المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنقاذ الزمن بعد أن قتلته الفيزياء


Eng.Jordan
07-05-2014, 01:38 AM
مايكل سليزاك
ترجمة أحمد شكل
(http://www.hindawi.org/about/)
٢٥ يونيو ٢٠١٤


الماضي والحاضر والمستقبل: يخبرنا العلم الحديث أنها ليست سوى أوهام. والآن يريد بعض علماء الفيزياء المتمردين إنقاذ الزمن.


تخيل أنك تقف خارج الكون، ليس فقط خارج المكان، ولكن أيضًا خارج الزمن، وتحدق نحو الكون من موقع الرصد المذهل هذا. عند أحد الطرفين ترى بداية الكون: الانفجار العظيم، وعند الطرف الآخر ترى … أيًّا كان ما يحدث هناك، وفي مكان ما في الوسط توجد أنت كالدودة الصغيرة للغاية؛ عند أحد الطرفين طفل، وعند الآخر جثة. من هذا المنظور المستحيل، لا يسير الزمن؛ فلا يوجد «حاضر»! إن الزمن ساكن، غير قابل للتغيير، متوقف.
http://www.hindawi.org/safahat/91731724/images/1536/1.jpg (http://www.hindawi.org/safahat/91731724/images/1536/1.jpg)
وهم الحاضر.


على هذا النحو الغريب ظاهريًّا يرى معظم الفيزيائيين اليوم الكون بهذه الصورة تمامًا. ربما ننظر للزمن على أنه يتدفق من ماضٍ حقيقي إلى مستقبل ليس حقيقيًّا بعد، ولكن نظرياتنا الحالية للمكان والزمن تعلمنا أن الماضي والحاضر والمستقبل كلها حقيقية على نحو متساوٍ، ولا يمكن التمييز بينها بشكل أساسي، وأي إحساس بأن «حاضرنا» مختلف بطريقة أو بأخرى، أو أن الزمن يتدفق متخطيًا له، هو وَهْم نكوِّنه في رءوسنا (انظر الشكل).
حول الزمن

ندرك الزمن على أنه يتدفق حولنا من ماضٍ حقيقي إلى مستقبل غير محدد بعد. ولكن ما الحقيقة؟
http://www.hindawi.org/safahat/91731724/images/1536/2.jpg (http://www.hindawi.org/safahat/91731724/images/1536/2.jpg)


في الواقع، قتلت الفيزياء الزمن كما نعرفه. والسؤال هو: هل نحن بحاجة إلى استرجاعه؟
كان نيوتن أول مَن غرس سكينًا في قلب الزمن الحاضر. فكانت قوانين الحركة الخاصة به — التي وُضعت في أواخر القرن السابع عشر — أولَ القوانين التي أدخلت الزمن في المعادلات الرياضية. وسريعًا ما كان من الطبيعي أن تُصوَّر الحركة في رسم بياني مع الزمن على محور مكاني. وما إن حدث ذلك، حتى بدأت أية نقطة فريدة من «الزمن الحاضر» تبدو ذاتية مثل «مكان ما» على خريطة للمكان.
وجَّه أينشتاين الضربة القاضية في مطلع القرن العشرين؛ فوفقًا لنظريته النسبية الخاصة، لا توجد وسيلة لتحديد الأحداث التي يمكن لأي شخص أن يتفق على حدوثها في الزمن نفسه. فأي حدثين من «الحاضر» بالنسبة لك سيحدثان في أوقات مختلفة بالنسبة لأي شخص آخر يتحرك بسرعة مختلفة. وسيرى الأشخاص الآخرون حاضرًا مختلفًا، ربما يحتوي على عناصر من حاضرك، ولكن قد لا يرونه على نحو متساوٍ. فكما يقول الفيزيائي شون كارول من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا: «يمكنك تحديده، ولكن الأشخاص الآخرين لن يوافقوا بالضرورة.»
والنتيجة هي صورة تعرف باسم «الكون الجامد»، وهو الكون المرئي من موقع الرصد المستحيل هذا الذي يوجد خارج نطاق المكان والزمن. ويمكنك بالتأكيد تمييز ما تعتقد أنه «زمن حاضر» بنقطة حمراء، ولكن لا يوجد ما يميز هذا الموضع عن أي موضع آخر، غير أنك موجود هناك. والماضي والمستقبل لا يتميزان فيزيائيًّا إلا بأنهما على اليسار واليمين. توجد أشياء أقرب إليك في الزمن، وأشياء أبعد عنك، تمامًا كما توجد أشياء قريبة أو بعيدة في المكان. ولكن فكرة أن الزمن يتدفق متخطيًا لك منافيةٌ للعقل تمامًا مثل فكرة أن المكان يتخطاك.
مناقضة الواقع

لا يؤمن جورج إيليس — وهو عالم كونيات في جامعة كيب تاون بجنوب أفريقيا — بأيٍّ من ذلك. فيشير إلى أن فكرة الكون الجامد تتناقض مع كل تجربة نمر بها. ويضيف: «إنها لا تمثل مرور الزمن، وهذا أحد أهم السمات الأساسية للحياة اليومية؛ لذلك فهي نموذج سيئ للواقع.» الأكثر من ذلك أنك إذا قبلت بذلك؛ فإن أية محاولة لفهم أي شيء عن أي شيء ستصبح بلا معنى. ويستطرد قائلًا: «إن العملية العلمية برمتها تعتمد على جريان الزمن؛ فنحن نضع فرضية، ثم نختبرها، وبعد ذلك نقبلها أو نرفضها. فالعملية كلها متعلقة بجريان الزمن.»
بدأ إيليس في عام ٢٠٠٦ رسم صورة مختلفة. لم تكن نقطة بدايته النسبية، ولكن كانت فيزياء الكم. توجد حقيقة غريبة عن فيزياء الكم هي أن النتائج المستقبلية غير المحددة تخضع ظاهريًّا للاحتمالات في الحاضر. فتوجد الأشياء الكمية في «تراكبات كمية» لأكثر من حالة واحدة إلى أن يحين الزمن الذي نقيسها فيه عندما تتخذ واحدًا أو آخر من الأشكال المحتملة. ويتمثل المثال الأكثر شهرة في قطة شرودنجر: قطة محبوسة في صندوق مع قارورة سمٍّ ربما يكون غطاؤها محكمًا أو لا يكون كذلك، فهي ميتة وحية في الزمن نفسه، حتى تفتح الصندوق، عندها تكون بالتأكيد في إحدى الحالتين.
ويشير إيليس إلى أن حالات الاحتمالات الكمية مثل تلك الحالة تعد ضربة لمفهوم الكون الجامد الذي يكون فيه الماضي والحاضر والمستقبل حقيقيين على نحو متساوٍ. ويقول: «حتى لو كنت تعرف كل شيء عن حالة الكون اليوم، لا يمكنك التنبؤ بما سيحدث غدًا. فلا يمكن أن يكون المستقبل حقيقيًّا؛ لأنه لم يصبح ثابتًا بعد.»
بالنسبة لإيليس، تقدم فيزياء الكَمِّ لحظة حاضر محددة بموضوعية: فهي الحد الفاصل بين ما تحدده تجاربنا وما لم يتحدد بعد. فنحن نعيش على الحافة الأمامية من «كون جامد متنامٍ» على سطح نسميه الحاضر، يظهر في حيز الوجود لحظة واحدة في كل مرة بينما تُجرى القياسات الكمية.
يعتقد إيليس أنه من الممكن تمامًا تعريف هذا «الحاضر» في إطار النسبية أيضًا. فنظرية النسبية العامة لأينشتاين، والتي نُشرت بعد عَقد من نشر نظريته النسبية الخاصة، تقدم صورة كاملة للمكان والزمن، واصفة كيف ينحني الزمكان المجتمع من خلال وجود المادة؛ لإنتاج القوة التي نسميها الجاذبية. فإذا جمعنا بيانات كافية وكان لدينا جهاز كمبيوتر كبير بما يكفي، فربما نضع في الاعتبار جميع تشوهات الزمكان لجميع المجرات والثقوب السوداء والمواد الأخرى في الكون، لحساب سطح ثلاثي الأبعاد، تكون عليه كل نقطة في العمر نفسه بالضبط مثل النقطة التي نحن فيها. ويقول إيليس: «يُعرف الزمكان حتى هذا الحد، وليس بعد ذلك.»
هذا الحاضر لا يزال غير «الحاضر» الذي نعرفه؛ إذ ليس كل شيء على هذا السطح ثلاثي الأبعاد يحدث في الزمن نفسه. فكما تقتضي نظرية النسبية الخاصة، إذا كنت أنت وأنا نتحرك بسرعات مختلفة على هذا السطح؛ فإننا سنظل مختلفين حول ما يحدث الآن. ولكن هذا لا يهم بالضرورة. ففي النسبية، الأشياء التي ترتبط سببيًّا بعضها مع بعض تحدث بالترتيب نفسه من كل الأوجه، حتى لو لم يستطع الراصدون التوافق حول زمن حدوثها بالضبط. ويضيف إيليس: «هذا مجرد أمرٍ نفسيٍّ. فإنك تشعر بالسعادة لاعتقادك أن هذا يحدث في الزمن نفسه مع ذاك، ولكن هذا لا يعني أي شيء بالنسبة للفيزياء.»
لا تزال توجد فجوات في نظرية الكون الجامد المتنامي. تكشف نظرية الكم أن المستقبل غير محدد، وكذلك جوانب الحاضر أيضًا، وقطة شرودنجر المسكينة مثال على ذلك، إذا لم نكلف أنفسنا عناء التحقق مما إذا كانت حية أو ميتة. ويتمثل حل إيليس — الذي وضعه مع زميله توني روثمان في عام ٢٠٠٩ — في أن الحاضر ليس سطحًا صلبًا، ولكنه سطح مليء بحفر الأمور الغامضة التي تتحول تدريجيًّا إلى يقين (إنترناشونال جورنال أوف ثيريتيكال فيزيكس، المجلد ٤٩، صفحة ٩٨٨). وهذه الفجوات الموجودة في الحاضر ليست شيئًا يمكن أن نلاحظه؛ فبصرف النظر عن مثال القطة، يمكن أن يحدث الغموض الكميُّ فقط لأشياء صغيرة جدًّا، وعلى امتداد فترات زمنية قصيرة. ويقول إيليس: «حفر الحاضر لن تكون كبيرة بما يكفي لتسقط فيها.»
ولا يزال يعمل على رأب الفجوات في النظرية، وكان آخرها كيف أن إنشاء المستقبل ينتقل من المقياس الكوني إلى المقياس الكمي. وليس الجميع مقتنعًا أنه على الطريق الصحيح. فليس هيو برايس — فيلسوف فيزياء في جامعة كامبريدج — مقتنعًا بفرضية أن الحاضر خطٌّ فاصل بين الماضي الحقيقي والمستقبل غير الحقيقي. ويشير إلى أنه حتى لو كان المستقبل غير محدد، فلا يزال يمكن أن يكون حقيقيًّا: ربما لا تكون قادرًا على تحديد ما هو موجود على الجانب الآخر من الجبل من موقعك الحالي، ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود.
يتمثل اعتراض كارول في أن حجة إيليس تعتمد على صحة تفسير «كوبنهاجن» لميكانيكا الكم. وهي فكرة تقوم على أن أعمال القياس تحدد مسار مستقبل العالم، وهي الطريقة الأكثر استخدامًا بين علماء الفيزياء لمواجهة غموض نظرية الكم بالعالم المحدد على نحو تام من حولنا. يفضل كارول سيناريو «العوالم المتعددة»، والذي فيه تحدث كل احتمالية كمية في أكوان مختلفة: فقطة شرودنجر في الحاضر ميتة في بعض الأكوان، ولكنها على قيد الحياة في أكوان أخرى. فمستقبل القطة محدد تمامًا مثل ماضيها؛ فلديها احتمالات مستقبلية عديدة. إذا كان هذا التفسير — أو أي تفسير آخر من بين تفسيرات نظرية الكم العديدة — صحيحًا، فإن طريقة إيليس في تحديد الحاضر ستكون لا أساس لها.
هذا هو أحد الأسباب التي تجعل عالِم الفيزياء النظرية لي سمولين — من معهد بريميتر في ووترلو بأونتاريو في كندا — يعتقد أنه يجب علينا أن نكون أكثر حسمًا حتى ننقذ الزمن. ففي كتابه الأخير «بعث الزمن»، يقول: إذا كنا نريد تصحيح الكيفية التي ننظر بها للزمن من خلال ما تخبرنا الفيزياء عنه، فإنه ليس من الصواب تعديل نظرية الكون الجامد؛ بل يجب علينا أن نتخلص منها تمامًا.
نقطة بداية سمولين هي نظرية قامت بإعادة صياغة نظرية النسبية العامة والتي تعرف باسم «ديناميكا الشكل»، والتي وضعها الفيزيائي المستقل جوليان باربر وآخرون. ففي حين أنه في النسبية يتمدد المكان والزمن ويتقلصان بالنسبة للراصدَين المتحركَين بسرعات مختلفة، فإنه في ديناميكا الشكل الأحجام فقط هي التي تتغير. فسوف يتفق الراصدان البعيدان بعضهما عن بعض دائمًا على ما يحدث «الآن» في مجرة ​​بغض النظر عن حركتهما النسبية، ولكن لن يكونا فقط قادرين على الاتفاق على حجم الأشياء في المجرة.
قد يبدو ذلك وكأننا نستبدل نظرية غير مريحة بأخرى مثلها. رغم ذلك، بالنسبة لسمولين، انحناء المكان فحسب — بدلًا من انحناء المكان والزمن — يعيد بدقة صنع مفهوم الزمن بالشكل الذي تستخدمه فيزياء الكم: مفهوم تقدم فيه ساعة خارجية واحدة دقة واحدة تميز لحظة عن اللحظة التالية لها. والميزة هنا هي إمكانية توحيد فهمنا لنظرية الكم مع ذلك الخاص بالجاذبية، وهي القوة الوحيدة من القوى الأساسية في الطبيعة التي ليس لها أي وصف كمي. ويرى سمولين أن الطريق للوصول إلى «نظرية موحدة» هنا يكون من خلال فهم أفضل للزمن.

حاضر فريد

بمجرد استعادة التزامن، يصبح من الممكن وصف الكون كله في صورة سلسلة من اللحظات على شكل طبقات؛ سلسلة من الأزمنة المحددة موضوعيًّا تكون فيها جميع الأحداث متزامنة. يقول سمولين: «كل ما هو موجود هو هذه اللحظة.» وهذا يناقض نظرية الكون الجامد؛ حيث يكون الماضي والحاضر والمستقبل حقيقيين على حدٍّ سواء. ويناقض تصور إيليس؛ حيث لا يوجد سوى الماضي والحاضر. بدلًا من ذلك، الأشياء الوحيدة الحقيقية عن الماضي أو المستقبل في عالم سمولين هي علامات لهما في الحاضر: سجلات للماضي ومؤشرات على ما هو آتٍ في المستقبل. ويعمل سمولين مع مارينا كورتيس من جامعة إدنبرة بالمملكة المتحدة، على تجسيد هذه الفكرة رياضيًّا واستكشاف أي من المناهج النظرية العديدة للجاذبية الكمية يتوافق معها.
لا يوافق برايس على ذلك. فيشير إلى أنه حتى لو استطاع نهج سمولين أو نهج إيليس توفيرَ وسيلة موضوعية لتحديد الحاضر، فلا تزال توجد فجوة منطقية كبيرة. فمن ناحية، تقتضي هذه الحجج أن تكون اللحظة الراهنة فريدة، ومن ناحية أخرى تقتضي أن تكتسب كل اللحظات الأخرى أيضًا هذه السمة الفريدة. ويضيف قائلًا: «إن فكرة اللحظة الراهنة المتميزة غير مترابطة.»
يبدي الفيلسوف وعالم الرياضيات في جامعة نيويورك تيم مودلين اعتراضًا مختلفًا. حتى لو قدمت نظرية إيليس أو نظرية سمولين أساسًا فيزيائيًّا لمفهومنا البديهي للمكان والزمن الحاليين، فإن كلتاهما لا تفسران حقيقة أننا نرى الزمن يتدفق، في حين تشير الفيزياء إلى أنه ساكن. ويوضح مودلين قائلًا: إن هذا إغفال جوهري، ويضيف: «الفكرة القائلة بأن الزمن يمر مألوفة تمامًا؛ وليست من المصطلحات التقنية التي اخترعها الفلاسفة.» ويرى أنه دون تدفق الزمن، لن يتحرك شيء على الإطلاق. فيبدو أن أشياء مثل الأنهار تتدفق في المكان، ولكن «التدفق الأساسي في الزمن هو الذي يكمن وراء كل هذه التدفقات الأخرى.»
على مدى السنوات الخمس الماضية، كان مودلين يعمل على ما يسميه نظرية الهياكل الخطية، التي يأمل أن تسمح له بإعادة دمج الزمن المتدفق في الفيزياء. والفكرة متأصلة في الرياضيات وليس في الفيزياء؛ فعلى عكس ديناميكا الشكل، فإنها لا تقدم أساسًا فيزيائيًّا منافسًا لهندسة الزمكان المنحني الذي قدمته نظرية النسبية. فيشير مودلين قائلًا: «الأمر يتعلق باللغة التي نكتب بها النظرية الفيزيائية، وليس النظرية الفيزيائية نفسها.» وهو يهدف إلى نشر التفاصيل في كتاب في أوائل العام المقبل.
إن الإضافة الرئيسية لمفردات هذه اللغة هي شيء يسمى خطًّا موجَّهًا. ففي أي هندسة تقليدية لا يكون اتجاه الخطوط بين نقطتين في المكان والزمن معروفًا على نحو طبيعي، فعلينا أن نُعرِّف الخط من خلال نظام إحداثيات؛ أي نحدد أنه يمر مني إليك وليس منك إليَّ، أو نرسم رأس سهم على الخط لجعل الأمور واضحة. ومع ذلك، في لغة مودلين الهندسية، رأس السهم هذا يكون متضمنًا في تعريف أي خط. وبمجرد صياغة هذا باللغة الأساسية للهندسة، يمكن للزمن أن يكتسب على نحو طبيعي اتجاهًا.
يرى إيليس عمل مودلين مثيرًا للاهتمام ومتوافقًا أيضًا مع صورته للقالب المتنامي، موضحًا بمزيد من التفصيل كيف يمكن لتدفق الزمن أن يكون أساسيًّا في الفيزياء. وعن ذلك يقول: «في النهاية، عليك أن تبني نظرياتك على بعض المعطيات الأساسية، والزمن مجرد نوع من المعطيات يتدفق كل شيء آخر من حوله.»
كارول أكثر تشككًا؛ فبدلًا من محاولة تغيير نظرية الكون الجامد لشرح تجربتنا الخاصة بتدفق الزمن، يقول: إنه يتعين علينا التركيز على شرح التجربة الإنسانية في ضوء ما تخبرنا به النظريات الفيزيائية المعروفة للغاية عن فكرة الكون الجامد. وهو يرى أنه يمكن تحقيق تلك المهمة على نحوٍ تام. ويضيف قائلًا: «هذا لا يعني أننا فعلنا ذلك، ولكني لا أرى أية عقبة أمام القيام بذلك.»

تفسير تصورنا لتدفق الزمن

يؤيد الفيلسوف كريج كالندر من جامعة كاليفورنيا بسان دييجو ذلك. فشرح تصورنا الغريب ظاهريًّا للزمن لا يعني أننا يجب أن نغير الفيزياء أو نبتكر طريقة جديدة كاملة للهندسة. وكما يقول: عندما نُدخِل «مخلوقات مثلنا» في كون مثل كوننا، فمن المنطقي أنه ينبغي ملاحظة تدفق الزمن والتمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل، حتى عندما يكون الواقع شيئًا مختلفًا.
لتفسير سبب ذلك، يمكن أن نعود إلى موقع الرصد ذلك ونحدق في الكون الجامد بأكمله، ونقترب لنركز على هذا الإنسان الذي يبدو كبقعة صغيرة: الدودة رباعية الأبعاد التي تكون طفلًا في أحد الطرفين وجثة في الطرف الآخر. مفهوم هذه الدودة للزمن يختلف عن «الواقع» أولًا في أنه يتذكر الماضي ولكن لا يرى المستقبل. ويمكن تفسير ذلك كنتيجة للديناميكا الحرارية. بدأ الكون في حالة مرتبة أنيقة للغاية بعد الانفجار العظيم، وأخذ في التوسع إلى حالة أكثر فوضوية وترهل منذ ذلك الحين. ويوجد عدد لامتناهٍ من المسارات التي يمكن أن يتطور الكون إليها بمرور الزمن في المستقبل، ولكن لا يوجد سوى مسار واحد فقط يتعلق بماضيه. أما لماذا يعمل الكون بهذه الطريقة، فهو سؤال آخر لم يُجَبْ عليه على نحوٍ جوهري، لكنه يعني على نحو إحصائي بحت أنه من المرجح ألا تكون لدينا رؤية واضحة سوى نحو الزمن الماضي فحسب.
لكن حتى في هذه الحالة لنا أن نتوقع — نحن الديدان — أن نشعر كما لو أننا ثابتون في الزمن مع امتلاك رؤية في اتجاه واحد فحسب، بدلًا مما نعايشه بالفعل من تحرك مبهم نحو المستقبل مع عدم وجود رؤية واضحة لما نتوجه إليه. وبالنسبة لكالندر، فإن مفتاح هذا الوهم هو حقيقة نفسية هامة عن أنفسنا: لدينا حس بالهوية. ووفقًا للفيزياء، تُوصف حياتك من خلال سلسلة من شرائح الدودة الخاصة بك؛ أنت كطفل رضيع، وأنت تتناول الإفطار هذا الصباح، وأنت بينما بدأت قراءة هذه الجملة … وما إلى ذلك، مع وجود كل شريحة ساكنة في زمنها. ونولِّد تدفق الزمن من خلال التفكير بأن نفس الذات التي تناولت الإفطار هذا الصباح بدأت أيضًا قراءة هذه الجملة. يقول كالندر: «توجد حقًّا كل هذه الحالات البشرية المختلفة في كل هذه الأوقات المختلفة. لكن لأنني أعتقد أنني الشخص نفسه على مدار الزمن، فإن هذا هو السبب في أن الزمن يبدو متدفقًا، على الرغم من أنه ليس كذلك.»
لذلك هل نحتاج حقًّا للحزن على مرور الزمن؟ استقى أينشتاين ذات مرة العزاءَ من فكرة الكون الذي لا يوجد زمن فيه التي ساعد في إيجادها، مواسيًا عائلة صديق له متوفًى حديثًا، فقال: «لقد غادر الآن هذا العالم الغريب قبلي بقليل. وهذا لا يعني شيئًا؛ فالأشخاص مثلنا — الذين يؤمنون بالفيزياء — يعرفون أن الفرق بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهم مستمر بعناد.» هكذا تسير الحياة.

http://www.hindawi.org/safahat/91731724/images/cover.jpg
مجلة نيو ساينتيست، المجلد ٢٢٠، العدد ٢٩٤١، الصفحات ٣٤–٣٨
١ نوفمبر ٢٠١٣