المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسائل الاعتقاد بين أخبار التواتر والآحاد


عبدالناصر محمود
08-01-2014, 07:10 AM
مسائل الاعتقاد بين أخبار التواتر والآحاد*
ــــــــــــــــــــــ


5 / 10 / 1435 هــ
1 / 8 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_7343.jpg

مسائل الاعتقاد بين أخبار التواتر والآحاد

م . د . مشعان محي علون

أ . م . د . أسماء عبد القادر عبد الله

ـــــــــــــــــــــ

بعد بيان أهمية العقيدة الإسلامية ومكانتها بين العلوم الشرعية, وعرض طريقة السلف في بحث هذه المسائل بالاعتماد على النقل أولا ممثلا بالكتاب والسنة, ومن ثم العقل إن لزم الأمر, نوه الباحثان إلى ظهور جماعة تدعي أنها من المسلمين, وتسمي نفسها "القرآنيون" تدعو إلى الاعتماد على آيات القرآن الكريم في الاستدلال وهجر السنة النبوية, بحجة أن القرآن يكفي لجميع المسائل الدينية.

وقد أراد الباحثان بهذه الدراسة القيام بدور في الرد على هذه الجماعة, من خلال بحث حول مسائل الاعتقاد بين أخبار التواتر والآحاد, مقسمين الدراسة إلى ثلاثة مباحث رئيسية: الخبر الآحاد والمتواتر, وحجية خبر الآحاد في مسائل الاعتقاد, وأمثلة للأحاديث الواردة في مسائل الاعتقاد في الإلهيات والنبوات والسمعيات.

في المبحث الأول تناول الباحثان تعريف خبر الآحاد والمتواتر لغة واصطلاحا, أما خبر الآحاد فهو الذي لم تبلغ نقلته في الكثرة مبلغ المتواتر, سواء كان المخبر واحدا أو اثنين أو أكثر من الأعداد التي لا تشعر بدخول الخبر حيز التواتر, وقد قسموه إلى مشهور وعزيز وغريب أو فرد.

أما الخبر المتواتر فهو الذي ينقله جمع عن جمع عن جمع يتعذر تواطؤهم على الكذب والخطأ والنسيان, وهو يفيد العلم الضروري.

بعد ذلك تناول الباحثان تعريف خبر الآحاد والمتواتر عند الأصوليين والمتكلمين, مشيرين إلى أن معنى خبر الآحاد عند الأصوليين والمتكلمين لا يختلف عن مفهومه لدى غيرهم من علماء المسلمين, وهو عندهم يفيد العلم النظري.

أما المتواتر فهو الثابت على ألسنة قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب, وهو ما تتوفر فيه شروط في المخبرين كالعلم بما أخبروا به والكثرة التي تحيل التواطؤ على الكذب, وشروط في السامعين كأن يكون من أهل العلم وأن يكون منفكا عن اعتقاد ما يخالف الخبر لشبهة دليل أو تقليد إمام.

وحول مسألة اشتراط عدد معين في الخبر المتواتر, ذكر الباحثان بعض الأقوال, كأن يكونوا أربعة أو خمسة أو عشرة أو اثنا عشر أو عشرون أو أربعون أو سبعون أو ثلاثمئة وبضعة عشر, إلا أن إمام الحرمين ضعف الأقوال السابقة وأنه لا ضابط لها, والجمهور على أنه ليس للعدد حصر, وإنما الضابط حصول العلم بصدق مضمونه.

في المبحث الثاني تناول الباحثان حجية خبر الآحاد في مسائل الاعتقاد, وقبل الخوض في هذه المسألة تناولا تقسيم خبر الآحاد عند المتكلمين إلى متواتر ومشهور وآحاد, متناولين تعريف الحديث المشهور لغة واصطلاحا, وأنه ما رواه اثنان فأكثر ولم يبلغ حد التواتر عند جمهور المحدثين, جاعلين من درجة المشهور فوق درجة الآحاد.

وبعد تناول الحديث العزيز والغريب وبيان حكمهما, تناول الباحثان حجية خبر الآحاد بكلام لابن القيم رحمه الله يقول فيه: "تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت به تقسيم غير مطرد, ولا منعكس, ولا عليه دليل صحيح".

بعد ذلك استعرض الباحثان الأدلة التي تثبت عمل الصحابة الكرام بخبر الواحد, كما استعرضا استدلال الشافعي وداود بن حزم الظاهري وغيرهما, ليصلا إلى قول ابن القيم بأن خبر الواحد يفيد العلم قطعا, مقيدا ذلك بمواضع أهمها:

1- ما قام الدليل القطعي على صدقه وهو خبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم.

2- خبر الواحد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم, كخبر تميم الداري لما أخبره بقصة الدجال.

وقد استشهد ابن القيم على ثبوت العلم بخبر الواحد بفعل الصحابة الكرام, حيث لم يكذبوا صحابيا نقل لهم حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يقولوا لأحدهم يوما: إنما خبرك خبر آحاد, ومن هذه الأخبار أحاديث عن الصفات ورؤية الله تعالى ونداءه يوم القيامة وغير ذلك من أمور الاعتقاد ...فهل نقول بأن الصحابة كانوا يبنون اعتقادهم على مجرد الظن بدون علم؟!!

وبعد استعرض الباحثان لآراء أئمة علم الكلام والفقه والحديث وأصول الفقه حول حجية خبر الواحد في مسائل الاعتقاد, رجحا إفادة خبر الواحد للعلم والعمل معا إذا اجتمعت فيه شروطه المعتبرة عند أهل الحديث, خاصة وأن أكثر السنة المروية هي من قبيل الآحاد, وهي – السنة – مستمسك العقيدة وجامعة الأحكام وحاوية الأخلاق, ومعلوم أن تقسيم الحديث إلى مشهور وعزيز وغريب ليس له اعتبار في الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف, ما دامت شروط صحة الحديث متوفرة, فالتواتر ليس شرطا للعمل بالرواية, وإنما الصحة هي الشرط, ولذلك فهو يوجب العمل.

كما ناقش الباحثان رد بعض العلماء بالأخذ بخبر الواحد في مسائل الاعتقاد, باعتباره يفيد الظن, ومسائل العقيدة يجب أن تكون أدلتها يقينية حسب قولهم, معتبرين أن في المسألة خلط ولبس للمصطلحات الواردة, فالظن الذي يفيده خبر الآحاد, ليس هو التوهم أو الشك, بل هو الراجح وليس المرجوح, كما أن الظن كلمة تستعمل في هذا وفي غيره, كاليقين وترجيح أحد الاحتمالين على الآخر والتهمة, مستشهدين بطائفة من أقوال العلماء على ذلك, ومؤكدين في النهاية ترجيح الأخذ بخبر الواحد المستجمع لشروط الصحة في مسائل الاعتقاد.

في المبحث الثالث: استعرض الباحثان أمثلة للأحاديث – الآحاد - الواردة في مسائل الاعتقاد, في كل من الإلهيات والنبوات والسمعيات:

1- في الإلهيات: استعرض الباحثان حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته), وقد اختلف العلماء في الضمير في "صورته", فمنهم من أعاده على الأخ المضروب, أو لآدم عليه السلام وهو ضعيف كما قال النووي, أو يعود الضمير إلى الله تعالى, ويكون المراد إضافة تشريف واختصاص كقوله تعالى {ناقة الله} كما ذكر النووي في شرحه للحديث.

2- النبوات: حديث: (عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ فجهش الناس نحوه , فقال : ما لكم ؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ , ولا نشرب إلا من بين يديك , فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا)

وقد علق الباقلاني على أن الحديث وإن كان آحاد ولم يبلغ حد التواتر, إلا أنه لم ينكر أحد هذه الأخبار, وهذه دلالة ظاهرة وحجة قاهرة على صحة نقل هذه الأعلام وصدق رواتها وإن قصروا عن حد أهل التواتر, والذي عليه جمهور المتكلمين إثبات هذه المعجزة وعدم إنكارها.

3- السمعيات: استشهد الباحثان بحديث عذاب القبر ونعيمه الوارد في مسند أحمد عن أبي سعيد الخدري, وبحديث البخاري بسنده عن البراء بن عازب في نفس الموضوع, وبأنه لا سبيل لإنكار ما ورد في مجموع هذه الروايات, فإنها وإن كانت أخبار آحاد, إلا أن المعنى تواتر فيها جميعا, وهي مما لا يمكن للعقل أن يحكم عليه أو أن يتدخل فيه.

وبذكر أهم نتائج الموضوع ختم الباحثان دراستهما, فجزاهما الله خيرا على هذا الجهد والبذل, ونفع بهذا البحث عامة المسلمين. آمين.
ــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ