المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما هي احتمالات حدوث حرب عالمية؟


عبدالناصر محمود
08-01-2014, 06:52 AM
ما هي احتمالات حدوث حرب عالمية جديدة؟*
ـــــــــــــــــــــــ

5 / 10 / 1435 هــ
1 / 8 / 2014 م
ــــــــــ

http://altagreer.com/wp-content/uploads/2014/08/01b76ccdea2a727ca5ad5cc668e50140.jpg


أتلانتيك
ـــــــــ

في نفس هذا الشهر منذ قرن من الزمان، كان الأوروبيون على شفا حرب مدمرة بحيث أجبرت المؤرخين على إنشاء تسمية جديدة: “الحرب العالمية”، والتي لم يتخيل أي من الزعماء في ذلك الوقت، حجم الدمار الذي خلفته بعد أربع سنوات. فبحلول عام 1918، كان الجميع قد خسر كل ما كان يعتز به: فقد تم إسقاط القيصر، وانحلت الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتمت الإطاحة بالقيصر من قبل البلاشفة، وظلت فرنسا تنزف لمدة جيل كامل، وحرمت إنجلترا من زهرة شبابها.

ما سبب هذه الكارثة؟
------------

يستمتع الرئيس جون كينيدي بأن يؤرق زملاءه بهذا السؤال. ودائمًا ما كان يذكرهم بجوابه المفضل، نقلًا عن المستشارة الألمانية فون ثيوبالد، فيقول: “آه، لو كنا نعرف فقط”. وعندما حدثت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وجد كينيدي نفسه “وجهًا لوجه” أمام الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف وكان عليه اتخاذ القرارات التي كان يعرف أنها قد تعني الموت السريع لـ 100 مليون شخص، ولكنه قال إنه استعرض دروس 1914. واتخذ القرار، وقال إنه ضبط ما كان يميل إلى القيام به في محاولة لتجنب تكرار أخطاء أولئك القادة .

كان المشاركون في الحرب العالمية الأولى يسعون في نفس الوقت لتأطير المفاهيم العامة للأزمة. وكان كلٌّ يسعى إلى إلقاء اللوم على عدوه. وفي أعقاب الكارثة، وجد المنتصرون حرية كبيرة في تبرير معاقبة المهزوم. وفرضت معاهدة فرساي العقوبات الصارمة التي خلقت الظروف التي أدت في وقت لاحق لاندلاع الحرب العالمية الثانية.

لماذا يمكن للحرب العالمية أن تحدث مرة أخرى؟
---------------------------

في هذه الذكرى المئوية لما يسميه المشاركون “الحرب العظمى”، يشير العديد من المراقبين إلى مقولة مارك توين “إن التاريخ لا يكرر نفسه أبدًا، ولكنه يتشابه في بعض الأحيان”.

فتصاعد الأزمة بين الصين وجاراتها حول السيطرة على الجزر في بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، فإننا نسمع كثيرًا أصداء الأحداث في البلقان التي حدثت في وقت سابق. هل يمكن أن يؤدي حادث بين القوات الجوية الصينية والقوات البحرية اليابانية البحرية إلى غرق سفينة أو إسقاط طائرة؟ وإذا حدث ذلك، هل ستقوم الولايات المتحدة بتلبية التزاماتها طبقًا للمعاهدة والوقوف مع اليابان، حتى لو كان ذلك يعني إطلاق النار على السفن أو الطائرات الصينية؟ وإذا فعلت ذلك، وهل يمكن أن تتصاعد الأحداث لتصل إلى حرب أكبر بين الولايات المتحدة والصين؟ يبدو ذلك بالنسبة لي غير مرجح. ولكن وفقًا لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة بيو، فإنّ أغلبية كبيرة من المواطنين في جميع أنحاء آسيا يعتقدون أن النزاعات الإقليمية بين الصين وجيرانها ستؤدي إلى الحرب.

المقارنات التاريخية بين ما حدث عام 1914 وبين ما يحدث الآن يمكن أن تكون مصادر خصبة للأفكار حول التحديات المعاصرة. ولكن هناك مشكلة واحدة، وهو أن الناس يمكن أن تجد القياس مقنعًا بحيث تستنتج أن الظروف الحالية هي “تمامًا مثل 1914″. ولكن الزميل الكبير إرنست مايو قدم الحل المناسب لهذه المشكلة، حيث حثّ المحللين وصناع القرار على حد سواء أن يكونوا أكثر تنظيمًا. فطلب من تلاميذه في جامعة هارفارد أن يرسموا خطًّا مستقيمًا في منتصف الصفحة وكتابة عنوان “أوجه التشابه” في الجزء العلوي من أحد العمودين و”أوجه الاختلاف” في الجزء العلوي من الجهة أخرى؛ أن يكتبوا تحت كل عمود قائمة لا تقل عن ثلاث نقاط لأوجه التشابه وثلاث نقاط لأوجه الاختلاف بين تلك الحقبة والحالة الراهنة.

ويحاول هذا المقال استخدام طريقة مايو لتسليط الضوء على بعض أوجه التشابه والاختلافات بين التحديات التي تواجه الزعماء الصينيين والأمريكيين اليوم، وتلك التي واجهت قادة العالم في عام 1914. وفي حين أن معظم أوجه التشابه تجعل احتمال نشوب نزاع اليوم معقولًا، وبالمقابل فإنّ معظم الاختلافات تجعل الصراع أقل احتمالًا.

أولًا: أوجه التشابه:
-----------

1. “فخ ثيوسديدايس”: وهو الإجهاد الهيكلي الذي يحدث حتمًا عندما تنافس قوة صاعدة بسرعة السلطة الحاكمة. حيث لاحظ ثيوسديدايس ما حدث في اليونان القديمة، وكيف أصبح صعود أثينا أكثر طموحًا، وحزمًا، وتعجرفًا، وحتى غطرسةً؛ وهو ما زرع الخوف والقلق، والتحفز بين قادة سبارتا.

بريطانيا، التي اعتادت على التفوق الاقتصادي والهيمنة البحرية، والإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، نظرت بجزع في عام 1914 إلى الرايخ الألماني الموحد الذي تجاوزها في الإنتاج الصناعي والبحوث، والذي كان يطالب بمساحة أكبر من النفوذ، وكان يعمل على توسيع قدراته العسكرية لتشمل البحرية التي يمكن أن تتحدى سيطرة بريطانيا على البحار. وقد أدى ذلك لأن تتخلى بريطانيا عن قرن من “العزلة الرائعة” لتشديد التشابكات مع فرنسا ثم روسيا.

في عام 2014، يواجه الأميركيون تحدّيًا من قبل الصين الصاعدة على المسار الصحيح لتتجاوز الولايات المتحدة في العقد المقبل باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم. ومع نموّ الصين وتحولها لدولة أكثر قوة، أصبحت أكثر نشاطًا وعدوانية مع جيرانها، ولا سيّما في ما تعتقد الصين أنّه حقّها في البحر من الشرق والجنوب. جيران الصين، من اليابان والفلبين إلى فيتنام، ينظرون بشكل طبيعي إلى الولايات المتحدة للحصول على دعمها كحارس لما تمّ منذ الحرب العالمية الثانية.

2. الاستبعاد النظري لاحتمالية حدوث حرب شاملة: في عام 1914، جادل الكتاب الأكثر مبيعًا من عصر نورمان آنجيل أن الحديث عن الحرب هو “وهم كبير”؛ لأن الفائز في الحرب سيخسر بالتأكيد أكثر مما سيكسب.

وفي عام 2014، فحالة “السلام الطويل” منذ الحرب العالمية الثانية، التي عززتها الأسلحة النووية والعولمة الاقتصادية، تجعل اندلاع حرب شاملة بين القوى العظمى يبدو غيرَ واردٍ.

3. التداخل العميق، الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي: في عام 1914، كانت المملكة المتحدة وألمانيا شريكين تجاريين رئيسين لأوروبا وللمستثمر الأجنبي الرئيس. وكان الملك جورج والقيصر فيلهلم أقارب من الدرجة الأولى، وسار هذا الأخير في جنازة والد جورج، الملك إدوارد السابع، في عام 1910. كما إن النخبة على حد سواء درسوا في الجامعات الكبرى في البلدين، وكانوا شركاء في الأعمال التجارية، والاجتماعية.

في عام 2014، الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، كما تعد الولايات المتحدة أكبر مشترٍ للصادرات الصينية، كما أن الصين هي أكبر حائز أجنبي للديون الأمريكية. وهناك ربع مليون طالب صينى يدرسون سنويًا في الجامعات الأميركية، بما في ذلك الابنة الوحيدة للرئيس الصينى شى جين بينغ.

4. تصاعد النبرة القومية في النزاعات الإقليمية: في عام 1914، وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، طمح القوميون الصرب لإنشاء صربيا الكبرى، وتنافست روسيا والنمسا والمجر على النفوذ في دول الخلافة العثمانية في البلقان. وفي الوقت نفسه، خطط الألمان للحصول على ألمانيا الكبرى، وحلم الفرنسيون باسترداد الألزاس واللورين والمقاطعات التي استولت عليها ألمانيا من فرنسا بعد الحرب الفرنسية البروسية عام 1870-1871.

في عام 2014، تطالب الصين بجزر سينكاكو التي تديرها اليابان في بحر الصين، وتؤكد ملكيتها الكاملة لبحر الصين الجنوبي، وتثير القومية بين جيرانها وسكانها.

5. تركيز المؤسسات العسكرية القوية على عدو أساسي لأغراض التخطيط والشراء وتبرير ميزانيات الدفاع: في عام 1914 اعتبرت بريطانيا وألمانيا بعضهما البعض تهديدًا رئيسًا وركزت فرنسا على الخطر الذي تشكله ألمانيا. وفي عام 1907، مع توسّع القدرة البحرية الألمانية للدرجة التي جعلتها تتحدى سيادة البحرية البريطانية، طلب رئيس الوزراء البريطاني من محلل بارز في وزارة الخارجية كتابة مذكرة حول “العلاقات البريطانية مع فرنسا وألمانيا، وجاء فيها أن ألمانيا من شأنها ليس فقط أن تنشئ أقوى جيش في القارة، ولكن يمكنها أيضًا “بناء قوة بحرية كبيرة لا يمكن تحملها، وأنها تسعى لما أسمته المذكرة “الهيمنة السياسية والسياده البحرية” وأنّها سوف تشكل خطرًا على “استقلال جيرانها وفي نهاية المطاف على وجود إنجلترا”.

واليوم، فإن وزارة الدفاع الأمريكية تخطط ضد الصين. فمنذ هزيمتها في عام 1996، عندما اضطرت إلى التراجع عن التهديدات التي وجهتها إلى تايوان بعد أن أرسلت الولايات المتحدة حاملتي طائرات لدعم تايوان، خططت الصين، وعملت على بناء وتدريب قواتها على دفع قوات البحرية الامريكية الى الوراء أبعد من تايوان.

6. خلق التحالفات: في عام 1914، وبعد توحيد ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر، شيّد المستشار أوتو فون بسمارك شبكة من التحالفات التي من شأنها الحفاظ على السلام في أوروبا وعزل العدو الرئيس لألمانيا، وهو فرنسا. ولكن القيصر فيلهلم بسمارك دمر هيكل ذلك التحالف برفضه تمديد تحالف ألمانيا مع روسيا في عام 1890، وبعد عامين، تحالفت روسيا مع فرنسا. وأدى ذلك لتعزيز علاقات ألمانيا مع النمسا والمجر، وتعميق علاقات بريطانيا مع كل من فرنسا وروسيا.

وفي عام 2014، فإن الولايات المتحدة لديها العديد من الحلفاء في شرق آسيا، بينما تتمتع الصين بالقليل من الحلفاء. وتتراوح الالتزامات الأمريكية والخطط التنفيذية بين المعاهدة بين الولايات المتحدة واليابان حول التعاون والأمن المتبادل، التي تلزم الولايات المتحدة باعتبار أي هجوم على اليابان هجومًا على الولايات المتحدة، إلى الاتفاقات مع الفلبين وغيرها التي تنصّ على تقديم المشورة والدعم فقط. ومع حزم الصين في تحديد مجالها الجويّ، ومطالبتها بالنفط والغاز في المناطق المتنازع عليها، واستبعادها لسفن الدول الأخرى من المياه حول الجزر المتنازع عليها، يصبح من السهل أن نتخيل السيناريوهات التي ممكن أن تحدث إذا حدثت أخطاء أو سوء تقدير والتي قد تؤدي إلى نتائج لا يمكن لأحد أن يختارها.

ثانيًا: أوجه الاختلاف:
------------

1. صراع الحضارات: كما يناقش صامويل هنتنغتون في كتابه “صراع الحضارات”، فإن الخلافات العميقة في القيم ووجهات النظر العالمية بين الحضارات عامل هام لصالح حدوث الصراع. وقياسًا على هذا الفرض، تعدّ سنة 2014 أكثر خطورة من قرن مضى من الزمان. فالفواصل بين الصين والولايات المتحدة أكثر بكثير من مجرد المحيط الهادئ. بل تتضمن فروقًا ذات دلالة إحصائية بين القيم في بكين وواشنطن حول قيم الحرية؛ والقيم الاجتماعية في مقابل الفردية؛ واحتكار الحزب الشيوعي للسلطة السياسية في مقابل الديمقراطية.

2. الأسس المالية للسلطة المهيمنة: في عام 1914، كانت بريطانيا العظمى هي أكبر دائن في العالم. وفي عام 2014، الولايات المتحدة هي أكبر مدين في العالم. نتيجة لمزيج من انخفاض الضرائب ومعدلات الإنفاق العالية، حيث اقترضت واشنطن أكثر من 17 تريليون دولار أغلبها من الصين. ولكن موقف أميركا كمدين وفي نفس الوقت كونها السوق الرئيسة للمنتجات الصينية، يقابله موقف الصين كمورد رئيس للسلع الاستهلاكية، وهو ما يخلق الظروف التي تسمى MADE (الدمار المتبادل للاقتصادات).

3. الجغرافيا المشتركة: في عام 1914، كان المتنافسون الأوروبيون تجمعهم الحدود المادية المتجاورة؛ وهو ما حفز عمليات التعبئة السريعة، وتسريع وتيرة اتخاذ القرارات في الأزمات.

في عام 2014، فإن الولايات المتحدة والصين تفصل بينهما المحيطات. وعلى الرغم من ذلك، فمع وجود التحالفات والقواعد في مختلف أنحاء آسيا، فإن الولايات المتحدة تعتبر في حالة تواجد مستمر في البحار المتاخمة للصين. علاوة على ذلك، نتيجة التقدم في التكنولوجيا، حيث لا توجد حدود في الفضاء والفضاء الإلكتروني، فإن إمكانية أن يحقق التقدم السريع مزايا حاسمة يثير شبح “أزمة عدم الاستقرار” التي تذكرنا بأوروبا في أوائل القرن العشرين.

4. الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل النووية: في عام 1914، سرى الاعتقاد أن الحرب في أوروبا يمكن أن تكون مدمرة بحيث تؤدي إلى نهاية الألفية. وفي عام 2014، يتوقع أن الأسلحة النووية سيكون لها “تأثير كرة الكريستال” التي تسمح للقادة أن يروا بوضوح أن التصعيد إلى حرب نووية يمكن أن يمحو دولهم من على الخارطة.

5.التوازن العسكري: في عام 1914، كان ميزان القوى العسكرية بين الدول الكبرى في أوروبا هشًّا. حيث كانت المملكة المتحدة أعظم بحرية في العالم، وكان أقوى جيش في ألمانيا، وكانت قدرات روسيا وفرنسا كبيرة. علاوةً على ذلك، كانت جميع الدول تشارك بشكل نشط في مباراة حساسة من أجل موازنة السلطة.

في المستقبل المنظور، لا يمكن لمخطط عسكري صيني عقلاني تقديم خطة حرب لهزيمة الولايات المتحدة.

6. التكنولوجيا والشفافية: في عام 1914، خشيت روسيا وفرنسا من إمكانية أن تقوم ألمانيا بتعبئة إمكاناتها في الخفاء. كما ساهمَ عدم اليقين بشأن الجداول الزمنية للتعبئة وتحركات القوات، بقوة في دينامية التصعيد.
بينما في عام 2014، فإنّ توافر نظم المعلومات الاستخباراتية التي ترصد تحركات السفن والطائرات والقوات يزود القادة بكثير من المعلومات الهامة لاتخاذ القرارات في الأزمات. وعلاوةً على ذلك، فإنهم يمكنهم أن يتحدثوا مباشرة مع بعضهم البعض عن طريق الهاتف والتلفزيون.

7. هيكل السياسة العالمية: في عام 1914، كانتِ السياسةُ العالميّةُ متعددة الأقطاب بشكل واضح، مما يجعل التوازن الدقيق ضروريًّا، وكما يجعل من الصعب تجنب الوقوع في سوء التقدير.
بينما في عام 2014، لا تزال الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم وهذا هو، على خطوط الاتجاه الحالي، مع وجود توجه نحو القطبية: القطبية الثنائية مع الصين، أو حتى التعددية القطبية إذا أصبحت أوروبا لاعبًا، وارتفعت الهند إلى مصافّ القوى العظمى، وأصبحت روسيا قادرة على الحفاظ على تأكيد ذاتها الجديدة. ولكن الحسابات الخاطئة الصينية أو الروسية حول التوازن النسبي للقوة تشكل مخاطر محتملة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التقرير}
ـــــــــــــ