المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موسم الهرولة إلى إيران


عبدالناصر محمود
06-12-2014, 06:41 AM
موسم الهرولة إلى إيران*
ـــــــــــ

14 / 8 / 1435 هــ
12 / 6 / 2014 م
ــــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_dgbdsgsdgbvd.jpg


من أصول السياسة الغربية المعاصرة ؛ تفريغ السياسة من أي أبعاد أيديولوجية أو عقدية ، فالغرب ومنذ ظهور المذهب البرجماتي عمل على تنحية البعد العقدي عن شئونه السياسية أملا في تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح ، وتقليل أكبر قدر ممكن من الخسائر والمفاسد ، كما إن من ثوابت السياسة الدولية أنها متبدلة ومتغيرة ولا تعرف حلفاء وأصدقاء دائمين ولا أعداء وخصوما دائمين ، السياسة الدولية ليست ثابتة على شيء بل هي مصالح تغيب عنها القيم، ولكن الحقيقة التاريخية الثابتة والتي صدقتها الوقائع وما زالت تصدقها حتى اليوم ؛ أن لا أمريكا ولا أوروبا ولا سائر خصوم العالم الإسلامي استطاعوا أن يتخلصوا من النفس الأيديولوجي في توجهاتهم السياسية ، لذلك مهما بدا الغرب علمانيا نفعيا إلا إن الروح الدينية ما زالت تسري في العقول والنفس سريان الماء في الزرع .
قرابة المائة سنة مرت على تقسيم التركة العثمانية في سايكس ـ بيكو ، وما زال الاهتمام الغربي والأمريكي بالمنطقة كما هو لم يتغير أو يقل بسبب وجود الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين . وخلال هذه الفترة الطويلة اعتمد الغرب على تشكيل أحلاف سياسية وعسكرية واقتصادية مع دول المنطقة بصورة بالغة التعقيد والتداخل بصورة تضمن بقاء الأمور تحت السيطرة ، وبقاء الأنظمة والدول تحت الهيمنة . خلال هذه الفترة الطويلة كانت عناصر الاستمرارية والثبات في الرؤية الأمريكية لمصالحها وأهدافها الإستراتيجية في المنطقة تفوق عناصر التغير أو القطيعة ، والتغييرات المفاجئة التي طرأت على شكل التحالفات والأنماط المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية جاءت نتيجة تغيرات دراماتيكية في الجانب العربي وآخرها ثورات الربيع العربي .
المدى الزمني لاندلاع ثورات الربيع العربي وتحقيقها لنتائج جوهرية لم يتعد شهرين من الزمان ( 15 يناير ـ 17 مارس ) ولكن هذين الشهرين من عمر المنطقة احتاجا لسنوات من التخطيط والتآمر والترتيب من أجل إجهاض هذه الثورات وإعادة تموضع للحالة العربية لمرحلة ما قبل ثورات الربيع ، فانقلاب عسكري دموي في مصر ، وانقلاب سياسي ناعم في تونس ، وفوضى عارمة في اليمن ، واقتتال داخلي في ليبيا يمهد لتدخل خارجي بدأت طلائعه في دخول الأراضي الليبية ، وأخيرا صراع طويل الأمد لا غالب ولا مغلوب فيه في سوريا ، حقق أكبر قدر من الدمار والتمزيق للوطن السوري الكبير .
وفي أتون هذه الفوضى والاحتراب الإقليمي ، خاصة فصول ومجريات الصراع السوري ، بدأت أمريكا في إعادة النظر في أنماطها السياسية والاستراتيجية المستقرة منذ عقود في المنطقة ، فالثورات التي اجتاحت المنطقة قد أوجدت حالة من السيولة والتداخل السياسي والعسكري والأمني إقليميا ، وبرز في هذه الفترة اللاعب الإيراني بصورة جعلته بحق الجوكر الذي يجيد اللعب في كل المواقع ، ويتواءم مع كافة الخطط ، ويتعامل بحنكة واقتدار مع كافة المتغيرات ، واللاعب الوحيد القادر على مواجهة الخطر الجهادي الذي يمثل أسوأ الكوابيس الأمريكية في المنطقة والعالم ككل ، مما جعل الأمريكان يفكرون جديا في تأسيس تحالف جديد في الشرق الأوسط تكون إيران فيه هي رمانة الميزان . فصحيفة «نيويورك تايمز» تنشر مقالا بقلم جوناثان ستيفنز، وهو مسئول سابق في شؤون الشرق الأوسط في «مجلس الأمن القومي» عكس إلى حد كبير تفكير أوباما وفريقه بخصوص مستقبل العلاقات مع إيران ، كتب ستيفنز: «أعجبكم أم لا، في الوقت الحالي، يشكل نظام الأسد وخصوم الولايات المتحدة الشيعة إيران وحزب الله أفضل مضاد للمجموعات الجهادية العابرة للدول،والتي تستجمع قواها في سورية وفي جوارها والتي تكسب المزيد من القوة».و"ستيفنز" ليس وحيدا داخل إدارة أوباما ممن يعتقدون أن الصداقة مع إيران الشيعية هي في مصلحة الولايات المتحدة، خصوصا فيما يتعلق بمواجهة المجموعات السنية "المتطرفة"، وليس "ستيفنز" أكثر المؤيدين للأسد أو «حزب الله»، إذ داخل «مجلس الأمن القومي» الأميركي الحالي أعضاء ممن سبق أن التقوا الأسد في دمشق مراراً ومعروف عنهم تأييدهم له ولبقائه في الحكم حتى اليوم.
أمريكا ومنذ أواخر 2013 وهي تعمل على مد جسور التعاون مع إيران بشأن الأزمة السورية وإيجاد صيغة للتفاهم حول الملف النووي ، وهو التقارب الذي لم يعجب دول الخليج ، وظهر العتب الخليجي في أجلى صوره برفض السعودية لمقعد العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن ، وزاد الشعور بالهجران الأميركي لدول مجلس التعاون الخليج، استضافة سلطنة عمان للمفاوضات السرية بين الولايات المتحدة الأميركية وايران وذلك حتى قبل انتخاب الرئيس الايراني حسن روحاني ،وأعقب ذلك تهديد عُمان بالانسحاب من مجلس التعاون الخليجي اذا ما تم اعلان الاتحاد الخليجي وتأجيل النظر في الاتحاد الخليجي في القمة الخليجية في الكويت .
ولكن الأبعد من ذلك أن أمريكا سعت من وراء هذا التقارب لإعادة ترسيم خريطة الأحلاف الاستراتيجية القائمة في المنطقة ، بدفع إيران في الواجهة للعب الدور الأبرز والأهم في المنطقة ، وإيجاد صيغة تفاهم بين فرقاء المنطقة يتم دمج الكيان الصهيوني فيها بصورة تنهي للأبد ـ حسب وجهة النظر الأمريكية ـ حقبة الصراع العربي الإسرائيلي . فقد عملت أمريكا على تطمين مخاوف دول الخليج من هذا التقارب عن طريق وزير الدفاع الأميركي الذي شارك في التطور الثاني الإقليمي في جدة بحضور وزراء دفاع دول مجلس التعاون الخليجي ، ضمن «المنتدى الاستراتيجي الأميركي-الخليجي» الذي طالب وزير الدفاع الأميركي بعقده بشكل دوري ، وذلك للتأكيد للجانب الخليجي التزام الولايات المتحدة بأمن واستقرار ودعم حلفائها الخليجيين وأن الانفتاح الأميركي على ايران وحتى التوصل لاتفاق حول برنامج ايران النووي لن يكون على حساب الدول الخليجية، وهذا ما دأب على تأكيده المسؤولون الأميركيون من سياسيين وعلى رأسهم الرئيس أوباما في زيارته في نهاية مارس الماضي للمملكة واجتماعه مع الملك عبدالله ، كما طالب وزير الدفاع الأميركي تشيك هيغل بالتعاون معا لمواجهة التحديات الأمنية ووعد بتزويد واشنطن لدول الخليج بأنظمة عسكرية ودفاعية موحدة والتعامل مع الدول الخليجية ككيان وكتلة واحدة، وهذا تحول استراتيجي مهم في المقاربة الأميركية مع حلفائها في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما رحب به ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز في كلمته لتعزيز التعاون العسكري بين واشنطن ودول مجلس التعاون الخليجي نظراً للخطر الذي يحدق بأمنها. «وأمله أن يستمر هذا التعاون لما فيه مصالح مشتركة»
لذلك بدأ موسم الهرولة الخليجية والإقليمية نحو إيران فزيارة أمير الكويت لطهران ، ثم دعوة السعودية لوزير خارجية إيران لزيارة السعودية ، ثم زيارة روحاني لأنقرة ، والتقارب الإيراني التركي الحادث في الملف السوري ، ثم دعوة إيران لعقد قمة رباعية مع السعودية ومصر وتركيا ، مع التشديد على إعادة العلاقات بين تركيا ومصر ، ومع هذا التقارب بدأت لحلحة بعض الملفات العالقة بسبب الصراع الإيراني السعودي ، مثل ملف الرئاسة اللبنانية ، وترطيب بعض الجبهات الملتهبة خاصة في المناطق الشرقية والحدودية .
ولعل من أخطر ما يواجهنا أثناء النظر في هذه الأحداث المستجدة اعتبارها حادثة وليدة لا علاقة لها بأصول سالفة؛ فهي لقيطة لا يُعرف لها نسب، ولا يستشرف لها مستقبل، حتى عند أولئك الذين يميلون إلى (تربيط) الأحداث بالسابق واللاحق يحيدون في التربيط أحياناً، ويرجعونها إلى غير مرجعها، فأصبحوا كالذين ينسبون اللقيط إلى غير والده ، فإيران تحاول استئناف ما بدأه محمد خاتمي من قبل في احتواء الغرب والعرب في آن واحد ، وتحقيق أقصى استفادة من الأوضاع الراهنة ، فحلم تصدير الثورة الدم واللحم بالنسبة لأي نظام إيراني ، وأولوية قصوى عند الملالي الإيرانية لا يمكن التنازل عنه ولو لقيد أنملة ، ومن أجل تحقيق هذا الأمر لا يمانعون أبدا في التحالف مع من يعتقدون كفرهم وشرهم ، ولعل في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي كتبه منذ أكثر من سبعة قرون عن طبيعة النفسية الشيعية ما تفسره أحداث اليوم حيث قال : " والرافضة تحب التتار ودولتهم؛ لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين، والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين، وهم كانوا من أعظم الأسباب في دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام، وكانوا من أعظم معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام وقتل المسلمين وسبي حريمهم... وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركين كان ذلك غصة عند الرافضة، وإذا غلب المشركون والنصارى المسلمين كان ذلك عيداً ومسرة عند الرافضة "
أمريكا اليوم تدفع دول الخليج والمنطقة دفعا نحو الجبهة الإيرانية من أجل بناء شبكة تحالفات جديدة تصبح فيها كل الأمور تحت السيطرة ، ويتشارك فيها فرقاء الأمس وخصوم العقيدة والمنهج من أجل مواجهة الجماعات المجاهدة في سوريا والعراق وحتى بلاد المغرب ، فذاك هو الخطر الأكبر الذي يهدد الوجود والنفوذ الأمريكي وربيته إسرائيل وسائر عروش البغي والاستبداد .
-------------------------------------------
*{مفكرة الإسلام}
ـــــــــــــــ