المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرجولة في القرآن الكريم


عبدالناصر محمود
06-26-2014, 08:30 AM
الرجولة في القرآن الكريم*
ــــــــــــ

28 / 8 / 1435 هــ
26 / 6 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3428.jpg


الرجولة في القرآن الكريم (دراسة موضوعية)

بحث نشرته مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية)

د.عصام العبد زهد

قسم التفسير وعلوم القرآن - كلية أصول الدين – الجامعة الإسلامية غزة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الأمة الإسلامية لا تحتاج فقط إلي الثروات والمعادن والمال والسلاح، لترتقي بين الأمم والشعوب، لكنها تحتاج قبل ذلك إلي الرجال أصحاب العقول المفكرة والقلوب الكبيرة والعزائم القوية، والهمم العالية ليحملوا علي عاتقهم النهوض بالمجتمع المسلم نحو العزة والكرامة وتحرير الأرض والمقدسات.

إن رجل العقيدة الذي تربي علي مائدة القرآن الكريم هو الجندي وهو عماد الأمة وروح النهضة والتقدم ومحور الإصلاح والتغيير في المعادلة الصعبة التي تواجهنا اليوم في زمن عز فيه الرجال.

لذلك كان هذا البحث ليحاول الباحث فيه الإجابة عن هذا السؤال الأكثر أهمية وخطورة وهو: ما مواصفات الرجل الذي نريد؟ وأين نجده؟

ولا شك فان المحل الذي نتيقن جميعا أن فيه إجابة اسئلتنا هو كتاب الله الكريم, فتناول الباحث معالم الرجولة في ضوء القرآن الكريم التي جلت آياته مواصفات وخصائص الرجولة الحقيقة والتي تكونت من آثار تربيتها أجيال من الرجال الذين حملوا عبئ النهوض بالأمة والسير نحو التقدم والتحرر وعودة العزة والكرامة والشرف والمقدسات, فعلي أكتاف مثل هؤلاء الرجال تقوم الحضارات, فهم الوقود المتدفق بالعمل الدءوب والإخلاص المطلق.

ولقد وردت في كتاب الله الكريم آيات كريمات تتحدث عن مواصفات الرجال وطبيعة أعمالهم وصورتها الآيات الحكيمة أعظم واشمل تصوير, ونطقت بها الحروف الكريمة, فجعل الباحث بحثه في تمهيد وثلاث مباحث وخاتمة:

وعرض الباحث في التمهيد تأملات إحصائية في القرآن الكريم, فذكر أن لفظة الرجولة بمشتقاتها ذكرت في سبعة وخمسين موضعاً بألفاظ متعددة حيث ذكر الرجل والرجلين والرجال وأراد بها النوع وتارة أراد بها الصفة وأخري أراد بها النوع والصفة معا.

وذكر الباحث ورود لفظة رجل في القرآن المدني والمكي معا، ولكنه ورد في القرآن المكي أكثر من القرآن المدني؛ لأن القرآن المكي يعالج قضايا العقيدة ن وتصحيح تصورات الناس في المجتمع المكي، أما القرآن المدني فهو يخاطب المجتمع المدني المؤمن أهله بتعاليم القرآن الكريم، فهم رجال العقيدة والإيمان.

وعرض الباحث معني الرجولة لغة واصطلاحا، ففي اللغة معناها تخص الذكر من الناس إذا احتلم ووصل إلي سن البلوغ، واصطلاحا كما عرفه بعض العلماء الرجل الذي أخضع ذاته ونفسه لمنهج الله وسلوكاً.

الرجولة التي نريد:

ولقد أوضح الحق تبارك وتعالي معني الرجولة التي نريد في قوله تعالي: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً" الاحزاب:23.

ولقد تجلت الرجولة في كامل صورها المشرقة في أنبياء الله عليهم السلام من لدن آدم إلي محمد صلى الله عليه وسلم ليكونوا منارات يقتدي بهم إلي يوم الدين حيث ظهرت في عفة يوسف –عليه السلام– في مواجهته امرأة العزيز، وقوة موسي –عليه السلام– ومروءته في موافقة مع شعيب وزواجه من إحدى ابنتيه، وعندما وقف أمام طغيان فرعون، يصدع بالحق، وفي تواضع سليمان في خطابه للنملة والهدهد، كما تتجلي الرجولة في تعلم العلم وتعليمه حيث تحدث القرآن الكريم عن علم ذي القرنين قال تعالي: "إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا * فأتبع سببا" الكهف:84.

وتعني الرجولة بالنطق بالحكمة والبعد عن سفاسف الأمور حيث ذكر القرآن الكريم حكمة لقمان –عليه السلام- "ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد" لقمان:12.

ويعرج الباحث إلي صفات الرجولة في القرآن الكريم، والتي لها صفات كثيرة أخصها أن تكون صاحب رأي سديد وأن تعيش نفسك لا من نفس غيرك، وأن تستقل بشخصيتك فيما تفكر وتحكم وتقدر، وهذه هي الشخصية المستقلة، والرجولة الحقة هي التي تنشأ عند الرجال علي مائدة القرآن الكريم، ورجل العقيدة يكون مؤمن بنفسه ومؤمن بنصر الله ، قال تعالى: "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين" الروم:47.

ويتصف رجال الإيمان والعقيدة بصفات كثيرة منها التالي:

المطلب الأول: الإخلاص في العبادات:

يتضح من التأمل في آيات القرآن الكريم أن العبادة ليست فقط إقامة الشعائر التعبدية، فإقامة تلك الشعائر جزء بسيط من مفهوم العبادة العام، والعبادة تعني اتباع ما أنزل الله علي رسوله صلى الله عليه وسلم, قال تعالي: "وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ" الزمر:55.

وينبغي علي رجل العقيدة والإيمان أن يتصف بصفات الرجولة الحقة وهي كالتالي كما جاءت في آيات القران الحكيم:

أولاً: الذكر الدائم لله.

ثانياً: يحبون الطهارة.

ثالثاً: قلوبهم معلقة بالمساجد.

رابعاً: الخشية من الله.

خامساً: إقامة الصلاة.

سادساً: إيتاء الزكاة.

ويتناول الباحث المطلب الثاني: الإخلاص في المعاملات:

أولاً: السماحة في البيع والشراء.

ثانياً: الوفاء بالعهد والميثاق.

ثالثاً: التعامل الأسري.

رابعاً: الأمانة في التعامل.

ويتناول المبحث الثاني وفيه مقومات الرجولة وعوامل ضياعها

المطلب الأول: مقومات الرجولة:

ولتحقيق معني الرجولة ينبغي أن تتوفر في الرجل المقومات التالية:

أولاً: الإرادة القوية.

ثانياُ: الهمة العالية.

ثالثاُ: النخوة والعزة والإباء.

رابعاً: الإخلاص في القول والعمل.

خامساً: التضحية والفداء.

سادساً: الثبات وقت المحن.

يعرض الباحث المطلب الثاني : عوامل ضياع الرجولة:

يوجد عدة عوامل تؤدي إلي ضياع الرجولة ونزعها من جذور قلوب الناس ويتمثل أهمها في انقلاب المقاييس عند الناس كتخوين الأمين وتكذيب الصادق والظن بالأبرياء والنظر إلي المجاهدين بأنهم مخربون إرهابيون وذلك لأنهم يدافعون عن حقوقهم ومقدساتهم، بينما اليوم الإرهابي والمحتل قاتل الأطفال والنساء ينظرون إلية علي أنة المظلوم، إننا في عالم يسوده الظلم، وذلك لأن الجلاد أصبح الضحية، والضحية هي الجلاد وذلك لضياع الرجولة وعوامل ضياعها يتمثل في التالي:

أولاً: الكفر بالله.

ثانياً: الاستعانة بغير الله.

ثالثاً: قطع السبيل: وذلك بالاعتداء علي الحرمات.

رابعاً: إتيان المنكرات: مثلما كان يفعل قوم لوط، قال تعالي: "إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون" الاعراف:81.

خامساً: انقلاب الموازين في مجال الرجولة: كأن تصبح القوامة في البيت للمرأة بدلاً من الرجل.

سادساً: إذا أصبح الكذب رجولة.

سابعاً: عدم الغيرة علي الآهل.

يعرض المبحث الثالث وهو عن رجولة الأنبياء

يتضح أن الله-عز وجل- ما أرسل لبني آدم إلا رسلاً من البشر وهو رجال يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويتزوجون النساء ، قال تعالي: "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةًْ" الفرقان:20.

المطلب الأول: الرسل أكمل الرجال:

والرجولة في القرآن الكريم هي وصف آخر يزيد علي مجرد الذكورة، فبدأ سبحانه بأنبيائه في هذا الوصف فقال تعالي: "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً" الانبياء:7, فالله سبحانه أرسل رجالاً مواقفهم الرجولية واضحة في مواجهة الفساد والكفر والطغيان والانحراف والجور والظلم وكل من يخالف شرع الله الذي أنزله لإعمار الكون.

المطلب الثاني: الأنبياء رجال مصطفون:

وهؤلاء الرسل هم المصطفون من بين الناس، قال تعالي: "وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ" ص: 47-48.

المطلب الثالث: إقرار الكفار برجولة الأنبياء:

ويتضح حال المشركين مع الرسل الكرام ، فالكل يصف الأنبياء بالرجولة وكمال الصفات ، ولكن سرعان ما يتراجعون عن ذلك بالطعن والافتراء والاتهام بالباطل والزور ليبرروا الكفر والجحود والعناد.

وفي الخاتمة يعرض الباحث ملخص لموضع البحث هذا، حيث يدعو إلي تجديد العزم نحو نظرة البشر إلي الرجولة، فهي تكمن في التزام أوامر الله تعالي والابتعاد عما حرمه الله، والرجولة تعني الاعتزار بالهوية الإسلامية وبناء الشخصية المسلمة المتصفة باحترام الآخرين والسعي في مصالحهم وكظم الغيظ وكف الأذى عنهم وغض البصر عن عوراتهم، والانتصار علي هوي النفس ومحاربة الفساد وإغلاق طرق الشيطان.

وليست الرجولة كما استقر في أذهان البعض من امتلاك سيارات وعمارات وقصور وغيرها من ترف الدنيا التي يلهث الكثير ورائها، وإنما الرجولة هي التي ذكرها الله –عز وجل– في مواطن كثيرة في القرآن الكريم.

ومن أهم النتائج التي توصلنا لها في خلال هذا البحث في ضوء ما يعرضه الباحث كالتالي:

1 – لقد حدد القرآن الكريم خصائص الرجولة في العديد من الآيات.

2 – الرجولة وصف يتعلق بالروح والنفس والقيم العليا ، وليست بسطة المال والجسم.

3 – حرص الإسلام علي إيجاد الرجال الصالحين ، لأنهم حماة المجد والعزة والشرف للأمة.

جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ