المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقه الواقع وأثره في الحكم الشرعي


عبدالناصر محمود
07-12-2014, 02:50 PM
فقه الواقع وأثره في الحكم الشرعي
ـــــــــــــــــ

(د. عامر الهوشان)
ــــــــــ

14 / 9 / 1435 هــ
12 / 7 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_7334.jpg

من الأمور المسلم بها في الإسلام أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد, ورفع الحرج والمشقة عنهم, وتحقيقا لذلك فإن الفتوى عند علماء السلف الصالح تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال, وقد عقد الإمام ابن القيم رحمه الله فصلا بهذا المعنى في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين". (1)

ولا شك أن تنزيل نصوص الشريعة الإسلامية على الأحداث المستجدة والوقائع المتجددة, واستنباط الحكم الشرعي المناسب لها, والفتوى الصحيحة المتوافقة مع الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة, أمر في غاية الأهمية, فالبيان يطرد الشيطان, ويكشف للناس الحلال من الحرام, فيكونون على بينة من أمرهم, ويعبدون الله على بصيرة وهدى.

ولا يمكن الوصول إلى حكم شرعي صحيح للأحداث المستجدة المعاصرة دون فهم الواقع فهما صحيحا, وإدراكه إدراك كاملا, من خلال معايشته ومعرفة جزئياته وحيثياته, ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن فقه الواقع وأثره في الحكم الشرعي.

التعريف
------
رغم وضوح معنى فقه الواقع دون شرح أو تعريف, حيث يشير إلى فهم الواقع وإدراكه كما هو دون زيادة أو نقصان, إلا أن تناول بعض تعاريف علماء اللغة والمفكرين المعاصرين له يلقي بمزيد من الضوء على هذا المصطلح المركب.

أما كلمة "فقه" فتعني في اللغة الفهم مطلقا سواء ما ظهر أو خفي, وذهب بعض العلماء أن الفقه لغة هو فهم الشيء الدقيق, أما الواقع فرغم عدم وجود الكلمة في معاجم اللغة العربية, إلا أن بعض العلماء "العلامة صديق حسن خان (ت1307 هـ) " عرفها بقوله: (الواقع هو ما عليه الشيء نفسه في ظرفه، مع قطع النظر عن إدراك المدرِكين، وتعبير المعبِّرين ) (2)

واعتبر الدكتور عبد المجيد النجار أن الواقع يعني: ما تجري عليه حياة الناس، في مجالاتها المختلفة، من أنماط في المعيشة، وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وأعراف، وما يستجد فيها من نوازل وأحداث. (3)

وبناء على ما سبق عرف بعض العلماء المعاصرين "الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله" فقه الواقع بأنه: "هـو الوقــوف على ما يهـم المسلمين مما يتعـلق بشــؤونــهم أو كيــد أعــدائـهم، لتـحـذيـرهم والنهوض بـهم واقـعيا لا نـظـريا – فالكلام النظري عبث وجهد ضائع- أو انشغالاً بأفكار الكفار وأنبائهم... أو إغراقًا بتحليلاتهم وأفكارهم. (4)

ويرى الدكتور القرضاوي أن فقه الواقع مبني على دراسة الواقع المعيش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات. (5)

بينما يعتبر الأستاذ عمر عبيد حسنه أن معنى فقه الواقع هو: النزول إلى الميدان وإبصار الواقع الذي عليه الناس، ومعرفة مشكلاتهم ومعاناتهم واستطاعاتهم وما يعرض لهم، وما هي النصوص التي تتنزل عليهم في واقعهم، في مرحلة معينة، وما يؤجل من التكاليف لتوفير الاستطاعة، إنما هو فقه الواقع، وفهم الواقع، إلى جانب فقه النص. (6)

أهمية فقه الواقع
---------------
لا يخفى على كل ذي علم وبصيرة دور وأهمية معرفة الواقع وفقهه بشكل صحيح وسليم على الحكم الشرعي, فإذا كان فقه النص نصف الطريق للوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح, فإن فقه الواقع المراد تنزيل النص عليه يشكل النصف الثاني المتمم لاكتمال الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح, ومن العبارات المشهورة لعلماء الفقه الإسلامي التي تؤكد ذلك قولهم: (الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ).

لقد تغيرت بعض فتاوى فقه الإمام الشافعي في مصر عما كان عليه في العراق, نظرا لتغير الواقع الجديد الذي طرأ عليه وعاش فيه, ولم يك ذلك مسايرة منه لأهواء الناس وتقلبات أمزجتهم وأهوائهم كما قد يظن البعض, وإنما كان ذلك مراعاة للعرف والمصلحة التي قد تتغير بتغير الأماكن والأزمان.

وإذا كان كثير من العلماء في العصر الراهن قد برعوا في فهم وفقه النصوص الشرعية ودلالاتها ومدى صحتها من سقمها, فإن المرحلة الأهم لمواكبة تطور الأحداث الغير منتهية – في العصر الراهن ومستقبلا - هو فقه الواقع وتنزيل النصوص الشرعية الصحيحة والمناسبة عليه.

يقول الأستاذ عمر عبيد حسنه: "من مظاهر أزمة الاجتهاد اليوم أيضًا، أن التركيز في شروط أهلية الاجتهاد انصرف في معظمه إلى معرفة وفقه النص في الكتاب والسنة، أو إلى تحرير النص وبيان صحته، وهذا المطلب أو هذا الفقه لا شك أنه من الأبجديات التي لا تتحقق القراءة والكسب إلا بها، ولا تتوفر المعايير والموازين للأشياء إلا فيها، ولكن هناك جانبًا آخر بشكل عام وهو فهم أو فقه محل النص وموطن تنزيله، إلى جانب فقه النص، أي لا بد من فقه النص وفهم الواقع الذي يراد للنص أن يقومه وينزل عليه، وفي هذا لا يكفي حفظ النصوص، بل لعلنا نقول: إن فقه النص لا يتوفر على حقيقته إلا بفهم الواقع". (7)

بل إن الإمام ابن قيم رحمه الله جعل من فهم الواقع والتمكن فيه أمر لا بد منه في المفتي والحاكم, وشرط ضروري لاستحقاق إطلاق لفظ العالم على المتمكن منه, وشرط للوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح, و لعصمة المفتي والعالم من الوقوع في التسبب في إضاعة حقوق العباد, و نسبة ذلك إلى الدين والإسلام.

يقول ابن القيم رحمه الله: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما, والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع, ثم يطبق أحدهما على الآخر, فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه, ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا, ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم, ونسبة إلى الشريعة التي بعث الله بها ورسوله. (8)

مستند فقه الواقع
---------
ليس فقه الواقع مقطوع الصلة بمصادر التشريع الإسلامي الأساسية من كتاب وسنة كما قد يعتقد البعض, بل إن مكانة هذا الفقه ثابتة بكثير من الآيات والأحاديث النبوية, ناهيك عن العمل به في آثار وسيرة السلف الصالح من هذه الأمة.

فمن المعلوم أن القرآن الكريم نزل بعضه في مكة وبعضه الآخر في المدينة, مع بدهية الاختلاف في الواقع زمانيا ومكانيا بينهما, كما أن الله تعالى أقر ما كان صالحا من أعراف الناس وأحوالهم في القرآن الكريم, وهو ما يعبر عن مراعاة كتاب الله تعالى لواقع الناس, وتقرير أحوالهم الصالحة غير المخالفة لتعاليمه وأحكامه, كما أن أسباب نزول كثير من آي القرآن الكريم -والتي كانت تنزل حسب الوقائع والأحداث- تشير بوجه أو بآخر لمراعاة حاجات الناس ومتطلباتهم, ناهيك عن منهج التدرج الذي انتهجه القرآن في تقرير بعض الأحكام الشرعية -كتحريم الخمر وغيره– مراعاة للواقع الذي كان عليه حال المسلمين.

أما السنة النبوية فهي مليئة أيضا بما يشير إلى الأخذ بواقع الناس وأحوالهم في تقرير الأحكام, فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس على قدر عقولهم وأفهامهم, ويجيب عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة, نظرا لمراعاته واقع وحال كل واحد من السائلين, ويكفي أن نشير إلى مثال واحد يؤكد النظرة الواقعية النبوية في تقرير الأحكام.

ففي الحديث الصحيح عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ! قَالَ : مَا لَكَ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا فَقَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ – قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ فَقَالَ : أَنَا . قَالَ : خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ . فَقَالَ الرَّجُلُ : أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي !! فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ : أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) (9)

وأما مستند الأخذ بفقه الواقع في آثار السلف الصالح فهو كثير لا يمكن إحصاؤه, ويكفي أن نشير إلى اجتهادات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, التي تدل على فهم عميق للواقع, وتنزيل صحيح للنصوص الشرعية على هذا الواقع, وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى بعضها في كتاب "إعلام الموقعين" تحت عنوان: فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال, كسقوط حد السرقة عام المجاعة مراعاة للواقع واعتباره شبهة قوية تسقط الحد. (10)

كما أن رأي واجتهاد عمر رضي الله عنه بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهور الإسلام, وقوله لكل من عيينة بن حصن والأقرع بن حابس حين جاءا ليشهد لهما بإقطاع في عهد أبي بكر رضي الله عنه: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَتَأَلَّفُكُمَا وَالإِسْلاَمُ يَوْمَئِذٍ ذَلِيلٌ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلاَمَ فَاذْهَبَا فَاجْهَدَا جَهْدَكُمَا لاَ أَرْعَى اللَّهُ عَلَيْكُمَا إِنْ رَعَيْتُمَا) . (11) دليل واضح على فقه عمر رضي الله عنه بالواقع, وأن علة وسبب إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الفئة من الناس قد زالت وانتهت بظهور الإسلام وقوته وعزه.

أثر فقه الواقع على الحكم الشرعي في الوقت الراهن
-----------------------------

لا يخفى أثر فقه الواقع على الحكم الشرعي, فإن الجهل بحقيقة الواقع والتقصير في فهم جزئيات الوقائع المستحدثة وتفاصيلها في العصر الراهن كان سببا رئيسا في تخبط الفتوى والحكم الشرعي بشأنها, بل وتناقضها وتضاربها في بعض الأحيان.

ولا نقصد بأثر فقه الواقع على الحكم الشرعي مسايرة الأهواء والأمزجة للأفراد والشعوب, ليصبح الحرام حلالا والمنكر معروفا والثابت من الشريعة متغيرا, كما يرغب العلمانيون وأمثالهم ويشتهون, ممن أسرفوا في وجوب اعتبار الواقع حتى جعلوه فوق النصوص الشرعية المحكمة الثابتة.

وإنما المقصود: أثر فهم الواقعة والحادثة و تنزيل النص الخاص بها, في الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح, وبالمقابل أثر الفهم الخاطئ والمنحرف للواقع -أو عدم إدراكه وفقهه وفهمه أصلا- من أثر كبير على الحكم الشرعي المستنبط من تنزيل النص الشرعي على تلك الواقعة أو الحادثة غير المدركة.

وإذا كانت الأمور المستحدثة في مسائل المعاملات قد شهدت ثورة في العصر الحديث, وكان لا بد لها من فهم دقيق لواقعها, للوصول إلى صوابية تنزيل النصوص الشرعية بشأنها, والخروج بفتاوى وأحكام شرعية صحيحة لكل حالة من حالاتها, فإنها نالت - على أي حال - نصيبا طيبا من جهود العلماء والمفتين -وإن كانت بحاجة إلى المزيد- دون أن تشهد ذلك التضارب -وربما التناقض– على نفس الواقعة والحادثة المراد تنزيل النص الشرعي عليها.

ولكن ... ما شهدته الساحة العربية والإسلامية من ثورات شعبية مما بات يعرف "بالربيع العربي", وما صاحبها من وقائع ومستحدثات لم تكن من قبل, كالمظاهرات السلمية في بداية الأمر, والتي تطورت في بعض الأماكن والأحيان إلى شكل من التسليح كما الحال في سوريا وغيرها, لنصل إلى مرحلة ما يسميه العلماء والفقهاء "الخروج", لم يشهد نفس الجهد والاجتماع من العلماء للاجتهاد بحكم شرعي واضح وصريح لهذه الواقعة والحادثة المستجدة, وما ذاك إلا بسبب عدم متابعة وفهم الواقع فهما صحيحا ودقيقا, وقراءة كل عالم لهذا الواقع من بعيد, دون أن ينزل إلى الميدان ويتلمس حاجات الناس وحقيقة ما يجري على أرض الواقع.

لقد ظهرت مواقف متعددة للعلماء والفقهاء المعاصرين أمام هذه الواقعة, برزت من خلالها أزمة فهم الواقع فهما صحيحا ودقيقا, الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى فتاوى متضاربة ومتناقضة في بعض الحالات, إضافة إلى بروز تطرف من هنا وهناك في فهم الواقع والتعامل معه:

1- بعض العلماء تطرف في إغفال حقيقة الواقع, فحمل سيف الأحكام الفقهية التي تحرم "الخروج" دون أن يتعب نفسه عناء النظر في ضوابط وشروط هذا المنع والتحريم, ودون أن يتبصر بالواقع والشروط

2- والبعض الآخر من العلماء كان على النقيض من ذلك تماما, حيث غالى في تضخيم الواقع والأخذ به إلى درجة جعل "الخروج" ألزم الجميع برأيه, دون أن يحسب حساب النتائج والمصالح والمفاسد التي أمرت الشريعة بمراعاتها في جميع الأحكام الفقهية, ودون أن يراعي واقع قدرة الناس واستطاعتهم على خلع الحاكم وإزاحته.

3- وهناك من العلماء الراسخين المعتدلين الذين فهموا حقيقة الواقع فهما صحيحا ودقيقا, سواء من ناحية إعلان تطبيق شريعة الله من عدمه , وناحية اتقاء الفتن وناحية حقن دماء المسلمين , وناحية الحفاظ على المجتمعات من الهرج والفوضى , وناحيةالأصل عند جمهور أهل السنة من عدم الخروج على الحاكم المسلم حتى لو فسق و مع حساب القدرة والقوة , وموازنة المصالح والمفاسد المترتبة على الموقف, فكانت مواقفهم الفقهيةرصينة محافظة على الأوطان الإسلامية و مانعة من انتشار داء التكفير بين الناس , ومحافظة على مقاصد الشريعة تبعا لفهمهم الصحيح للواقع متزنة ومتوافقة مع النصوص الشرعية.

لقد أظهرت هذه الحالة أثر فقه الواقع على الحكم الشرعي, ومدى الحاجة الملحة لضرورة فهم الواقع فهما صحيحا لتكون النتائج والأحكام الشرعية المستنبطة صحيحة ودقيقة, فالنصوص الشرعية المتعلقة بمسألة "الخروج" واضحة لا غموض فيها, وضوابط العلماء حول حالات جواز "الخروج" من عدمه لا تخفى على أحد من العلماء المعاصرين الذين تضاربت آراؤهم ومواقفهم بنفس المسألة.

الأمر الذي يشير بوضوح ويؤكد أن الأصل في هذا التضارب والاختلاف إنما هو في الحقيقة القراءة الخاطئة للواقع وعدم فهمه فهما دقيقا, فبينما أغفل الطرف الأول بعض الضوابط والوقائع التي تشير إلى جواز "الخروج" إن ظهرت وتحققت, أغفل الطرف المقابل اعتبار شرط القدرة والاستطاعة على "الخروج", ومراعاة مبدأ وقاعدة الأخذ بأهون الشرين وأقل الضررين حين التعارض, لنجد أنفسنا أمام محنة عظيمة سببها الأبرز انعدام وإغفال دور "فقه الواقع" أو المغالاة فيه.

ويمكننا أن نتتبع رؤية شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المبحث وكيف اهتم كثيرا بالواقع وتأثيراته وآثاره من خلال ما نقل عنه رحمه الله إذ يقول : "وقَلَّ مَنْ خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا كان ما تولَّد على فعله من الشر؛ أعظم مما تولد من الخير،كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة، الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء". قال: "وغاية هؤلاء إما أن يُغْلَبُوا، وإما أن يَغْلِبُوا، ثم يزول ملكهم، فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلْقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم؛ فهُزِموا وهُزِم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا، ولا أَبْقَوْا دنيا، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يصلح به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين، ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي، وعائشة، وطلحة، والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يَحْمدُوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرًا عند الله، وأحسن نية من غيرهم ". قال: "وكذلك أهل الحرة: كان فيهم من أهل العلم والدين خَلْق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث: كان فيهم خَلْق من أهل العلم والدين، والله يغفر لهم كلهم " قال: "وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكنْ عليكم بالاستكانة والتضرع؛ فإن الله تعالى يقول: )وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُون " )...وقال " وكان أفاضل المسلمين ينهوْن عن الخروج في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وعلى بن الحسين، وغيرهم ينهوْن عام الحرَّة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري، ومجاهد، وغيرهما ينهوْن عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمْر أهل السنة على تَرْكِ القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وصاروا يَذْكُرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة، وترْك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خَلْقٌ كثير من أهل العلم والدين...)). إلى أن قال: ((وهذا كله مما يبين أن ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من الصبر على جور الأئمة، وتَرْكِ قتالهم والخروج عليهم؛ هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدًا أو مخطئًا؛ لم يحصل بفعله صلاح، بل فساد، ولهذا أثنى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على الحسن بقوله: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))، ولم يُثْنِ على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نَزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة )) .اهـ. وقد جاء في ((الفتح)) قال ابن بطال: ((وفي هذا الحديث - أيضًا- حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان - ولو جار - لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أعْلَمَ أبا هريرة بأسماء هؤلاء، وأسماء آبائهم، ولم يأمرهم بالخروج عليهم - مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم - لكون الخروج أشد في الهلاك، وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف المفسدتين، وأيسر الأمرين )).اهـ.

إن حاجة المسلمين إلى فقه علمائهم للواقع بشكل متوازن في العصر الراهن حاجة ملحة, وبالتالي فلا بد من تسليط مزيد من الضوء والعناية بهذا العلم, عبر الأبحاث والرؤى والتأصيل العلمي له, والذي يحتاج بطبيعة الحال إلى بعض المختصين بالعلوم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية, لنصل إلى الفتوى والاجتهاد الشرعي الصحيح.

ــــــــــــــــــــــــ

الفهارس

(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 3/3

(2) كشاف اصطلاحات الفنون، 2/11، نقلا عن التأصيل العلمي لمفهوم فقه الواقع، ص: 164

(3) في فقه التدين فهما و تنزيلا، 1/11

(4) سؤال وجواب حول فقه الواقع 1/11

(5) الموقع الرسمي للشيخ

http://www.qaradawi.net/new/library2/283-2014-01-26-18-53-06/3382

(6) نقلا من كتاب فقه الواقع ...أصول وضوابط أحمد بوعود ص21

(7) نفس المرجع السابق ص 37 – 38

(8) إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/87- 88

(9) صحيح البخاري برقم 1936

(10) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 3 /12

(11) سنن البيهقي الكبرى برقم 13568
----------------------------------