المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعليم والجامعات في إسلام القرون الوسطى


Eng.Jordan
02-18-2012, 07:21 PM
التعليم والجامعات في إسلام القرون الوسطى
يوسف فان إس*

(1)

يشكل التعليم جزءا من طموحنا الحيوي، فالحرف مادة ميتة، والضمانة لاستمرار أي تراث اجتماعي وأي تقاليد ثقافية تتمثل في انطلاق علم من العلوم يتداوله البشر على الدوام، ويقبلون عليه باطراد. وتجاوبا مع هذا المعنى يصبح التعليم مطلبا مستديما وحاضرا في كل مكان. إلا أن هنالك أمكنة يتجلى فيها الفكر بصورة استثنائية. فمن أتيح له رؤية المستنصرية في بغداد، أو مقام الأزهر في القاهرة، أو مسجد القرويين في فاس، لا بد أن يشعر ب***** المنبعث من عظمة المكان الذي تكون، واتخذ شكله الحالي على مدى قرون عديدة. والأثر الذي تتركه هذه الأبنية في نفوسنا لا يتأتى عن التدريس في حد ذاته –ذاك التدريس الذي لم يبق لنا منه في غالب الأحيان سوى الذكرى التاريخية – وَإِنَّمَا عن إدراكنا الراسخ لمؤسسة قديمة أكسبت ذاك التعليم بنيته الذاتية.

ولكن أي بنية تعنى؟ ينبغي علينا ألا نلجأ إلى المقارنات المضللة.. إن المسجد أو المدرسة ليس جامعة بالمعنى العصري، بالرغم مما قد يدعيه الدليل السياحي. فالتعليم الذي كان يعطى في مساجد القرون الوسطى كان دوما من النوع الخاص. ولئن لاقى بعض الدعم من الحاكم، إِلاَّ أَنَّهُ لم يكن له أبدا صفة المؤسسة الرسمية. وعليه، فالمسجد لم يكن مستقلا استقلالا ذاتيا، بل إِنَّهُ لم يكن بوسعه أن يحظى بالاستقلال الذاتي نظرا؛ لأن الشريعة الإسلامية لا تعرف إلا الفرد، ولم يسبق أن طورت مفهوم هيئة معنوية يمكنها أن تتمتع بحقوق مستقلة. إن ما أعنيه بعبارة "هيئة معنوية" يرادف ما يعبر عنه بالإنكليزية بـlegal person وبالفرنسية بـ personne morale.

إن هذا التعريف مصدره القانون الروماني، وهو مألوف الاستعمال في الغرب منذ القرون الوسطى. ولكن من الأكيد أيضا أَنَّه ليس بغريب عن البلدان العربية اليوم. فكل اتحاد وكل جمعية وكل بلدية هي "هيئة معنوية". وأفضل مثال على ذلك الكنيسة المسيحية، والمقصود هنا الكنيسة كمؤسسة وليس كمبنى، إن الكنيسة بهذا المفهوم لا وجود لها في الواقع على الإطلاق. وكل ما هنالك أن لها أفرادا ينتمون إليها، أفرادا من لحم ودم، إلا أنه وفقا للمجاز القانوني ليس أبناء الكنيسـة هم الذين يمكنهم أن يتخذوا القرارات دون غيرهم، وإنما يمكن للكنيسة أيضا أن تقرر وتقول كلمتها. والأمر كذلك فيما يتعلق بالجامعة؛ فالكلية تستطيع أن تتخذ قرارات، ومع أن عميد الكلية هو الذي يتولى أمر تنفيذها، إلا أنها ليست صادرة عنه بالفعل، وإنما عن هيئة مفترضة أو متخيلة. ومثل هذا التجريد لا وجود له في الشرع الإسلامي القديم، أو على الأصح، إن وجوده ينحصر في مقاطع معينة كمفهوم المصر الجامع للبلدية في الفقه الحنفي.

فالشريعة الإسلامية لا تعرف إلا الفرد، سواء أكان شخصا أم شيئا، واللفظة التي تشير إلى ذلك إِنَّمَا هي "العين". ولذلك ظل المسجد المكان الأفضل للتعليم حيث يتلاقى شيخ وطالبه عند أحد أعمدته للتداول في شؤون العلم وشجونه. وفضلا عن ذلك، فالمسجد لم يكن المكان الوحيد لطلب العلم. فمن أراد تعلم الطب قصد أحد المعلمين في المرستان؛ وللتمرس على الأعمال الإدارية، كان ينبغي ملازمة أحد أصحاب الاختصاص، فيزوره في بيته أو في إحدى المكتبات العامة التي أنشأها الحاكم، (وأذكر على سبيل المثال دار الحكمة التي أنشئت في قصر الفاطميين في القاهرة). واختيار المكان كان رهنا بالغرض العلمي المرجو من التعليم، في حين أن الغرض العلمي كان منوطا بالمثل الأعلى الذي يصبو إليه المجتمع. والمثل العليا متعددة: فهنالك المثل الأعلى للأديب، وكان منتشرا بين الكتاب ورجال البلاط؛ وهناك المثل الأعلى للعالم المفيد كالطبيب والمنجم والكيميائي؛ وهناك المراتب السنية بالنسبة للملوك والأصول المتبعة في السياسة، كما تعرضها كتب مرايا الأمراء ؛ وهناك أخيرا تنشئة رجل الدين وإعداده إعدادا صالحا في كل من علمي التفسير والفقه. والتنافس بين هذه المثل العليا كثيرا ما كان يولد توترات اجتماعية غالبا ما تتمثل في قوالب جاهزة أو تؤدي إلى التراشق بالأحكام المتحيزة. والتوازن الذي ساد في نهاية الأمر كان يختلف من منطقة إلى منطقة.

فالعالم الإسلامي متنوع الجوانب، متغاير الوجوه، لدرجة أنه يصعب علينا رسمه في صورة من لون واحد. وبالنظر لأن البقعة الجغرافية التي نحن بصددها مترامية الأطراف، حيث إنها تمتد من آسيا الوسطى إلى الغرب، فإننا متعرضون دوما إلى أن نصف الإسلام بالتجانس الجوهري، الأمر الذي لم يكن مطابقا لحقيقته في يوم من الأيام. إلا أنه يجوز لنا، بالنسبة إلى موضوعنا، أن نقول بشيء من الحذر إن الفقيه كان أكثر حظا من غيره خلال عدة قرون، وأن التعليم الديني خلف أكبر عدد من النماذج الجديدة. فالمسجد لم يكن جامعة، ولكنه استطاع أن يتقرب من مفهومها أكثر مما تقربت الكنيسة.

ولنبحث عن الأسباب.. من المعروف أن العالم الإسلامي ورث حضارتين مختلفتين، الحضارة الإيرانية والحضارة اليونانية. وجاء الإسلام فأضاف إليهما شيئا جديدا، وهو الوحي أي القرآن. وهذا الوحي أنزل في لغة لم تكن لغة الإيرانيين ولا لغة اليونان، عنيت بها العربية. واللغة المعنية اتخذت لها شكلا في كتاب الله بكل معنى الكلمة. فهذه الكلمة لا ينبغي اعتبارها قدوة وزجرا فحسب، وإنما أمرا مرسوما هو كلام الله ذاته. ففي هذين المجالين، أي في اللغة وفي الدين، كانت تتحقق هوية المسلم؛ وفي هذين المجالين كان المسلم لا يقبل التأثيرات، أو يرفض على الأقل كل تلك التي يتعرض لها بصورة مباشرة وواعية.

واسمحوا لي أن أقدم هذا المثل: في الأهواز، ذلك الإقليم الذي سماه العرب العراق العجمي، قامت في جنديسابور منذ ما قبل الإسلام كلية للطب أنشأها الساسانيون. وكان لها تأثير في تطور الطب في بغداد، مع العلم أن الأطباء الذين كانوا يدرسون فيها من النصارى. وإلى جانب ذلك كانت هناك كليات للفلسفة واللاهوت، منها المسيحية كتلك التي في نصيبين، ومنها اليهودية ككليتـي صورا وبومبـاديتا فـي الـعراق. وقد زالت من الوجود دون أن تخلف أي أثر.

(2)

إن المسجد كان منذ نشأته مركز الحياة الفكرية بالنسبة للمسلمين. ولقد اختـص بهذا الدور؛ لأَنَّ الحضارة الإسلامية اتسمت بسمة الحضارة المدينية (أي أنها كانت حضارة مدن بالدرجة الأولى). ولئن أتيح لها ذلك، فلأن المسجد لا يعارض النشاطات الدنيوية غير الدينية بعكس الكنيسة؛ ففيه يصدر القاضي أحكامه؛ وفي داخله يستطيع الغريب أن يقضي ليلته؛ كما أَنَّه كان بالإمكان أخذ قسط من الراحة والقيلولة في رحابه، أو تجاذب أطراف الحديث ضمن حدود معنية. وبالطبع كان المسجد مكانا للتعليم أيضا. فمن حيث المبدأ كان يمكن تلقي كافة أنواع العلوم إذا توفر الطلاب لذلك، وشرط أن يخلو العلم المختار من أية مادة إلحادية. ففي مسجد القرويين في فاس كانت تعطى دروس في التنجيم والجغرافيا والطب، وقد استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر. وحتى الكيميائيون أنفسهم فإنهم كانوا يتلاقون فيه ليلاَ في القرن العاشر الهجري حسب رواية الحسن بن الوزان المعروف بلاون الإفريقي في المصادر الأوروبية، غير أن التعليم كان يشمل علوم الدين بصورة عامة، وفي طليعتها تفسير القرآن ثم علم الحديث فالفقه، دون أن نقلل من العلوم التابعة كعلوم النحو واللغة والعروض والتاريخ. ولابد من الإشارة إلى إغفال علوم أخرى إغفالا ملفتا للنظر. فمن ضمن العلوم الدينية نذكر علم الكلام. ومن ضمن العلوم التابعة نذكر الفلسفة. فعلى العكس من المسيحية ركز الإسلام على الفقه أكثر من تركيزه على علم الكلام، ولم يكن بوسع الفلسفة أن تستخدم هذا الحقل بمعزل عن علم المنطق.

إن المكانة الرئيسية التي يحتلها الفقه بين سائر العلوم مبعثها أن كلمة الله إنما أنزلت كأمر منصوص. فالله هو المشرع الأسمى وإرادته تتطلع إلى التفسير وتدعو إليه.. ومن المعلوم ما صار إليه الأمر فيما بعد؛ فإلى جانب كلمة الله جاءت سنة رسوله، وأصبح القرآن الكريم والسنة أهم أركان الشريعة، ولذلك أصبحا محور التربية في القرون الوسطى. وبالطبع كان هناك فرق مهم: فالقرآن كان قد تم تدوينه كتابة، كما أن تشكيله لم يلبث أن ضبط ضبطا وثيقا. أما السنة فقد كان من الضروري قبل كل شيء الإحاطة بها وتجميعها؛ لأنها كانت محفوظة شتاتا في ذاكرة رجال الصحابة ومن ثم في ذاكرة أولئك الذين، تبعوهم وتلقفوها منهم مشافهة. وهذه المهمة كانت جسيمة ولم تخل من المخاطر. فكان لابد من جمع شذرات متفرقة وإعادة اللحمة فيما بينها. وفي بعض الأحيان كان الجامعون يقعون على أحاديث متناقضة، فيجري تمحيصها والتحقق منها. ولقد اتخذوا جانب الحيطة والحذر في أول الأمر متسائلين عن مشروعية تصرفهم. فالجمع لا مأخذ عليه، ولكن هل يجوز تدوين تلك الأحاديث الشفوية بالحرف المكتوب؟ هل يجوز تقييدها تقييدا، حسبما قال بعضهم؟ أن ضبط الوقائع في حديث ما ينبغي أن يظل طيعا ومتماشيا دوما مع الظروف الطارئة والمتغيرة. والقرآن وحده بصفته الكتاب المكتوب جدير بأن يثبت حرفا وخطا. ولقد خشي الخليفة عمر بن الخطاب أن يسفر الإسلام عن مشنا جديدة على غرار ما جرى في الدين اليهودي. فمن المعروف بواسطة الوحي الجديد نفسه أن أولئك الذين سبقوا المسلمين من أبناء إبراهيم، وهم أهل الكتاب، قد شوهوا تلك الكلمة وبدلوها بهذر المتكلمين وجدل المجتهدين المحللين. فالتفسير إذن مرغوب فيه في حال كان الهدف منه ألا تتصلب الكلمة وتتحجر، ولكن لا ينبغي أن يكون خطيا حتى لا يبقى راسخا ما يعتبر بمثابة حاجة زائلة.

ففي القرون الأولى على الأقل كان الاهتمام ينصب دوما على الجانب الشفوي للتعليم. فغالبا ما كان المعلمون يعتمدون على ذاكرتهم؛ وكانوا إلى ذلك يمنعون طلابهم من كتابة أقوالهم الشفوية. وإجمالا لم تكن المساجد مجهزة بمكتبات، أما المكتبات الكبرى التي رفعت اسم الإسلام عاليا فقد أسسها الحكم، وأحيانا أشخاص ليس لهم صفة رسمية وكانت تلك المكتبات في أجنحة منفردة مع اتصال بالقصر في أغلب الحالات. ومع ذلك فقد أخطأ الاستشراق الغربي عندما نظر إلى المسألة بمنظار التضاد، ففهم التعليم على أنه نهج شفوي ضد نهج خطي. فالمعلم الذي كان يفضل أن يلقي دروسه عن ظهر قلب كان هو نفسه يعتمد بصورة عامة على مراجع مكتوبة في سبيل التذكر. ولدينا مثال في تدوين، كلمات التذكير، (أو رؤوس الأقلام) سبيل استعادة نص أحد الأحاديث. وهذه الطريقة كانت تسمى أطرافا؛ لأن مستهل الحديث وخاتمته فقط كانا يدونان. ثم إنه كان بوسع الطلاب أن ينتجوا كتبا أيضا، وتلك الكتب لم تكن في الواقع سوى حصيلة ما قيدوه أثناء سماع الدروس أو بعده.

إن الحضارة الإسلامية كانت على مستوى رفيع من الثقافة المدونة بالحرف. واستعمال الورق المصنوع من الخرق بدل البردي حسب الطريقة التي أخذها العرب عن الصينيين منذ أواسط القرن الثاني الهجري.. أقول إن استعمال هذا الورق كان من شأنه أن يعزز بشكل لم يسمع به من قبل نشر المعرفة وإشاعتها بين الشعب. أما فيما يتعلق بتوصيل المضمون، فإن وسائل النشر لم تكن في الواقع مختلفة عما كانت عليه في العصور القديمة. ففي اللغة اليونانية كانت الملاحظات التي يكتبها المعلم تعرف بلفظة هيبوم ماتا ، وهذه اللفظة تطابق حرفيا لفظة aide-me moiré الفرنسية، أي يمكن تسميته " مرجعا للتذكير " في العربية.

وهناك كتب مصنفة حسب هذا التعبير، ولكنها تختلف اختلافا واضحا عن تلك التي صنفت حسب تعبير سينغراماتا. فهذه الأخيرة كان لها طابع الكتب الأدبية المنجزة. إن الكتب المذكورة أولا – هيبوم ماتا كانت تتميز عن سواها بتميز الدروس التي كان الطالب يحضرها. أن كتابات أرسطو هي عبارة عن تسجيل لمحاضرات ألقاها على طلابه، ولهذا السبب، فإنه من العسير فهم بعض أجزائها. وبالعكس، فإن كتابات أفلاطون مؤلفة تأليفا أدبيا جيدا وتنطبق عليها عبارة سينغراماتا. ولهذا السبب، فهي أبدع شكلا من كتابات أرسطو. وهذا يصح قياسه على أدب القرون الإسلامية الأولى: فسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصلت إلينا محفوظة في روايات مختلفة، فلا يمكننا، والحالة هذه، أن نحصرها في نموذج واحد، أو في نص سليم لم يعتريه أي تغيير. وفي الحقيقة، إن هذا التعليم الإسلامي البدائي كان له آنذاك وجوه شبيه بتعليمنا الحالي أكثر مما نتصور. فبعد مرور أكثر من 500 سنة على اختراع المطبعة نرى أن تعليمنا الجامعي لا يزال شفويا في معظمه. وقد يحدث أحيانا أن يعالج الأستاذ نصا عويصا يعده للنشر ليصبح كتابا متداولا بين الطلاب، أو أن يقدم الطلاب أنفسهم على نشره قبل موته أو بعده. وكما تجري الأمور في كل مكان وزمان، فإن الابتكار في العمل لا يعدو بعض الملاحظات والتعليقات المضافة إلى العمل الأصلي. وإن ما أصاب دروس أرسطو ومحـاضرات هيغل، أي أنهـا تحولت من مصنفـات أو مـرجع للتذكـير هيبوم ماتا إلى كتب أصلية، يصيب كثيرا من الدروس والمحاضرات في أيامنا هذه، وذلك بفضل شرائط التسجيل. فالمعلم يقرأ.. أجل إنه يقرأ بالمعنى الاصطلاحي للفظة قرأ فهو يلقب بـ ريدر أي القارئ في جامعة أكسفورد، وفي ألمانيا يقال liest nicht،

أي أن الأستاذ لا يقرأ بمعنى أنه محال على التقاعد مثلا، أو أنه متعطل عن القراءة بسبب إجازته السنوية للتفرغ للبحث. أما الطالب، فإنه "يسمع"، فهو مستمع ، كما يقال في اللغة الألمانية. والعرب كانوا يستعملون نفس المفردات فالشيخ – أو الطالب المتقدم في المدرسة – كان يقرأ النص قراءة. وفي نهاية الفصل كان الطلاب يحصلون على إفادة "سماع"، حسبما كانت تسمى آنذاك، وهي عبارة عن شهادة بالقراءة. ونصها لا يؤكد فقط أن الطالب حضر الدروس وسمعها، وإنما كانت تخولـه أيضا أن ينقل ما سمعه وحفظه. فالسماع إذن كان يمنح الطالب إذنا بأن يعلم هو نفسه بموجب إجازة تعطى له، وعلى أساسها يمارس التعليم. وهذه الإجازة لا تفترض التعليم في حقل معين، وإنما تعني تلك المادة التي درسها الطالب بالذات، أو بعبارة أخص، النص الذي سمعه. والسماع لم يكن مدرجا في ديوان من قبل الشيخ أو في studienbuch

أي كتيب للدراسة (كما كانت الحال عندما كنت طالبا) ولكن في الكتاب نفسه الذي درسه الطالب والذي كان يعيد نسخه. وفي الحقيقة، لم يكن واضعه ومصححه غير الشيخ نفسه.

إن أسلوب التدريس المشار إليه لم يقتصر على الحديث فحسب، وإنما كان معمولا به بشكل عام في كل المواضيع. ففي تلك الأيام لم تكن العلوم متخصصة ومستقلة، والتعليم كان مطبوعا بطابع الفرد إلى حد كبير. والشيخ كان ينقل إلى سامعيه كل ما يعرفه، وكان بوسع البعض أن يمارس التعليم ويتقبله في الوقت نفسه. إن السامع – وهو كما رأينا إجازة لنقل المعرفة المسموعة – وإن الإسناد المترتب على ذلك كانا يضمنان التحقق من محتوى المادة في ثقافة تؤكد على الشهادة والإقرار أكثر من تأكيدها على التوثيق. وهي إنما كانت مضطرة إلى ذلك بسبب إشكالية الحرف العربي وتشويشه، فلا يندر أن يخلط القارئ بين الحروف الساكنة المتشابهة عندما لا تكون مشكلة بنقاطها وعلاماتها التابعة لها [وما أكثر ما يلتبس عليه الأمر عندما تخلو الكلمات من الحركات].

(3)

كان الطالب يتخذ صفة الشيخ بعد حصوله على السماع. ولكن بما أنه كان يقرأ في كتاب واحد فقط، فلم يكن جديرا بأن يكون عالما. كان عليه أن يحصل على كتب أخرى بسماعه شيوخا آخرين بحيث يتمكن من تدريس علوم مختلفة، ولا يكتفي بتكرار نفس الدرس. ولقد دعت الحاجة إلى ذلك أول ما دعت بالنسبة للسنة النبوية؛ لأن المعرفة المقدسة لا يمكن أن تصبح مفيدة إلا إذا كانت كاملة. إن الفقهاء كانوا من المجتهدين، وبعضهم كان يحلم بوجود حديث نبوي ينطبق على كل وضع بمفرده. ومما لا شك فيه أن بعضهم أقر دون تردد أن ذلك وهم وخيال، وأنه سيكون من العسير سد الثغرات العديدة في شبكة الفروع الفقهية دون اللجوء إلى الوسائل الأخرى وفي مقدمتها القياس. وأما المجتهدون الذين أصروا على موقفهم – وغيرهم كثيرون ممن كانوا يجمعون ميراث رسول الله لاعتقادهم أنه لا واجب أنبل ولا أضمن لآخرتهم من عملهم ذاك – أقول إن أولئك المجتهدين اضطروا إلى توسيع نطاق تحصيلهم، فشدوا الرحال وراحوا يسافرون. وفي تنقلاتهم بين المدن والحواضر كانوا على يقين أنهم سيعثرون على مصادر جديدة للمعرفة. وبالإضافة إلى ذلك، كان بإمكانهم أن يدرسوا أيضا؛ لأنهم هم أنفسهم حملة معرفة خافية على الآخرين. وهكذا نشأت ظاهرة جديدة يمكن تشبيهها بالأستاذ الزائر ، حسب التعبير العصري لها. ومع نشأتها أتيح تبادل الخبرات والمعارف على نطاق واسع، ولربما كان لها تأثير أيضا في إشاعة روح التسامح، وتفهم عادات غريبة لم يكن للمسافر عهد بها.

إلا أن الأسفار ذات كلفة، ونصراء العلم في سبيل الخير العام لم يكن لهم وجود، كما هي الحال في أيامنا هذه، فكان يترتب على علماء القرون الوسطى أن يدفعوا نفقات أسفارهم من مالهم الخاص، وكان بمقدورهم أن يفعلوا ذلك نظرا؛ لأن الأغلبية العظمى منهم كانت من التجار.. إن العالم السوسيولوجي ماكس فيبر قد وقع في الخطأ عندما أكد أن المحارب أو المجاهد هو النموذج الأمثل للمسلم: إنه لحري بالقول إن التاجر هو مثال تلك الحضارة المدينية في جوهرها والمتصفة بالفردية.

إن الإسلام لم يعرف الأكليروس، وإن المعرفة الدينية كان يتولى نشرها أشخاص ليس لهم صفة أو وظيفة دينية بحتة بحسب المفهوم المسيحي للكلمة. وبصورة عامة كان هؤلاء لا يقبضون أي أجر من الدولة في تلك الأيام (ما عدا القاضي وفي بعض الأحيان إمام المسجد). وإذا نظرنا إلى أدنى الطبقات الاجتماعية رأينا أن هناك عددا لا يستهان به من أصحاب الحرف الوضيعة لا يخفي اعتزازه بأن يعهد إليه نقل شذرات من السنة النبوية التي كانت وقفا عليه في الواقع. أما أولئك الذين يقومون بهذا العمل على نطاق أوسع فإن طلبهم العلم بما يقتضيه ذلك من تكاليف باهظة لم يكن ممكنا دون الاعتماد على مصادر مالية مضمونة. وهذه المصادر كانت تؤمن لهم في كثير من الحالات اللقاء مع شيوخ أو زملاء يقيمون في مكان آخر. ومن جهة أخرى كان السفر من الفرائض التي ينبغي اتباعها بوجه ما: فالحج إلى مكة المكرمة فرض على كل مسلم ولو مرة واحدة في حياته. فمنذ البداية كان الإسلام مهيا لنوع من الاتصالات الدولية. ومن ثم فالسفر في حد ذاته ضرورة مهنية بالنسبة إلى من يتعاطى التجارة. فالتاجر إذ يطلب العلم ولو في الصين، كما جاء في حديث مشهور، فإنه إلى ذلك يستطيع أن يعقد صفقات تجارية. وأثناء ترحاله كان ينزل في الخانات، حيث يعلم إذا سنحت له الفرصة بلقاء مريدين يطلبون العلم منه. فإلى جانب المسجد كان النزل يستخدم مكانا للتعليم. وعليه، فإن المقر الثابت للعالم أصبح معرضا لأن يتحول إلى عيشة بدوية ترحالية، كما هي الحال في عصرنا الحاضر.

إلا أن هذا الوضع لم يعد أن يكون مرحلة انتقالية على المدى الطويل. فمنذ القرن الرابع الهجري أخذت تبرز فكرة حجز بعض الدول لنشاطات العلماء بغية تجنيبهم مكدرات شؤون الحياة الدنيوية، من أعباء التجارة اليومية، وصياح الناس وعجيجهم، ونهيق الحمير ورائحة البعر الكريهة وإلى ما هنالك. وأعطيت هذه الأبنية اسم "مدرسة" أي مكانا للتدريس، وظهرت لأول مرة في شرق إيران حيث تواجدت المدن الكبرى مثل بخارى وسمرقند وخاصة نيسابور، تلك الحضارة التي زالت أثناء غزو المغول. وكان الأعيان ورجالات الأسر الغنية هم الذين أنشأوا تلك المؤسسات الجديدة وليس الحكومات. وبناء على ذلك فقد كانت المدارس خاصة، وكانت توفر المأوى لقاصديها من الزائرين، إلا أن منشئها كان أولى من غيره بالتعليم فيها. وكان كثير من العمارات الآنفة الذكر مبنيا حول أحد القبب، مما يجعل العائلة تصيب المقصد الرشيد وابتغاء الخلود معا. ثم إن هناك غرضا آخر من وراء ذلك: فالناس كانوا مهتمين، في الحقيقة، بالمحافظة على ثروتهم وحمايتها من مخاطر تلك الأيام، فهم إنما كانوا يخشون تبعثر ثروتهم بموجب حق الوراثة من جهة، ووضع اليد عليها من قبل الدولة من جهة أخرى. ولكي يتوصلوا إلى هذه الغاية كانوا يستندون إلى مخرج قائم في الشرع الإسلامي، عنيت بها الوقف.

فالوقف يعني: أن يخلف المالك أملاكه لأعمال البر والإحسان لكي تستغلها وتنتفع بها. فإذا كرست هذه الأعمال لأغراض التعليم، أصبح من حق الواقف أن يحتفظ لنفسه بمركز المعلم، وأن يورثه لذريته من بعده. وهذا ما كان يعمل به حسب الشرع المطبق في إيران في تلك الأيام، يعني المذهب الحنفي. ومع ذلك، فقد كان من الضروري أن يحالف الواقف بعض الحظ؛ فإن خلف بناتا فقط، فينبغي عليه أن يزوج إحداهن على الأقل من فقيه مؤهل للتعليم. ومن المفهوم أن قيامه بالمهمة على ما يرام كان متوقفا على استمرار الوضع السياسي العام، وإن نجاحه كان ممكنا فقط في حال بقاء المجتمع البورجوازي واستمراره.

وفي الواقع لم يلبث أن تبدل الجوّ السياسي بعد انقضاء عدة أجيال، فمع استيلاء السلجوقيين على مقاليد الحكم أزيح أهل المدن من الوجهاء وحكمت محلهم طغمة عسكرية. وهؤلاء العسكريون بالذات هم الذين أخذوا يلعبون دور النصراء من الآن وصاعدا. وكان أبرزهم شخصية الوزير نظام الملك الذي اشتهر بطموحاته السامية. وبالرغم من هذا التغير فإن المدارس لم تصبح حكومية ولا عامة. ومرده إلى أن القانون لا يسمح بذلك، كما سبق وأشرت إليه. فالحكومات ليس لها صفة الهيئة المعنوية، والحكم يتمثل في السلطان أو في وزيره ليس إلا، إن المؤسسات الكبرى في بغداد أو النظامية في نيسابور وبغداد أيضا. ظلت، والحالة هذه، مؤسسات خاصة، ولكنها لم تعد مسخرة لمصالح إحدى الأسر. فنظام الملك وأبناؤه لم يكونوا مدرسين يلقنون الفقه، وإنما رجال إدارة وكتبة، ولم يحدثوا الوظائف لأنفسهم، وإنما كانوا يدفعون أجرا من خلال الوقف إلى علماء يحظون بتشجيعهم ومساعدتهم. وهكذا أمست المدرسة أداة للسلطة، فأمنت على الاستقامة في الدين في حين أَنَّهَا صانت بعض مذاهب الفقه وحصنتها.

ومن جهة أخرى، فإن انتشار المدارس كان في حد ذاته عاملا في تغيير طابعها. فازدادت الوظائف وكثر بالتالي عدد المعلمين العاملين فيها، وتوزعوا مراتب مراتب واشتد التنافس بينهم. وكان باستطاعة مؤسس الوقف أن يعينهم أو أن يصرفهم حسب مشيئته، وكان لا يتورع عن إغرائهم بالمال في بعض الأحيان. وفي حقيقة الأمر لم يكن المعلمون موظفين بكل معنى الكلمة، إلا أنهم كانوا قد فقدوا كثيرا من حرية التصرف بالمقارنة مع تجار تلك الأيام. وفي مقابل ذلك كانوا مهيئين ليكونوا محط الأنظار في المجتمع؛ فمن حقهم أن يشغلوا منصبين أو أكثر في ذات الوقت، ويجوز لهم أن ينيبوا عنهم نائبا مع الاحتفاظ بقسم من الراتب لأنفسهم بطبيعة الحال. وبالإضافة إلى ذلك، كان لهم معاونون يعهد إليهم التدريس في الصفوف الابتدائية، ومعيدون يتولون التدريس في الصفوف الإعدادية، ويكون تلاميذهم على درجة أقل من الذكاء وتفتح الذهن. وكان الطلاب يعيشون في المدرسة مجانا، ويحصلون على منحة زهيدة إجمالا. ولكن سرعان ما اتهموا بأنهم يعيشون عيشة طفيلية. فمن حيث إِنَّ الوقف كان يهتم بكل شئ، كان لابد من أن يسفر عن ذلك تغيرات في نمط حياة الأشخاص المعنيين من معلمين وطلبة.

وهذا التغير أصاب أسلوب التدريس أيضا. ففي غضون ذلك كان قد تم جمع أشتات السنة النبوية وانتهى زمن تصنيفها، ولم يعد الطلاب والمعلمون بحاجة إلى السفر؛ فهؤلاء لزموا مركزهم حيث كانوا يتقاضون أجرهم، وأولئك لبثوا مقيمين حيث تسنت لهم الإقامة وحيث تأمنت لهم – بفضل الله ومنته – المنحة الضرورية. وولى عهد الأستاذ الزائر، عوضا عن ذلك، ظهرت منذ أواسط القرن الخامس الهجري عادة إلقاء الدروس التدشينية (أو الافتتاحية). والإجازة في التعليم لم تعد تعطى على أساس كتاب واحد فقط، وَإِنَّمَا من أجل علم بكاملـه. فقد أصبحت تعـادل الإجـازة العامـة للتعليم التي كانت تعطى في الغرب أو "التصريح بالقراءة" الذي لا يزال يعطى إلى يومنا هذا في الجامعات الألمانية. إلا أن هذا التغيير الأساسي لم يحصل إلا في نطاق علم الفقه. وكانت الشهادة تسمى آنذاك: إجازة للتدريس والإفتاء. فبدلا من تكديس المعارف، أصبح من اللازم من الآن وصاعدا انتقاؤها منهجيا. إن الفقه كان علما تأويليا. حسبما هو شأنه في كل مكان وزمان. فقد كان على المفتين أن ينظروا في مختلف الآراء ويقارنوا بينها، ومن ثم يصدرون فتواهم بناء على نصوص متشابهة إلى حد ما، ولكي يتسنى لهم الدفاع عن حكمهم المقترح كان يتحتم عليهم أن يلموا بعدد كبير من مسائل الخلاف فيحتجون بها في مناقشتهم. وهذه المناظرات كانت تشكل لب الجهاز التعليمي على نحو ما كانت تشكله المناظرات في التدريس اللاتيني. وأصبحت تجري كما تجري المباريات، وغالبا ما كانت تقوم مقام الامتحانات، كما يبدو لنا.

(3)

لدى استعراضنا لكل هذه التفاصيل تعود بنا الذاكرة إلى القرون الوسطى في الغرب. فمن الظاهر أن الإسلام تقدم على أوروبا بعدة أجيال حيثما وجد. ولكن هناك حدودا لم تتخطاها الحضارة الإسلامية أيضا. فمع أن المدرسة كانت تستضيف عددا كبيرا من المعلمين، إلا أنه لم يكن لها كليات تابعة لها، ولم تحظ أبدا بشيء من حرية التصرف التي تمنحه المدينة أو الحاكم. فهي إنما بقيت مكانا يعيش فيه الأساتذة والطلبة ليس إلا. وقد يحدث أن كثيرا من المذاهب الفقهية كانت تلحق ببناء واحد وفي بعض الأحيان كان الطلاب يوزعون حسب جنسياتهم كما كانت الحال في القاهرة مثلا. إلا أن المؤسسة ذات النظام المسنون قانونيا لم يكن لها وجود على الإطلاق. إنه لأحرى بنا أن نقول إن المدرسة لم يكن لها صفة الجامعة بأكثر مما كانت للمسجد، وإن وظيفتها كانت أقرب ما يكون إلى وظيفة الكوليج الإنكليزية. وتلك البنية غير الرسمية والمرتبطة بشخص بعينه كان لها مساوؤها؛ فالشهادة الممنوحة لا يتعدى كونها إفادة خاصة يصدرها أحد الشيوخ. وهكذا فإن العالم الإسلامي لم يطور أبدا ما يشبه الدكتوراه حسب مفهومها في التعليم الغربي. حتى الإجازة الشخصية المشار إليها آنفا، فقد كتب لها أن تعيش طويلا. فإننا لا زلنا نقع على أثر – وإن نادرا – في المنشورات الحديثة العهد. وبالطبع، فإن ما نسميه وزارة تربية في العصر الحاضر لم يكن له وجود على الإطلاق قبل دخول الإدارة الأوروبية. ومن جهة أخرى، فإن عدم التقيد بالشكليات هو نفسه الذي أتاح الفرصة للمحافظة على حرية التعليم وحرية التعلم (بالمعنى الألماني لعبارتيlernfreiheit / lehrfreiheit)،

تلك الحرية التي لم تكن من المسلمات في تلك الأيام. فالسلطة التعليمية أو بالأحرى التسلط التعليمي لم يكن يصدر عن هيئة خارجية كأحد الأساقفة أو البابا مثلا. والسلطة كانت في يد المعلمين أنفسهم، يمارسونها كل منهم ضمن دائرته. فقد كان في استطاعتهم أن يعبروا عن آرائهم الشخصية دون أن ينحرفوا نحو الإلحاد، شرط أن يلتزموا حدود السنة والقرآن. وكان مجمع العلماء يقوم بدور الساهر المراقب. ففي باب الفقه كانت الحقيقة محددة تحديدا استدلاليا مسبقا بإجماع العلماء، وليس بديهيا بموجب عقيدة دينية معلنة. وفي بداية الإسلام كان يصح أن يقال إن من خوَّل حق النطق بحكم مسألة من المسائل لهو جدير بأن يكون على حق، (أي كل مجتهد مصيب). أما فيما بعد، أي في الحقبة التي نحن بصددها، فقد أصبح القول أكثر حذرا واعتدالا، ولكن بقي الاعتقاد بأن من أخطأ في حكمه فإن الله مع ذلك يجازيه خيرا؛ لأنه اجتهد في التفكير وتحكيم العقل.

إلا أن الأفضلية التي كان يتمتع بها الفقه قد أدت إلى بعض الأضرار أيضا. فطريقة التفكير أصبحت جدلية، كما أَنَّهَا اتسمت اتساما مفرطا بالشكليات في بعض الأحيان. وإقامة البرهان والحجج غلب عليها البحث عن التعريف الصحيح والتحديد الأنسب، فأغرق العلماء في التمييز والتفضيل لدرجة أن عبارتهم أصبحت أدق وألطف. وكانت النتيجة أن الكسب الذي أحرز في باب الدقة قابله قلة في الإبداع. وثمة نتيجة أخرى ينبغي الإشارة إليها: إن رجحان كفة الفقه طغى على الاهتمام بالعلوم الأدبية. ولقد جرت الأمور بشكل مماثل في الغرب في القرون الوسطى المتأخرة. إلا أن التحول لم يلبث أن جاء مع عصر النهضة. ولم يعرف العالم الإسلامي نهضة من هذا القبيل. ومما لا شك فيه أنه كان للعرب على غرار علماء الآداب القديمة الغربيين، تراث أدبي قديم يعودون إليه ليغترفوا منه – عنيت به الشعر الجاهلي – ولكن هذا التراث كان عربيا محضا. ولذلك عزفوا كليا عن تعلم اللغات الأجنبية وآدابها. ولم يتغير الوضع إلا بدخول الاستعمار، فقد اضطروا إلى تعلم لغة ليست لغتهم واكتفوا باللغتين الفرنسية والإنكليزية. وحتى الآن، نرى أن الآداب الصينية والروسية لم تحتل مكانها في الجامعات العربية. وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى الدراسات الفارسية والتركية التي هي جزء لا يتجزأ من التراث العالم الإسلامي بغض النظر عن لغة الأوردو واللغة الإندونيسية.

إن مواضع الضعف هذه ظلت خافية، ولم يكن من يلاحظها في تلك الأيام. وإذا وجه نقد ما، فإنما من جانب آخر. ولقد تنبه البعض إلى أن التعليم الفقهي لا يهتم مطلقا بتربية القلب، وجاء هذا الانتقاد من الصوفيين خاصة، وكان موجها إلى مضمون العلم بقدر ما كان موجها إلى طريقة نقله ونشره. فليس من المستحسن أن تتقلص الحكمة وتقتصر على مجرد كفاءات وخطط دفاعية فقط، كما ينبغي الحذر من الغطرسة القائمة على الانتقاء والتخصيص والتي ترتكز على تجمع المعرفة وتكديسها لا غير. إن ما ينبغي على طالب العلم معرفته كما قال هؤلاء النقاد، يتلخص في الخشوع أمام الله بالدرجة الأولى، وفي التحلي بالفضيلة، وليس في إدارة شؤون الدنيا الفانية. أما فيما يتعلق بالمعلم، فعليه ألا يكتفي بأن يكون عالما فحسب، بل عليه أن يلعب دور المربي النفساني. فنفوذه يستمده من الله مباشرة، ومعرفته إِنَّمَا تأتيه عن طريق الإلهام والمعاناة الوجدانية أكثر مما تتفتح عن الذهن، أو يستقبلها من قراءة الكتب، ولا شك أن التعليم قد قام على التقليد في كل البلدان والعصور. ولكن كلمة تقليد هنا تعني "الطاعة" أي طاعة خرساء تتحاشى طرح الأسئلة. وما قهر الذات وتدريبها إلا الوسيلة التي تسهل على الطالب تكييف شخصيته. ففي تلك الحضارة القائمة على الدين كان لمثل هذا النموذج تأثير بليغ على النفوس لدرجة أن المدرسة أصبح وجودها مهددا بإنشاء عدد من الزوايا المتفرعة عن الطرق الصوفية. وهكذا، فإننا نرى أن جامعة الأزهر فقدت الكثير من تأثيرها إبان الحكم العثماني. ومنذ ذلك الحين تكون نظامان تعليميان دينيان، نظام فقهي وآخر صوفي، مع العلم أن النظام الصوفي قد جنح على نحو ما إلى طريقة التناقل الشفوي، وإلى المبادرة الشخصية المتفردة في طلب المعرفة، كما كانت الحال في القرون الأولى للإسلام. وفي الحقيقة لم يكن من الصعب التوفيق بين هذين النظامين، وتم ذلك على المستوى الفردي على الأقل. أما على صعيد المجتمع، فإن توحيد النظامين كان من شأنه أن ينطوي على سيئات مثلما ينطوي على حسنات. ولأسباب عملية محضة، ليس أقلها المحافظة على الدور السياسي، اضطر المسؤولون في آخر الأمر إلى إدخال قسم من التعليم الأوروبي إلى مدارسهم، كالعلوم والطب. وإذ ذاك ولى زمن التقريب والتوليف، وبدأت مرحلة حرجة من عملية التحويل الناتج عن التمازج الثقافي ولم تصل إلى نهايتها حتى الآن.

وتلك مسألة أخرى لا دخل لها في بحثنا هذا.

************************
الهوامش
*) - نص المحاضرة التي ألقيت بتاريخ 4/3/2002م فِي جامعة السلطان قابوس بدعوة من وزارة الأوقاف.