المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معالم في طريق التوبة


عبدالناصر محمود
06-27-2014, 03:27 PM
معالم في طريق التوبة
ــــــــــ

29 / 8 / 1435 هــ
27 / 6 / 2014 م
ــــــــــــ

(إبراهيم بن صالح الدحيم ( رحمه الله تعالى ))
ـــــــــــــــــــــ



لا زالت المواكب تمضي قُدُماً، والقوافل يتلو بعضها بعضاً.. امتدادٌ عريق على طول الزمن.. ركب فيها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين، ثم تلاهم الصحابة الأخيار، والتابعون الأطهار، وكل برٍّ تقي مختار.
تلك هي قوافل التائبين، ومواكب العائدين، ومراكب الناجين.. عليهم إشراقة الإيمان ونفحة الرضا، وأُنْس الخلوة، وجلال العبادة، وجمال الطاعة {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29].
عرفناهم: في مراوحة الأقدام بالقيام.
عرفناهم: في الصدقة الجزلة والعطاء الكريم والتبرُّع السخي.
عرفناهم: في تلاوة القرآن وترتيله وتدبُّره وترديده.
عرفناهم: في كل عمل خير، وطريق برّ.
لهم مع كل هيعة صياح.. ويمنعهم من النوم النياح..
فيا قوافل التائبين! أهلاً وسهلاً. كيف لا نفرح بالتائبين، وقد فرح بهم رب العالمين؟[1]
مجلسنا اليوم مع العائدين، وحديثنا عن التائبين؛ لأن القلوب تلين عند سماع خبرهم، والأفئدة ترقُّ عند ذكر حديثهم، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : (جالسوا التوابين؛ فإنهم أرقُّ شيء أفئدة)[2].
(يا معشر التائبين! من أقامكم وأقعدنا؟ من قرَّبكم وأبعدنا؟ {إن نَّحْنُ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11]، قفوا لأجل زَمِن، ارحموا من قد عطب)[3]. إن كرهتم لنا الصحبة فاجعلونا ولو في الخدم.. نعوذ بالله من الحرمان ونسأله العفو والغفران.
هذه معالمهم فالزمها:
الحديث عن التائبين يجمل ويطول، وحتى نلمَّ شتاته، ونجمع أطرافه؛ نجعله في معالم تضيء الطريق، علَََّّها تدفع سائراً، وتوقظ حائراً، وتقيم عاثراً.. والله يتولى الجميع بإحسانه.
الـمَعْلم الأول: بادرْ بالتوبة ولا تسوِّف، فالعمر قصير، والأمر عسير، والطالب غالب.. قال لقمان لابنه: يا بنـي! لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما: أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ديناً وطبعاً فلا يقبل المحوَ، والثاني: أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو.
أيها العاصي المقصِّر! - وكلنا ذلك - شهر كريم مبارك قد أقبل علينا، إذا لم توقظنا مواعظه فمتى نستيقظ؟! (أسفاً لمضروب بالسياط ما يحس بالألم، ومدعوٍّ إلى النور ثم هو يختار الظُّلم. الخير كله بجوارك، والناصح ينادي عن يمينك وشمالك، وقد اشتدَّ بك زكام آثامك) فلا نسيم خير تشمُّ ولا لطعمه تستروح.
ألا يكفيك الموت واعظاً؟! قد أخذ أحبابك وأقرانك وإخوانك (كم أخرج الموت نفساً من دارها لم يُدارها، وكم أنزل أجساداً بجارها لم يُجارها، وكم نقل ذاتاً ذات أخطاء بأوزارها، وكم أجرى عيوناً كالعيون بَعد بُعد مزارها)[4].
يا مغرماً بوصال عيشٍ ناعمٍ
ستُصدُّ عنه طائعاً أو كارها
إن المنيَّة تزعج الأحرارَ عن
أوطانهم والطيرَ عن أوكارها
بادرْ إقبالة الشهر بالتوبة، وأعلن فيه إلى الله الأَوْبة، وتدارك نفسك ما دمت في وقت المهلة قبل: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإن كُنتُ لَـمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْـمُتَّقِينَ} [الزمر: 56 - 57].
الـمَعْلم الثاني: التوبة وظيفة العمر، فهي كما تكون عن الخطيئة فإنها تكون عن التقصير في أداء حق المنعم وشكره، ومن ذا يؤدي للإله حقه أو يقوم له بتمام شكر النعمة؟!
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً
عليَّ لـه في مثلها يجب الشكرُ
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
وإن طالت الأيام واتَّصل العمرُ؟
كان - صلى الله عليه وسلم - - وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر - يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مائة مرة! أَوَلسنا أَوْلى بذلك منه وأحوج.
التوبة بداية العبد ونهايته، خاطب الله بها أهل الإيمان وحَمَلته من الصحابة رضي الله عنهم - بعد جهادهم الطويل وصبرهم وعبادتهم وهجرتهم - فقال: {وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
وحين تُوجَد المحاسبة تُعرَف قيمة التوبة؛ إذ بالمحاسبة يُعرَف النقـص، أمَّا أن يعمـل الإنسان ولا يلـوي على شـيء ولا يدري عن شيء؛ فتلك هي الغفلة؛ أعاذنا الله منها.
الـمَعْلم الثالث: إياك واليأس والقنوط من روح الله ورحمته، فإذا كرَّرت الذنب فكرِّر التوبة، وإذا أحدثت خطأً فأحدث له أَوْبة؛ فإن الله لا يملُّ حتى تملوا.
قل للذي أَلِفَ الذنوب وأجرما
وغــدا على زلاته متندِّما
لا تيأسنَّ واطلب كريماً دائماً
يولي الجميل تفضُّلاً وتكرُّما
وإذا غلبتك نفسك على المعصية مرة أخرى فعُدْ إلى التوبة، فإن عادت فعُدْ: {إنَّ الْـحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114].
إياك أن تستعظم المعصية - أياً كانت - فتردّك عن التوبة، وتزيِّن لك البقاء على الحال، فإن هذا سوء أدب مع الله وظنٍّ به؛ فالله لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره: {إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، غفر للمشرك شركه، ولقاتل المائة ذنبه؛ فهل ذنبك أعظم؟!
إذا أذنـبت فتُـبْ واندم، فقد سبقك أبوك آدم فعصى، فلا تقلِّد أباك في الذنب وتقعد عن تقليده في التوبة، واهتف وناجِ ربك قائلاً:
يـا كــثير العفو عمن
كثر الذنب لـــديه
جاءك المذنب يرجــو
الصفح عن جرم يـديه
أنا ضيفٌ وجزاءُ الضيف
إحــــســانٌ إلـــيــــــه
الـمَعْلم الرابع: فارقْ موطن المعصية، واقطع كل طريق يوصلك إليها، والسلامة لا يعدلها شيء، وتلك وصية العالم الصالح – كما في الحديث - لما أتاه الرجل الذي قتل مائة نَفْس فقال: هل لي من توبة؟ قال: نعم! ثم أرشده فقال: انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معـهم، ولا ترجـع إلى أرضـك فإنها أرض سُوءٍٍ[5]. كل ما يذكِّرك بالمعصية، ويشجعك على العود إليها؛ فهو من باب السوء الذي يجب أن يُوصَد، فالصورة والشريط والإنترنت والاستراحة والفصل المدرسي... إذا كانت تساعدك على العود إلى المعصية وتذكِّرك بها فهي أرض سوء لك، ففارقها إلى غيرها؛ فإن في المفارقة وتغيير المكان فتح لصفحة جديدة مشرقة بالتوبة والإيمان.
الـمَعْلم الخامس: أيهـا التـائب! إن قعودك بعد التوبة عجز ومهانة، كنتَ قبل الهداية من دعاة الضلالة، فلما أنْ هداك الله لزمت بيتك واشتغلت في خاصة نفسك وظننت أن ذلك يغنيك، أجبَّارٌ في الجاهلية خَوَّارٌ في الإسلام؟! كنت قبلُ تنفق على الفساد والإفساد دراهمَ غير معدودة؛ من دخان وغناء وأفلام وسفر وسهر، فلما أنْ هداك الله بخلْتَ بوقتك وبدراهم معدودة؟! فهل جمَّد الشيطان رصيدك وقطع صرف دراهمك بعد الهداية؟! وهل خوَّفك الفقر؟! {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268].
قال ميمون بن مهران: (من أساء سرّاً فليتبْ سرّاً، ومن أساء علانية فليتبْ علانية؛ فإن الله يغفر ولا يعَيِّر، والناس يعيِّرون ولا يغفرون)[6]، والمعنى: أن ذنب السِّرِّ تكفيه توبة السِّرِّ، أما الذنب الذي استطار شرره، وعمَّ الفضاءَ دخانُه وبلاؤه؛ فلا بد له من توبة يشرق نورها ويفوح عبيرها بالعلم والعبادة والإصلاح.
ثم اعلم أن من أسباب الثبات على الهداية الاشتغال بها والدعوة إليها، فهاجمْ قبل أن تُهاجَم، وادعُ قبل أن تُدْعَى، وكُنْ لنفسك على حذر، ولا تُلقِ بها في الخطر.. فأنت أدرى بنفسك ومواطن ضعفك، فاستعن بالله ثم بإخوانك.
الـمَعْلم السادس: لا يجوز أن يُعيَّر أحد بذنب بعد التوبة. في الحديث: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»[7]، فهل يعيَّر من لا ذنب له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الذنب الذي يضرُّ صاحبه هو ما لم يحصل منه توبة، فأما ما حصل منه توبة فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة. كما قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة أحسن منه حالاً قبل الخطيئة، ولو كانت التوبة من الكفر والكبائر؛ فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم خيار الخليقة بعد الأنبياء، وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب، ولم يكن ما تقدَّم قبل التوبة نقصاً ولا عيباً، بل لما تابوا من ذلك وعملوا الصالحات كانوا أعظم إيماناً وأقوى عبادة وطاعة ممن جاء بعدهم؛ فلم يعرف الجاهلية كما عرفوها)[8]، وقال: (وإذا ابتُـلي بعض الأكابر بما يتوب منه فذاك لكمال النهاية لا لنقص البداية)[9]، والمعنى: أن وقوع الذنب من الأكابر محتمل، فإن وُفِّق لتوبة نصوح ونفس نادمة صار ذلك تحقيقاً لكمال نهايته، ولا ينقصه ما كان منه من ذنب قبل التوبة إذا تاب منه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام أيضاً: (وما وُجِدَ قبل التوبة فإنه لا ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشراً يستغني عن التوبة كما في الحديث: «أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة»، ويقول - صلى الله عليه وسلم - : «إنه ليُغانُ على قلبي فأستغفر الله في اليوم مئة مرة»)[10].
إن نزول النفس بالذنب من العلو إلى الدون أمر محتمل، وهو عيب وزلة قدم، لكن العيب كل العيب الخلود إلى ذلك والاستسلام له، وعدم محاولة الصعود.
هـذا الفضـيل بـن عـياض العـالــم الزاهــد الورع، كان - قبلُ - شاطراً يقطع الطريق، وكان من خبر توبته: أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تالياً يتلو: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْـحَقِّ} [الحديد: 16]، قال: بلى يا رب! قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا. قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقـوم من المسلمـين ها هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم! إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام[11].
وهذا القعنبي - عبد الله بن مسلمة - إمام من أئمة الحديث ومن رجال مالك، قال عنه ولده: كان أبي يشرب النبيذ ويصحب الأحداث، فدعاهم يوماً، وقد قعد على الباب ينتظرهم، فمرَّ شعبة على حمار والناس من خلفه يهرعون، فقال: من هذا؟ قيل: شعبة، قال: وأيش شعبة؟ قالوا: محدِّث، فقام إلـيه وعلـيه إزار أحـمـر. فقال له: حدثني، فقال لـه: ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك، فأشهر سكينه، وقال: حدثني أو أجرحك، فقال له: حدثنا منصور عن ربعي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا لم تستحِ فاصنع ما شـئت»، فرمى سكيـنه ورجـع إلى منـزله، فـقام إلى جميـع ما كان عنده من الشراب فهَراقه وقال لأمه: الساعةَ أصحابي يجيئون؛ فأدخليهم وقدِّمي الطعام إليهم؛ فإذا أكلوا فخبِّريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا. ومضى من وقته إلى المدينة فلزم مالك بن أنس فأثر عنه، ثم رجع إلى البصرة وقد مات شعبة فما سمع منه غير هذا الحديث[12].
وعليه؛ فلا يجوز أن يعيَّر أحد بذنب فعله قبل توبته، وليحذر المسلم أن يشمت فتقع الشماتة فيه، فقد روى الترمذي بسند فيه ضعف: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك»[13]، والمعنى فيه صحة، والحال شاهدة فاحذر.
الـمَعْلم السابع: عوناً للعاثر لا عليه: فإذا وقع أخوك في حفرة كان حقُّه أن يُعان للخروج منها، لا أن يُلعن ويدفن فيها، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قـال: «أُتيَ النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قد شرب، قال: اضـربوه. قـال أبو هريرة - رضي الله عنه -: فمنَّا الضارب بنعله، والضارب بثوبـه، فلـما انصرف قال بعض القوم: أخـزاك الله. قـال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان»[14]، ومراد الشيطان من عصيان ابن آدم أن يقع في الخزي، والدعاء على العاصي بالخزي موافقة للشيطان في مراده.
وعن يـزيد بـن الأصـم: أن رجـلاً كان ذا بأس، وكان يُوفَد لعـمر لبأسه، وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل: تتابع في الشراب، فدعا عمر كاتبه فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان. سلام عليك.. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ إلَيْهِ الْـمَصِيرُ} [غافر: 3]، ثم دعا وأمَّن مَنْ عنده.. فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرؤها ويقول: {غَافِرِ الذَّنبِ} [غافر: 3] قد وعدني الله - عز وجل - أن يغفر لي: {وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3] قد حذرني الله من عقابه.. فلم يزل يردِّدها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ ذلك عمر قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلَّ زلة، فسدِّدوا ووفقوا وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه[15].
وجاء عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه مرَّ على رجلٍ قد أصاب ذنباً والناس يسبُّونه. فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب؛ ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى! قال: فلا تسبُّوا أخاكم، واحمدوا الله العافية. فقالوا: أفلا تبغضه؟ فقال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه، فهو أخي[16].
ولا يعني هذا أن تمرَّ المعصية بسلام وأن يُعرض عن العاصي فلا يُواجَه بقبيح فعله، فقد جاء في بعض روايات الحديث السابق في شارب الخمر: «ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصـحابـه؛ بكِّتُـوه. وقـد فسر بقـوله: فأقبـلوا عليه يقولون: مـا اتَّقيــت الله عــز وجـل؟! مـا خشيــت الله جلَّ ثنـاؤه؟! ما استحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! ثم أرسلوه»[17]، وهذا يكون من غير قصد التشفِّي والسخرية، بل بقدر ما يبعث الحياء في نفسه ويحجزه عن الوقوع فيه مرة أخرى.
الـمَعْلم الثامن: اكلفوا من العمل ما تطيقون:لا تـأخـذك الرغـبـة إلى الزيادة فتنـقـطـع، فالـمُنبَتُّ لا يقطع أرضـاً ولا يبـقي ظـهراً، وما طلب جميعاً استعجم، علـيك بما تطيق وخذ النفس بالتدرُّج والمِران، فما انتهى حال سادات التابعين إلى الكمال إلا بالمجاهدة والدُّرْبة. وقد كان ابن الجوزي يسمي مبـتـدئي التوبـة (صبيـان التوبة) فيقول: (يا صبيان التوبة! ارفقوا بمطايا أبدانكم فقد ألفت الترف: {وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]... يا صبيان التوبة! للنفس حظ وعليها حق: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْـمَيْلِ} [النساء: 129]، خذوا ما لها، واستوفوا ما عليها: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْـمُسْتَقِيمِ} [الشعراء: 182]، فإن رأيتم من النفوس فتوراً فاضربوهن بسوط الهجر: {فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} [النساء: 34]، على أني أوصي صبيان التوبة بالرفق، وبعيد أن يقرَّ خائف، أو يسمع العذل محب)[18]. ولسنا بهذا نوهن ذراع الراغب، أو نغلق الباب أمام النفس المقبلة، وإنما المطلوب أن يُرفق بالنفس عند إدبارها، وأن لا تدفع في إقبالها فوق الطاقة.
الـمَعْلم التاسع: أيها التائب! الزم الجادة، وداوم العمل، واطلب حلاوة إيمانك، وداوم السير طلباً لحسن سيرتك، فقد كان الصحابة إذا أسلموا لازموا العمل حتى يحَسُن إسلامهم وتكمل أحوالهم.. (فيا أرباب الدنس! ويا أوساخ الذنوب! {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، لا تقنعوا بصبِّ ماء التوبة على الظاهر، بُلُّوا الشعر، وانقوا البشرة، ما لم تسبح بدموع عينيك لم تأت بسنة الغسل)[19].
إن التوبة ليست عن الماضي فقط، ولا عن المستقبل فحسب[20]؛ وإنما هي إقلاع في الحاضر يَقْطع، وندم على الماضي يَدْفع، وعزم على عدم العود يَمْنع.
يا معشـر التـائبين! أوفـوا بالعـقود، ولا تنـقـضوا الأَيْمان بعد توكـيدها، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكـاثاً. إذا أدركت شهر الصوم فأحسن، وإذا انتهى فعليك بصـيام النـفـل، والـزمْ قراءة القرآن ففيه الشفاء والنور، واصـبر نفـسك مع الصالحين، وإذا دعـتك النفـس إلى الكسل أو زيَّنت لك الرجوع إلى العادة فمَنِّها بالوصول وذكِّرها بالموعد مع الله؛ يسهل عليك السير، ويهون عليك قطع الدرب بلا تعب، وذكِّرها بالرفقة (محمد وصحبه) تنسى بذلك العناء والمشقة.
وإن حننت للحمى وروضه
فبالغضا ماء وروضات أُخر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] كمـا فـي حـديث: «لَله أشـد فرحاً بتـوبة عـبـده...» أخـرجـه البخاري (6309)، ومسلم (2747).
[2] حلية الأولياء: 1/51.
[3] المدهش، لابن الجوزي، ص 358.
[4] المدهش، لابن الجوزي، ص 187.
[5] البخاري (3470).
[6] حلية الأولياء: 4/92.
[7] سنن ابن ماجه (4250)، وحسنه السيوطي والألباني.
[8] مجموع الفتاوى: 15/54.
[9] مختصر الفتاوى المصرية، ص 107.
[10] مختصر الفتاوى المصرية، ص 112.
[11] سير أعلام النبلاء: 8/421.
[12] التوابين، لابن قدامة، ص 237، ط. دار الكتاب العربي.
[13] الترمذي (2507).
[14] البخاري (6777).
[15] صفحات مضيئة من حياة السابقين: 1/244، وعزاه لمناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لابن الجوزي، ص132.
[16] صفحات مضيئة، ص 253، وعزاه لمختصر منهاج القاصدين، ص 128.
[17] الفتح: 12/82، ط. دار السلام.
[18] المدهش، ص 310.
[19] البحار الزاخرة في أسباب المغفرة للعفاني، ص15.
[20] كما يقوله (أناتول فراس) انظر: معجم روائع الحكمة والأقوال الخالدة، المكتب العلمي في دار العلم للملايين، ص 69.
-------------------------------------