرض الخروج من الحكومة على حماس تبني برنامج مختلف واضح وصريح، يأخذ بعين الاعتبار استنتاجاتها من تجربة الحكم، بما يمثل مقدمة لاستعادة دورها، كرائدة العمل الوطني.
إن حماس مطالبة بالأساس استعادة زخم الالتحام بالجماهير الفلسطينية، وهو الالتحام الذي تضرر في أعقاب تجربة الحكم، حيث أن متطلبات الحكم أثرت على التواصل بين الحركة وقطاعات من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. إن انجاز هذا الهدف يستدعي صياغة برنامج عمل شامل، تسبق صياغته عملية عصف فكري جادة. ويجب أن يتصدى برنامج العمل الجديد للحركة لدعم مقومات صمود الجماهير الفلسطينية، والعمل على أن تكون المقاومة عامل إسناد لهذا الصمود، على اعتبار أن الجماهير الفلسطينية تمثل أهم وأقوى حاضنة للمقاومة. وإن كانت المقاومة هي المهمة التي انطلقت حركة حماس للوفاء بمتطلباتها، فأن الحركة مطالبة بأن تدرك الحركة أنه يجب تصمم العمل المقاوم لكي يراعي حدود صمود الشعب الفلسطيني ويدعمه. ومما لا شك فيه أن تخلص حماس من الحكم يساعدها على إعادة بناء علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية على أساس الموقف من المقاومة ودعم صمود الجماهيري الفلسطينية، ويجعلها في حل من طابع العلاقات الذي ظل سائداً في الماضي، والذي قام على المجاملات التي هدفت إلى تعزيز موقف الحركة بصفتها ممثلة للحكم. ومن الواضح أن الواقع الجديد يقلص قدرة الفصائل الأخرى على ابتزاز الحركة، كما كان يحدث في الماضي ودفعها لمواقف لا تتلائم مع منطلقاتها.
لكن أهم ما يتوجب على حركة حماس أن تتحوط له هو أن تكون مستعدة بالاستعداد لإمكانية أن تتعرض لخيانة من قبل عباس والمحور الإقليمي الذي يدعمه، بحيث تتكالب أطراف عدة على استغلال اتفاق المصالحة لضرب حماس والمس بقوتها. على الرغم من أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً، حيث أن الجميع يدرك أن حركة حماس لديها حالياً من القوة العسكرية ما يمكنها من خلط الأوراق، لكن القيادة الحكيمة يجب أن تتحوط للأسوأ. إن أحد الخيارات التي يتوجب على حماس الاستعداد لتبنيها هو "منهج أبو بصير"، الصحابي الجليل الذي حول مطاردة قريش له وتربصها به إلى نقطة تحول فارقة في الصراع بين الحق والباطل. لقد كان منهج أبي بصير نتاج عملية تفكير خارج إطار الصندوق، حيث فاجأ أبو بصير رضي الله عنه، آسريه فقتل أحدهم وفر الآخر، ليسدل الستار تماماً على تنفيذ البند في صلح الحديبية، المتعلق بتسليم المسلمين الفارين من مكة للمدينة ، وهو التحول الذي مهد في النهاية لفتح مكة نفسها.
-----------------------------------