المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مصطلح "الأصولية" بين الإسلام والغرب


عبدالناصر محمود
06-23-2014, 10:18 AM
مصطلح "الأصولية" بين الإسلام والغرب*
ــــــــــــــــــــ

25 / 8 / 1435 هـ
23 / 6 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6308.jpg

يقول العلامة بكر أبو زيد،، في كتابه النافع "معجم المناهي اللفظية": (في أعقاب اليقظة الإسلامية في عصرنا، وعودة الناس إلى الأخذ بأسباب التقوى والإيمان، والتخلص من أسباب الفسوق والعصيان، ابتدر أعداء الملة الإسلامية هذه العودة الإيمانية، فأخذوا يحاصرونها ويجهزون عليها بمجموعة من ضروب الحصار، والتشويه، وتخويف الحكومات منهم ومن نفوذهم، وفي قالب آخر تحسين المذاهب المعادية للإسلام، وعرضها بأحسن صورة- زعموا، وكان من هذه الكبكبة الفاجرة في الإجهاز على العودة الراشدة إلى الإسلام صافيًا: ***ُ مجموعة من المصطلحات المولودة في أرض الكفر، تحمل مفاهيم سيئة إلى حد بعيد، وكان منها هذا اللقب "الأُصولية"، النسبة إليها: "أُصولي") (1).

فما المراد بمصطلحي الأصولية، ومن أين خرج، وكيف استخدمه الغرب في حربه ضد الإسلام؟

- "الأصولية" في الاصطلاح الإسلامي العربي:

- لا نجد في معاجمنا القديمة، لغوية كانت أو كشافات للمصطلحات – ذكرا لهذه النسبة- "الأصولية" وإنما نجد الجذر اللغوي– "الأصل".

- ولقد تبلورت في الحضارة الإسلامية علوم "أصول الدين"؛ وهي "التوحيد" و"أصول الفقه"، و"أصول الحديث".

- وهكذا يخلو تراث الإسلام وحضارته وتخلو معاجم العربية وقواميسها من مصطلح "الأصولية"، ومن المضامين التي عرفها الغرب لهذا المصطلح.

- وحتى في فكرنا الإسلامي المعاصر، الذي استخدم بعض علمائه مصطلح "الأصولية " في مباحث علم أصول الفقه- وجدناه يعني: "القواعد الأصولية التشريعية التي استمدها علماء أصول الفقه من النصوص التي قررت مبادئ تشريعية عامة وأصولاً تشريعية كلية"(2).

- نشأة مصطلح الأصولية في الغرب:

- مصطلح "الأصولية" ليس وليدَ العربية الإسلامية، ولا هو شرعي لها؛ إنما ظهر أولاً في الغرب، وفي لغته، ثم نقل إلى لغتنا العربية، حاملاً معه تجرِبةَ الغرب، وهمومَه، وملابساته.

- أول ما ظهر هذا المصطلح كان في معجم "لاروس الصغير" 1966م، وكان معناه عامًّا غير محدد ولا دقيق، وكان يُرمز به إلى: "مواقفَ عامةٍ لمجموعة الكاثوليك الذين دأبوا على التَّمَسُّك بالماضي، ورفْضِ كل جديد".

- بعد ذلك بثلاث سنوات ظهرت الكلمةُ في معجم "لاروس الجيب" سنة 1969، يقصد بها الكاثوليك وحدهم.

- في سنة 1984م ظهر "المعجم الكبير" وعرف المصطلح بأنه "موقف الجمود والتصلب، والمعارضة والرفض لكل جديد ولكل تطور".

- وفي عصر الحداثة شهد المصطلح تطورًا كبيرًا، حيث أريد به "المذهب المحافظ والمتصلب في موضوع المعتقد السياسي".

- ثم أطلق على فرقة من البروتستانت تؤمن بالعصمة الحرفية لكل كلمة وردتْ في الكتاب المقدس.

- كما كان للأصولية اليهودية حضور هي الأخرى، وربما نجد البدايةَ الأولى للممارسات العملية للفكر الأصولي في موقف اليهود من نصوص التوراة، ومحاولة جذب البروتستانت إلى الأصول التوراتية، للإيمان بها، والاعتقاد فيها، خاصة ما جاء في هذه النصوص من نبوءات تبشِّر بميلاد إسرائيل، واستعادة أرض الميعاد، ثم عودة المسيح ثانية ليحكم العالم من مسقط رأسه بأرض أورشليم القدس، ولقد نجحت الأصولية الصهيونية في إقناع الأصولية النصرانية بهذه النبوءة الخرافية، وأصبح البروتستانت- خاصة في أمريكا- على قناعة تامة بذلك(3).

- الأصولية بين الإسلام والغرب:

إن مصطلح أصولي بالمعنى المعجمي يعني العودة إلى الأصول الأولى للإسلام، وهي الكتاب والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة، سواء تعلَّق ذلك بأصول الدين ومسائل الاعتقاد، أم تعلق بالأحكام الشرعية ومسائل الفروع، وعليه فليس في هذه النسبة- من الناحية الشرعية أو اللغوية- ما يُذم به، ولا ما يعاب؛ بل هي من صفات المدح التي يوصف بها علماء الأصول الحاذقين، لكنها للأسف الشديد نُقلت إلى اللغة العربية، لتُسْتعملَ في مجال الذمِّ والتنفير- نظرًا لما تحمله من معانٍ لازَمَتْها في الغرب، يرفضها الإسلام جملة وتفصيلاً(4).

وعلى حين تنسحب الأصولية بمعناها الغربي، إلى الماضي مخاصمة الحاضر والمستقبل، نجد الصحوة الإسلامية المعاصرة تتخذ من العلاقة بالماضي، ومن النظر إليه، ومن علاقته بالمستقبل موقفاً مختلفاً، فهي تريد بعث الماضي، لا على النحو الذي تفعله التيارات الجامدة والمحافظة، وإنما بعثاً ينظر إلى هذا الماضي؛ ليتخذ منه هداية للمستقبل، الأمر الذي يجعل أهل هذه الصحوة ثواراً وليسوا محافظين جامدين!(5).

يقول الدكتور محمد عمارة في التفريق بين أصولية الغرب وما يسمونه أصولية إسلامية: "إن عدداً كبيراً من المستشرقين المعاصرين- وخاصة الخبراء منهم في الفكر الإسلامي- والأكثر التزامًا بمعايير الفكر الإسلامي، والأكثر التزامًا بمعايير "الفكر" المتميز عن "لغة الإعلام" يرفضون صراحة إطلاق مصطلح "الأصولية على ظاهرة الإحياء الإسلامي واليقظة الإسلامية الحديثة والمعاصرة، وبلسان هؤلاء يقول المستشرقين الفرنسي الأشهر "جاك بيرك": أنا أرفض تعبير الأصولية لأنه آتٍ من النزاعات داخل الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية"(6).

- استغلال الغرب لمصطلح الأصولية:

يقول العلامة عبد العزبز بن باز- رحمه الله- منبهاً على مسلك الغربيين من مصطلح الأصولية: "إن كثيرًا من وكالات الأنباء العالمية، التي تخدم مخططات أعداء الإسلام، وتخضع لمراكز التوجيه النصراني والماسوني تخطط بأسلوب ماكر، لإثارة العالم كله ضد ما يسمونه (الأصوليين)، وهم يقصدون بذلك الذم والقدح في المسلمين، المتمسكين بالإسلام على أصوله الصحيحة، الذين يرفضون مسايرة الأهواء والتقارب بين الثقافات والأديان الباطلة، وقد وقع بعض الإعلاميين المسلمين في مصيدة الأعداء، وأخذوا ينقلون تلك الأخبار المعادية للإسلام، وأصبحوا يتداولونها عن جهل بمقاصد أصحابها، أو غرض في نفوس بعضهم"(7).

ومن الأساليب الماكرة التي سعى الغرب في استغلالها أيضًا- بعد محاولتهم الربط بين الإسلام والأصولية، أو بين تيارات الإسلام (الدعوية والسياسية)، وبين مصطلح الأصولية- السعي إلى الربط بين مصطلح الأصولية ومصطلح الإرهاب، حيث "يحاول الغرب وبخاصة الأمريكان من خلال مصطلح التطرف الربط بين مصطلحي الأصولية والإرهاب، وعليه فهو يحاول استخدام الإرهاب في القضاء على من وصفهم بالأصوليين، وذلك عبر مجموعة من التدابير والإجراءات عرفت عالميا بالحرب على الإرهاب"(8).

وكان للمتمذهبين بمذهب الإمام أحمد نصيب الأسد من الهجمة الغربية، أو السلفيين وحركات الصحوة الإسلامية بوجه عام، حيث حاول تقرير الحرية الدينية الأمريكي لعام 2006م التضييق على مذهب الإمام أحمد، داعيا أتباعه إلى التسامح، ملوحًا بأن الدول التي تتبع هذا المذهب ينتشر بها عدم التسامح والعقيدة المتطرفة، وعليه فإنها يجب أن توقف المطبوعات التي ترى الولايات المتحدة الأمريكية أنها لا تدعو إلى التسامح بمنظوره الغربي(9).

مما سبق يمكننا القول: إن الإشكالية الرئيسية فيما يتعلق بـ "الأصولية الإسلامية" إنما تكمن في أنها مصطلح يختزن تجارب ورموزًا وإيحاءات لا علاقة لها بنا، بل مرتبطة بالتاريخ الأوروبي وبثقافة مسيحية نصية، تلتزم النصوص حرفيًا وتعكس أحيانا التوسط بالعنف لتحقيق أهدافها.

فكلمة أصولية هي ترجمة رديئة لكلمة Fundamentalism التي تعني في المعاجم: مذهب العصمة الفردية وذلك نسبة إلى حركة بروتستانتية! ووفقا لهذا الطرح، نحن أمام مصطلح غربي يحمل إيحاءات مسيحية غربية، وبالتالي فعندما يطلق الغربي على المسلم صفة الأصولية؛ فإنه لا يترك أدنى مساحة تذكر لأي إيحاء إيجابي، وفي ذلك نفي ورفض للتعددية(10).

ـــــــــــــ

الهوامش:

(1) معجم المناهي اللفظية- الشيخ. بكر أبو زيد- ص (102).

(2) ينظر: معركة المصطلحات بين الإسلام والغرب- د. محمد عمارة- ص (44-45)- بتصرف.

(3) ينظر: بين الأصولية والتطرف- د. محمد السيد الجليند- موقع الألوكة- بتصرف.

(4) المرجع السابق- موقع الألوكة- بتصرف.

(5) ينظر: معركة المصطلحات بين الإسلام والغرب- د. محمد عمارة- ص (48)- بتصرف.

(6) المرجع السابق- ص (48-49).

(7) الرابطة الإسلامية هي أعظم الوسائل التي تربط بين المسلمين- موقع الشيخ ابن باز- إملاءات الشيخ.

(8) المصطلحات الوافدة وأثرها على الهوية الإسلامية- الهيثم زعفان- ص (141).

(9) ينظر المرجع السابق- ص (140).

(10) مقاربات أولية حول مفهوم الأصولية- محمد حلمي عبد الوهاب- جريدة الشرق الأوسط الدولية- الثلاثـاء، 30 جمـادى الأولى 1432هـ، 3 مايو 2011م، العدد 11844.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ