المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقييم الواقع في ضوء المستقبل سياحة وصفية في فنيات رواية عندما يطغى النساء


مهند
01-09-2012, 06:19 PM
تقييم الواقع في ضوء المستقبل .. سياحة وصفية في فنيات رواية "عندما يطغى النساء" للأديب عبد الحميد ضحا
(1) الموضوع
المرأة موضوع فني ثر تناولته الفنون كافة من مختلف الزوايا، ولم يقتصر الأمر على الفنون بل امتد الأمر إلى السياسة التي صارت توظف المرأة توظيفا سياسيا يخدم مصالح الدول القوية في الدول الضعيفة المستهدفة فأنشئت الاتحادات النسائية المحلية التي تتبع الاتحادات العالمية وتخضع لها والجمعيات العالمية ذات الفروع في الدول المستهدفة.
و"عصمت" الشخصية الأساسية في هذا العمل الأدبي واحدة من هؤلاء النسوة المشتغلات بالمرأة وفق المنظور الغربي، وأمها "ليلى" مرضعتها وملهمتها ورائدتها في هذا الدرب هي الراعية وضيف مؤتمرات المرأة الغربية العالمية الدائم.
و"عماد" زوجها هو الممكّن لها محليا المطلق يدها المعطيها إمكانيات نشر سمات النموذج الغربي الذي يصادم النموذج الإسلامي.
ويكمل الموضوع الكاتب الذي يمثل وجهة النظر الإسلامية في المرأة وتوليها توجيه الدول رسميا أو واقعيا التي تنطلق من الحديث الذي رواه البخاري "حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ، لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً"، ووجهة النظر الإسلامية في تولي الفجار أمر الدول في قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] في أحد توجيهات "تَوَلَّيْتُمْ" التي هي من الولاية لا التولي كما قال بعض أئمة التفسير.
هذان الخطان اجتمعا في شخص "عصمت" التي تولت وكانت على أفجر قلب حاقد على الإسلام، وانطلق بها الكاتب من آخر تطور موجود في الواقع وبلغ بالخيال المنتهى الذي امتد إلى تنفيذ ما لم ينفذ؛ مما يجعل القارئ يقيّم الواقع الذي لم تتم التجربة فيه من خلال المستقبل الذي شهد التجربة كاملة تامة.
(2) البناء الفني
رسم الكاتب أحداث هذا الموضوع في لقطات تعتمد تقنيات مخطط العرض "السيناريو"؛ مما يجعل القارئ يستحضر حقيقة امتلاء خيال الكاتب بالأفلام وأنماطها، ويتمثل نفسه وهو يقرأ الرواية في قاعة عرض أفلام.
كيف؟
أ- قطع الكاتب عمله قطعا غير مفصولة بشيء أرقاما أو فصولا أو علامات مما يجعل القارئ يفاجأ بانتقال المشهد من حدث إلى آخر، ويبدأ المشهد المرتبط بآخرَ سبقَ منذ حدث أو أكثر بنتيجته مما يتيح لذهن القارئ تخيل الأحداث المكملة المالئة الفراغات البينية بين الأحداث، لكن ذلك مرهق لكثير من القراء وإن كان مثيرا لبعض آخر.
ب- ابتعد الكاتب عن وجهة نظر المتكلم التي لا تملك إلا مشاعرها وفِكَرها، أو الغائب القاص. واختار وجهة النظر الحاكمة التي تمثل الكاتب، وهذه أخطر وجهات النظر.
لماذا؟
لأنها الوجهة التي إذا لم توظف توظيفا فنيا جيدا فإنها تصبح ترديدا لمعتقدات الكاتب لا ترديدا لمعتقدات الشخصيات؛ مما يحول العمل الأدبي إلى محاضرات أو أي شكل من أشكال التعبير ليس من بينها سمات الرواية الأدبية ويجعل الشخصيات أبواقا لآراء المؤلف لا معبرة عن ذواتها.
ج- اختار الكاتب الحوار واعتمده وترك السرد والوصف سواء كان وصف الشخصيات أو الأماكن أو غير ذلك من أشياء كان يجب أن توصف توطئة أو توضيحا أو بيانا- على لسانه كصاحب وجهة نظر في القص، وعلى لسان الشخصيات حيال فكرها وحيال الشخصيات الأخرى؛ مما جعل الشخصيات في معظمها سطحية.
د- آثر الكاتب اللغة التي تمثل الأسلوب العلمي الذي يخلو من السمات الأدبية من صور وأخيلة واستطراد وصفي تكثر فيه المترادفات وغيرها من وسائل لا تحكي حدثا لكنها تشبع مساحات في النفس لا يملأها غيرها، ويمتلئ بالاستشهادات المنقولة من الكتب أو المعاهدات أو غير ذلك من وسائل نقل الفكر.
هـ- اختار الكاتب لعمله الأدبي الحبكة الفنية التي تقوم على جهل الشخصية الرئيسة بحقيقة الأمر، وتدفع الأحداث تلك الشخصية إلى اكتشاف الحقيقة شيئا فشيئا حتى نصل لحظة الذورة التي تمثل قمة العقدة التي تنحدر الأحداث بعدها إلى الحل.
وكانت العقدة في علاقة "عصمت" بأبيها التي رسمتها أمها بدءا صورة ذهنية بغيضة ثم جعلت الأحداث تتكشف شيئا فشيئا حتى انجلت الحقيقة عن افتراء الأم على الأب.
و- اعتمد الكاتب النهاية المفتوحة.
كيف؟
على الرغم من تعرض "عصمت" لمؤثرات زلزلت معتقدها التي كانت تحارب من أجله بخصوص حقوق المرأة محليا بلقائها بابنة "كيداهم" وبابنة عمها، وخارجيا بلقائها المسلمات الجدد في فرنسا- فإنها لم تغير خطها، وانتهت الرواية وواقعها كما هو وإن كان مهتزا.
فهل ترك الكاتب النهاية مفتوحة ليترك فرصة لجزء آخر؟ أم هل تراه جعلها مفتوحة تعبيرا عن صعوبة توبة مَن في قلب الأضواء؟ أم هل تراه جعلها كذلك ليجعل القارئ يتخيل ويتخيل ويعيش مع الرواية أثرا كما عاش معها أحداثا؟



والنهاية المفتوحة لا تجعل عملية التطهير الفني في نفس القارئ تتم؛ فهو ينتظر عقاب المخطئ عقابا يلائم جرمه. لكنها لم تكن مفتوحة على مستوى الشخصية الثانية ذِكرا الأولى تأثيرا وتوجيها ألا وهي شخصية الأم التي فقدت أسباب سيطرتها بتدخل عماد وعصمت؛ مما يجعل التطهير يتم جزئيا؛ لأن عقابها جاء تصحيحا وجزاءا على جرمها مع الأب، وترك جرمها الأعظم في حق الوطن والدين.
ز- ...
(3)
وقد يكون هناك لقاء ثان أكمل فيه تناول بقية الفنيات، مثل ذكر دلالة شبكة العلاقات الفنية في الرواية وإسقاطاتها، ودلالة اختيار أسماء الشخصيات وتوظيفها، والحديث عن زمن الرواية، والتوظيف اللغوي الذي يظهر في العنوان – مثالا لا حصرا - من إيثار الكاتب تذكير الفعل مطابقة بين التذكير وسيطرة النساء على الرغم من جودة التأنيث ليطابق الفعل فاعله، وثنائيات الصراع مثل تقوقع غير الصالحين حول أنفسهم كعماد وعصمت وليلى وبطاناتهم وتابعيهم مما يحدث ازدواجا بين واقعهم وفِطرهم وانفتاح الصالحين إلى الحقيقة وعليها كالفتيات الملتزمات محليا وخارجيا مما يحدث اتحادا بين واقعهم وفِطرهم، والإسقاط السياسي الواقعي للرواية مثل انفصال الشعب عما يسمون أنفسهم بالنخب؛ فـ"كيداهم" التي أراها تمثل الشعب تلتحم بهذه النخب في صراعها بعضها مع بعض لكنها واقعا تعيش ضدهم وتعمل على ترك اثنتين من نشيطات العمل النسوي ذلك العمل إلى بيت الزوجية كزوجتين ثالثة ورابعة مثيرة قضية تعدد الزوجات، والاستدعاءات الثقافية التي تثار في الذهن في أثناء القراءة من مشابهات تراثية وآنية عربية وعالمية، والرواية بين المباشرة التي تلمس الواقع المعاش وتقترب من أدب المناسبات وبين كونها تعرض نموذجا إنسانيا مما يبعدها عن المباشرة وأدب المناسبات، و... إلخ.