المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحو نظرية في التعلم


Eng.Jordan
02-18-2012, 07:45 PM
انطلاقا من مشابهة الدماغ بالمعدة

يهدف هذا المقال إلى التمهيد لنظرية في التعلّم من خلال عقد مشابهة بين الدماغ والمعدة، وذلك لفهم عمل الدماغ، ومن ثم لفهم عملية التعلّم كأعظم مهمة من مهمات الدماغ.



تعج مناهج التربية اليوم بالعديد من نظريات التعليم والتعليم والتي تسعى في مجملها إلى تحديد أيسر الوسائل، ورسم أقصر السبل التي تجعل المعلمين راضين عن عملهم، وسعيدين في علاقاتهم مع طلابهم، و تجعل الطلاب يشعرون بالسعادة عند تعلمهم، ويجدون الثقة في أنفسهم وفي معلميهم. ولكن - وبشهادة كبار المربين في القرن العشرين - لا توجد إلى الآن نظرية في التعليم أو التعلم قد حققت كلّ أو معظم أماني المعلمين وتطلعات المتعلمين، ويرجع ذلك لأسباب كثيرة، ربما كان من أهمها:



- أن هذه النظريات قد أعّدها أناس في بيئات معينة ربما نجحت فيها لاعتبارات خاصة، ولكنها ليست بالضرورة قابلة للنجاح في بيئات مغايرة؛ ومن الأدلة القاطعة على ذلك – ما نراه في الآفاق – فنباتات الصحراء لا تنبت في البلاد الباردة، ونباتات البر لا تنبت في البحر!

- وكذلك أُعدّت هذه النظريات في أزمنة ربما لا تصلح للأزمنة اللاحقة، ومن الأمثلة الدامغة على ذلك - ما نراه في أنفسنا – فالمسرحية التي نشاهدها اليوم ونتمتع بها على الفور ربما نراها سخيفة بعد غد، وما نعتبره اليوم \"مودة\" في الهندام أو الشكل أو المظهر ربما تزدريه الأنفس في الغد!



والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يصل المنظّرون بعد إلى النظرية التربوية في التعليم أو التعلم، الجامعة المانعة الصالحة لكل مكان وزمان وإنسان؟ إنه سؤال كبير وعريض وعميق، ولكني أفترض وبدون تحيز أو مغالاة أو تعصب بأن عناصر النظرية موجودة في كتاب الله الخاتم الذي أنزله سبحانه وتعالى لينظم حياة الإنسان مع الله، ومع الكون، ومع الحياة، وفي هذا امتثال لقوله تعالى: \"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنّه الحق\"، ففي الآية إشارات واضحة ودلالات قاطعة على أن آيات الله - كل الآيات – ماثلة أمام المستبصرين، الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض وفي خلق أنفسهم، ولمن شاء أن يعرف وسائله ويرسم طريقه في الحياة، ومن هنا فإن التنظير في أي مجال من مجالات العلم والمعرفة ليس منا ببعيد، وليس علينا بعنيد، إذا ما استهدينا ما في كتاب الله من شواهد وأدلة، وإذا ما تدبرنا ما في أنفسنا من عبر وآيات. ولكن لمَ لمْ يصل أحد بعد إلى بلورة هكذا نظرية؟ ولماذا تحديدا لم يتمكن أهل هذا الكتاب* من وضع النظرية التربوية الجامعة المانعة لييسروا تعلّم أبنائهم الذين تراجعوا عن نظرائهم، وليطوروا مناهجهم ونظمهم التربوية التي نكصت عن بناء الإنسان الذي نحب ونرضى؟ أم أن السلف الصالح قد أوجدها ولكن حبل الاتصال بهم قد انقطع في زمن الاحتلال والانحلال، أم أنها وجدت على فترة من العلماء الأجلاء في العصور المختلفة، ولم يتمكن أحد من المحدثين لمّ شعثها!؟



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

* أهل هذا الكتاب: هم المسلمون

* أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى



وللخروج من دائرة اللوم وجلد الذات، وللدخول في دائرة التأطير والتنظير، فالنظرية التربوية الشاملة يفترض فيها أن تجيب عن التساؤلات التالية:

• ماذا يجب أن يتعلم المرء؟

• من هو ذلك المرء؟ ( طفل أم بالغ ، ذكر أم أنثى)

• لماذا يجب أن يتعلم المرء؟

• كيف يجب أن يتعلم المرء؟ (أين؟ ومتى؟ ومِنْ ما؟ ومَعَ مَنْ؟ ومِنْ مَنْ؟ وبمَ؟ ...)

• كيف يتأكد المرء من أنّه قد تعلم؟



إنّ من أجلً وأدق ما في النظرية التربوية هو الإجابة على تساؤل: كيف يجب أن يتعلم المرء؟ (أين؟ ومتى؟ ومِنْ ما؟ ومَعَ مَنْ؟ ومِنْ مَنْ؟ وبمَ؟ ...)، فبيئة التعلم، ووقت التعلم وزمانه، ومصادر المعرفة؛ البشرية والمادية، والأقران، والمعلمون، وأوعية التعلم؛ من دفاتر وأقلام، من أنشطة وخبرات، ... تمثل هذه القضايا سداة النظرية ولحمتها. وأقترح في هذا السياق ولتوضيح هذا الكيف، أن يتوقف معلمونا وطلابنا وبخاصة أولئك المحبون لعملية \"التنظير\"، متأملين في طبيعة الدماغ الإنساني وكيف يعمل؟ وحيث إنه لا شبيه للدماغ الإنساني في آلية عمله إلا – الحاسوب* – فأرى أن أعقد مشابهة بين الدماغ والمعدة لأن كليهما نظام بيولوجي، وقد تكون المشابهة المجازية بينهما عاملا مساعدا على صوغ نظرية تربوية في التعلّم، على افتراض أن جميعنا قد بنى نظرية غذائية في الأكل خاصة به، فالواحد منا يعرف:

• ماذا يجب أن يأكل؟

• من الذي سيأكل؟ ( طفل أم بالغ ، ذكر أم أنثى)

• لماذا يجب أن يأكل ؟

• كيف يجب أن يأكل؟ (أين؟ ومتى؟ ومِنْ ما؟ ومَعَ مَنْ؟ ومِنْ مَنْ؟ وبمَ؟ ...)

• كيف يتأكد من أنّه قد أكل ما يناسبه؟



وحيث إن كيان النظرية التربوية في التعلم يرتبط بالدماغ، و كيان النظرية الغذائية في الأكل، يرتبط بالمعدة، وانسجاما مع الافتراض بأن التعلم يشابه الأكل، جاءت المشابهة بين الدماغ والمعدة! وفيما يلي بعض أوجه الشبه بينهما:

مسلسل الخصائص المعدة الدماغ

1. الماهية قربة مجوّفة من اللحم نصفي كرة مصمتين من الدهن

2. الغذاء الطعام والشراب المعلومات

3. النشاطات هضم أولي، ثم نقله للأمعاء معالجته مرحليا، ثم نقل للذاكرة

4. الوظيفة المساعدة في تحقيق النمو البدني المساعدة في تحقيق النمو العقلي

5. المشكلات العسر :

- صعوبة هضم بعض المواد

- التسمم بسبب الميكروبات الكف:

- الجديد ينسي القديم

- القديم يعيق الجديد

6. الغايات تحقيق المتعة الغذائية، وبناء الجسم تحقيق المتعة العقلية، والسيطرة على الجسم

7. البوابات الفم، وفتحتا البول والبراز الحواس الخمس، والإلهام، والخيال، والأحلام، ...

8. دورة العمل 3 وجبات يوميا (أقل من ساعتين) أكثر من 20 ساعة يوميا

9. توقيت العمل صباحا، وعند الظهر، وعشاء على مدار الساعة، ما عدا ساعات النوم

10. المخرجات الدم، والبول، والبراز معلومات، وأفكار، وعلاقات جديدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بدليل تشبيه العلماء للحاسوب بالعقل الآدمي، ومن المعروف رياضيا أن عملية المشابهة عملية عكسية بمعنى أنّه إذا كان (أ) يشبه (ب) فإن (ب) تشبه (أ).

• هذه الفروق قد تساعد المنظّرين في وضع نظرية في التعلّم أي في كيفية اكتساب الدماغ للمعلومات قياسا على كيفية اكتساب المعدة للطعام، ونعود للإجابة على التساؤل: كيف يجب أن يتعلم الفرد؟ (أين؟ ومتى؟ ومِنْ ما؟ ومَعَ مَنْ؟ ومِنْ مَنْ؟ وبمَ؟ ...)



ماهية المعدة مقابل ماهية الدماغ: تفترض ألا يدفع إليها بمواد لا تنسجم مع طبيعتها الجلدية، وألا يفوق حجم هذه المواد السعة الاستيعابية لها لأن للمعدة حدا أقصى للاستيعاب، وكذلك الحال مع الدماغ؛ فماهيته تفترض ألا يدفع إليه بمعلومات تفوق قدرته على المعالجة، مع أنه ليس للدماغ حد أقصى للاستيعاب! كما يقول علىّ كرّم الله وجهه: \"كل إناء يضيق بما فيه إلا العقل\" والعقل هو المعرفة المخزّنة في الدماغ.



غذاء المعدة مقابل غذاء الدماغ: تعتبر المعدة مطبخا أوليا لهضم الطعام والشراب، وبعد ذلك يتم توزيع خلاصة الطعام لأجزاء الجسم التي تحتاجه، وكذلك الدماغ يعتبر معملا أوليا لتكرير المعلومات، فما يناسب المرء في الحال استبقاه واستخدمه، وما لا يناسبه في التو أودعه في الذاكرة البعيدة ليسدل عليه الستار في دهاليز النسيان، أو ليرجع إليه عند الضرورة.



نشاطات المعدة مقابل نشاطات الدماغ: تفرز المعدة أحماضا وأنزيمات لهضم الطعام والشراب، وجعله سهلا على التحوّل والامتصاص، أما الدماغ فيستدخل المعلومات الجديدة ضمن خلاياه العصبية، ثم يعالجها بإيجاد روابط وعلاقات بينها وبين المعلومات السابقة،



وظيفة المعدة مقابل وظيفة الدماغ: تعتبر المعدة جزءا رئيسا في النظام الهضمي المسئول عن توفير العناصر الغذائية لجميع أنحاء الجسم، أما الدماغ فيعتبر رئيس الجسم، فهو المسئول عن قيادة جميع الأجهزة فيه، فهو خادمها ومستخدمها.



مشكلات المعدة مقابل مشكلات الدماغ: العسر يعني أن الأحماض والإنزيمات التي تفرزها، والانبساطات والانقباضات التي تقوم بها تفشل في تحليل الطعام والشراب المودع فيها، أما الدماغ فمن أخطر مشكلاته هو فشله في معالجة المعلومات الداخله له، أو فشله في استبقائها، أو فشله في استدعائها، ويعزى هذا إلى نوعين من \"الكف\"، أحدهما أن المعلومات الموجودة تعيق دخول معلومات جديدة، والآخر أن المعلومات الجديدة تشوش على المعلومات القديمة!.



غايات المعدة مقابل غايات الدماغ: يأكل المرء ويشرب في معدته ليبني نفسه، وليستمتع بنعم الله المودعة في المطعومات والمشروبات، أما المرء فيتناول المعلومات لينمي فكره، وليستمتع بالآء الله ونعمائه وسننه المودعة في الكون والحياة.



بوابات المعدة مقابل بوابات الدماغ: ينتقل الطعام والشراب إلى المعدة عبر الفم، وبعد هضمه وتوزيع النافع منه إلى مراكز الاستقبال الخاصة به، يتم تصريف الفائض عن الحاجة – بصورة لا إرادية - بولا أو برازا عبر فتحتي المستقيم والشرج، أما المعلومات فتنتقل للدماغ عبر الحواس الخمس، ومن خلال الإلهام، والخيال، والأحلام، فتعالج، ثم تستخرج – إراديا – على هيئة كلام منطوق أو مكتوب أو على هيئة إشارات أو حركات أو انفعالات ...



دورة عمل المعدة مقابل دورة عمل الدماغ: المعدة – كعضلة - تعمل بقوة تتناسب طرديا مع حجم الطعام وصعوبته على الهضم، أما الدماغ – كعضلة – فإنه يعمل بشدة وحيوية على المعلومات النادرة، والمفيدة، والغريبة؛ فإن كانت هناك مواد تعين المعدة على الهضم، فليست هناك مواد تساعد الدماغ على تمثل المعلومات (إدخالا – ومعالجة – استدعاء) إلا الراحة النفسية والجسمية، والثقة في مصدر المعلومات، وحب الاستطلاع وحب الاستزادة من المعلومات..





توقيت عمل المعدة مقابل توقيت عمل الدماغ: تعمل المعدة مباشرة عند تناول الوجبات؛ الإفطار والغذاء والعشاء، وهي ساعات الذروة لعمل المعدة، أما الدماغ فيعمل على مدار الساعة، عند القراءة، وعند الكتابة، وعند الحديث، وحتى عند النوم وفي أثناء النوم، ولكن هناك لحظات فتور يمكن استغلالها في الترويح عن الدماغ بنشاطات غير جادة كالرياضة والاسترخاء والاستماع للكلم الطيب.



مخرجات عمل المعدة مقابل مخرجات عمل الدماغ: المعدة – كمعمل - يتمخض عنها تحويل للطعام والشراب إلى دم أو طاقة أو بول أو براز، وهذه المخرجات ضرورية للجسم وإلا! أما الدماغ – كمعمل – فتتحول فيه المعلومات إلى معلومات جديدة، وأفكار، وعلاقات جديدة.



من هذه المشابهة نخلص إلى ما يلي:



- تعلم الفرد يتم بالكيفية التي يتناول فيها طعامه وشرابه (فما لذّ وطاب استكثر منه، وما كان لاذعا ومنفرا فرّ منه).



- يكتسب الفرد المعلومات ويستمتع بها إذا شارك في اختيارها وفي تجهيزها (من شاور الناس شاركهم في عقولهم)، (الذي يسأل أفضل من الذي يجيب).



- يستطيع الفرد معالجة المعلومات إذا كانت بحجم معقول وليست عسيرة على الفهم (زن لكل فرد بميزان عقله).



- يتحكم الفرد بكمية المعلومات الداخلة للدماغ ونوعيتها من خلال العناية بالحواس، والطهارة، والإخلاص (من يكن جميلا يرى الوجود جميلا).



- ويمكن للفرد تكييف مواعيد اكتساب المعلومات بحيث تتوافق مع لحظات حيوية الدماغ ونشاطه (لكل إنسان فترة؛ من الفتور).



- يكتسب الفرد المعلومات ذاتيا (كقطف الثمار من الأشجار)، أو بمساعدة الآخرين (كالأكل في مطعم)، ولهذا نكهة ولذاك نكهة، وهذا مفيد وذاك مفيد، ولا يمكن القول أن هذا يكفي دائما أو أن هذا أفضل، فكلاهما مكمّل للآخر.



- ويستفيد الفرد من المعلومات في بناء شخصيته السوية عقليا وجسميا ووجدانيا إذا كان يكتسبها لذاتها (العلم لأجل العلم)، ولتوظيفها (العلم للحياة)، وللاستمتاع بها (العلم للتسلية والمتعة).



- ولا يستفيد الفرد من المعلومات المكتسبة إذا لم يتمخض عنها إخراج معلومات أو أفكار أو علاقات جديدة: على صورة أسئلة أو أجوبة، تحليل أو تركيب، استقراء أو استنتاج، وإلا أصبح الفرد وكأنه مصاب \"بحصر البول، أو أنه حاقب!\"

محمد أحمد مقبل

الوكالة - غزة

almualem.net/maga/ntalum654.html