المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وصية طاهر بن الحسين


عبدالناصر محمود
06-18-2014, 07:10 AM
وصية طاهر بن الحسين إلى رئيس مصر
ــــــــــــــــــــ

(زين العابدين كامل)
ــــــــــ

20 / 8 / 1435 هــ
18 / 6 / 2014 م
ــــــــــ

https://encrypted-tbn3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcR9blHY0C-Wt2ziYlzCL7K7YVBSjb7JZkqfrJuamvrXqOn6SvSz7Lh8N-yL

ما أجمل أن نتدبر التاريخ ونتصفح صفحاته المشرقة؛لأن التاريخ هو مرآة الأمم، يعكس ماضيها، ويترجم حاضرها، وتستلهم من خلاله مستقبلها؛لذا كان من الأهمية بمكان الاهتمام به، والحفاظ عليه، ونقله إلىالأجيال نقلًا صحيحًا، بحيث يكون نبراسًا وهاديًا لهم في حاضرهم ومستقبلهم . فالشعوب التي لا تاريخ لها لا وجود لها فلن تستطيع الأمم والجماعات والكيانات والتيارات أن تتقدم فى حاضرها إلا بالرجوع إلى تاريخها وماضيها والتاريخ فيه عظات وعبر وأثناء تصفحى فى كتاب "الكامل فى التاريخ" لمؤلفه ابن الأثير رحمه الله تعالى وقفت على وصية بليغة ورسالة نفيسة تناطح الجبال فى الذوق والمعنى كتبها طاهر بن الحسين لابنه عبد الله عندما ولاه المأمون مصر سنة 206هجريا وهذة الرسالة تداولها الناس والكبراء في أيامها ، وقد اختصرتها لعدم الإطالة وهاك نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم،أما بعد:

فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته، ومزايلة سخطه، وحفظ رعيتك في الليل والنهار، فإن الله سبحانه وتعالى قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبَّ عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخالَ الراحة عليهم في معايشهم، ومؤاخِذُك بما فرَضَ عليك من ذلك، ومُوقِفُك عليه، ومُسائلُك عنه، ومثيبُك عليه بما قدَّمتَ وأخَّرتَ، ففرِّغ لذلك فهمَك، وعقلك، ونظرك، وليكن أول ما تُلزِمُ نفسَك، وتُنسَبُ إليه أفعالُك، المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قِبَلَك، فأتِ بها في مواقيتها على سننها في إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها، ورتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، ثم أتبِعْ ذلك بالأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه، ولزوم ما أنزل الله في كتابه، من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه ولا تميلَنَّ عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد.
وآثر الفقه وأهله، والدين وحمَلَته، وكتابَ الله عز وجل والعاملين به، فإن أفضل ما تزينَّ به المرءُ الفقه في دين الله، والطلب له، والحث عليه، وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيءٌ أبين نفعًا ولا أخص أمنًا ولا أجمع فضلًا من القَصْد، والقصد داعية إلى الرُشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة، ولا تقصِّر في طلب الآخرة، والأجر والأعمال الصالحة.

واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصِّن من الذنوب، وأنك لن تحوط لنفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأتِهِ واهتدِ به تَتِمُ أمورُك، وتَزْددْ مقدرتُك، وتصلُح خاصتُك وعامتك.

وأحسن الظن بالله تستقم لك رعيتُك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم النعمة عليك.ولا تتهِمنَّ أحدًا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره، فإن إيقاع التهم بالبُرآء والظنونَ السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم، ولا يـجِدَنَّ عدوُ الله الشيطانُ في أمرك مغمزًا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وَهْنِك، ويدخل عليك من الغم في سوء الظن بهم ما ينغص لذاذة عيشك.

ولتكن المباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها والنظر في حوائجهم، وحمل مؤوناتهم آثرَ عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة.

وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزيٌّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله عز وجل جعل الدين حرزًا وعزًا ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانِبَ البدعَ والشبهات يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك.وإذا عاهدت عهدًا فأوف به، وإذا وعدت خيرًا فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقصِ أهل النميمة، فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب، والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر.وأَحبَ أهلَ الصلاح والصدق، وأعنِ الأَشراف بالحق، وآسِ الضعفاء، وصِلِ الرحِم، وابتغِ بذلك وجه الله تعالى وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى.

واملُك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والـحِدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، واعلم أن الملك لله يؤتيه من يشاء وينزِعُه ممن يشاء، ولن تجد تغيَّرَ النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرعَ منه إلى حَـمَلة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا بنِعَم الله وإحسانه ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدَّخِرُ وتكنِزُ البرَّ والتقوى ، واستصلاح الرعية، وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدهمائهم، والإغاثة لملهوفهم.

واعلم أن الأموال إذا كُنِزت وادُخِرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم، وكف المؤونة عنهم، نَمَت وزَكَت، وصَلَحت بها العامة واعرف للشاكرين شكرهم، وأثبهم عليه وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يورث التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك لله عز وجل وفيه، ، فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك نعمته، وأظهر لديك فضله؛ فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيرًا وإحسانا، فإن الله يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين، وهو سبحانه قضى الحق فيما حمل من النعم وألبس من العافية والكرامة.ولا تحقِرنَّ ذنبًا، ولا تمالئن حاسدًا، ولا ترحمن فاجرًا، ولا تصِلَنَّ كفورًا، ولا تداهنن عدوًا، ولا تصدقن نمامًا، ولا تأمنن غدارًا، ولا توالين فاسقًا، ولا تتبعن غاويًا، ولا تحمدن مرائيًا، ولا تحقرن إنسانًا، ولا تردن سائلًا فقيرًا، ولا تحسِّننَّ باطلًا، ولا تلاحظن مضحكًا، ولا تُـخلِفنَّ وعدًا، ولا تزهونَّ فخرًا، ولا تظهِرنَّ غضبًا، ولا تأتين بذَخًا، ولا تمشين مَرَحًا، ولا تركبن سفهًا، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفعن الأيام عيانًا، ولا تُغمِضَنَّ عن ظالم رهبة منه أو محاباة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا.وأكثِرْ مشاورة الفقهاء، ولا تدخلن في مشورتك أهل الذمة والنِحَل، ولا تسمعن لهم قولًا، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم. وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خُلُقا، وارض به عملًا ومذهبا.

وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرَّ عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم، يذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم، فيقوى لك أمرهم، وتزيد قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصًا وانشراحًا، واعلم أن القضاء بالعدل من الله تعالى بالمكان الذي ليس فوقه شيء من الأمور، لأنه ميزان الله الذي تعتدل عليه أحوال الناس في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، واشتد في أمر الله ، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد عن الضجر والقلق، وانتبه في صمتك، واسدد في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشبهة، وأبلغ في الحجة، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة، ولا مجاملة، ولا لوم لائم، وتثبت وتأن، وراقب وانظر، وتدبر وتفكر واعتبر، وتواضع لربك، وارأف بجميع الرعية، وسلط الحق على نفسك، ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من الله بمكان عظيم، فلا تبغ انتهاكًا لها بغير حقها.

وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزًا ورفعةً، ولأهله توسعة ومنعة، ولعدوه وعدوهم كبتًا وغيظا، واحمل الناس كلهم على مُرِّ الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم وألزم لرضاء العامة. واعلم أنك جُعِلت بولايتك خازنًا وحافظًا وراعيًا، وإنما سُمي أهل عملك رعيتك، لأنك راعيهم وقيِّمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم في كُوَر عملك ذوي الرأي والتدبير، والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسِّع عليهم في الرزق.
وافرَغْ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، وأكثِرْ مباشرتَه بنفسك، فإن لغد أمورًا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت، واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين، فيشغلك ذلك حتى تفرغ منه، فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك.وانظر أحرار الناس وذوي الشرف والفضل منهم، ثم استيقن صفاء طويتهم، وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤونتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لـخِلتِهم مَسًا، وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقَر الذي لا علم له بطلب حقه، فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهلَ الصلاح من رعيتك، ومُرْهم برفع حوائجهم وخِلالِـهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم ، وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم وأراملهم، وأجعل لهم أرزاقًا من بيت المال وقَدِمْ حَمَلَة القرآن منهم والحافظينَ لأكثره في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤويهم، وقُوَّامًا يرفقون بهم، وأطباءً يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سَرَف في بيت المال، وأكثر الإذن للناس عليك، وابرِزْ لهم وجهَك، وسَكِّنْ لهم حواسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بِشرَكَ، ولِنْ لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، ، من غير تكدير ولا امتنان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة، إن شاء الله تعالى.واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسننه، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله عز وجل.واعرف ما يجمع عمالك من الأموال، وما ينفقون منها. ولا تجمع حرامًا، ولا تنفق إسرافًا.

وأكثر مجالسة العلماء، ومشاورتهم، وانظر عمالك الذين بحضرتك، وكُتَّابك، ثم فرِّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك، وفهمك وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقًا للحق والحزم فأمضه، واستخر الله فيه، وما كان مخالفًا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه؛ ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة، والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تصنعن المعروف إلا على ذلك. وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك، وأفضل رغبتك، ما كان لله عز وجل رضًا، ولدينه نظامًا، ولأهله عزًا وتمكينًا، وللذمة وللملة عدلًا وصلاحًا.

وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكِلاءتك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته، بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا وأوفرهم حظا وأسناهم ذكرا وأمرا، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك ووساوسه، حتى يستعلي أمرك بالعز والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب والسلام .
-----------------------------------------