المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطف المستوطنين


عبدالناصر محمود
06-18-2014, 06:31 AM
خطف المستوطنين يعزز مكانة حماس
ــــــــــــــــــ

(د. صالح النعامي)
ـــــــــ

20 / 8 / 1435 هــ
18 / 6 / 2014 م
ــــــــــ


http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/817062014055504.png

يمكن القول أن هستيريا حقيقية أصابت القيادات الصهيونية ونخب اليمين المتدين في تل أبيب في أعقاب اختفاء المستوطنين الثلاثة أواخر الأسبوع الماضي، سيما في ظل المعلومات الاستخبارية، التي يدعي رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أنها تؤكد أن اختفاءهم جاء نتاج قيام حركة حماس باختطافهم. إن أحد أهم أسباب الرد الصهيوني الهستيري يرجع بشكل أساس لأن عملية الاختطاف أثبتت للرأي العام الصهيوني على بؤس الرهان على خيار القوة العارية، الذي تمسك به في مواجهة الشعب الفلسطيني. إن مظاهر الرد الهستيري الصهيوني لا تتمثل فقط في عمليات الاعتقال الواسعة التي طالت قيادات الحركة في أرجاء الضفة الغربية، ووضع مخططات لإبعاد عدد منهم إلى قطاع غزة، فضلاً عن قرار باستئناف سياسة هدم منازل نشطاء الحركة، إلى جانب اتخاذ قرارات سرية تتعلق بـ "تجفيف منابع" الحركة بالتعاون مع السلطة الفلسطينية وعدد من الدول العربية، سيما تلك التي تشاطر الصهاينة نفس الموقف من الإسلاميين.
إخراج حماس من النظام السياسي الفلسطيني
لكن لا خلاف بين المعلقين السياسيين والعسكريين الصهاينة على أن أهم هدف يسعى نتنياهو لتوظيف عملية الخطف في تحقيقه يتمثل في توفير الظروف التي تضمن نزع الشرعية عن حق حركة حماس بلعب دور في النظام السياسي الفلسطيني في المستقبل، سيما بعد التوقيع على اتفاق المصالحة مع حركة فتح. إن الحملة الدعائية التي يشنها نتنياهو ضد السلطة الفلسطينية وتحميلها المسؤولية عن عملية الخطف، تهدف بشكل أساس إلى اقناع المجتمع الدولي بممارسة ضغوط على رئيس السلطة محمود عباس لثنيه عن تطبيق اتفاق المصالحة، وضمان عدم السماح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، التي نص عليها اتفاق المصالحة. فقد أبلغ قادة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية نتنياهو أن مشاركة حماس في الانتخابات القادمة، سيمنحها الحق في استئناف نشاطها العسكري والسياسي والاجتماعي في الضفة الغربية وسيقلص من قدرة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية على التصدي للحركة، كما هو عليه الحال الآن؛ مما سيفاقم من حجم الأعباء على الجيش والمؤسسة الأمنية الصهيونية. وقد حذر نتنياهو العالم من مغبة السماح بتطبيق اتفاق المصالحة بين حماس وفتح، حيث شدد على أنه لا يجوز السماح لعباس بالارتباط بمنظمة "إرهابية تمارس خطف المدنيين". ويصر نتنياهو على ترديد هذه المزاعم، على الرغم من أن جميع التقديرات العسكرية في تل أبيب تؤكد أن التخطيط والإعداد لعملية خطف المستوطنين تم منذ وقت طويل، ولا علاقة له باتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس.
لكن الحجة التي يستند إليها نتنياهو في محاولته شيطنة اتفاق المصالحة الفلسطينية، ستفقد صدقيتها وتماسكها في حال تبين أن الخلية التي خطفت المستوطنين محلية ولا علاقة لها بقيادة حماس في غزة أو الخارج. ومما يفقد الحملة الدعائية التي يشنها نتنياهو والهادفة لاقناع دول العالم بسحب اعترافها بالحكومة الفلسطينية الجديدة التي تشكلت في أعقاب المصالحة، حقيقة أن هذه الحكومة لا تضم أي ممثل عن حركة حماس، علاوة على أن عملية الخطف تمت في ذروة التوتر بين حماس والسلطة الفلسطينية، حيث اتهمت قيادات في حماس أجهزة السلطة الأمنية بتكثيف عمليات الاعتقال، تحديداً بعد تشكيل الحكومة الجديدة، إلى جانب شكوى الحركة بأن قياداتها ونوابها تعرضوا للاعتداء البدني والإهانة لدى تفريق مظاهرة نظمت لدعم إضراب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال قبل خمسة أيام من تنفيذ عملية الخطف. وفيما يتعلق بالإجراءات العسكرية التي يمكن أن يقدم عليها الكيان الصهيوني ضد حركة حماس، فأن فرص قيام تل أبيب بتوجيه ضربة عسكرية لحماس في قطاع غزة تبدو ضعيفة. فإلى جانب أنه لا يوجد ما يؤشر على علاقة قيادة حماس في القطاع بعملية الاختطاف، فأن توجيه ضربة عسكرية لحماس في غزة سيؤدي إلى إشعال الجبهة الجنوبية، في وقت غير مناسب للكيان الصهيوني. ويخشى صناع القرار في تل أبيب أن تقوم حماس بالرد على أي هجوم تتعرض له عبر إطلاق مئات الصواريخ على قلب الكيان الصهيوني، وهو ما لا يبدو أن هذا الكيان جاهز له حالياً. من هنا، فأن تل أبيب تتجه لتركيز عملياتها العسكرية ضد البنية التنظيمية والمؤسساتية لحركة حماس في الضفة الغربية.
تعميق التعاون الأمني مع سلطة عباس
ومن الواضح أن سلسلة الإجراءات الصهيونية ضد حماس، وحملة نتنياهو الدعائية ضد اتفاق المصالحة ستمس بمكانة أبو مازن. ونظراً لأنه لا توجد قضية تشغل اهتمام الرأي العام الفلسطيني أكثر من قضية الأسرى في سجون الاحتلال، ولما كانت عمليات الاختطاف تمثل-في نظر الجمهور الفلسطيني- وسيلة لتحرير الأسرى من سجون الاحتلال، فأن هذا الجمهور يبدي تضامناً مع أية جهة فلسطينية تنفذ مثل هذه العمليات، سيما في الوقت الذي تكشف فيه وسائل الإعلام الصهيونية المزيد من مظاهر التعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في كل ما يتعلق بالمحاولات الهادفة لحل لغز عملية الخطف.
فوسائل الإعلام الصهيونية تواصل التشديد على أهمية التعاون والتنسيق بين الجيش والمخابرات الصهيونية من جهة والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة. وقد كشف الإعلام الصهيوني أنه منذ الإعلان عن عملية الاختطاف عقدت عدة لقاءات بين ممثلي الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة وضباط في الجيش الصهيوني في مدينة الخليل، بناء على طلب الجانب الصهيوني، الذي كان معنياً بالحصول على معلومات محددة تتعلق بعملية الخطف. وحرصت وسائل الإعلام الصهيونية على التذكير بأن السلطة الفلسطينية قد أعادت خلال العامين الماضيين عشرات المستوطنين الذين ضلوا الطريق ودخلوا التجمعات السكانية الفلسطينية بالخطأ، مع التنويه إلى أن مصيراً آخر كان سينتظر هؤلاء المستوطنين لو أنهم ضلوا الطريق في قطاع غزة. والمفارقة أنه على الرغم من الانتقادات الشديدة التي يوجهها أقطاب حكومة اليمين الصهيونية للسلطة الفلسطينية، فأن مستويات أمنية وسياسية صهيونية تؤكد أن التعاون الذي تبديه السلطة الفلسطينية قد حسن البيئة الأمنية في المستوطنات بشكل أدى إلى زيادة عدد الصهاينة الذين يغادرون الكيان للإقامة في المستوطنات اليهودية في أرجاء الضفة الغربية. وحسب المعطيات الصادرة عن "مكتب الإحصاء المركزي" الصهيوني فأن عدد الوحدات الاستيطانية التي بنيت خلال 2013 بلغت ثلاثة أضعاف ما بني خلال عام 2012. وبسبب التحسن في البيئة الأمنية، فقد اتجه المزيد من الصهاينة لترك أماكن إقامتهم داخل الكيان لاستغلال المزايا التي تمنحها الحكومة الصهيونية للمستوطنين، والمتمثلة في الشروط الميسرة للحصول على سكن، والتسهيلات الضريبية والحرص على توفير فرص عمل، وقائمة أخرى من التسهيلات.
الدفع نحو حرب أهلية
وهناك ما يؤشر على أن صناع القرار في الكيان الصهيوني يحاولون توظيف عملية الاختطاف في الدفع نحو حرب أهلية فلسطينية. فقد شرعت الحكومة الصهيونية في حملة دعائية واسعة النطاق تهدف للضغط على عباس للتحرك لاستعادة سيطرته على قطاع غزة وتفكيك الذراع العسكري لحركة حماس "كتائب عز الدين القسام". وقد أجرى ممثلو الكيان الصهيوني اتصالات مع عشرات الدول في أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا تطالبها بالضغط على عباس لاستعادة سيطرته على قطاع غزة والهيمنة من جديد على الأجهزة الأمنية العاملة هناك. وقد أرسلت وزارة الخارجية الصهيونية برقيات سرية إلى السفارات والقنصليات الصهيونية في جميع أرجاء العالم تطالبها بالشروع في حملات دعائية بهدف بلورة إجماع دولي ضد إبقاء حركة حماس في القطاع، وذلك رداً على اعتراف معظم دول العالم بحكومة التكنوقراط التي شكلها عباس مؤخراً. وجاء في البرقية الموجهة للسفراء والقناصل الصهاينة: "يتوجب عليكم أن تتوجهوا لأرفع المستويات السياسية في البلد التي تعملون فيها وإبلاغها مطالبتنا أبو مازن أن يترجم أقواله كما وردت في إعلان الحكومة الجديدة، سيما قبول الحكومة بشروط الرباعية، إلى أفعال وأن يطبق سيطرته على قطاع غزة".وطلب من السفراء الصهاينة أن يشددوا أمام ممثلي الدول التي يعملون فيها أنه يتوجب على أبو مازن أن ينشر قواته على الخط الحدودي مع الكيان الصهيوني والمعابر الدولية، على اعتبار أن هذا الالتزام يمثل جوهر الاعتراف بشروط الرباعية، التي تتضمن "نبذ الإرهاب".
من الواضح، أن عملية الخطف قد عززت مكانة حركة حماس ودللت بشكل لا يقبل التأويل على أن قرارها بترك الحكومة كان صائباً، فقد استعادت الحركة صورتها المشرقة، على الرغم من الثمن الباهظ الذي تدفعه وستدفعه وتمت تعرية الأطراف الفلسطينية والعربية التي حاولت النيل من الحركة وتشويه صورتها.

----------------------------------------------