المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحرب على الإسلام


عبدالناصر محمود
06-10-2014, 09:39 AM
الكنيسة في أوربا أخطأت حين أعلنت الحرب على الإسلام*
ـــــــــــــــــــــــــــ

12 / 8 / 1435 هــ
10 / 6 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_7360.jpg

في خضم تنامي الإسلاموفوبيا في الغرب عامة، وفي ظل ما يعانيه المسلمون في دول الغرب من إيذاء وتعصب وتربص يومي يقضّ مضاجع المسلمين ويفقدهم أدنى حقوقهم "الإنسانية"، حيث يصل التهديد والإيذاء في كثير من الأحيان إلى دور العبادة وبالرسوم المهينة وإلقاء القاذورات تارة أخرى, في خضم هذه الممارسات يصدر من الغرب أحيانا كتابات عاقلة تدعو إلى مراجعة هذه التصرفات التي لا تضر العلاقة مع المسلمين فحسب بل تضر أيضا الدول الغربية بشكل واضح.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة المقال الذي نشر يوم السبت الماضي في صحيفة "نيويورك تايمز" للكاتب "أوليفييه روا " والذي عنونه بأن "الكنيسة في أوربا أخطأت حين أعلنت الحرب على الإسلام".

ولعله في هذا المقال لا يدافع عن المسلمين بوجهة نظر العدالة والحق بقدر ما يدافع عن مجتمعه الغربي، حيث يحمل عداءهم للإسلام مخاطر جمة عليهم في المستقبل القريب والبعيد ويتحدث أيضا من وجهة نظر علمانية خالصة, ولكن الذي يلفت النظر هو صدور مثل هذه الكتابات التي تستشرف المستقبل، والتي تعلم أن الخطورة تكمن في تجييش الفكرة الدينية سياسيا، وأن ما يفعلونه مناف تماما لادعاءاتهم العلمانية.

فيقول الكاتب: "إن الرابط الذي طال أمده بين اليمين السياسي ومختلف الكنائس المسيحية ينهار في جميع أنحاء أوروبا. هذا إلى حد كبير؛ حين كان اليمين السياسي مثله مثل المجتمع الأوروبي، أصبح أكثر علمانية من ذي قبل. لكن هذا على العكس، لا يشير إلى تقدم من أي نوع، فالخطاب اليميني، المدفوع بالمشاعر المعادية للإسلام، يهدد حرية الدين، فضلا عن تهديده العلمانية وتقاليد الديمقراطية الأساسية", وهذا يؤكد بجلاء أن ما ينقله المسلمون من معاناتهم ليس فيه أي ادعاء غير حقيقي، بل هو واقع ملموس للكثيرين ومنهم هذا الكاتب.

وضرب الكاتب مثالا للتغير الفكري في أوروبا بالنسبة للنظر لبعض القضايا السلوكية وعلاقتها بالحرية, يقول: أن قضية تجريم المثلية الجنسية وقضية الأطفال غير الشرعيين ونشر المواد الإباحية كمثال في العديد من دول أوروبا حتى الخمسينيات كانت تعامل بالقيم الدينية التقليدية التي يدعمها الكاثوليك أو البروتستانت, ولكن هذه النظرة تغيرت منذ بداية الستينيات بظهور ما سميت بالثورة الثقافية التي اجتاحت المجتمعات الأوروبية، وبروز قيمها الجديدة المتمثلة في الحرية المنفلتة من كل قيد وبكافة أشكالها حتى أصبحت تلك القيم هي قيم التيار السائد في أوروبا, وذلك مع بقاء قلة من الأحزاب المحافظة وخاصة في الجنوب الأوروبي لا تزال تحاول التماسك أمام هذه الظاهرة المتغولة في المجتمعات الغربية.

ثم يلفت الكاتب النظر إلى مفارقة غريبة في المجتمعات الغربية وهي أنه على الرغم من هذه الممارسات التي تظهر للجميع أن أوروبا وأمريكا يسران نحو الليبرالية بشكل واسع، لدرجة أن ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني في اللحظة التي يدعم فيها إقامة حفلات عقد القران لمثليي الجنس في الكنائس, في نفس الوقت يقول "أعتقد أننا يجب أن نكون أكثر ثقة حول وضعنا كدولة مسيحية", وأيضا قالت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل جملا مشابهة وهي تشير إلى "مسيحية" أوروبا وذلك في رفضها لتعديل ديباجة الدستور الأوروبي في أكثر من مناسبة!! وهو ما يسميه بالخدعة الليبرالية.

ويطرح الكاتب سؤالا هاما وهو "كيف يطعن اليمين الأوروبي الكنيسة أثناء طعنه الإسلام؟"، ليبدأ في الإجابة عليه داعيا لعدم الانخداع بهذا التناقض الظاهري, ليعلن عن حقيقة كبيرة وهي أن "هذا التناقض يبدأ في التلاشي عندما نبدأ في التفكير في الغرض من إنشاء تلك الأحزاب: اليمين الأوروبي يدافع عن الهوية المسيحية لأوروبا، ليس لأنه يريد أن ينشر المسيحية، لكن لأنه يريد محاربة الإسلام ورفض اندماج المسلمين في المجتمع، أو بحسب ما تسميه "الجبهة الوطنية" الفرنسية: "أسلمة أوروبا".

ثم يدلل بمواقف الحكومات الأوروبية على محاربة المظاهر الإسلامية سواء على مستوى القرارات الحكومية أو على مستوى التصرفات الفعلية فيقول "أن الأماكن العامة في أوروبا أصبحت ساحة قتال رئيسية. هناك حظر "الحجاب، وغيره من علامات الانتماء الديني" في مدارس فرنسا، وحظر النقاب في شوارع فرنسا وبلجيكا. كما أن هناك جهودا حقيقية تُبذل لمنع بناء المساجد في جميع أنحاء أوروبا، أو حتى بناء المآذن كما حدث في سويسرا. ويؤكد أن الهجمة على الإسلام في أوروبا تصل إلى أضيق الخصوصيات، فهناك حملات لحظر الختان أو حظر الطعام الحلال في النرويج".

ويؤكد الكاتب على حقيقة أخرى هامة وهي أن هذه التدابير يتم تسويقها باسم حماية المسيحية، وليس العلمانية الليبرالية, ثم يعود ليسجل حقيقة ثالثة وهي أن هذا الخطاب المعادي للإسلام ينتشر ليصبح التيار السائد على المستويين الرسمي والشعبي، ويضرب لذلك مثالا صارخا لممارسات حكومة أوروبية مثل حكومة هولندا, فيقول " فالحكومة الائتلافية في هولندا تطلب من طالبي اللجوء والمهاجرين التوقيع على موافقتهم على "القيم التقدمية" قبل الموافقة على منحهم الإقامة في هولندا. وأنه يُسأل المتقدمون عن موقفهم من الاختلاط بين الذكور والإناث في المدارس، أو عن المساواة بين الجنسين، والعري في الأماكن العامة وعن مثليي الجنس. وعلى الرغم من أن جميع المتقدمين يخضعون لمثل هذه الأسئلة، إلا أن هناك شكا حقيقيا من أن هذه الأسئلة -بالنظر إليها مع خلفية التركيبة السكانية للمهاجرين إلى أوروبا- قد صُممت لتحدي المسلمين المتدينين. هذه التدابير غير عادلة للمسلمين، كما أنها تنتهك الالتزام المعلن للدول الأوروبية بالتعددية الثقافية والفصل بين الكنيسة والدولة".

ويستمر الكاتب في بيان بعض الحقائق الهامة في الممارسات الحكومية الأوروبية وبيان مدى خطورتها على مجتمعهم بداية فيقول: "إن اليمين السياسي يدعي ارتداء عباءة المسيحية وليس قيمها، وهذا بحد ذاته خطر على الدين المسيحي، فهو يخاطر بتجريد الدين من روحانيته, ففي 2004، وبعد النداءات التي طالبت بحق معلمة مسلمة في ارتداء غطاء الرأس، سنت حكومة ولاية بادن فورتمبيرغ الألمانية قانونا يحظر المعلمين من ارتداء أي رموز دينية باستثناء تلك المعبرة "عن القيم والتقاليد التربوية والثقافية المسيحية والغربية"، وعلى هذا صرحت حكومة الولاية بعرض الصليب في المدارس الإيطالية على أساس أن ذلك رمز تاريخي وثقافي أكثر منه تعبيرا عن معتقد معين. ولكن بهذا المنطق، فإن الدفاع عن المسيحية كهوية ثقافية، هو نوع من العلمنة للمسيحية ذاتها.

وفي ختام مقاله بعد أن أوضح الكاتب أن مفهوم حرية الدين لا يوجه إلا لجانب واحد فقط, وأن الديمقراطية يجب أن تأتي لمصلحة الجميع, وطالب العلمانيين بتبني تلك النظرة, فيقول "إن الإساءة للعلمانية من قبل الأحزاب اليمينية في أوروبا لاستبعاد المسلمين أمر مخالف للديمقراطية بشكل جذري, إنها هجمة ليس فقط على الإسلام، أو على الأديان، بل على الحرية ذاتها".

ومع اختلافنا في المرتكز الأساسي الذي ارتكز عليه المقال وهو فكرة العلمانية إلا أن المطالبة بتساوي الناس كلهم في الحقوق والواجبات أمر مقبول ويرغب فيه، وخاصة أن المسلمين بالفعل يواجهون تمييزا شديدا في المجتمعات الأوروبية.

ونتمنى أن يستمع القادة والساسة الأوروبيون ومعهم المؤثرون في الرأي والفكر لهذا الصوت الهادئ والعاقل الذي يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حينما أبصر عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ فقال: "إِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ، إِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا".

------------------------------------