المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن تيمية والسماع الصوفي


عبدالناصر محمود
07-09-2014, 04:23 AM
ابن تيمية والسماع الصوفي*
ـــــــــــــــــ

11 / 9 / 1435 هــ
9 / 7 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/8434.jpg


ابن تيمية والسماع الصوفي من خلال كتاب الاستقامة

عبد العزيز العقلا

بحث تكميلي لمرحلة الماجستير – قسم الدعوة – كلية الدعوة والإعلام – جامعة الإمام محمد بن سعود

إشراف الدكتور : زيد بن عبد الكريم الزيد

ـــــــــــــــــــــــــــ

فتنة التصوف شر مستطير ابتليت به الأمة الإسلامية, فظهرت للناس مرتدية لباس الطهر والعفة والزهد بينما هي في داخلها تحمل أنواع الشرك والضلال والمروق من الدين بسلوكها وعقائدها التي ما انزل الله بها من سلطان, فكانت سببا من أسباب ضلال كثير من الناس وكانت من أسباب هزيمة المسلمين وتأخرهم.

ولقد هيا الله سبحانه فئة من العلماء وسخرهم للوقوف أمام مثل هذه التيارات الضالة فأبانوا للناس الحق وردوا الباطل, فكان منهم شيخ الإسلام ابن تيمية فقارعهم بالحجة المبنية على الكتاب والسنة, فناله منهم الأذى الكثير.

وكان من أهم كتبه في درء فتنة الصوفية عن الأمة كتاب الاستقامة الذي توجد فيه الفوائد الكثيرة, ونظرا لطول الكتاب ولكثرة موضوعات اختار الباحث موضوعا واحدا من موضوعات الصوفية في هذا الكتاب وهو موضوع السماع نظرا لخطورته إلى الأمة لأنه كان احد وسائل الإغواء والإضلال.

وبدا باحثنا دراسته هذه بتمهيد ذكر فيه ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ثم اهتم بتعريف كتابه الاستقامة وهو أحد مطولات كتبه فيقع في 960 صفحة وصدر في مجلدين، وتمت كتابته بمصر أثناء سجن الإمام أي تقريبا كتب في الفترة بين 705: 709 هـ، واختصه بموضوع الصوفية مستعرضا عقائدهم وموضوع السماع وبدعة الجمال والغيرة والرضا والسكر، واختتمه بفصل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ثم اهتم أيضا بترجمة للقشيري وكتابه الرسالة لان ابن تيمية رحمه الله شرح بعضا من نصوص هذا الكتاب في موضوع السماع.

ثم عرف التصوف فبين وجود تعاريف كثيرة يصعب معه حصرها وأرجع الكثيرون ومنهم ابن تيمية النسبة إلى الصوف، بينما يرى القشيري أنه كاللقب لا يشهد له في العربية قياس ولا اشتقاق.

وذكر نبذة تاريخية عنه, وهي بداية لازمة للباحث حيث قدم لبحثه هذا لكي يبني أرضية مشتركة مع القارئ, فكانت مقدمة تقليدية لكنها كانت ضرورية وهامة جدا.

ثم انتقل في فصله الأول وخصصه عن السماع كمصطلح، فعرفه وذكر أقسامه المشروع منا وغير المشروع، ثم تحدث عن السماع المشروع وذكر أدلته وذكر السماع غير المشروع وحكمه، وذكر الحالة الثالثة الوسط وهي حالة السماع المباح وحكم الشعر, فجاء الفصل استكمالا للمقدمة حيث ضيق مجال بحثه وبدأ في التعريف الدقيق بموضوع بحثه الذي جاء تخصيصا لعام وهو الصوفية بكافة تفاصيلها, فيرى ابن تيمية أن أوب من بنى دويرة صوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد وهو من أصحاب الحسن البصري, لكن في كل الأحوال لم يكن للصوفية اتباع مشهورون ومؤلفات إلا في بداية القرن الثالث الهجري.

ثم انتقل في فصله الثاني إلى تخصيص أكثر للسماع، فتحدث عن السماع الصوفي وبين انه من حيث التعريف اللغوي أن كل ما التذته الأذن من صوت فهو سماع وغناء، أما الاصطلاحي فتوجد تعريفات عدة له تفيد كلها الإصغاء بالسمع للمتحدث.

والسماع ثلاثة أقسام:

-ما يحبه الله ويرضاه وهو يشمل الاستماع للقرآن والسنة المطهرة الصحيحة والذكر والدعاء والاستغفار وذكر الباحث أدلته.

- ما يبغضه الله وينهى عنه مثل قول الزور والمنكر واللهو.

- المباح الماذون وهو ما ليس فيه نص تحريم أو فضيلة ويدخل فيه الأشعار والقصائد الملتزمة واللهو الذي لا يشتل على منكر في الأعياد والأفراح.

واستعرض الباحث بعد ذلك حكم الغناء وذكر الأدلة على تحريمه من القرآن الكريم والسنة النبوية والآثار الواردة عن الصحابة وأدلة الهدى والأدلة العقلية على تحريمه، وذكر آراء وأقوال أئمة المذاهب الأربعة ورأي الإمام ابن حزم الظاهري الذي نقل عنه إباحة الغناء، والذي رد عليه كثير من العلماء منهم الهيثمي وابن القيم في إغاثة اللهفان.

ثم ذكر الباحث بدايات السماع وتطوره عند الصوفية، فذكر أنه بدأ بقصائد محركة للقلوب تحرك الخوف والخشية من الله أو الحزن والأسف، وكانوا يشترطون حضورها ممن يسمونهم بأهل الطريق ولم يكن في الأشعار حينها ما يكره سماعه ثم توسعوا في ذلك فضموا لاجتماعهم ولسماعهم أخلاطا من الناس؛ يريدون بذلك ضمهم للطريق وللوصول إلى أهل الإرادة كما يقولون، ثم تطور الأمر لما هو اخطر من ذلك فاستمعوا للقصائد التي روج فيها للمنكر وربما استمعوا من الصبيان أو النساء أو المخنثين والمردان ثم يبدأ الرقص بعد ذلك ليختلط الحابل بالنابل, وقد حكي ابن تيمية قصة تجسد هذا التشويه ان بعض ملوك فارس قال لشيخ يجمع الناس على مثل هذا الاجتماع, فقال له يا شيخ: إن كان هذا هو الطريق إلى الجنة, فأين الطريق إلى النار؟

شبه الصوفية وأدلتهم على السماع

جاء اعتمادهم على عدد من الآيات يؤولونها على غير ما أنزلت إليه، أو على الأحاديث وبعض الاستدلالات الأخرى والتي لا يمكن أن تكون أدلة صحيحة لهم, فنذكر بعضا منها:

"الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ"

"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ" وفي تفسيرها انه السماع من الحور العين, فكيف يكون حراما وهو في الجنة؟

"إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" فهناك اعتبار للصوت الحسن والصوت الأجش الكريه في القرآن، فكيف لا يعتبرون هم؟, وهكذا من الاستدلالات العجيبة التي لا ترقى أبدا لتكون أدلة إباحة لما حرم الله.

أحوال الصوفية عند السماع

فاحدهم يصعق عند سماعه الأناشيد والمواجيد، واحدهم يصيح، والثالث يخرق ثيابه ومنهم من يبكي ثم يضحك ثم يعود ثانية للبكاء في مشاهد عجيبة، حتى قال احدهم ما نقله القشيري في رسالته "السماع فيه نصيب لكل عضو, فما يقع على العين تبكي وما يقع على اللسان يصيح وما يقع على اليد تمزق وما يقع على الرجل ترقص" وغير ذلك مما يصاحب السماع من منكرات مثل كثرة إيقاد النار بالشموع والقناديل والالتفاف حولها والاستغناء بهذا السماع عن القران كما قال الغزالي "ان السماع اشد تهييجا للوجد من القران".

ولهذا نجد أن اثر السماع عليهم عظيم جدا ومهيج لوجدهم فتزيد عن تأثير شرب الخمر في أصحابها فيذكر شيخ الإسلام حكاية عن أبي سعيد الخراز أنه قال: رأيت الشيطان في النوم وهو يمر عني ناحية فقلت تعال مالك, فقال: أن لي فيكم لطيفة السماع وصحبة الأحداث".

أقوال مشايخ الصوفية في السماع

أنكر كبارهم على المحدثين والفقهاء استنكارهم لهذا السماع الباطل, فقال أبو طالب المكي في قوت القلوب أن من أنكر السماع مطلقا غير مقيد فقد أنكر على سبعين صديقا، ومن الغريب قول أبي علي الدقاق "السماع حرام على العوام, مباح للزهاد مستحب لأصحابنا" فلا ندري شيئا في الإسلام يحرم على طائفة ويستحب لطائفة من الرجال المتساويين في التكليف، وهذا ما يؤكده أبو بكر الشبلي فيقول "السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة, فمن عرف الإشارة حل له السماع بالعبرة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية" وهذا بالفعل ما يصل إليها المفتونون بهم والمنساقون لهم.

ثم انتقل في فصله الثالث الذي كان صلب البحث وتخصصه الدقيق وخصصه لموقف ابن تيمية من السماع الصوفي وأبحاثه فتحدث فيه عن:

رد ابن تيمية المجمل والمفصل لأدلة الصوفية في السماع وبيان الحق فيه, فقسم الصوفية بداية إلى ثلاثة أقسام وهم:

* العوام, وبالطبع فيهم من حب الله ورسوله الكثير وهم أولى الناس بالنقاش والتبيين.

* الصنف الثاني ممن اتخذوا مشايخهم أربابا من دون الله فلا مجال عندهم لمناقشة رأي أو طرح دليل.

* الصنف الثالث وهم ممن يصرح بسوط الفرائض عنه ويحل الخبائث من الخمر وقد يهجرون القرآن, والصنفان الأخيران لم يجعلهم الإمام ابن تيمية محلا لاهتمامه لأنهم مغالون وأقلية ولا يحكم على الطائفة بأقوالهم.

ولهذا ذكر الباحث رد ابن تيمية على أدلتهم تفصيليا وهو فصل شيق ثري في الدراسة.

وذكر الباحث مقارنة بين السماع المشروع والسماع الصوفي, فالسماع المشروع دائر بين أمر الله ونهيه كما جاء في القرآن والسنة، في حين أن السماع الصوفي دائر بين الكفر والفسوق والعصيان والنفاق, والسماع الشرعي تشهده الملائكة التي تتنزل عند ذكر الله وتلاوة القران وليس فيه من أدوات اللهو شئ ولا توقد به نار كشرط لازم لبدء مجلس السماع وينهى فيه عن رفع الصوت ويؤمر فيه بالسكينة والوقار.

ثم ختم الباحث دراسته بتوجيه ابن تيمية لأقوال مشايخ الصوفية في السماع كعادته في محاولة إخراج المخرج وفرض احتمال الإسلام من باب حمل كلامهم على الأحسن والابتعاد عن اتهامهم مما قد يكونون منه براء لكثرة المكذوبات عليهم.

ثم ختم بحثه بالنتائج التي خرج بها، والتي كان من أهمها أن القضية مهمة جدا وانه لابد من دراستها دراسة تفصيلية من جوانب متعددة وخاصة انه استعرض أقوال السابقين وتحتاج إلى أقوال المعاصرين.

جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء.
ـــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــ

فوح العبير
07-09-2014, 01:56 PM
جزاك الله خيرا