المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سياسة أمريكا المفلسة أخلاقيًّا


عبدالناصر محمود
07-29-2014, 09:35 AM
إيباك هي التفسير الوحيد لسياسة أمريكا المفلسة أخلاقيًّا تجاه إسرائيل*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 / 10 / 1435 هــ
29 / 7 / 2014 م
ـــــــــ

http://altagreer.com/wp-content/uploads/2014/07/aipac_leaders_meeting_march_20121.jpg


هيفنقتون بوست
-----------

الاسم الرسمي للعملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة هو الحدّ الحامي. لربما كان من الأفضل تسميتها “ديجافو”، وهو مصطلح فرنسي يعني لديّ إحساس أنني كنت هنا من قبل.

كما هو معهود في أحداث سابقة، تقوم إسرائيل باستخدام أسلحة تم توفيرها بواسطة دافعي الضرائب الأمريكيين لقصف الفلسطينيين في غزة المحاصرة والفقيرة، حيث إن عدد الوفيات يخطى حاجز الخمسمائة (حتى كتابة هذا التقرير). كالعادة، الإدارة الأمريكية منحازة مع إسرائيل، مع أن الكثير من المسؤولين الأمريكيين يعرفون أنّ إسرائيل هي من أثار موجة العنف الأخيرة، وهي لا تمارس ضبط النفس وتصرفاتها تجعل واشنطن تبدوغير مبالية ومنافقة في عيون غالبية العالم.

هذا الموقف المحير يعتبر شهادة بليغة للنفوذ السياسي المستمر لأيباك (لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية) والعناصر المتشددة الأخرى في اللوبي الإسرائيلي. لا يوجد أي تفسير منطقي للسلوك السلبي من قبل الكونجرس بمن فيهم بعض من أعضائه التقدميين ولا النفاق الضحل الذي تمارسه إدارة أوباما، وبالخصوص المسؤولين المعروفين بالتزماهم المزعوم لحقوق الإنسان.

السبب الرئيس لهذه الموجة الأخيرة من العنف الدمويّ الموجّه من ناحية واحدة، كان اختطاف وقتل ثلاثة رحّالة إسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، تبعها بوقت قصير خطف وإحراق مراهق فلسطيني بواسطة عدد من الإسرائيليين. وفقًا لجي جي جولدبيرج، مراسل الصحيفة اليهودية “المقدمة”، فإن حكومة نيتنياهو ألقت باللوم على حماس بدون تقديم أيّ دليل وتظاهرت أن الإسرائيليين المختطفين ما زالوا أحياءً بالرغم من أنه كانت هناك أدلة على أن الضحايا كانوا ميتين مسبقًا. لقد قامت حكومة نيتنياهو بتدبير هذه الخدعة من أجل تأجيج الرأي العام الإسرائيلي بالعداوة ضد العرب، وبالتالي جعل تبرير أي عملية عسكرية ضد غزة والضفة الغربية أمرًا سهلًا.

ولماذا قرر نيتنياهو أن يهيج على غزة؟ كما يوضح نايثان ثرال من مجموعة الأزمات الدولية، أنّ الدافع الحقيقي ليس الانتقام والرغبة في حماية إسرائيل من صواريخ حماس التي لم تكن موجودة على الساحة من سنتين مضت، والتي أيضا ليس لها أيّ فاعلية. غرض نتينياهو الحقيقي هو تقويض الاتفاق الذي تم مؤخرًا بين حماس وفتح لتشكيل حكومة وحدة وطنية. إذا أخذنا بعين الاعتبار التزام نيتنياهو الشخصي في الاحتفاظ بالضفة الغربية وتكوين إسرائيل العظمى؛ فإن آخر شيء يريده هو قيادة فلسطينية موحدة والتي من الممكن أن تضغط عليه للعمل بجد من أجل القبول بحل دولتين متجاورتين فلسطينية ويهودية؛ لذلك أراد أن يعزل حماس وأن يلحق بها أضرارًا واسعة وأن يحدث شرخًا جديدًا بين الحركتين الفلسطينيتين.

وخلف كل هذه المناورات، يقبع احتلال إسرائيل لفلسطين الذي مضى عليه الآن أكثر من خمسة عقود. إسرائيل التي ليست راضية عن تصفية عرقية طالت مئات الألوف من الفليسطينيين في عام 1948 وعام 1967 ولا عن التحكم بأكثر من 82% من الأراضي الفلسطينية. كل حكومة إسرائيلية منذ عام 1967 إمّا قامت ببناء أو توسيع مستوطنات أو كليهما معًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية؛ وفي نفس الوقت، قدمت إعانات سخية لأكثر من 600 ألف يهودي انتقل هناك في خرق واضح لاتفاق جنيف الرابع. قبل أسبوعين، أكد نيتنياهو ما كان يخشاه الكثير وهو أنه يرفض بشكل تام حلّ الدولتين ولن يعيد ولن يسمح لهذا الحلّ بأن يرى النور طالما هو رئيس للحكومة. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نتينياهو هو أكثر أعضاء حكومته اعتدالًا وأن النظام السياسي في إسرائيل يتجه بخطى ثابتة إلى اليمين؛ فإن حل الدولتين قد ذهب بلا رجعة.

والأسوأ من ذلك كلّه، أن موت المئات من الفلسطينيين وعدد قليل من الإسرائيليين لن يغير من ذلك شيئًا. حماس لن ترمي سلاحها. عندما تنتهي موجة العنف الأخيرة، فإن الأربعة ملايين ونصف الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة سوف يبقون سجناء لإسرائيلِ، وسوف يحرمون أيضًا من أبسط حقوقهم الإنسانية. ولكنهم لن يغادروا فلسطين لأنّها وطنهم، ولأنهم ليس لديهم مكان آخر للذهاب إليه، خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار حالة الغليان التي يمرّ بها الشرق الأوسط.

في نهاية المطاف، سيكون هناك اتفاق لوقف إطلاق النار، وسيتم دفن القتلى وسيتعافى الجرحى وستتمّ إعادة بناء الأنفاق التي دمّرت وستقوم حماس بإعادة مستوى مخزونها من الصواريخ. وبذلك، ستكون الساحة مهيّأةً لجولةٍ أخرى من القتال، وإسرائيل ستكون في طريقها لتصبح دولة فصل عنصريّ متكاملة.

في هذه الأثناء، يستمرّ صانعو القرار السياسي الأمريكيون بدعم الحملة العسكرية الشرسة التي هدفها الأساسي ليس حماية إسرئيل، بل لدعم جهودها الأبدية لاستعمار الضفة الغربية. مما يثير الدهشة، أنّهم مستمرون في دعم إسرائيل بدون أي تحفظ بالرغم من أن كلّ رئيس أمريكي منذ الرئيس لندون جونسون، الذي عارض مشروع بناء مستوطنات يهودية، كان يدعم بناء المستوطنات. الرؤساء الثلاثة الأخيرون، كلنتون وبوش وأوباما، جميعهم عملوا بجدٍّ من أجل حل الدولتين؛ الأمر الذي جعل السياسة الإسرائيليّة ترى أن إمكان التوصّل إليه شيئًا مستحيلًا.

ولكن حالما يبدأ القتال، وحتى لو كانت إسرائيل هي المتسببة فيه؛ فإنّ لوبي الضغط اليهودي الأيباك يطالب أن تكون ردة فعل واشنطن مشابهة لتل أبيب. والكونجرس يسرع بإصدار قرارات تساند أي عمل تقرّر أن تقوم به إسرائيل. بالرغم من أنّ أكثر القتلى هم من الفلسطينيين؛ فإن البيت الأبيض يسارع بالإعلان بأن إسرائيل لديها الحق في الدفاع عن نفسها، وأوباما نفسه لن يتخطى التعبير عن قلقه فقط عمّا يجري هناك. بالطبع، من حق الإسرائليين الدفاع عن أنفسهم، ولكن الفلسطينيين لا يملكون نفس الحق فحسب، بل لهم أيضًا حق مقاومة الاحتلال. لكي نضعها في صورة أخرى: إسرائيل ليس لديها الحقّ في إبقاء الفلسطينيين في حالة إخضاع تام، ولكن حاولوا أن تجدوا أحدًا في واشنطن يوافق على هذه الحقيقة البسيطة.

التفسير لسياسة الولايات المتحدة العاجزة والمفلسة أخلاقيًا هو النفوذ السياسي للوبي الإسرائيلي. باراك أوباما يعرف أنه لو وقف في صف الفلسطينيين في غزة أو قام بانتقاد ممارسات إسرائيل بأي شكل، فإنه سوف يواجه موجة حادّة من الانتقادات من اللوبي اليهودي، وأن فرصته في الحصول على موافقة الكونجرس لأيّ صفقة محتملة مع إيران لن ترى النور.

بالمسار نفسه، فإن كل عضو في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، حتى التقدميين مثل النائبة إليزبيث وارن، يعرفون أن التصويت على القرارات التي في صالح إسرائيل هو القرار السياسي السليم. يعرفون أن حتى التفكير المستقل البسيط في هذه القضايا سوف يجعلهم عرضة للهجوم في المرة القادمة التي يفكرون في إعادة ترشيح أنفسهم لنفس مناصبهم من قبل طرف مقابل مدعوم ماديًا. أقل ما سيفعلون هو الإجابة على سيل من المكالمات الهاتفية والرسائل الغاضبة. وفوق كل هذا، سيقوم زملاؤهم في الكونجرس بخذلانهم. الطريق الآمن هو أن يكرروا تلك الابتهالات التي تتحدث عن القيم المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والانتظار حتى تنتهي تلك الأزمة. ويتساءل الناس: لماذا لا نثق في الكونجرس بعد الآن(!).

لكي نكون أكيدين، فإنّ نفوذ اللوبي ليس كما كان في السابق. الرأي العام حول إسرائيل وسياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل واللوبي نفسه تغيّر بشكل ملحوظ في السنوات القليلة الماضية، ووعدد متزايد من الصحفيين والمدونين والمحللين السياسيين أمثال أندرو سوليفان وخوان كول وبيتر بينارت وأم جي روزينبيرج وماكس بلومينثال وفيليس بينيس وبيرنارد افيشاي وسارة روي وميتشيل بليتنيك وديفد ريمنيك وفيل ويس، وفي بعض الأحيان حتى توماس فريدمان من “النيويورك بوست” مستعدّون للتحدث والكتابة بكلّ صراحة حول ما يحدث في الشرق الأوسط.

بالرغم من أن معظم الأمريكيين يساندون بشكل علني حق إسرائيل في الوجود، ولكن تعاطفهم مع إسرائيل يضمحلّ يومًا بعد يوم. جمهور المشكّكين يشتمل على عدد متزايد من الشبان اليهود الأمريكيين الذين يجدون قليلًا من الإعجاب وكثيرًا من النفور في تصرفات إسرائيل، وهم أقل إخلاصًا تجاهها من الأجيال السابقة. الجماعات المؤيدة للسلام مثل جاي ستريت والصوت اليهودي للسلام تعكس النمط السائد، وتعرض وجهة النظر لليهود الأمريكيين أنها بعيدة عن الوحدة.

إضافة إلى ذلك، فإن أيباك ولوبيات متطرفة أخرى لم تستطع إقناع إدارة أوباما بالتدخل في سوريا، ولم تستطع إقناع إدارتيْ بوش وأوباما في شنّ هجمة استباقية ضد منشآت إيران النووية. وهم أيضًا فشلوا في إخراج محادثات منشآت لإيران النووية عن مسارها، على الأقل إلى حدّ الآن، وليس لأنها لم تحاول.

محاولة دفع الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط، تُعتبر مهمّة شاقة بالنسبة لأي مجموعة ضغط، وهذا الفشل يؤكّد أنه حتى لوبي بحجم أيباك لا يستطيع دائمًا أن يحقق أهدافه. ولكنّ اللوبي استطاع أن يبقى الدعم المادي مستمرًّا الذي يقارب 3 مليار دولار سنويًّا، واستطاع من أن يمنع الرؤساء الأمريكيين من أن يقوموا بالضغط الجاد على إسرائيل. وكذلك، فإن اللوبي باستطاعته تكريس الفيتو الأمريكي في مصلحة إسرائيل عندما يكون هناك مشروع قرار ليس في صالح الدولة العبرية داخل أروقة الأمم المتحدة. هذا يفسر لماذا لم تكرس إدارة أوباما الكثير من الجهد حول حل الدولتين من أجل شعبين. إذا كانت إسرائيل تستطيع الحصول على دعم سخيّ من الولايات المتحدة بغضّ النظر عمّا تقوم به؛ فلماذا يجب على قادة إسرائيل أن يعيروا أيّ اهتمام لطلبات واشنطن؟ الذي باستطاعة أوباما ووزير خارجيته جون كيري هو الانصياع لحكومة نيتنياهو في التعامل مع الأحداث، وقد رأينا فائدة ذلك التصرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التقرير}
ــــــــــ