المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كارثة في الشرق


عبدالناصر محمود
06-13-2014, 06:21 AM
كارثة في الشرق: الحرب الأهلية السورية تبلغ عامها الرابع*
ـــــــــــــــــــــــــــ

(بقلم: جوناثن سباير)
[المصدر: منتدى الشرق الأوسط]
ـــــــــــــــ

15 / 8 / 1435 هــ
13 / 6 / 2014 م
ـــــــــ

http://saqeralasad2.files.wordpress.com/2013/04/d8acd988d986d8a7d8abd8a7d986-d8b3d8a8d8a7d98ad8b1.jpg?w=627

لقد بلغت الحرب الأهلية السورية الثلاث سنوات وها هي الآن تدخل عامها الرابع, حيث قضى أكثر من 150 ألف شخص نحبه، إضافة إلى العشرات الذين يُقتلون يوميا في الصراع المستمر هناك, كما أن الملايين من الناس فقدوا منازلهم حيث من المؤكد أن العديد منهم لن يعودوا الى تلك المنازل على الأغلب. إن هذه القضية تعتبر الكارثة العظمى التي تعصف بالشرق في هذا العصر. فتأثير هذه الحرب لم يقتصر على سوريا وحدها ولكن تعداها ليصل الى جيرانها حيث تعتبر العراق ولبنان الأكثر تأثرا بها.
لم تعد سوريا اليوم ومن نواحٍ عديدة موجودة ككيان متماسك, فمنذ أواسط عام 2012 ونظام بشار الأسد لا يسيطر إلا على جزء بسيط من الأراضي السورية, أي حوالي 40 % منها وعلى غالبية بسيطة من سكانها. كما ولم يظهر أي نظام موحد يخلف الحكم في المنطقة لا يسيطر عليه النظام الحالي. في الواقع هناك عدد من المخططات تجري على قدم وساق.
ربما تعتبر الدولة الإسلامية المعلنة حديثاً الأكثر قوة والأكثر أهمية بين الأنظمة هناك والتي يحكمها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والذي يمتد حكمه من محافظتي الأنبار ونينوى واللتين تقعان في غربي العراق ويمر عبر شرق سوريا ويصل الى الحدود مع الدولة التركية.
إن مشروع الدولة الكردية المستقلة قد ظهر أيضاً للعيان حيث يمتد حكمها إلى ثلاث مناطق غير متجاورة تعتبر ذو أغلبية كردية وتقع في شمال سوريا، كما أن هناك مجموعات مختلفة متمردة من العرب السنة تتصارع فيما بينها وقامت بتأسيس اقطاعيات خاصة بها. إن سوريا اليوم كالثياب المرقعة بسبب القوى المتصارعة فيها، فالنظام الحالي يمتلك كياناً متماسكاً يمتد من العاصمة دمشق وضواحيها ويصل إلى منطقة الساحل الغربي التي تعتبر بمثابة القلب للطائفة العلوية وينحدر منها الرئيس بشار الأسد.
لقد أحرز النظام السوري سلسلة انتصارات في الأشهر الأخيرة, كان أولها في منطقة جبال القلمون واعتبر استيلاء النظام على بلدة رنكوس ذروة الانتصارات. وتبع تلك الانتصارات ما قامت به قوات النظام السوري من تنظيف مدينة حمص من الثوار حيث أن جزء منها قد استولى عليه الثوار منذ السنة الأولى لاندلاع الثورة.
لقد كانت هذه الإنجازات مثيرة للإعجاب من جانب النظام, حيث أدت إلى جعل النظام يشعر بالثقة الكافية لإعلان الانتخابات الرئاسية في يونيو. كما أصدر الأسد بياناً توقع فيه بأن العمليات العسكرية التي تنفذها قواته المسلحة سوف تنتهي في عام 2014 ولن يتبقى وقتها إلا الحرب على "الارهاب".
إن ثقة الأسد المتجددة ظهرت في غير محلها إلى حد ما, ولكن حقق الدكتاتور نجاحاً في إنهاء أي خطر حالي يحيط بالنظام السوري وذلك إلى جانب المساعدات الثابتة والضخمة التي يقدمها الحرس الثوري الايراني وحلفاء ووفود ايرانية كثيرة. لا يعتبر هذا الانجاز انجازاً يُذكر، خاصة عندما يأخذ أحدهم في الاعتبار بدء استيلاء الثوار على مدينة حلب والهجوم على مدينة دمشق في نهاية عام 2012م، وفي عام 2013 نجح النظام في قلب هذه الصورة.
ومع ذلك واعتباراً من هذه اللحظة فإن هذا الأمر على الأقل يعني توحيد الطرق التي تفتت سوريا والتي تجعل حدودها خيالية بشكلٍ متزايدٍ. ربما استطاع الأسد أن يُحكِم الطوق حول العاصمة والمناطق الغربية ولكنه لا يعتبر بذلك قريبا من تحقيق لم شمل للبلاد. ونلاحظ أن نقاط الضعف نفسها التي كانت سببا في جعل النظام يتنازل عن مساحات واسعة من المناطق السورية في صيف عام 2012 مازالت مرتبطة بالقضية ونقاط الضعف تتمثل في النقص في عدد الأيدي العاملة الموثوقة إلى جانب عدم قدرة النظام على السيطرة على المناطق التي تقدم الدعم للثوار، وبناءً على ذلك فإن مستقبل سوريا الذي يمكننا التنبؤ به يظهر فقط انقسام وحرب مستمرة هناك.
ولكي نفهم ما يحدث في سوريا هذه الأيام فإنه من المهم أن ندرك بأن لا وجود لحرب مدنية أحادية تدور رحاها بين نظام وثوار يقفون ضده ولكن هو بالأحرى وجود لقوى متنوعة في البلاد حيث تمتلك كل منها مصدر قوة كافي لمنع أي محاولة لتدميرها من قبل قوة أخرى.
نظام الأسد في أواسط عام 2014
لا يجب أن يُنظر إلى نظام الأسد على أنه نظام فردي بل كهيكل موحد, فقوات النظام تؤسس هذه الأيام شبكة مصالح لا يخضع جميعها إلى الأوامر التي تأتي مباشرة من بشار الأسد نفسه. وفي الواقع فإن العامل الأكثر أهمية يتمثل في أن القوات التي تشارك في الحرب بالنيابة عن النظام وأعني هنا أفراد الحرس الثوري الايراني وقوات حزب الله لا تتلقى أوامرها من الدكتاتور.
لقد استمتع الأسد ومنذ البداية بتفوقه التقني الواضح جدا على الثوار، حيث حافظ على سيطرته الكاملة على سماء الدولة وامتلك أيضا صواريخ و سلاح مدفعية هذا بالإضافة إلى دعم دولي قوي من ايران وروسيا والعراق والذي يصل إلى مستوى لا يمتلكه الثوار.
إن مشكلة النظام ومنذ البداية تكمن في قلة الأيدي العاملة الموثوقة, بينما على الورق فإن الجيش العربي السوري يعتبر كبير بحجمه حيث يقارب 295 ألف جنديٍ نظاميٍ غالبيتهم الساحقة عرب ينتمون للطائفة السنية وبالتالي لا يمكن للنظام أن يضع ثقته فيهم منذ أن بدأت الثورة.
يمكن للأسد أن يعتمد فقط على عدد من الوحدات المختارة وأقصد القوات الخاصة التابعة له والمتمثلة في الحرس الجمهوري والفرقة المدرعة الرابعة والتي يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الأسد. ولقد تضاعف حجم هذه القوات نتيجة انضمام قوات علوية غير نظامية وبصورة كبيرة تعرف باسم الشبيحة.
لقد تم حل مشكلة نقص الثقة في القوى العاملة إلى حد ما في عام 2013 وذلك عن طريق وصول أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب إضافة إلى أمر لا يقل أهمية في حل المشكلة والمتمثل في خلق وتدريب قوات القدس وحزب الله لمليشيات جديدة باعتبارها قوات دفاع وطني تعمل كقوة احتياطية مساعدة للنظام. لقد تم تأسيس هذه القوة في الأشهر الأولى من عام 2013م، وبلغ عدد مقاتليها ما يقارب 100 ألف مقاتل.
لقد تم معالجة مشكلة نقص المقاتلين التابعين للنظام عن طريق ادخال أعداد كبيرة من مقاتلي حزب الله في لبنان حيث يوجد ما يقارب 7000 مقاتلاً في سوريا في وقت واحد. هذا بالإضافة إلى المقاتلين الشيعيين المتطوعين القادمين من العراق والتابعين إلى التيار الصدري إلى جانب آخرين مخلصين للتيارات الإسلامية الشيعية والذين دخلوا سوريا للقتال نيابة عن النظام.
ولذلك فإن النظام يبدو في عام 2014م، وكأنه ائتلاف لقوى تابعة لإيران حيث يشكل الجيش العربي السوري منها عنصراً واحداً فقط. ولكن هذا الجانب الموالي للحكومة والمعترف به قد حقق سلسلة من النجاحات خلال العام الماضي والتي بدأت ببلدة القصير في شهر أبريل من عام 2013م، واستمرت بالهجوم الطويل على منطقة جبال القلمون والقدرة على اغلاق الطريق أمام الثوار لمنعهم من الوصول إلى الحدود اللبنانية, واعتبارا من اليوم انتهت هذه النجاحات بطرد الثوار من مدينتي حمص ورنكوس.
وعلى الصعيد السياسي لا يوجد أي إشارات توحي بوجود انشقاقات في النظام السوري, ولكن في الواقع نجح بشار الأسد في المحافظة طوال الوقت على مجموعة أساسية وجوهرية حوله ولأن حظوظه قد تحسنت لاسيما في عام 2013م، فإن أي انشقاقات داخلية تبدو الآن بعيدة الاحتمال.
إن التحالف الدولي الذي يقف وراءه مازال أيضا محكم ومتين. فالتقارير الأخيرة التي أظهرت تفاصيل عن تجنيد ايران للاجئين الأفغان الشيعة من أجل القتال في سوريا لا تشير الى اهتمام النظام فقط المستمر بالقوى العاملة بل تشير أيضا إلى تعهد ايران المستمر بالحفاظ على حياة بشار الأسد. إن النظام السوري الحالي يسيطر على مدينة دمشق ومنطقة الساحل الغربي والطرق التي تربط بينهما والطريق التي تربط دمشق بحمص وحلب وبالتالي فهو لا يعتبر حاليا أنه يمر بتحدي خطير.
إن الثوار السوريين يمرون بوضعٍ حرج منذ البداية وهذا يرجع الى عاملين اثنين وهما: غياب التحالف الدولي الموحد الداعم لهم وعدم وجود سلسلة قيادة موحدة وواحدة. كلا هذين العاملين مازالا موجودين ومع ذلك يمكننا الإشارة إلى أن الثورة مستمرة بسبب الولاء الذي يتمتع به عدد كبير من الرجال الذين لديهم الاستعداد للقتال وبالرغم من صعوبة الوضع إلا أنه لا وجود لإشارات تدل على نيتهم للتراجع.
إن أكبر وأهم تجمعٍ سياسيٍ عسكريٍ في الثورة اليوم هي الجبهة الإسلامية والتي تتكون من ما يقارب 60 ألف مقاتل. وهي عبارة عن تجمع لبعض الجماعات الإسلامية الأقوى في سوريا وتتضمن كتائب التوحيد في منطقة حلب ولواء الإسلام في دمشق بالإضافة إلى صقور الشام. كما وتتضمن أيضا جماعة احرار الشام وهي جماعة سلفية معلنة. إن الجبهة الإسلامية والتي تشكلت في الثاني والعشرين من نوفمبر عام 2013 مازالت تهيمن على النشاط العسكري الثوري في الجزء الشمالي من البلاد وتعتبر هي المسؤولة عن الهجوم الأخير الذي وقع الى الشمال من محافظة اللاذقية.
وإضافة إلى هذه القوة فإن هناك عدد من الوحدات الثورية الصغيرة ذات الاتجاه الأكثر اعتدالا وعدد من التشكيلات الجهادية مازالت تعمل على الأرض وهي: جبهة ثوار سوريا وتتمركز في محافظة ادلب وحركة حزم بالإضافة إلى التحالف الذي تشكل مؤخراً والذي يعرف باسم الجبهة الجنوبية, كل هذه العناصر العسكرية مرتبطة بالمجلس العسكري الأعلى والذي يترأسه اللواء عبد الاله البشير.
إن المجلس العسكري الأعلى بدوره يَعتبر نفسه الجناح العسكري للائتلاف الوطني السوري والذي يترأسه أحمد الجربا. إنه لأمر مثير للشك فيما اذا كانت العناصر الثورية المتنوعة هي في الحقيقة خاضعة للمجلس العسكري الأعلى أم لا وذلك فيما يتعلق بأي أمر صريح وواضح وفي هيكلية القيادة. إنهم بالأحرى يعرفون وعلى نطاق واسع بأهداف المجلس والبعض منهم يستفيدون من المساعدات التي يقدمها الغرب.
وفيما يتعلق بالجهاديين فإن عنصرين اثنين ظهرا على الساحة منذ منتصف عام 2013 وهما: جماعة جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
وبالنسبة لجبهة النصرة فهي تابعة للقيادة الأساسية في تنظيم القاعدة باعتبارها مخولة من قبله في سوريا. فالجماعة قد أثبتت قدرتها على التعاون مع التنظيمات الثورية الأخرى وتعتبر واحدة من الجماعات الأكثر تأثيرا من الناحية العسكرية مقارنة بالجماعات العسكرية الثورية.
إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والذي تشكل في أبريل عام 2013م، قد اتبع نهجا أكثر مواجهة مقارنة بجبهة النصرة. هذا التنظيم انحدر من فرع تنظيم القاعدة في العراق ويتلقى أوامره من العراقي أبو بكر البغدادي. كما ويسيطر هذا التنظيم على رقعة واسعة تمتد من أعماق محافظتي الأنبار ونينوى في غرب العراق وتمر عبر محافظتي دير الزور والرقة في سوريا وتصل إلى الحدود مع تركيا. هذه المنطقة تشمل مدينة الرقة والتي تعتبر العاصمة القروية الوحيدة التي وقعت في أيدي الثوار.
وفي هذه المنطقة بدأ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بصناعة النسخة الخاصة به لبناء دولة إسلامية هناك. ومن خلال ممارساتها ضد الثوار الآخرين واعتناقها لوسائل متطرفة فإن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام قد نأى بنفسه عن الجماعات الثورية الأخرى التي تدعي أن هذه الجماعة تتلقى الدعم من النظام.
لا يمكن لنا أن نجد دليلاً قاطعاً يثبت وجود هذه الجماعة ولكن من المهم أن نلاحظ بأن تنظيم الدولة الإسلامية مازال التنظيم الأكثر تأثيرا وفعالية بين التنظيمات الإسلامية الجهادية النشطة في الشمال السوري. كما أن هذا التنظيم قام بإعادة الانتشار في محافظتي ادلب واللاذقية وتركهما وقام بحمايتهما عن طريق حفر مزيد من الخنادق في الجهة الشرقية. لم يكن ذلك دفاعا عسكريا للجماعة ولكنه بالأحرى اعادة انتشار مدروس, وذلك كما وضح لي أحد مقاتلي التنظيم قائلاً: "في حال كان هناك قوة تقف ضدي فإن من الواجب علي أن أتراجع وأن أحمي المؤخرة وربما أعود فيما بعد إلى حيث كنت".
يبدو أن هناك دليل بأن "الحرب الاقتصادية" قد برزت بين الثوار. فمن خلال بعض المحادثات مع عدد من المصادر التي أشارت الى أن الممارسات التي أصبحت مقبولة لدى بعض قيادات الثوار في شمالي البلاد تتمحور في السماح بمحاصرة المواقع العسكرية التابعة للنظام بشكل منعزل وذلك من أجل جلب الطعام والسماح أيضا للجنود بالدخول والخروج مقابل الدفع.
ونرى الصورة مشابهة في مدينة حلب فقد تحول امتلاك قادة الثوار لأنظمة أسلحة معينة بالإضافة الى عربات مدرعة الى مصدر للدخل, حيث يقوم هؤلاء الرجال بتأجير الأسلحة والمدرعات لجماعات مقاتلة أخرى مقابل المال. إنه لمن من المهم أن نؤكد على أن الجماعات التي يشتبه تورطها في هذا النشاط تعتبر غير مرتبطة سواء بالمقاتلين الإسلاميين أو الجماعات الجهادية. ولكنها بالأحرى موجودة ضمن التشكيلات المعتدلة.
"إن ميزان القوة والطريق المسدود بين طرفي الصراع في الأزمة السورية لا يُظهر أي اشارة تدل على أن الصراع سوف يتوقف في وقت قريب".
إن الثوار مازالوا مفككين وبشكل كبير على الأرض ولكن مع وجود بعض العناصر المرعبة بينهم ولا وجود لخطر التراجع الواضح.
إن الموقف يعتبر وبشكل مشابه موقفا مشوشا بالنسبة لمن يقدمون لهم الدعم دوليا. فكل من العربية السعودية وتركيا وقطر قد أخذت زمام المبادرة لتقديم الدعم للثوار في الجزء الأول من الثورة. وفي الوقت الحالي بقيت قطر نشطة في تقديم الدعم للعناصر ذات الوجهة الأكثر إسلامية وجهادية. بينما تتعاون المملكة العربية السعودية وبشكل مقرب جدا مع الولايات المتحدة لدعم الجماعات الأكثر اعتدالاً, وبالرغم من أن الولايات المتحدة أصدرت بيانا تصرح فيه بأنها أخذت على عاتقها تدريب ومساعدة الجماعات الثورية المختارة على أساس محدد, إلا أن هذا الأمر كان له انعكاس بسيط على ساحة المعركة.
مازالت الولايات المتحدة تشعر بالقلق المبرر حيال احتمالية وصول الأسلحة التي تقدمها الى أيدي الجهاديين المتطرفين. لقد أرسلت السعودية شحنة أسلحة كبيرة في بداية عام 2012 حيث تضمنت أسلحة قد شقت طريقها لتصل الى أيدي عناصر متطرفة. وكشفت لي مصادر مطلعة بأن بعض القطع التي أتت من عمليات شحن أصغر متعلقة بالصواريخ المضادة للدبابات تاو والتي تم ارسالها الى الثوار في الشمال وذلك في شهر أبريل من عام 2014م، قد وصلت في النهاية الى أيدي مقاتلي جبهة النصرة بالرغم من الاحتياطات المزعومة التي اتخذتها كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.
الأكراد
لقد ظهر كل من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب والتي تعرف بمليشيا YPG أو الأبوجية كقوة ثالثة في الصراع السوري. فهذا الحزب والذي يعتبر وكيل لحزب العمال الكردستاني في سوريا يسيطر حاليا على ثلاث مناطق متجاورة في الشمال السوري والتي أطلق عليها اسما جماعيا وهو روج آفا, أكبر هذه المناطق هي منطقة تمتد من الحدود السورية العراقية الى الغرب من مدينة رأس العين. والمنطقة الثانية تبلغ مساحتها 80 كيلومتر الى الغرب وتعتبر مقاطعة تحيط بمدينة كوبانه (عين العرب). أما المنطقة الثالثة هي مقاطعة تقع الى الغرب وتحيط بمدينة عفرين السورية.
وفي داخل هذه المناطق التي أنشاها الأكراد بعد انسحاب قوات النظام من جزء كبير من الشمال السوري في صيف عام 2012م، قد تم تأسيس سلطة حاكمة يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالإضافة الى تأسيس عدد من الأحزاب الحليفة. وبينما ظهرت بعض المزاعم التي تدعي وجود طغيان شديد تمارسه السلطات الموالية للأسد ضد جماعات كردية متصارعة إلا أن هذه المناطق تشكل أحد المناطق الأكثر سلاما وتمتع بحكم فعال في الشمال السوري اليوم. إن مليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والذي تقارب 50 ألف مقاتلٍ قويٍ قد ظهرت أيضا على أنها أحد القوى الأكثر فعالية.
يعتبر الأكراد أنفسهم على أنهم يتبعون مسارا منفصلا قياسا بالنظام والثوار, وهذا أدى الى وجود اتهامات وجهتها بعض القوى الثورية بتآمر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي مع النظام. بخلاف الحقيقة التي تُظهر وجود اشتباكات في مدينة حلب والقامشلي وأماكن أخرى بين قوات النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.
ويقول الأكراد من جانبهم بأنهم سوف يحمون المناطق التي يسيطرون عليها من جميع المهاجمين ولكنهم لا يتطلعون الى احتلال مناطق أخرى بالقوة. إن المقاطعات الكردية الشرقية والتي تقع في الوسط خاضعة لبطش تنظيم الدولة الإسلامية وذلك منذ أن جاور الأكراد وبشكل مباشر المناطق التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية, ولكن لم ينجح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في احتلال المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد.
إلى أين بعد؟
إن ميزان القوة والطريق المسدود بين طرفي الصراع في الأزمة السورية لا يظهر أي إشارة تدل على أن الصراع سوف يتوقف في أي وقت قريب. إن مكاسب النظام الأخيرة في غرب البلاد تعتبر مهمة ولكن فقط من ناحية كونها تؤكد عدم وجود تهديد مباشر على مستقبل النظام نفسه. فالأسد هذه الأيام ليس في وضع يمكنه من البدء بعملية استعادة احتلال المناطق التي تقع تحت سيطرة الثوار ولم يبدأ بعد هذه العملية.
لقد بدأت بعض عمليات التطبيع بشأن الحرب وخاصة في شمال البلاد. وقد تضمن هذا اتفاقات وقف اطلاق النار التي تم الاعلان عنها في عدد من الأماكن, ولكن هناك أيضا عدد قليل من الممارسات المعروفة تنشأ في بعض المناطق حيث أصبحت الحرب وسيلة لتحقيق القوة الشخصية والثراء.
وببساطة لم يعد هناك جانب الثوار وجانب النظام في هذه الحرب. فالنظام وبنفسه قد أصبح شبكة معقدة من القوى بعضها وبكل وضوح لا تخضع لسيطرة أو قيادة بشار الأسد.
وفي هذه الأثناء فإن المناطق التي لا تقع تحت سيطرة النظام نرى كيف تواجه اثنتين من أكبر القوى القوية بعضها البعض في الحرب وهما تنظيم الدولة الإسلامية والأكراد, حيث أن كل منهما بدوره يعتبر قوة معادية بالنسبة للإسلاميين السنة والذين يقاتلون الأسد أيضا. وربما يُنظر وبدرجة معينة إلى الجبهة الإسلامية وتنظيم الدولة الإسلامية والسلطة الكردية الحاكمة على أنهم غير ناضجين ويتنافسون على خلافة السلطة مع النظام في شمال البلاد الذي انفصل في شهر يوليو من عام 2012.
ونظرا للمأزق العسكري وغياب أي عملية دبلوماسية ذات معنى بعد مؤتمر جنيف الثاني الفاشل بالإضافة إلى الالتزام المستمر الذي تطلقه جهات متعددة فيما يتعلق بالنصر الخاص بهم, فإنه يمكن التنبؤ بأن الحرب في سوريا تبدو مستمرة في المستقبل. إنها مأساة وفاجعة بالنسبة للشعب السوري حيث قضى أكثر من 150 ألف شخص نحبه منهم. إن الحرب الأهلية السورية والتي تعتبر الكارثة العظمى التي تعصف بالشرق في هذا العصر مازالت بعيدة عن النهاية.
------------
تنبيه: جميع ما ورد في التقرير السابق يعبر عن رأي الكاتب .
--------------------------------------
*{م:البيان}
ــــــــ