المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : متى يعلنون وفاة الشرق الأوسط ؟


عبدالناصر محمود
06-20-2014, 06:37 AM
متى يعلنون وفاة الشرق الأوسط ؟*
ـــــــــــــــــ

22 / 8 / 1435 هــ
20 / 6 / 2014 م
ـــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_Middle-East1020.jpg


أكثر بؤر العالم اشتعالا واضطرابا بلا منازع ، وأكثرها تسارعا وتوترا وتلاحقا وفجائية في أحداثه ، إنه الشرق الأوسط الذي دأبت أمريكا على العبث بحدوده وأطره ، وتفكيكه وتجميعه وبعثرته ، حسب ما تقتضي مصالحها وشرائط هيمنتها ومصالح ربيبتها وصنيعتها ؛ إسرائيل .فجعلته يوما كبيرا ، فضمت له باكستان وتركيا وإيران ، وأرادته يوما صغيرا ، فخلعت منه إيران وموريتانيا وتشاد ومالي ، ويوما أرادته منقسما حسب أهوائها ، فجعلت شطرا منه معتدلا ، وشطرا منه مارقا ، ويوما أرادته أحلافا وجماعات وظيفية ، فجعلت منه حلفا للاعتدال ، وآخر للممانعة ، وكل ذلك خدمة لأغراضها ومحاربة لمن تراه الخطر الحقيقي الوحيد الذي يهدد وجودها وهو الإسلام . واليوم تصل أمريكا لآخر حلقة من حلقات العبث بالشرق الأوسط والمنطقة ، حيث بدأت مرحلة انفجار الشرق الأوسط وتفكيكه على أسس طائفية مخيفة ، وذلك بتدشين حربها المقدسة الجديدة على المسلمين السنّة في المنطقة وذلك عبر شراكة خبيثة مع الروافض في المنطقة ، والتحالف مع إيران الصفوية المجوسية .
فبعد عقود من الصراع الظاهري ، والتعاون الباطني ، أعلنت الولايات المتحدة رسميا أنها «منفتحة على التعاون» مع إيران بشأن العراق. وأشار مسئول أمريكي إلى أن حوارا بين الطرفين قد يبدأ بالفعل على هامش المفاوضات النووية المنعقدة حاليا في فيينا. وكأن الطرفان قررا أن يتحركا بسرعة لمواكبة التطورات والتعقيدات المتلاحقة على الأرض في العراق منذ سقوط مدينة الموصل في أيدي المجاهدين والعشائر السنية في 10 يونيه . وهو ما كان له أثر دولي كبير خاصة عند الأمريكان ، فقد حذر مايكل ماكويل رئيس لجنة الأمن الداخلي الأمريكي من أن الجماعات الجهادية المتطرفة في العراق تشكل أكبر تهديد للأمن القومي للولايات المتحدة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر.وكشف ماكويل أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام يملك أكثر من بليون دولار أمريكي ومجموعة نفيسة من الأسلحة الجديدة التي حصل عليها بعد هروب أكثر من 30 ألف جندي عراقي من الموصل ثاني اكبر مدينة عراقية. وأوضح أنه تحدث مع السفير الأمريكي السابق في العراق رايان كروكر الذي أكد له بان تنظيم القاعدة في العراق الآن يمثل أكبر تهديد للأمن القومي الأمريكي مضيفا أن التنظيم سيطر على المزيد من الأراضي والكثير من الموارد. وأن أمريكا منفتحة اليوم أكثر من أي وقت مضى للتعاون مع إيران بخصوص هذا التهديد السني في المنطقة ، خاصة وأن انتشار المد الثوري السني بهذا الوجه الجهادي سيهدد الكيان الصهيوني نفسه ويفتح المجال أمام ظهور جماعات جديدة تنبني نفس المنهج والسبيل في التعامل مع قضايا المنطقة . وهذا ما أكده تقرير نشره موقع "ديبكا"، الاستخباري الإسرائيلي، إن التعاون العسكري بين أمريكا وإيران في العراق تزامن مع حرب إسرائيل، حليفة واشنطن، ضد حماس حليفة طهران ، وأفاد التقرير أن الولايات المتحدة وإيران اتخذتا الخطوات الأولى للتعاون العسكري في العراق في 16 يونيو الماضي في الوقت نفسه الذي أعلنت فيه إسرائيل الحرب على حليف طهران حماس الفلسطينية، في أعقاب اجتياح فاشل لمدة أربعة أيام في منطقة الخليل بالضفة الغربية ردا على عملية خطف ثلاثة مراهقين إسرائيليين يوم 12 يونيو، واعتقال المئات من ناشطي حماس، وقال قادة إسرائيل إنها مجرد البداية . وتفيد مصادر أمريكية وبريطانية، وفقا لتقرير "ديبكا"، أن واشنطن وطهران يجريان محادثات فعلية بشأن دور كل منهما، وثمة اقتراح بأن تقوم الولايات المتحدة بتوفير غطاء جوي للقوات البرية الإيرانية ودعمها بغارات جوية ضد قوى الثورة المسلحة . وهذا الكلام يعني أننا إزاء حالة حرب جديدة في المنطقة تحت القيادة المشتركة لأمريكا وإسرائيل وإيران ، وهم الأعداء الحقيقيين للأمة والعالم الإسلامي .
انتهاء زمان الممانعة والاعتدال ، وبداية زمان الحرب الطائفية الكونية على أهل السنّة ، هذا هو ملخص السياسة الأمريكية منذ قرابة العام تقريبا ، بعدما وصلت أمريكا إلى قناعة مفادها أن إيران هي الطرف الأهم والأقوى والأكثر تأثيرا في المعادلة الإقليمية ، في حين أن زعماء ممالك النفط والرمال مشاكلهم عسيرة وخلافاتهم مريرة ومطالبهم كثيرة ، وأن أموال أمريكا الطائلة التي أنفقتها على اصطناع عملاء وكيانات وزعامات وأنظمة موالية لها قد ضاعت هباء منثورا وهي ترى رجال داعش وهي تستولي على الدولارات الأمريكية والمعدات والأسلحة الحديثة من جيش المالكي الذي أنفق الأمريكان على تجهيزه 25 مليار دولار ، صارت معظمها غنيمة باردة لأسود العراق في سويعات قلائل . ومع وقع انتصارات قوى الثورة العراقية المذهلة ، يبدو أن الأفكار نضبت في رؤوس مسئولي أوباما، وعدد كبير منهم سبق أن عمل في إدارة كلينتون وواجه المعضلة نفسها: "كيف تتعامل أمريكا مع الإرهاب العالمي ومع الدول الفاشلة التي تحضنه ، في ظل وجود شركاء لا يمكن الوثوق بهم أو الاعتماد عليهم ؟ " .ويبدو أن التعاون مع إيران كان الحل *****ي لأزمات الإدارة الأمريكية في العراق والمنطقة كلها .
هذه الشراكة الإستراتيجية والعسكرية الجديدة بين أمريكا وإيران وإسرائيل تفرض واقعا شديد القتامة على المنطقة عموما وعلى ممالك الرمال في الخليج خصوصا ، التي ستجد نفسها متورطة في أتون حرب ستخسرها لا محالة ، وبغض النظر عن نتائجها فممالك الرمال في الخليج ستكون كبرى ضحايا هذه الحرب . فدخول واشنطن الحرب هذه المرة متحالفة مع طهران سيولد شعورا عدائيا إقليميا بين أهل السنّة الذين يشكلون الأغلبية ـ حوالي 90% من إجمالي السكان ـ ، وخاصة في الدول التي تعد من «حلفائها الأساسيين» مصر والسعودية ودول خليجية أخرى. وسيكون على تلك الدول أن تحسم خياراتها بسرعة ، وأن توازن وهي تحدد موقفها، بين الأخطار التي يمثلها تقدم داعش والحراك الثوري الجديد في مرحلة ما بعد الانقلابات ، على أمنها القومي، والأضرار الإستراتيجية المترتبة على انضمامها إلى الحملة الأمريكية التي تتزعمها إيران عمليا، ويمثل هذا الخيار الصعب تحديا إضافيا للطرفين خاصة أن بعض دول الخليج مازالت تعاني من تبعات «صدمة» الاتفاق الأمريكي الإيراني في جنيف قبل شهور. وسواء انتصرت أمريكا وحلفاؤها أم انتصرت قوى الثورة السنية فإن عروش الاستبداد المتكلسة والتي حفرت بيدها قبرها يوم أن تآمرت على ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا وسوريا ستكون أكبر ضحايا هذا الصراع الطائفي.
فأمريكا تسعى منذ الثمانينيات في إعادة تشكيل الشرق الأوسط بصورة تنهي بها للأبد وجود أي معارضات لسياساتها وإستراتيجيتها ، كما تنهي به حالة الاعتماد الكامل للكيان الصهيوني على الأمريكان بعد أن يصبح هذا الكيان هو الأقوى والأكثر استقرارا في المنطقة وبينه وبين دول المنطقة كلها علاقات كاملة ووثيقة . أي أن أمريكا تسعى لإلغاء سايكس بيكو القديمة وتعيد رسم حدود جديدة في دول المنطقة على أسس طائفية وعرقية محضة ، ففي عام 1980م والحرب العراقية الإيرانية مستعرة صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي "بريجنسكي" بقوله: "إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن '1980م' هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم علي هامش الخليجية الأولي التي حدثت بين العراق وإيران تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو القديمة . وهو ما ظهر جليا في إشعال حرب ثانية ثم ثالثة والرابعة على الأبواب للوصول في نهاية المطاف إلى تمزيق الشرق الأوسط القديم ، وانهيار الدولة العربية القومية ، وظهور الجيل الجديد من الكيانات والصراعات ، وهي الكيانات والصراعات الطائفية والتي تعتبر الأشد والأخطر والأكثر اشتعالا وتوترا . فلم يعد في الحقيقة أمام هذه الممالك وقت طويل حتى تنهار عروشها وتباد أسرها الحاكمة ، وتكون في ذمة التاريخ بعد إعلان أمريكا فعليا عن وفاة الشرق الأوسط القديم ، وانتهاء صلاحية كل هذه الأنظمة والممالك الفاشلة والفاسدة ، ويا له من مصير أليم ولكنه مصير استحقته بجدارة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{مفكرة الإسلام}
ـــــــــــ