المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دلالة السياق في تفسير ابن كثير


عبدالناصر محمود
07-02-2014, 05:56 AM
سلسلة الدراسات الدلالية "دلالة السياق في تفسير ابن كثير"
ـــــــــــــــــــــــــــ

(د. محمد حجاج)
ــــــــــ

4 / 9 / 1435 هــ
2 / 7 / 2014 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8429.jpg

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد،،

لدلالة السياق أثر عظيم في فهم المعنى ومن التفاسير الهامة التي كان لدلالة السياق أثرٌ واضح فيها تفسير الحافظ ابن كثير.

أولاً: مفهوم السياق في التراث العربي:

يتلخص مفهوم السياق في التراث العربي في النقاط الآتية:

1- السياق هو الغرض: أي مقصود المتكلم من إيراد الكلام.

2- السياق هو الظروف والمواقف والأحداث التي ورد فيها النص أو نزل أو قيل بشأنها وأوضح ما عبر به عن هذا المفهوم لفظا الحال والمقام.

3- السياق هو ما يعرف الآن بالسياق اللغوي الذي يمثله الكلام في موضع النظر أو التحليل، ويشمل ما يسبق أو يلحق به من كلام يمكن أن يوضح دلالة القدر منه موضع التحليل أو يجعل منها وجهاً استدلالياً([1]).

ثانياً: التعريف بابن كثير:

هو الحافظ المفسر المؤرخ الأصولي الفقيه عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الشافعي ولد سنة 701 توفي 774 هـ ([2]).

ثالثاً: منهج ابن كثير في تفسيره:

ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ منهجه في التفسير في مقدمته له حيث نقل مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير فقال: فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير فالجواب إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان قد فسر في آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا إلى أقوال الصحابة لاسيما علماؤهم وكبرائهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه([3]).

رابعاً: دلالة السياق في تفسير ابن كثير: وجاء في صور:

أ – أثر السياق في بيان المعنى للآية الواحدة

قال ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)([4]) الفظ الغليظ والمراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك (غليظ القلب) أي لو كنت سيء الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك ولكن الله جمعهم عليك وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم فنجد أنه قصر دلالة كلمة الفظ على غلظ الكلام رغم أن الغليظ تشمل غلظ اللسان وغلظ القلب لأنه أتى في لحاقها قوله تعالى غليظ القلب فقصر دلالة فظاً على غلظ اللسان لئلا يكون في الكلام تكرار لا فائدة منه فينافي فصاحة القرآن([5])([6]).

ب ـ أثر السياق في بيان المعنى للآيات المتتابعة:

قال ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) ([7])

ثم بين تعالى من الصابرون الذين شكرهم: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) ففسر رحمه الله قوله تعالى الصابرين بهذا اعتماداً على السياق القرآني لأن اسم الموصول (الذين) فسَّر معنى (الصابرين) الوارد قبله وقد استظهر أبو حيان الأندلسي كون الذين منصوباً على النعت لقوله (الصابرين) ([8]).

جـ - أثر السياق في بيان المتكلم أو المخاطب أو الموصوف بالآية:

قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً) ([9]) ثم قال مخاطباً لكفار قريش والمراد سائر الناس (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم) أي بأعمالكم([10]) وهذا القول مستمدٌ من سياق الآيات فالخطاب قبل هذه الآية عن كفار قريش (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً) ([11]) ثم إن هذه السورة مكية ففي العهد المكي كان الخطاب للمشركين والمشركون في مكة هم قريش فهم الذين أرسل إليهم النبي وقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ والمراد سائر الناس لأن بعثة النبي لجميع الخلق وليس خاصة بقريش ولكن الخطاب هنا لهم([12]).

د ـ أثر السياق في بيان المراد من المشترك اللفظي:

المشترك اللفظي هو اللفظ الواحد الدال على معنيين أو أكثر بوضع مختلف على التبادل([13]).

ذكر ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه) ([14]).

والأمة تستعمل في القرآن والسنة في معانٍ متعددة فيراد بها الأمد كقوله تعالى في هذه الآية : (إلى أمة معدودة)

وتستعمل في الإمام المقتدى كقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة) ([15]).

وتستعمل في الملة والدين كقوله تعالى: (إن وجدنا آباءنا على أمة) ([16]).

وتستعمل في الجماعة كقوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس)([17]).

وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة كقوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق) ([18])([19]).

فقد ذكر رحمه الله أن لفظ أمة يستعمل في عدة معانٍ فهو من الألفاظ المشتركة وذكر وروده في القرآن وحدد دلالة اللفظ في كل موضعٍ مقتنصاً ذلك من السياق وقال رحمه الله في موضعٍ آخر من تفسيره ولفظ الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطنٍ على معنى واحد دل عليه سياق الكلام([20]).

وقال رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: (والليل إذا عسعس) ([21]) وعندي أن المراد بقوله (إذا عسعس): إذا أقبل وإن كان يصح استعماله في الإدبار لكن الإقبال هنا أنسب كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل وبالفجر وضيائه إذا أشرق كما قال سبحانه : (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) ([22])([23]).

هـ ـ أثر السياق في تضمين المعاني:

التضمين إعطاء الشيء معنى الشيء وتارة يكون في الأسماء وفي الأفعال وفي الحروف([24]).

قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون) ([25]).

(وإذا خلوا إلى شياطينهم): يعني إذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم فضمن خلوا معنى انصرفوا لتعديته بإلى ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به ومنهم من قال إلى هنا بمعنى مع والأول أحسن([26]) فابن كثير رحمه الله خلص إلى نتيجة التضمين من خلال السياق لأنه وجد الفعل خلوا عُدِيَ بإلى وليس من عادته ذلك بل من عادته التعدية مع مع أو الباء ولذلك حكم بتضمينه معنى انصرفوا لمناسبته للسياق أيضاً فهو مناسب للحرف المعدى به إلى من جهة ومناسب للفعل خلوا من جهة أخرى ليدل بذلك على كلا المعنيين الانصراف إليهم والخلوة معهم([27]).

و ـ أثر السياق القرآني في تحديد مرجع الضمير:

ذكر ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين) ([28]).

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك إن الضمير في قوله (وشروه) عائد على أخوة يوسف وقال قتادة بل هو عائدٌ على السيارة والأول أقوى لأن قوله وكانوا فيه من الزاهدين إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه فيرجح من هذا أن الضمير في شروه إنما هو لإخوته([29])([30]).

ز ـ أثر السياق القرآني في بيان الحذف وتقديره:

ذكر ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (أفمن هو قائمٌ على كل نفسٍ بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول) ([31]).

يقول تعالى : (أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت) : أي حفيظٌ عليمٌ رقيب على كل نفسٍ منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خيرٍ وشر ولا يخفى عليه خافية... أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ولا تملك نفعاً لأنفسها ولا لعابديها ولا كشف ضرٍ عنها ولا عن عابديها وحذف هذا الجواب اكتفاءً بدلالة السياق عليه وهو قوله (وجعلوا لله شركاء) أي عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان([32]).

فهو رحمه الله استدل بسياق الآية على ما حذف منها فقد حذفت جملة معادل الهمزة اكتفاءً بدلالة قوله : (وجعلوا لله شركاء) وفي هذا يقول ابن جرير رحمه الله وحذف الجواب في ذلك فلم يقل وقد قيل (أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت) ككذا وكذا اكتفاءً بعلم السامع بما ذكر عما ترك ذكره وذلك أنه لما قال جل ثنائه (وجعلوا لله شركاء) علم أن معنى الكلام كشركائهم التي اتخذوها آلة([33]).

وفي الختام هذه بعض شذرات وومضات من آثار السياق لفتح الباب لمن أراد أن يبحث في معاني كلام الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) دلالة السياق إعداد د/ردة الله الطلحي ص50، 51.

([2]) للاستزادة عن ابن كثير يراجع الإمام ابن كثير د/مسعود الندوي.

([3]) تفسير ابن كثير ج1 ص7 ـ 8.

([4]) سورة آل عمران الآية رقم 159.

([5]) تفسير ابن كثير ج2 ص148.

([6]) السياق القرآني وأثره في التفسير دراسة من خلال تفسير ابن كثير إعداد / عبد الرحمن المطيري ص105، 106.

([7]) سورة البقرة لآية 155، 156.

([8]) السياق القرآني وأثره في التفسير دراسة من خلال تفسير ابن كثير إعداد / عبد الرحمن المطيري ص207.

([9]) سورة المزمل آية 15.

([10]) تفسير ابن كثير ج8 ص256.

([11]) سورة المزمل 10، 11.

([12])السياق القرآني وأثره في التفسير دراسة من خلال تفسير ابن كثير إعداد / عبد الرحمن المطيري ص212.

([13]) أصول الفقه للشيخ أبو زهرة ص149.

([14]) سورة هود آية 8.

([15]) سورة النحل 120.

([16]) سورة الزخرف 23.

([17]) سورة القصص 23.

([18]) سورة الأعراف 159.

([19]) تفسير ابن كثير ج4 ص308، 309.

([20]) تفسير ابن كثير ج1 ص159.

([21]) سورة التكوير 17.

([22]) سورة الليل 1،2.

([23]) تفسير ابن كثير ج8 ص120، السياق القرآني ص214 ـ 216 باختصار.

([24]) البرهان للزركشي ج3 ص388.

([25]) سورة البقرة 14.

([26]) تفسير ابن كثير ج1 ص184.

([27]) السياق القرآني وأثره في التفسير دراسة من خلال تفسير ابن كثير إعداد / عبد الرحمن المطيري ص221.

([28]) سورة يوسف 20.

([29]) تفسير ابن كثير ج4 ص377.

([30]) السياق القرآن ص232.

([31]) سورة الرعد 33.

([32]) تفسير ابن كثير ج4 ص463.

([33]) يراجع تفسير الطبري ج13 ص545، السياقي القرآني ص238، 239 للمطيري.
------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
11-16-2014, 12:52 PM
أثر السياق على دلالة الأمر "تفسير البقاعى نموذجاً"
ــــــــــــــــــــــــ

23 / 1 / 1436 هــ
16 / 11 / 2014 م
ــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8813.jpg


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أما بعد:

للسياق أثر عظيم في معاني الكلمات ولاسيما إذا كان في كتاب الله عز وجل وسنتعرض لتفسير البقاعى لنرى أثر السياق في دلالة فعل الأمر.

نظرة البقاعي إلى السياق

يشير البقاعي إلى نظم الكلمات إذ حدد طريقتين للإعجاز هما(2):

1- نظم كل جملة على حيال بحسب التركيب.

2- نظمها مع أختها بالنظر إلى التراكيب.

إذ نظر البقاعي الى نظم الكلمات في سياقات الكلام سواء أكانت في جملة أم مع أختها، فإن نظمها هو الذي يحدد معاني هذه الكلمات؛ لأنّه (كلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز، ثمّ إذا عبر الفطن من ذلك الى تأمل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد فظن أنّها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط))(3)، إذ نلاحظ البقاعي يشير الى السياق بطريقة نظم الكلمات؛ لأن نظم كل كلمة مع أختها في سياق الكلام يظهر لنا المعنى المقصود؛ لأن مراعاة الترتيب (السياق) يعطي معنى محدد للكلمات ذات المعاني المتعددة، ونظم كل جملة في التركيب، هي علاقة إجمال وتفصيل، فهي ليست منقطعة الصلة الدلالية فيما بينها، وإنما تترابط بصلات دلالية، فالسياق يلعب دوراً مهماً في بيان النصوص القرآنية، وبيان المعنى المقصود من تلك النصوص الكريمة.(4)

اثر السياق على دلالة الأمر
ـــــــــــــــــ

عرف البقاعى الأمر فقال: (الأمر: الإيجاب بصيغة أفعل وهو يتضمن إرادة المأمور به فى الجملة، وقد يراد امتثال عين المأمور) (5).

· وتأتى دلالة الأمر على أربع صيغ هي:

1- فعل الأمر كقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم). التوبة 103

2- المضارع المقترن بلام الأمر نحو كقولك (ليكتب).

3- المصدر النائب عن فعل الأمر كقوله تعالى: (... وبالوالدين إحساناً....). النساء 36

4- اسم فعل الأمر كقوله تعالى: (.... عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم الى الله...). المائدة 105

وتبدو أهمية السياق واضحة في تحديد صيغة الأمر ودلالتها على الوجوب، أو الندب أو الإباحة، وهذا مما أدى الى وقوع الخلاف بين الأصوليين في دلالة هذه الصيغة، وفى ذلك يقول ابن حزم الأندلسي: (قال: بعض الحنفيين وبعض المالكيين وبعض الشافعيين إن أوامر القرآن والسنن على الوقف حتى يقوم دليل على حملها، إما على الوجوب في العمل؛ وإما على الندب، وإما على الإباحة).

وقد اتفق علماء الأصول على أن صيغة الأمر عندما تصدر من الشارع تكون ظاهرة في الوجوب؛ لأن المراد من الأمر الإلزام.

وقد يخرج الأمر إلى أغراض بلاغية نلتمس هذه الأغراض من خلال أثر السياق، ومن هذه الأغراض ما يأتي.

1- الأمر للإرشاد
---------------

ومن الأغراض البلاغية التى خرجت الىها صيغة (أفعل) هي الإرشاد، فقد جاء في قوله تعالى: (قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) (6) إذ يقول البقاعى: (قال سبحانه ملقنا له ومرشداً لهم فى صورة التهديد، وكان المراد (بالأمر) الاسترشاد للاعتقاد والرجوع عن الغي والعناد ولكون السياق له، لا مجرد التهديد) (7) بين سبحانه وتعالى بصيغة الأمر الدالة على الاسترشاد من أجل الرجوع عن العناد الى الحق، والإيمان، معبراً أيضاً بالفاء المقتضية للإسراع وعظم المأمور بنظرة يجعله أهلاً للعناية به.

2- الأمر للإنذار والترغيب
------------------

وقد جاء في قوله تعالى: (... ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) (8) فصيغة (افعل) خرجت الى غرض الإنذار والترغيب؛ وذلك لدلالة السياق عليها، ونظم قوله تعالى، إذ يقول البقاعى: (فلم أومر به الآن (قل) أي إنذار لهم وترغيباً وترجية وترهيباً) (9) فالمعنى: ومن لم يهتد به بالأعراض عن ذكر ربه وهو الضلال فعليه ضلاله وكفره لا على، لأني لست إلا منذر مأموراً بذلك ولست عليكم ****اً، فالعدول عن مثل قولنا ومن ضلّ فإنما أنا من المنذرين هو الذي كان يقتضيه الظاهر.

3- الأمر للتعجب
------------

وقد أشار البقاعى إلى خروج صيغة (افعل) الى التعجب في قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) (10) إذ يقول البقاعى: (وما عسى أن يسمعوا أو يبصروا فيه، بأن حالهم في شدة السمع والبصر جديرة بأن يعجب منها) (11) أي أنه لا يوصف لئن كانوا صماً وبكماً عن الحق فما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة، ولكنهم يسمعون ويبصرون حيث لا ينفعهم السمع ولا البصر، وعن ابن عباس، أنهم أسمع شيء وأبصره وهو تعجب من شدة السمع والبصر. (12)

4- الأمر للتنبيه
-------------

ومن الدلالات التي خرجت إليها صيغة (افعل) والتي أشار إليها البقاعى (التنبيه) فى قوله تعالى: (.... فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) (13) إذ يقول البقاعى: (وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه بالأمر بالعلم فقال (فاعلموا) إنكم لم تضروا إلا أنفسكم؛ لأن الحجة قد قامت عليكم، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم) (14) فإن أعرضتم فليس على الرسول إلا أن يبلغ أحكام الله وليس عليه خلق الطاعة فيكم، ولا يلحقه من توليكم شيء (فاعلموا) وفيه تنبيه وتوبيخ إلى أنكم إن توليتم واقترفتم هذه المعاصي ظننتم أنكم كابرتم النبي (صلى الله عليه وسلم) في نهييه عنها ونسيتم أنه رسول من عندنا ليس له الأمر في شيء إلا البلاغ. (15)

5- الإباحة
----------

والإباحة هي: (الإذن بإتيان الفعل كيف يشاء الفاعل) ومن أمثلتها ما جاء فى قوله تعالى: (.... كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده....) (16) إذ يقول البقاعى: (ولما كان هذا الأمر للإباحة لا للإرادة قيده، لئلا يقتضى إيجاد الثمر فى كل جنة فى كل وقت) (17) فالنص القرآني صورته صورة الأمر ومعناه الإباحة أو الإذن، وهو الفكر على الأكل، تحقيقاً لرجاء الناس في الخصب وتسكيناً لآمالهم رحمة لهم ورفقاً بهم، إعلاماً فيه أنه إن وقع جدب كان فى ناحية دون أخرى وفى نوع دون آخر، وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيجة وغير نضيجة. (18)

6- التهديد
------------

ذكر ابن قتيبة الأمر للتهديد، فقال: (ومنه أن يأتي الكلام على لفظ الأمر وهو تهديد) (19) فصيغة الأمر قد تخرج إلى معنى التهديد وعندما يكون الأمر فى سياق عدم الرضا بما أمر. (20)

ومنه ما جاء في قوله تعالى: (... واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم) (21). إذ فسر البقاعى صيغة الأمر بالغرض البلاغى الدال على التهديد إذ يقول: (ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه فى النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثاً على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة). (22)

7- الأمر للدعاء
-----------

ومما أشار إليه البقاعى في ضمن هذا الغرض ما جاء في قوله تعالى: (.... أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) (23) إذ يقول البقاعى: (ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية) (24) والغرض لهذه الصيغة هو الدعاء توجه المؤمنين الى ربهم بالدعاء والمغفرة، فيكون الدعاء لاستدامة فضله، (25) لأنه تعالى مولاهم ومالك تدبيرهم، وأمرهم ينشأ من ذلك النصرة لهم على أعدائهم.

8- الأمر للتعجيز
---------------

وغرض التحدي والتعجيز هو: (إظهار المخاطب عدم قدرته على أداء الفعل المطلوب منه) (26) ومثاله ما جاء في قوله تعالى: (... وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). (27)

يقول البقاعى: (البلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأوسطها وأدناها ممكن، والتحدي وقع بالعليا، وليس هذا أمراً بالافتراء، لأنه تحد للتعجيز) (28) ولما كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى أشار إلى عجزهم عن المعارضة دليلاً قاطعاً على أنهم لم يصلوا إلى شيء من كلامه تعالى بغير علمه، وأن المشركين قد وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار كرة في اثر كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق. (29) وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل مثالاُ مما يفعل هو ثم يتبين عجزه. (30)

وهناك دلالات يخرج إليها الأمر أشار إليها البقاعى وأود إشارة إليها فقط، مثل الندب (31)، في قوله تعالى: (واذكروا الله فى أيام معدودات...) (32) والسخرية (33)، في قوله تعالى: (... كونوا قردة خاسئين) (34) والتكوين (35)، في قوله تعالى: (....وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) (36) والإهانة (37)، في قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)(38) (39).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن على الخرباوى، محدث وأديب وعروضى وهو اللغوى الفقيه، الكاتب المجاهد والخرباوى نسبة الى قرية ( خربة روحا ) من أعمال البقاع والبقاعى نسبة الى البقاع فى سوريا، وتسمى بقاع كلب قرب دمشق الشام، وسميت بقاع كلب نسبة الى كلب بن وبرة، لنزول ولده فيها، وهو يعرف بـ ( بقاع العزيز ) الآن، وهى قرية عامرة ولد فيها مفسرنا الكبير البقاعى. وقد كانت ولادته سنة ( 809 هـ ).من شيوخه الشيخ الحافظ شمس الدين محمد بن محمد الجزرى الدمشقى الشافعى ت ( 833 هـ ) شيخ الإسلام قاضى القضاة الحافظ أبو الفضل احمد بن حجر العسقلانى ت (852 هـ). شيخ الإسلام قاضى القضاة شمس الدين محمد بن على بن محمد القاياتى ت(861 هـ). الشيخ أبو الفضل محمد بن محمد المشدالى المغربى المالكى ت ( 865 هـ ). ومن تلاميذه

العلامة تقى الدين أبو بكر محمد الحصنى الشافعى ت ( 883هـ ). الشيخ العلامة عبد القادر بن محمد بن عمر الرحلة ( ت 927 هـ ).شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الحمصى ( ت 934 هـ ).العمدة الحجة القاضى رضى الدين أبو الفضل محمد بن محمد الغزى الشافعى ( ت 935 هـ ). العلامة شمس الدين محمد الدلجى العثمانى الشافعى ( ت 947 هـ ). من اشهر آثاره نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور.تنبيه الغبى الى تكفير ابن عربى. توفى شيخنا البقاعى ليلة السبت الثامن عشر من رجب سنة خمس وثمانين وثمنمائة، بعد إن عانى كثيرا من الشدائد، وكان عمره ست وسبعين سنة مليئة بعلوم الكتاب المنزل ((1)) للاستزاده يراجع المجلة العلمية لكلية أصول الدين بطنطا العدد السادس ج1 ص 7- 14.بحث أ.د جوده المهدي الاتجاه الصوفي في تفسير البقاعي

(2). نظم الدرر: 1/11.

(3). نظم الدرر:1/11. تـح: محمد عبد المعين/ طبعة مجلس المعارف الإسلامية/ حيدر آباد الركن الهند ـ ط1 1969م.

(4) البحث الدلالى فى نظم الدرر للبقاعى أطروحة تقدم بها عزيز سليم على القريشى كلية التربية 1425 هـ - 2004 م ص174-175 الجامعة المستنصرية – العراق

(5) نظم الدرر: 9 / 369 – 370

(6) النمل: 69

(7) نظم الدرر: 14/207، وينظر: 20/128

(8) النمل: 92

(9) نظم الدرر: 14/299

(10) مريم: 28

(11) نظم الدرر: 12/199

(12) ينظر: البحر المحيط: 6/180

(13) المائدة: 92

(14) نظم الدرر: 6/295

(15) ينظر: البحر المحيط: 4/18، و الميزان: 6/124.

(16) الأنعام: 141

(17) نظم الدرر: 7/291

(18) للمزيد ينظر نظم الدرر: 1/221،3/84-107-108-188، 4/89، 20/27.

(19) تأويل مشكل القرآن: 216.

(20) ينظر: الأساليب البلاغية فى نظم الدرر: 48.

(21) البقرة: 235

(22) نظم الدرر: 3/349

(23) البقرة: 286

(24) نظم الدرر: 4/186

(25) للمزيد ينظر نظم الدرر: 5/40، 13/183-145-320.

(26) علم المعانى ( عبد العزيز عتيق ): 81

(27) هود: 13

(28) نظم الدرر: 9/249

(29) ينظر: نظم الدرر: 9/250

(30) للمزيد ينظر: نظم الدرر: 9/310، 19/25

(31) نظم الدرر: 3/162

(32) البقرة: 203

(33) نظم الدرر: 1/465

(34) البقرة: 65

(35) نظم الدرر: 2/128

(36) البقرة: 117

(37) نظم الدرر: 18/46-47

(38) الدخان: 49

(39) للإستزادة ينظر البحث الدلالى فى نظم الدرر للبقاعى أطروحة تقدم بها عزيز سليم على القريشى كلية التربية الجامعة المستنصرية – العراق 1425 هـ - 2004 م
---------------------------------------