المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أيهما المفسد للآخر ؟


عبدالناصر محمود
07-19-2014, 04:27 AM
أيهما المفسد للآخر: السياسة أم الدين؟*
ـــــــــــــــــ

21 / 9 / 1435 هـ
19 / 7 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8487.jpg

يكاد يوجد إجماع حول فساد السياسة المعاصرة، وهذا الفساد ناتج عن الجو العام المحيط بالمشتغلين بالسياسية وبأحوالهم، فغالب هؤلاء قد سيطرت على أفهامهم التعاليم الغربية، وتوسعت ضمائرهم لقبول كل انحراف مهما بلغ، بما لا يتناسب مع مجتمع إنساني ينشد السلامة والرخاء، فضلاً عن مجتمع مسلم يسعى إلى صلاح الدنيا والآخرة.

فالعيب إذن ليس في السياسة التي تعني رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.

وفي التاريخ الإنساني وفي تاريخنا الإسلامي كانت للسياسة آثار سلبية على الفرد والمجتمع، وعلى غالب المعتقدات التي يؤمن بها أفراد هذا المجتمع، ولكم زاغت قلوب وتبدلت، وفسدت عقول وانحرفت عن الجادة لأطماع سياسية، ومكاسب حزبية.

فللسياسة دور كبير في العبث بالكثير من المفاهيم والمعتقدات الإسلامية، ولعل ما يفعله الشيعة الآن يمثل أوضح شاهد على ما طال الدين من عبث العابثين، وفي فكر عدد من الجماعات الإسلامية السنية بعض من هذه الانحرافات التي أودت بها وبالأمة إلى حالة من الشتات والصدام، وما يحدث في عدد من البلاد الإسلامية كالعراق مثلاً يدلل على هذه الرؤية.

لكن هل يعني هذا أنه لا علاقة بين الدين والسياسة، أو أن فصلهما وإبعاد كل منهما عن الآخر قد صار ضرورة لابد منها، كما فعلت بعض الدول الإسلامية، بقيامها بتجريم كلام أئمة المساجد في السياسة، كما حدث في المملكة المغربية، ما دعا وزير أوقافها إلى الإدلاء بتصريح لا يجوز في حق الدين.

حيث قال الوزير المغربي: "لا نخاف على الدين من السياسة؛ لأنه مستمر، ولكن نخاف على السياسة من الدين، لأنها بذلك ستفسد، ولا نريد لسياستنا أن تفسد".

وما قاله الوزير تلاعب بالكلام، فكيف للدين أن يفسد السياسة التي هي رعاية شؤون الأمة، ونحن مأمورون بالعمل بالشريعة في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياتنا؟

إن الدين الإسلام صلاح لكل شيء، صلاح للبلاد والعباد والسياسة والاقتصاد والعلوم بمختلف أنواعها، إنه صلاح لكل شيء في هذه الدنيا، بل الصحيح أن نقول إن السياسة العلمانية التي لا تراعي حقوق الله هي المفسدة للدين، وإن على الدولة أن تراعي هذا الأمر، لا بحجب الدين عن السياسة، وإنما بتطويع السياسة للدين.

فكلام الوزير المغربي دعوة صريحة لفصل الدين عن السياسة، وهو طرح علماني أصيل، فما العلمانية في حقيقتها إلا دعوة مادية تسعى بكل التدابير إلى عزل الدين عن قضايا المجتمع، وهو ما تم في أوروبا عقب الثورة على الكنيسة، ورجالاتها وما كانوا يمارسونه من تسلط باسم الدين.

وزاد الوزير: أن "الانتماء السياسي والنقابي- للإمام- ممنوع.. وللإمام أن ينتخب من شاء، لكن أن يمثل تيارًا سياسيًا، فهذا أمر غير متناسب مع وظيفة المسجد"، وتلك حيلة أخرى يسعى الوزير من خلالها إلى إخلاء المشهد السياسي من أي صوت تصحيحي إسلامي، يترسم خطى الشريعة، أو يدعو إلى تطبيقها وإعمالها في الواقع..

أين ما يدعو إليه الوزير من واقع المجتمع الإسلامي الأول؟ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً، وقائداً عسكرياً، وحاكماً، وإماماً، ولم يكن هناك ذلك التعسف الذي يتباه الوزير ومن يوافقه من أرباب التيار العلماني المنادين بحبس الدين داخل جدران المسجد، بل إن من أهم وظائف المسجد الاشتغال بهموم الأمة ومباشرة أحوال الناس وما يستجد في حياتهم وإبداء رأي الدين في كل هذا.

إن السياسة الشرعية التي تلتزم بالفهم الإسلامي الأصيل ضمان من أي انحراف، وليس معنى وجود انحراف لدى بعض المشتغلين بالإمامة أن نعاقب الأمة كلها ونحرمها من أهم خصيصة من خصائص دينها، وهي رعاية الدين لكل شؤونها، وكل صغيرة وكبيرة في حياة أفرادها.

--------------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ