المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حرية الرأي في الإسلام والنظم الحديثة


عبدالناصر محمود
07-22-2014, 04:21 AM
حرية الرأي في الإسلام والنظم الحديثة – دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة –*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

24 / 9 / 1435 هــ
22 / 7 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8468.jpg

حرية الرأي في الإسلام والنظم الحديثة – دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة –

أ . د . محمد بن سعود البشر

الطبعة الأولى 1430 هجري /2009م

ــــــــــــــــ

كان موضوع حرية الرأي – وما زال – يشغل حيزا كبيرا من اهتمام الباحثين, حتى زخرت الجامعات ومراكز البحوث بالرسائل العلمية في هذا الأمر, ولكن ما يميز هذا الكتاب أنه تناول موضوع حرية الرأي في الإسلام تأصيلا وتطبيقا, ناهيك عن ضوابط هذه الحرية ومجالاتها, مع المقارنة بالنظم الحديثة الغربية على وجه الخصوص.

وبعد بيان أهمية الدراسة والمناهج العلمية المستخدمة في البحث, من منهج وصفي وثائقي, ومنهج تأصيلي وكيفي, عمد المؤلف لتقسيم كتابه إلى بابين رئيسيين, في كل باب فصول ومباحث, تناول في الأول التأسيس النظري والفلسفي لحرية الرأي, بينما تناول في الثاني تطبيقات حرية الرأي والتعبير في المجتمع الإسلامي المملكة العربية السعودية نموذجا مقارنا".

الفصل الأول من الباب الأول: تناول المؤلف مفهوم حرية الرأي في الرؤية الإسلامية والغربية, فبعد أن عرف المؤلف حرية الرأي لغة واصطلاحا, تناول مفهوم الحرية في الرؤية الغربية, مبينا تفاوت آراء الباحثين والمتخصصين في حقل الإعلام حول تحديد مفهوم واضح ودقيق لمعنى الحرية, وعلى الرغم من قدم نظرية الصحافة الحرة التي يرجع ظهورها إلى القرن السابع عشر, إلا أنها ظلت مستندا أساسا لكثير من تعريفات الحرية المتداولة الآن في الكتب الإعلامية, نظرا لما تجمعه من حقوق تكفلها كحرية الرأي والتجمع واستقلال الصحفيين.

وبناء على معطيات الفلسفة الليبرالية السائدة في المجتمع الغربي فإن المشتغلين بالإعلام يقولون بأنه ليس من حق النظام السياسي التدخل بمهمة الإعلام, إلا إذا تعلق الأمر بالقوانين التي تحمي حقوق المواطنين.

أما مفهوم حرية الرأي في الرؤية الإسلامية فمع عدم ورود اللفظ في القرآن أو السنة, إلا أن معناه يعتبر من المبادئ الأساسية التي وردت في الإسلام ونصوصه, فالمسلم محرر من الولاء أيا كان مصدره إلا لله, ومن العبودية أيا كان نوعها إلا عبادة الله.

الفصل الثاني: حرية الرأي في الإسلام والنظم الحديثة "رؤية مقارنة": وقد بدأ المؤلف بحرية الرأي في النظم الحديثة, ذاكرا التأسيس العلمي لهذه الحرية عند الغرب, فهي تستمد مرجعيتها من الفلسفة الليبرالية الوضعية, التي نظر لها كل من "جون ستيوارت ميل" و "جان جاك روسو" و "جون لوك".

وقد خلص المؤلف إلى أن نظم الإعلام في المجتمعات الغربية تقوم على مفهومين رئيسيين يكفلان حرية الرأي والتعبير هما: مجتمع السوق ومبدأ المشاركة, ومن هذين المصطلحين اشتقت كثير من المفاهيم الإعلامية كحرية تدفق المعلومات وغيرها.

ومع وجود نظريات الحرية الإعلامية في الغرب ظهرت بعض النظريات التي تقنن وتضع بعض القيود على هذه الحرية كي لا تكون مطلقة, ومن هذه القيود نظرية المسؤولية الاجتماعية في الإعلام الغربي, فهي مع تعزيزها لفكرة الحرية الإعلامية, إلا أنها تعزز جانب الحرية المسؤولة كما يرغب الغربيون, إلا أن راية الرأي بقيت أمرا يصعب السيطرة عليه بسبب كثير من المعوقات أهمها:

· النزعة الربحية في اقتصاديات الوسيلة الإعلامية: والتي جعلت الإعلام بعيدا كل البعد عن المسؤولية الاجتماعية.

· سيطرة جماعات الضغط والمصالح: وعلى رأسها الجماعات اليهودية واللوبي الصهيوني, الذي كان له دور بارز في الإعلام الغربي والأمريكي على وجه الخصوص.

· الاهتمام بالوظيفة الترفيهية وسوء استخدامها: فقد عززت وسائل الإعلام الحديثة مفهوم الفردية, التي وصلت إلى حد أثر بالأخلاق بشكل كبير, وقد استعرض المؤلف لجملة من الدراسات الأكاديمية لمضمون وسائل الإعلام الغربية, والتي تظهر نتائج مفزعة بتأثيرها السلبي على الأخلاق الفردية والاجتماعية.

وعن مجالات حرية الرأي وضوابطها في النظم الحديثة, تطرق المؤلف مبدأ "سيادة الأمة" أو "الشعب" بنظر الغرب, فالمجتمع هو مجال حرية الرأي في الفكر الغربي, ولكن هذه الحرية ليست مطلقة كما يذكر المؤلف, وإنما هي منضبطة بقوانين الإعلام والمسؤولية الاجتماعية, وقد مثل المؤلف بهيئة الاتصالات الفدرالية بأمريكا التي تعتبر أداة الضبط الرئيسية للممارسة الإعلامية.

وعن واقع تطبيقات حرية الرأي في النظم الحديثة, فإن المتابع يلحظ بوضوح أن هناك تعارضا بين واقع الممارسة الإعلامية, وبين ما تنص عليه قوانين حرية الرأي, إذ تبدو مخالفات وسائل الإعلام للقوانين الضابطة لحرية الرأي واضحة, وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الخارجية.

وقد ضرب المؤلف أمثلة على مخالفة وسائل الإعلام لحرية الرأي فيما يتعلق بالأفراد والمؤسسات الخارجية, ومن أهم هذه الأمثلة:

1- أحداث 11 من سبتمبر والهجمة الإعلامية على السعودية.

2- غزو العراق وتضليل الرأي العام.

3- الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن انتهى المؤلف من بيان الرؤية الغربية لحرية الرأي, تناول حرية الرأي في الإسلام في المبحث الثاني من هذا الفصل, فتحدث عن التأسيس العلمي لحرية الرأي في الإسلام, الذي يركز في نظريته الإعلامية الفريدة على مفردة "الحق" بوصفها كلمة جامعة تبين منهج المسلم وغايته من الحياة, فالإعلام الإسلامي مرتبط بمضمون الحق, وإظهاره وتزيينه للناس بكل الطرق والأساليب, مع كشف وجوه الباطل وتقبيحه بالطرق المشروعه.

وإذا كان الإسلام قد أطلق حرية التفكير للتوصل بها إلى الحق والإيمان بالله, فإنه بداهة يتبعها بحرية التعبير عن هذا الفكر بشتى أنواع التعبير, ولكن كل ذلك منضبط بضوابط الشرع الذي هو الحق بعينه, فلا وجود لحرية الإعلام فيما يخالف ما عرف من الدين بالضرورة, وقد عرض المؤلف الضوابط الأخلاقية التي تخص الكلمة ومضمونها في الإعلام الإسلامي.

وعن مجالات حرية الرأي في الإسلام بين المؤلف أنها تتناول جميع مجالات شؤون المجتمع الحياتية وقضاياه المتعددة, مما لم يرد فيه نص خاص من الكتاب والسنة, ومما لا يجب فيه الاعتقاد الجازم كالعقائد والعبادات.

وعن أهم ضوابط حرية الرأي في الإسلام ذكر المؤلف:

1- ألأ يكون الرأي مخالفا لنصوص الشريعة.

2- تحقيق المصلحة المعتبرة في الشرع "وهي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم".

3- الموضوعية في الرأي سواء في العرض أو الحوار والمناقشة, والصدق في نقل المعلومة والرأي نظرا لكبير أثر ذلك في الأمة.

وعن تطبيقات حرية الرأي في الإسلام وجد المؤلف أنها تدور حول مبدأين اثنين أساسيين هما:

1- مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو حق لكل الأمة أفرادا وجماعات ومؤسسات, بضوابطه المعروفة في الشريعة الإسلامية.

2- مبدأ الشورى الذي هو خاص بأهل الحل والعقد في الأمة.

وبعد أن عرض المؤلف حرية الرأي في الرؤية الغربية والإسلامية, عقد مبحثا لأوجه المقارنة بينهما, وأهم هذه الأوجه:

أولا: المنطلقات الفلسفية والأسس الفكرية مختلفة, فبينما هي مشتقة من فلاسفة الغرب "جون ستيوارت ميل" وغيره, وهي لا تقيم للدين وزنا, نجد أن حرية الرأي في الإسلام منطلقة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, غايتها تقرير الحق والتمكين لدين الله في الأرض, فمنطلقاتها ثابتة بثبوت المنهج الذي قامت عليه.

ثانيا: التشريع وسن القوانين: فالتشريعات والقوانين في مجال حرية الرأي في النظم الوضعية متقلبة ومتغيرة بحسب احتياجات المجتمع, أما في الإسلام فهي فتشريعاتها وقوانينها مرتبطة بمقاصدها الكلية بنصوص الوحيين الكتاب والسنة.

ثالثا: رأي الأغلبية: وهو مصطلح مرتبط بحرية الرأي في النظم الحديثة الغربية, وبناء عليه تصدر القوانين وتقوم الحكومات وتسقط, ولا يلتفت إلى رأي الأقلية مهما كانت صحته وأحقيته, بينما حرية الرأي في الإسلام ليست مرتبطة برأي الأغلبية لأنها لا تعني الحق وليست معيارا له.

رابعا: ملكية وسائل الإعلام التي تعتبر مرتكزا لحرية الرأي في الغرب, وقد ذكر المؤلف أنواع الملكية لهذه الوسائل في النظم الحديثة, ومدى التجاوزات الخطيرة التي نجم عن تلك الملكية, بينما فصل الأصل الشرعي الذي تقوم عليه ملكية وسائل الإعلام في الإسلام, والضوابط الشرعية لهذه الملكية, مما يجعل البون شاسعا بين النظام الإعلامي الإسلامي والغربي.

الباب الثاني: تطبيقات حرية الرأي والتعبير في المجتمع الإسلامي: المملكة العربية السعودية نموذجا مقارنا.

في الفصل الأول من هذا الباب تناول المؤلف الأسس الفلسفية للنظامين السياسي والإعلامي في المملكة, فاستعرض في المبحث الأول العلاقة بين النظامين السياسي والإعلامي في المملكة, مشيرا إلى تميز المملكة باعتمادها على النظام الإسلامي في الدستور والقانون, واستغنائها بذلك عن القوانين الوضعية وتبدلاتها المستمرة.

وقد أوضح المؤلف التزام السياسة الإعلامية السعودية بضوابط وأحكام الإسلام التي هي قوانين المملكة النافذة, وقد ذكر المؤلف مجموعة من المواد التي تناولت هذا الموضوع, وعلى رأسها المادة الأولى التي تقول: (يلتزم الإعلام السعودي بالإسلام في كل ما يصدر عنه, ويحافظ على عقيدة سلف الأمة, ويستبعد من وسائله جميعا كل ما يناقض شريعة الله التي شرعها للناس).

أما في المبحث الثاني من هذا الفصل فقد تناول فيه المؤلف الملامح الإسلامية للأنظمة الإعلامية في المملكة العربية السعودية, سواء من حيث السياسة الإعلامية التي تنبثق من الإسلام الذي تدين به الأمة عقيدة وشريعة, ومن أهدافها ترسيخ الإيمان بالله في نفوس الناس, وتعميق فكرة الطاعة لله تعالى ولرسوله ولأولي الأمر, كما ذكر المؤلف الملامح الإسلامية في نظام المطبوعات والنشر في المملكة.

في الفصل الثاني استعرض المؤلف تطور حرية الرأي في المجتمع السعودي, وذلك من خلال العوامل المؤثرة في تطور هذه الحرية, وصفات أهل الرأي في المجتمع السعودي.

لقد شهدت حرية الرأي في المجتمع السعودي تطورا ملحوظا بفعل عاملين اثنين هما:

1- الانفتاح الإعلامي الذي يشهده واقعنا المعاصر.

2- الحراك السياسي والاجتماعي في المجتمع السعودي إذ صاحب الانفتاح الإعلامي توجه حقيقي ملموس نحو الإصلاح السياسي.

أما عن العوامل المؤثرة في تطور حرية الرأي في المجتمع السعودي, فقد اختصرها المؤلف بما يلي:

1- منح وسائل الإعلام السعودية مساحة أكبر من حرية الرأي والتعبير.

2- تحويل الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء إلى مؤسسات عامة.

3- إنشاء هيئة حقوق الإنسان الحكومية وجمعية حقوق الإنسان الأهلية.

4- إنشاء هيئة الصحفيين.

5- إنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.

في البداية تناول المؤلف التغيرات التي شهده المجتمع السعودي في السنوات الخمس الأخيرة, وبخاصة في مجال حرية الرأي والتعبير الإعلامي.

وأما عن صفات أهل الرأي في المجتمع السعودي فقد تناولها المؤلف فيما يلي:

1- الصفة الدينية: وهي سمة ذكرت في غير موضع من دراسات الباحثين في مجال قادة الرأي, وهي أبرز سمات قادة الرأي التي يمكن ملاحظتها بوضوح في المجتمع السعودي.

2- الثقة والقبول الاجتماعي: وهي سمة ذكرها غير واحد من الباحثين المتخصصين في دراسات الرأي العام.

3- التعرض لوسائل الاتصال.

في الفصل الثالث تناول المؤلف ضوابط حرية الرأي في المجتمع السعودي في المجال السياسي والديني والاجتماعي, مع تناول معايير الكلمة في خطاب الرأي.

وقبل البدء بضوابط حرية الرأي في المجال السياسي في المجتمع السعودي, تناول المؤلف ضوابط حرية الرأي في المجتمع المسلم بشكل عام, مما يمكن قياس المجتمع السعودي عليه.

وقد بين المؤلف أن حرية الرأي السياسية في المجتمع المسلم تدور في محيط العلاقة بين الحاكم والمحكوم, التي بينتها النصوص الشرعية من خلال: طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصة الله, والنصيحة لذوي السلطان المضبوطة بضوابط اللين والمداراة والتطلف في النصيحة, وبأن لا تؤدي الإنكار على ذوي السلطان إلى منكر أشد منه, وبأن لا تؤدي النصيحة الخروج على جماعة المسلمين.

وعن قنوات الرأي السياسي في المجتمع السعودي تناول المؤلف: المجالس المفتوحة بين الحاكم والمحكوم بالمملكة, ولقاءات العلماء بالقيادة السياسية, والشورى, والصالونات الثقافية.

وعن ضوابط الحرية في المجال الديني تناول المؤلف المحافظة على عقيدة الأمة ودينها, ومنع الفكر الوافد والدخيل على الأمة, بالإضافة لحماية الرموز الإسلامية أفرادا ومؤسسات.

وأما عن ضوابط حرية الرأي في المجال الاجتماعي فقد ذكر المؤلف ضابط الوحدة الوطنية, وضابط حرية الرأي في مجال المرأة, الذي لا ينبغي أن يخرج عن أوامر الشريعة الإسلامية, بالإضافة إلى ضابط حرية الرأي في قضايا الأطفال والناشئة.

وبذكر أهم نتائج البحث والتوصيات ختم المؤلف كتابه القيم, والذي تناول قضية من أخطر القضايا التي يحارب باسمها وتحت شعارها الإسلام, ألا وهي "حرية الرأي", فجزاه الله عن المسلمين كل خير. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ