المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وهم وخرافة "خلافة داعش"


عبدالناصر محمود
07-02-2014, 05:50 AM
وهم وخرافة "خلافة داعش"*
ــــــــــــــ

4 / 9 / 1435 هــ
2 / 7 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8438.jpg


تتعامل بعض الفصائل الإسلامية التي تطلق على نفسها مسمى "الجهادية" مع الأحكام والأمور الشرعية بظواهرها وأسمائها فحسب, دون أن تفهم حقيقتها وجوهرها, ودون أن تتعامل مع متطلبات تحقيقها على أرض الواقع بالشكل المطلوب إسلاميا, مما يجعل تعاطيها مع المسميات الشرعية تعاطيا شكليا وساذجا بعض الشيء.

ولعل من أهم وأخطر القضايا الشرعية التي تشغل بال كل مسلم منذ زوال الخلافة العثمانية وحتى الآن, هي قضية استعادة الخلافة الإسلامية على منهج النبوة, التي بشر بعودتها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (...... ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ) مسند الإمام أحمد برقم 18406 وصححه الألباني.

ويبدو أن ما يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" قد استثمر تلهف المسلمين إلى استعادة هذه الخلافة بأي وسيلة, وإلى رؤية هذه الدولة على أرض الواقع, فعمد إلى الإعلان منفردا عن تأسيس دولة الخلافة الإسلامية، وإلى تغيير تسمية تنظيمه إلى "الدولة الإسلامية" دون إضافة العراق والشام, وذلك لتصبح "دولة لكل المسلمين في كل العالم"، وهو الخبر الذي تناقلته العديد من وكالات الأنباء الدولية.

ونظرا لكون هذا الإعلان قد جاء بشكل مفاجئ ومباغت بعد الانتصارات التي حققها ثوار العراق على المالكي, فإن ردود الأفعال عليه كانت كثيرة ومتشعبة, وما يهمنا هو رأي علماء وفقهاء المسلمين الثقات, ولعل من أبرزهم الفقيه المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني.

فقد علق الدكتور الريسوني - نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين - على هذا المستجد، بقوله: إن الإعلان عن قيام ما سمّي بـ"الخلافة الإسلامية" في العراق، ليس أكثر من وهم وسراب وأضغاث أحلام، سواء من حيث الواقع الفعلي، أو من الناحية الشرعية.

وأضاف الريسوني في تصريح نشرته جريدة "التجديد" في عددها الصادر اليوم الثلاثاء: أنه في الوقت الذي تكافح فيه الشعوب الإسلامية لتتحرر من الاستبداد المسلّط عليها بالسيف والمدفع والدبابة، تأتينا مجموعة جديدة لتعلن خلافتها بالسيف، ولتنصب خليفتها بالسيف، ولتعلن زوراً وكذباً من قهرَ الناسَ بسيفه وجبت مبايعتُه وطاعته.

وأوضح الريسوني أن إعلان هذه الخلافة ليس سوى خرافة، والبيعة المزعومة تمّت من أشخاص مجاهيل لشخص مجهول، في صحراء أو في كهف من الكهوف. فهي لا تلزم ولا تعني إلا أصحابها. وقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه : (....ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ "مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلاَ يُبَايَعُ هُوَ وَلاَ الَّذِي بَايَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلاَ" صحيح البخاري برقم 6830

وأضاف الريسوني أن الأقرب إلى الحقيقة أن نقول: لقد جرى على أرض العراق تسجيل سينمائي لحلقة من حلقات مسلسل الأوهام، لكنه للأسف دموي.

وأكد الريسوني أنه لا بد من التذكير بأن التطورات الجارية في العراق هي ثمرة مسلسل طويل من الظلم والبطش والإستبداد والتسلّط: من صدام حسين، إلى الاحتلال الأمريكي، إلى الحكومة الطائفية المدعومة من إيران, فكل هؤلاء مسؤولون مسؤولية مباشرة عما يجري في العراق.

إن كثيرا من الثغرات بل والفجوات الشرعية تنتاب إعلان "داعش" للخلافة الإسلامية, بدءا بجهالة الخليفة المزعوم "البغدادي", حيث تبدو مسألة مبايعته شبيهة بعقيدة الرافضة بمهدي السرداب, وصولا إلى جهالة من اختاره ونصبه خليفة على المسلمين, وليس انتهاء بانفراد التنظيم بقضية ينبغي أن تكون محل توافق ورضا من جميع مكونات الأمة الإسلامية.

ومع الثغرات الشرعية الواقعية هناك, فليس هناك أرض يحكمها "التنظيم" بشكل فعلي وحقيقي – كما هو شأن الدول - كي يعلن فيها خلافته الإسلامية, ناهيك عن السمعة غير المحمودة لممارسات التنظيم في سورية مع المجاهدين وبقية الفصائل المقاتلة ضد بشار, الأمر الذي يفقد التنظيم مصداقيته الشرعية والأخلاقية في دولته الإسلامية المزعومة.

ومع اجتماع كل هذه الأسباب والعوامل تبدو مسألة إعلان تنظيم ما يسمى "داعش" "الخلافة الإسلامية" مجرد خرافة ووهم كما يقول الدكتور الريسوني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ