المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : برجماتية بريطانية


عبدالناصر محمود
06-12-2014, 07:27 AM
البراجماتية البريطانية ذات الوجهين
ــــــــــــــــــــــ

14 / 8 / 1435 هــ
12 / 6 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_7367.jpg

ليس بجديد ما يتعامل به الغرب مع المسلمين بهذه البراجماتية الغريبة والواضحة, ففي الوقت الذي يريد أن ينتفع من المسلمين يقبلهم ويتقبل وجودهم بل ويرحب بهم ويطلبهم، وفي الوقت الذي يشعر بأنهم بوجودهم في المجتمعات الغربية قد يشكلون أغلبية في وقت ما يشنون الحملات عليهم لاستئصال شأفتهم ولطردهم, والغريب في الأمر أن تجتمع الفكرتان معا في نفس الأسبوع على صحافة دولة واحدة في نفس الوقت، مما يؤكد تلك البراجماتية المقيتة بالجذب والطرد للمسلمين في آن واحد.

فعلى صعيد الجذب نشرت صحيفة "الفايننشال تايمز" تقريرا حول رغبة بريطانيا في اجتذاب أموال المسلمين على هيئة استثمارات, وقلقها من أن تسبقها دول أخرى مثل جنوب أفريقيا أو لوكسمبورغ أو هونغ كونغ في إصدار السندات الإسلامية حتى تكون أول عاصمة أوروبية جاذبة للاستثمارات المبينة على أساس مبادئ الشريعة الإسلامية، وما يعرف أيضا بصناعة التمويل الإسلامي.

ونقلت الصحيفة خطط أعلن عنها وزير المالية "جورج أوزبون" الخريف الماضي التي تستهدف تلك الاستثمارات لرأس المال الإسلامي، وخاصة بعد الرحلة الآسيوية التي قام بها رئيس الوزراء ديفيد كاميرون عام 2012 والتي انتهت باقتناعه تماما بأن هناك فرصة كبيرة لجذب هذه الصناعة الصاعدة.

وفي تصريح لشبكة الجزيرة نت الإخبارية قال الخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور "ناصر قلاون": (إن الدفعة الأولى من هذه الصكوك التي أعلن عنها أوزبورن تبلغ مائتي مليون جنيه إسترليني تعبر عن تغير المزاج الرسمي في بريطانيا من معارضة هذا التوجه قبل ثلاث سنوات إلى الاقتناع بضرورة احتضان هذه الصناعة المالية الإسلامية بسبب صعودها الكبير لها مؤخرا، واقتناع البريطانيين بإمكانية أن يكونوا مركزا جاذبا لها).

وأكد قلاون أن توافر الخبرة القانونية المالية لدى بريطانيا يؤيد قدرتها على إصدار تشريعات قانونية تلبي المعايير التي تريدها الصناعة المالية الإسلامية، خاصة أن القانون البريطاني يعد في كثير من الدول العربية والإسلامية مرجعية معتمدة تمت العودة له للبت في الخلافات المالية التي تنشأ في تلك البلدان.

فلاشك هنا أن بريطانيا تسعى لجذب استثمارات وأموال المسلمين، وأنها في حاجة لهذه الاستثمارات لتقوية اقتصادها، لكنها في نفس الوقت تسعى البراجماتية الغربية للتضييق على المسلمين في أراضيها.

فعلى جانب التضييق والطرد نشرت صحيفة الإندبندنت موضوعا عنصريا شديدا بعنوان "حصان طروادة الإسلامي" الذي تحدثت فيه عن سرعة انتشار الإسلام بين البريطانيين، وعن تزايد أعداد المسلمين المهاجرين على أراضيها، وتحدثت فيه عن غزو المسلمين لبريطانيا وشبهته بحصان طروادة الشهير.

وهناك بالفعل تخوف بريطاني شديد من انتشار الإسلام, فذكرت الصحيفة البريطانية ذاتها في أكثر من مناسبة دراسات تؤكد تنامي إعداد المسلمين في بريطانيا.

فكان مما نقلته دراسة أعدها مركز "Faith Matters" البحثي البريطاني التي أكدت وجود أكثر من 100 ألف معتنق جديد للإسلام من البريطانيين الغير مسلمين بمعدل يقترب من 5000 شخص كل عام, في حين كان عددهم 60 ألفا و690 بريطانيا عام 2001, وأكدت أيضا أن الأرقام الحقيقية للمعتنقين الجدد للإسلام أكبر من ذلك, لأن الأجهزة الإحصائية لا تفرق بين المسلمين بالولادة والمسلمين بالتحول, بينما نقلت تقارير أخرى سابقة أكدت أن المعتنقين للإسلام ما بين 14 ألف و25 ألف بريطاني.

والغريب أن الهجوم على الإسلام يزيد من إقبال الناس على اعتناقه وليس العكس، حيث أكد فياض موغال - مدير مؤسسة "فيث ماترز" صاحبة الدراسة - أن 1400 بريطاني اعتنقوا الإسلام في العاصمة لندن وحدها خلال العام الماضي, ورجحت الدراسة أن أحد أهم أسباب تزايد إقبال البريطانيين على اعتناق الإسلام يرجع إلى تزايد الحديث عن الإسلام وبروزه في المجال العام حتى لو كان الحديث عنه هجوما؛ لأنه يجعل الناس في شغف لمعرفة المزيد عن هذا الدين فيبحثون عنه ويقرئون كتبا تدفع العديد منهم إلى اعتناقه.

وكان السبب الرئيسي في المقال الأخير – كما ذكرت الصحيفة - هو محاولة الجالية الإسلامية تحويل التعليم في المدارس ذات الغالبية المسلمة من نظام التعليم البريطاني إلى نظام إسلامي, وهو الأمر المعتاد لكافة الأغلبيات الدينية حينما تدرس المناهج المتفقة مع ديانتها في مدارسها الخاصة, لكن الحكومة البريطانية وجهت لعدد من المدرسين تهمة التآمر لتغيير نظام التدريس وحظرتهم من العمل في السلك التعليمي مدى الحياة.

وهن تكمن المفارقة الشديدة التباين, بين الحرص في المنافع على الحصول على أموال المسلمين من خارج بريطانيا لتضخ ماء الحياة للاقتصاد البريطاني, وبين التضييق على المسلمين والعنصرية الشديدة في التعامل معهم والتهديد بطردهم أو القبض عليهم بتهم غريبة وحظرهم عن العمل مدى الحياة.

فلا عجب, فهذه هي السياسية الاستعمارية القديمة في ثوبها الجديد التي تريد امتصاص خيرات الدول والشعوب دون أن تتحمل من أجل ذلك أدنى مسئولية، رغم أن المسلمين ليسوا عالة على المجتمع البريطاني، فهم أفراد منتجون ومؤثرون فيه, وهذه هي الفكرة العلمانية التي لا تدخر وسعا في التلون بحسب المواقف ولا يهمهم الطرف المقابل، فالتعامل وفق وجهة نظر واحدة نفعية ومصلحية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ