المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العبث النُّخبوي


عبدالناصر محمود
06-12-2014, 06:56 AM
العبث النُّخبوي
ــــــــ

(حمزة صالح)
ــــــ

14 / 8 / 1435 هــ
12 / 6 / 2014 م
ــــــــ

http://www.cairo360.com/dynamic/event/25240/event_standard_25240_20140430_5360d40932a59.jpeg


في رُبَا الدوحة، ومن داخل أروقة شبكة الجزيرة، قدّر لي أن أشارك بمنتدي الجزيرة الثامن والذي عُقد بالدوحة بين يومي 26 و 28 من مايو 2014م تحت عنوان: (إلي أين تتجه حركة التغيير في العالم العربي؟)، وقد تركز الحديث حول أسباب التوقف، أو الارتداد، الذي تشهده بعض بلدان ثورات الربيع العربي، كاليمن، وليبيا، تونس، أو التعثر -كما الحال في مصر-، أو الدموية كما الحال في سوريا.
وما هي الوسائل والحلول المقترحة للخروج مما تواجهه حركة التغيير في تلك البلدان؟

ولقد كانت لي مشاركة -متواضعة- في هذا المنتدى؛ فرأيت أن من أهم أسباب هذا الارتداد، أو التعثر الذي تشهده دول الربيع العربي هو (العبث النخبوي) الذي مارسته النخب بكل أطيافها، في تلك البلدان، ويقصد بالنخبة: طبقة معينة أو شريحة منتقاة من أي نوع عام. وهي تعني أيضًا: الأقلية المنتخبة، أو المنتقاة من مجموعة اجتماعية، لتمارس نفوذًا في تلك المجموعة، عادة بفضل مواهبها الفعلية، وقدراتها الفكرية… كذا قالوا، أو هكذا ينبغي أن تكون.

ولكن النُخبة التي أعنيها هي تلك الطائفة من المفكرين، والمثقفين، والإعلاميين الذين كانوا أعوانًا لسلطة الظالمين في عالمنا العربي.
إنه (العبث النخبوي)، هكذا أسميه، وهكذا رأيته أشد عائق من معوقات تحقيق أهداف ثورات الربيع العربي وإتمام نجاحها… نعم، فلقد رأيتنا ونحن نعاني من تلك النخبة أشد المعاناة، فما هم إلا كما وصفهم من قبل عبد الله القصيمي في كتابه (العرب ظاهرة صوتية). فالنخبة في الحقيقة جزء من أنظمة الاستبداد، وهي السيف الخشبي الذي يُعمله في العلن ليظن الناس بتلك النخبة الخربة خيرًا لكنها لا تقتل الفاسدين بل حتي ولا تجرحهم، وهم كذلك ورقة التوت التي تغطي سوءة الأنظمة إذا جاءتها أسئلة المندوب السامي المعتمد الأمريكي أو الأوربي عن الحريات العامة أو حقوق الإنسان.

إن الأنظمة المستبدة وهي تبني جدران الظلم، وتشيد أسوار القهر، تلجأ لحفر السراديب التي تلجأ إليها وقت الحاجة؛ فتكون النخبة هي صانع الحيل والوسائل الخفية، التي لا يفطن إليها الثوار، ولا يحذرونها، فتأتيهم الطعنة من الخلف -من تلك النخبة- ممن ظنوا بهم الخير، فإذا بهم مفاتيح الشر، حسبوهم حاملي وديعة، فإذا بهم ذئابًا ضارية.

إنها نخبة الأحزاب المهمة قومية أو ليبرالية أو علمانية أو حتي إسلامية، وكذا علماء السلطان الخونة، ومفكرو الصدفة الفارغين، إنهم بحق محامو الشيطان، الذين انتظر الثوار منهم أن يدلوهم علي طرق التغيير، ووسائل الإصلاح، التي صدعوا الناس بها، من خلال ندوات وبحوث عن ثورات العالم، سواء ثورات أفريقيا، أو ثورات أوروبا الشرقية، وغيرهما، لكنهم خيبوا آمال الثوار وعرضوا عليهم كذبًا صراحًا، وتضليلًا مركبًا.

فيا ليت شعري إذا أضحى العلماء الذين هم مشاعل الأمل، وأئمة الفكر والرأي، وبوصلة التوجيه هم دعاة الجهل، والسفه، والتغييب، والتضليل، والخنوع، والاستسلام.

ويا خيبة المسعى حين يتخذون الوشاية بضاعة لهم، فيفسدون الناس ويقطعون بينهم، ويصنعون من أقلامهم وألسنتهم معاولَ تهدم ما بناه الثوار، وشيدته حركة التغيير الوليدة.

لقد تحوّلوا إلي ما يشبه قادة مليشيات، وأمراء عصابات، لا تضرب بالرشاشات والقنابل، وإنما تضرب بالألسنة والأقلام. ويا لها من ضربات استطاعت أن تصنع ما عجزت عنه الرشاشات والقنابل.

ولئن عجبتُ مرّة لفرقاء السياسة حين يتجنى بعضهم علي بعض شاهدين بما لم يروا، ورافضين الحق؛ لأنه خالف هواهم، تدفعهم شهوة الحكم، وطلب الرياسة، وزيادة الأصوات، وغنيمة المناصب، ففقدوا بذلك ميزان العدل حين عدموا الغنائم وبعدت عليهم الشقّة.

إن عجبتُ لهذا مرة، فقد عجبتُ مرات لفئة ظننا بهم العلم، وأحسنّا بهم الظن وخلنا أنهم لا يتلونون حسب المصلحة كما يفعل بعض الحزبيين، فإذا بهم أكثر الناس كذبًا وأشدهم تضليلًا.

لم يكتفوا بمهادنة الباطل جبنًا منهم، والقعود عن نصرة الحق جهلًا به أو حسدًا لدعاته، بل مضوا في مهاوي الردي وتنكروا لقوله تعالى في قرآنه ونص كتابه المُحكم: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).

بل تجاوزوا ذلك إلى مساندة الظالمين، والتودد لهم، وتبرير أفعالهم، بل وتزيين الباطل للناس على أنه الحق الذي لا محيص عنه.

إنها نخبة العلم على اختلاف مشاربها: الشرعية والثقافية والاجتماعية والسياسية الذين ساقوا من الأدلة ما يُحرم التغيير ويدعوا إلى عدم قبوله، تارة لأنّه حرام شرعًا، لأنه يمثل خروجًا على الحاكم الشرعي -وزعمًا كذبوا-، وتارة لأنه غير مناسب للوقت الذي تمرّ به الأمة، وتارة لأنّ مجتمعاتنا لا يناسبها ترف الديمقراطية وكماليات حقوق الإنسان.

لقد كانوا هم أكبر عثرة في طريق نجاح الثورة، وأقوي سلاح بيد أنظمة الاستبداد، وساهمَ حسنُ ظنّ الثوار بهم في انتشار فريتهم، وشيوع كذبهم.

وختامًا، أقول للثوار: إن ربيعنا العربي سيؤتي يومًا أكله، وتحين قريبًا قطافه، ولن تغيب شمس الحرية أبدًا ما دام في قلوبنا أمل لا يتزعزع، وعزيمة لا تفتر، وثقةً بأنّ هذه الشعوب قد شبت عن طوق ظالميها، ولن تركع بعد اليوم إلا لباريها.

أيّها الأبطال؛ استمروا، ولا تأسوا على مَن سقط، فقد ارتقي، ولا من غيب، فقد اجتبي، ولتكن ثورتكم الأولي علي تلك النُخب الفاسدة من كهنة العلم ومدعي الثقافة وخوالف الأمة الجدد.

ثوروا علي كل صاحب قلم سخّره لخدمة جيبه وحفظ أمن نفسه.

لتكن ثورتنا إخوتي أول ما تكون على تلك النخبة التي طغت في عفونتها علي جرم القتلة المجرمين أنفسهم؛ لأن هؤلاء القتلة يعرفون أنهم فاسدون، ومستبدون، لكنّهم بفضل تلك النخبة وجدوا (صك غفران) شرعي بالجنة، وميثاق أمان أخلاقي من المساءلة، وعقد عفو سياسي من العقوبة.
-----------------------------