المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إمكانات المقاومة الفلسطينية


عبدالناصر محمود
07-15-2014, 03:55 AM
إمكانات المقاومة الفلسطينية والجغرافية العسكرية لغـزة
ــــــــــــــــــــــــــ

(أحمد فايق دلول)
ـــــــ

17 / 9 / 1435 هــ
15 / 7 / 2014 م
ــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/814072014030604.png


معروفٌ أن قطاع غزة شريط ساحلي جغرافي طولي صغير المساحة ومستوي السطح ويخلو من التضاريس، حيث تبلغ مساحته 365 كم2 ويبلغ طوله 46 كم، فيما يبلغ متوسط عرضه 7 كم، أي 14 كحد أقصى و 6 كحد أدنى، وهذا يعني من منظار الجغرافية العسكرية وعلم الاستراتيجية أن القطاع ساقطٌ عسكرياً. ويتخذ بعض المحللين السياسيين من هذه المسلمة مبرراً لانسحاب الاحتلال الصهيوني من القطاع في نوفمبر 2005م بجانب العوامل الأخرى.
وأثناء عدوانه الأول (2008-2009) على قطاع غزة، قام الجيش الصهيوني بتقطيع غزة لأكثر من جزء، واعتلى أسطح المنازل ليكشف بذلك غالبية المناطق غير المقام عليها المباني. إلا أنها قواته المدججة بأحدث أنواع الأسلحة لم تستطع اجتياح غزة بالكامل واضطرت صاغرة أن توقف العدوان من طرف واحد.
وفي ضوء هذه المسلمة ومع الاستفادة من التجارب العسكرية السابقة وورش العمل والحلقات العلمية؛ كان لزاماً على المقاومة الفلسطينية أن تغير استراتيجياتها وتكتيكاتها فيما يتعلق بالتعامل مع الكيان الصهيوني عسكرياً، وهو ما بدا واضحاً في تصريح القيادي في حركة حماس الدكتور محمود الزهار أثناء مشاركته في مسيرة ليلية بمناسبة انتصار المقاومة الفلسطينية في العدوان الصهيوني السابق (14-21/11/2012م)، إذ قال الزهار حينها "اليوم نغزوهم ولا يغزوننا"، وصدرت بعض التصريحات عن الشهيد أحمد الجعبري قبل استشهاده ملخصها أن بإمكان حماس اليوم أن تقتحم مواقع عسكرية قريبة من غزة.
ومنذ أواخر العام الماضي (2013م) وحتى قبل العدوان بأقل من شهر؛ شرعت كتائب القسام في تنفيذ سلسلة استعراضات عسكرية بالسلاح بأنواعه أو بالإنزال من أعلى الأبراج أو المظليين، وكان من السهل جداً على القارئ المتفحص لتلك الاستعراضات أن يلتقط الإشارة الدقيقة لما وصلت إليه ‏حماس وجناحها العسكري من درجة من الاحتراف القتالي والمهنية العالية في الجانب العسكري.
لقد أظهرت المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس مفاجئات كثيرة في قدراتها خلال هذا العدوان، حيث تنوعت القدرات ما بين صواريخ طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى، وصواريخ مضادة للطائرات والدبابات، وأنفاق عسكرية ومنصَّات إطلاق صواريخ، هذا فضلاً عن تنفيذ المهمات الخاصة من خلال وحدة الكوماندوز.
غـزة: تحت الأرض وفوق الأرض
ليس سراً القول إن المقاومة الفلسطينية وخاصة حماس ومنذ انتهاء العدوان الصهيوني السابق قد قامت بتجنيد عددٍ لا بأس به من عناصرها في حفر الأنفاق، كما حوَّلت كثيراً من مقدرات قطاع غزة لهذه الأنفاق مثل الأسمنت والحديد وبقية مواد البناء، حيث استفادت الحركة وبجانبها الفصائل المسلحة من فترة التهدئة ومن فترة حكم محمد مرسي في مصر في تمكين نفسها بشكل كبيرٍ جداً.
وخلال العام المنصر تم الكشف عن نفقٍ كبيرٍ جداً كانت كتائب القسام قد حفرته من أجل استخدامه في عمليات تفجيرية داخل الأراضي المحتلة، ويصل طوله حوالي 2.5كم، منها حوالي 300 متر داخل الأراضي المحتلة، وأشارت كتائب القسام في حينها أن النفق استغرق مئات الأيام من الحفر على أيدي مئات من عناصرها، حيث تضمن بناء النفق على جملة من أعمال الحفر ونقل التراب وأعمال الخرسانة وتركيبها...
وقامت كتائب القسَّام أيام العدوان الحالي بتفجير منطقة معبر "كرم أبو سالم" شرق مدينة رفح من خلال نفقٍٍ كبيرٍ حفرته من قبل، وكان هذا التفجير من أكبر عمليات حماس النوعية/ز شبيه إلى حدٍ بما يعرف بـ"عملية محفوظة" أو "ثقب في القلب" التي نفذها الاستشهادي القسامي عمر طبش على حاجز أبو هولي وسط قطاع غزة يوم 18 مارس 2005م، ولم تكشف القسام عن تفاصيل العملية إلا بعد مرور عشر سنوات على تنفيذها.
وتعتبر الأنفاق أحد أخطر التحديات التي تواجه الاحتلال الصهيوني إذا ما قرر دخول غـزة برياً، حيث من المؤكد أنه سيواجه مئات الأنفاق المنتشرة تحت الأرض، في كل حارة أو شارع أو زقاق، هذا فضلاً عن مئات الأنفاق الأخرى الخاصة براجمات الصواريخ، وهو الأمر الذي جعل من قادة الاحتلال الصهيوني يخشون من غزة المتواجدة تحت الأرض أكثر من غزة المتواجدة فوق الأرض على حدٍ تعبيرهم في إشارة منهم إلى الحجم الكبير للأنفاق.
الصواريخ: من البدائية إلى المتطورة
لم تكن المقاومة الفلسطينية تعرف الصواريخ إلى بعد سنة من الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى 2000م)، وحينها بدأت الصواريخ الفلسطينية بدائية جداً، تنحصر في مجرد أنبوب من الحديد فيه بعض المكونات المتفجرة، وتستطيع هذه الأنبوبة أن تحلق في السماء وربما تنفجر في مطلقيها.
لقد اجتهدت المقاومة الفلسطينية في إيجاد آليات محددة من أجل تطوير صواريخها، فاستطاعت صناعة صواريخ قسام 1، قسام 2، قدس 1، قدس 2، وغيرها من المسميات لصواريخ قصيرة المدى لا تتعدى 12 كم، وبعد العدوان الصهيوني على غزة 2008-2009، حاولت المقاومة استيراد صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، فقامت إيران بتزويدها بعددٍ يسيرٍ من الصواريخ متوسطة المدى مثل صاروخ غراد وهو صاروخ روسي الصنع، ورفضت أن تزودهم بصواريخ أخرى، ومن هنا كان لزاماً على المقاومة أن تعتمد على نفسها ليس لأن إيران ماطلت في تزويدهم بالصواريخ؛ بل ولأن غزة غير صالحة للقتال وفق الجغرافية العسكرية، وهو ما يتطلب نقل المعركة إلى أرض العدو إن جاز التعبير أو على الأقل (أو نقلها إلى الأراضي المحتلة).
لقد وجدت المقاومة الفلسطينية في السودان معيناً لها في نقل بعض التكنولوجيا، وهو ما ساعدها على تجهيز حزمة من الصواريخ المتقدمة، ومن المتوقع أن تعلن عن حزمة أخرى ضمن مصطلح "المفاجئة"، ومن هذه الصواريخ: قسام، M75 ، J80، R160، براق 80. هذا فضلاً عن الصواريخ الأخرى الخاصة باستهداف الطائرات مثل سام 7، و 107، وصاروخ كورنيت، وهي صواريخ مستوردة.
لقد ظهر التطور النوعي للقوة الصاروخية للمقاومة الفلسطينية في عدوان 2012م، حينما كشفت حماس عن صاروخ (M75) بعيد المدى تيمناً بالشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة، حيث استطاعت قصف العمق الصهيوني وخاصة مدينة القدس المحتلة وجعل نصف سكان الكيان الصهيوني في مرمى الصواريخ. ولم تصدِّق دولة الكيان الصهيوني ان حماس تمتلك هذا الصاروخ، فاتهم حماس بأنها تقصف القدس باستخدام صاروخ فجر الإيراني.
أما منذ بداية العدوان الحالي، فقد أعلنت حركة حماس عن تطور نوعي آخر في منظومة السلاح الصاروخي، حيث أعلنت كتائب القسام أنها قصفت مدينة حيفا (وهي تبعد عن غزة حوالي 140 كم) لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني بصاروخ جديد يحمل اسم (R160) تيمناً بالشهيد عبدالعزيز الرنتيسي، وهو صاروخ يصل إلى 160 كم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي مفاجئة جديدة أيضا، أعلنت كتائب القسام عن قصف مدينة الخضيرة (وهي تبعد نحو 100 كلم شمال قطاع غزة) بصاروخ يحمل اسم (J80) تيمنا بالشهيد احمد الجعبري القائد السابق لكتائب القسام، وهو صارخ يصل مداه ما بين 80-100كم، وهو الصاروخ نفسه الذي قٌصِفت به مدينة تل أبيب المحتلة.
ولا تقتصر المنظومة الصاروخية للقسام على هذا الحد، فقد أعلنت الكتائب عن قصفها، مستوطنتي "روحوفوت" و"بيت يام"، بصاروخ محلي الصنع من طراز "سجيل 55"، وتأتي تسميته تيمناً بحرب حجارة السجل (عدوان 2012م).. كما تتحفظ الكتائب على العديد من المفاجئات التي ربما تأتي تيمنا بأسماء شهدائها خلال الفترة السابقة.
أما صاروخ "براق 70"، فهو أيضا محلي الصنع من إنتاج سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، ويصل مداه إلى حوالي 70 كم، وهو المفاجئة الوحيدة لسريا القدس، لكنها اعتادت على استخدام صاروخ "فجر 5" في قصف مدينتي تل أبيب والقدس، وهو صاروخ منقول من حزب الله اللبناني إلى غزة.
وتشير صحف صهيونية إلى أن كتائب القسام تمتلك عشرات الصواريخ من طراز (M302 )، وهذه الصواريخ من إنتاج سوري تم نقلها إلى قطاع غزة قبل سيطرة البحرية الصهيونية على سفينة (كلوز سي) أي أواخر عام 2013م، لكن كتائب القسام لا تؤكد ولا تنفي هذه المعلومات، وبالتالي تبقى معلومات غير مؤكدة.
وعلى ما يبدو أن الاحتلال الصهيوني سيفكر يوماً ما وبشكلٍ جدِّيٍ في نقل مغتصباته (مستوطانته) من محيط أو غلاف قطاع غزة إلى مكان آخر أكثر أمناً بالنسبة له، وهو ما يعني حلاً مؤقتاً لمعضلة الصواريخ، لأنها في تطور مستمر.
لقد تحولت صواريخ المقاومة بعد 13 عاماً من بدء استخدامها من سلاح بدائيٍ بسيطٍ جداً إلى تهديد استراتيجي للكيان الصهيوني ولأمنه القومي، هو ما عبَّر عنه موقع "والا" العبري الصهيوني بالقول "صواريخ حماس باتت تهدد كل الكيان الصهيوني ... نحو خمسة ملايين صهيوني باتوا ليلتهم في الملاجئ والتحصينات وخارج المناطق المأهولة، فضلا عن الشلل الذي أصاب مدناً بأكملها وخاصة مدينة عسقلان التي تعتبر أهم مدينة صناعية داخل الكيان الصهيوني على ساحل البحر الأبيض المتوسط".
وحدة الضفادع البشرية: مفاجأة نوعية غير متوقعة
لم يكن أحد من المراقبين يتوقع أن تقدم كتائب القسام على اقتحام قواعد عسكرية داخل الأراضي المحتلة مثل قاعدة "زيكيم" العسكرية ولأكثر من مرة بواسطة البحر، حيث كانت هذه العملية نوعية جداً ومفاجئة للجيش الصهيوني رغم ما شابها من عملية تعتيم أمني وإعلامي من الجانب الصهيوني.
لقد عرض الاحتلال الإسرائيلي مقطع فيديو للكنوماندوز القسامي منذ اللحظات الأولى لخروجهم من تحت الماء إلى أن تمَّ اغتيالهم، وذكرت وسائل إعلام الاحتلال أنهم بمجرد خروجهم من الماء قاموا بإطلاق النار على الحارس المتواجد على برج المراقبة. لكن مقطع الفيديو لم يعرض المشهد، ولعل هذه إشارة إلى أن المقطع إن لم يكن مدبلجاً فإنه يحمل مفاجئات مختلفة.
وثمَّة تعارض بين الرواية الصهيونية والأخرى الفلسطينية، حيث أن الرواية الفلسطينية (أي رواية كتائب القسام) تفيد بمقتل نحو سبعة من الجنود الصهاينة.
أما روايات شهود العيان فتكاد تجمع على أنهم سمعوا إطلاق نارٍ كثيفٍ مصحوبٍ بإطلاق قذائف من قاذفات محمولة على الكتف. أما رئيس ما يعرف بالمجلس الإقليمي لعسقلان "يئير فرجون" فقد أشار أن "حماس حاولت القيام بعملية نوعية وجريئة تتعدى إطلاق الصواريخ، وكادت تنجح وتؤدي لحادثة قاسية جداً لولا يقظة الجيش".
ومهما يكن من أمر، لا يمكن إغفال أن هذه العملية النوعية أشارت إلى تقدمٍ كبيرٍ في العمل العسكري لدى حماس، وشكَّلت مفاجئةً بالغة الخطورة كادت أن تقلب موازين القوى في الأراضي الفلسطينية لصالح حركة حماس.

----------------------------------