المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تتحول ليبيا إلى فيتنام العرب ؟


عبدالناصر محمود
08-05-2014, 06:30 AM
هل تتحول ليبيا إلى فيتنام العرب ؟
ـــــــــــــــــــ

( حازم البارودي)
ـــــــــ


9 / 10 / 1435 هــ
5 / 8 / 2014 م
ـــــــــــ

http://204.187.101.75/memoadmin/media//version4_520142314255.jpg

تكلم المحللون والمراقبون للشأن المصري والإقليمي منذ عدة أشهر عن طبيعة المقابل الذي تعهد السيسي بدفعه للأمريكان حتى ينال المباركة التامة بعد شهور من التمنع الأمريكي الظاهري للموافقة على انقلابه العسكري ، وقالوا إن المقابل سيكون باهظا بدرجة ستكشفها الأيام والحوادث ، ولكن أشد المتشائمين والرافضين للانقلاب العسكري لم يكن يتوقع أن تصل فداحة هذا المقابل لهذه المستويات غير المسبوقة في تاريخ ولاء بعض الأنظمة العربية لأمريكا والكيان الصهيوني.

فبعد المواقف المشينة والمخزية للانقلاب المصري في العدوان على غزة ، والتي وصلت لحد التآمر العلني على غزة والمطالبة الصريحة بتدمير حماس وليس نزع سلاحها فقط ، كما جاء في بنود المؤامرة وليست المبادرة المصرية ، بعد ذلك إذا بالتسخين ضد الجبهة الغربية حيث ليبيا البلد الكبير تتصاعد وتيرته يوما بعد يوم حتى وصلت الاستعدادات والتجهيزات الفعلية لحافة الانطلاق لعمل عسكري واسع ضد ثوار ليبيا أو ثوار الناتو كما تصفهم وسائل إعلام الانقلاب في مصر والخليج ، وهو ما أكده رئيس الوزراء الليبي الهارب من العدالة " علي زيدان " يوم الأحد 3 / 8 على شاشات التلفاز المصري ، وأكده عمرو موسى الأمين السابق لجامعة الدول العربية ورئيس اللجنة التي شكلها الانقلاب لكتابة الدستور.

كثيرون تشككوا في زيارة شيطان يهود "وليام بيرنز" **** وزارة الخارجية الأمريكي إلى القاهرة يوم الأحد 3 / 8 ، فالرجل صاحب سمعة معروفة ، فهو أحد مهندسي الحرب على العراق ، وهو نذير شؤم وخراب أنَّى حلّ وارتحل ، كما أنه زار ليبيا في 24 أبريل الماضي وقبل إطلاق عملية " الكرامة " بقيادة العميل حفتر الانقلابي ، وهي الزيارة المثيرة للجدل والتي أعلن فيها أن ليبيا قد وقعت في قبضة الإرهاب والتطرف ، وأنها قد أصبحت خطرا إقليميا يهدد المنطقة بأسرها. فالرجل لم يحضر للقاهرة من أجل مناقشة أزمة غزة ، إنما على ما يبدو جاء لوضع اللمسات الأخيرة للتدخل المصري الجزائري المشترك على ليبيا ، خاصة وأنه من المقرر أن يتوجه إلى الجزائر عقب انتهاء مهمته في القاهرة في أقوى الدلالات على عزم وكلاء أمريكا التدخل في ليبيا بحجة القضاء على الإرهاب . ولكن هل التحضير لهذا التدخل الوشيك وليد المتغيرات الميدانية الأخيرة والتي انتهت بهزيمة الانقلابي حفتر وشريكه جبريل ، أم أنه أمر دُبر بليل ، وتشاور عليه منذ زمن ؟

فلم يكد يمر سوي أيام قليلة على الانقلاب العسكري في 3 يوليو حتى خرج الإعلامي المثير للجدل وقريب الصلة بالأجهزة السيادية في مصر " توفيق عكاشة " في أحد برامجه مطالبا الجيش المصري بالتدخل في غزة وليبيا للقضاء على الجماعات الإرهابية. ثم توالت الخطوات الدالة على عزم السيسي على توريط الجيش المصري في شرق ليبيا ، بدءًا من محاولة اللواء الليبي السابق " حفتر " محاكاة السيسي بانقلاب عسكري في ليبيا على الحكم المنتخب، والفشل الذريع الذي مُني به ، ثم تكشف الأخبار أن السيسي هو من يقف وراء هذه المحاولة الفاشلة ، فقد بثت وكالة عين ليبيا الإخبارية تصريحات منسوبة لحفتر قال فيها : المصريون عرضوا علي إرسال قوات عسكرية مصرية في منطقتي "الوادي الأحمر ودالك" للسيطرة على جميع الحقول النفطية في منطقة الهلال. كما قال : ندرس العرض المقدم من الحكومة المصرية والجيش المصري بعد التشاور مع القبائل الشريفة في برقة وحكومة السيد الجضران بإرسال قوات عسكرية مصرية وإنشاء قاعدة عسكرية مصرية في منطقتي الوادي الأحمر وذلك للسيطرة علي جميع الحقول النفطية في منطقة الهلا‌ل النفطي و للمساعدة في عملية بيع البترول. ثم تكرار حوادث قتل المصريين النصارى في ليبيا ، وتوجيه أصبع الاتهام للتيارات الإسلامية هناك ، ثم تكشف الحقيقة بوقف مليشيا " القعقاع " العلمانية الموالية لمحمود جبريل وراء الجريمة لإلقاء اللوم على الإسلاميين في ليبيا ، وتهييج الرأي العام المصري والدولي ضدهم ، ثم التصريحات المتتالية لمفكر الانقلاب وأحد مدبريه وهو الصحفي العجوز " هيكل " والذي أعاد فيها الحديث القديم عن أحقية مصر في إقليم برقة الليبي ، هيكل توقع تكرار سيناريو عدوان السادات على ليبيا عام 1977. ثم كانت الأكذوبة الإعلامية عن وجود ما يسمى بالجيش الحر المصري على الحدود الليبية ، والذي يستعد للهجوم على مصر ، وتمده قطر وتركيا بالسلاح ، وتكفل الإعلام بإطلاق حملة تخويف كبرى من هذا العدوان الإرهابي المرتقب ، ثم حديث السيسي مع وكالة الفوكس نيوز المعروفة بعدائها الشديد للإسلام والعالم الإسلامي، فقد كان كلامه للقناة الأمريكية بمثابة دعوة ”مبطنة” لاحتلال ليبيا، حيث قال إن مصر تحارب الإرهاب الموجود في سيناء وكذلك الموجود على الحدود المصرية الليبية. وعن الوضع في ليبيا ذكر بأن رفض حلف شمال الأطلسي نشر قوات حتى استقرار الوضع الليبي، بعد أن لقي الزعيم معمر القذافي مصرعه، أحدث نوعا من الفراغ السياسي، ما جعل ليبيا تحت رحمة المتطرفين، وأضاف السيسي ”إن التاريخ سيحاسب الأمريكيين وحلفاءهم بقسوة لأنهم تركوا ليبيا للمتطرفين الإسلاميين". والعجيب أنه بعد هذه المقابلة أرسلت أمريكا شحنة من طائرات الأباتشي الهجومية إلى مصر بحجة مكافحة الإرهاب ، مما حدا بالكاتب البريطاني الشهير هيرست إلى أن يتساءل عن مغزى إرسال الطائرات في هذا التوقيت ، هل هو لمكافحة الإرهاب في سيناء ، أم للتحضير للهجوم على ليبيا ؟! .

حفتر منذ بداية حركته الانقلابية وهو يعاني من رفض معظم الشعب الليبي لمؤامراته ، وانكشاف معظم مخططاته أمام الجميع ، وممولوه وداعموه الإقليميون والدوليون يعلمون ذلك جيدا ، فهو لم يجتذب لمحاولاته الانقلابية سوى فلول القذافي من القبائل الموالية له ، والليبراليين والعلمانيين ومن طالهم قانون العزل السياسي ، لذلك نالت قواته الهزائم المتتالية ، فهو لم يكن بالقوة الكافية التي تمكنه من إنجاح انقلابه ، ولم يكن لعملياته القتالية هدف سوى الوقوف على القوة الحقيقية للمليشيات الإسلامية في إقليم درنة وشرق البلاد ، وإنهاكها بصراع مستمر ، صراع يضعف ولا يسقط ، كما أن العميل حفتر أو سيسي ليبيا كما يطلق عليه ثوار ليبيا أراد أن يتعرف على خريطة الولاءات والتحالفات القبلية ، ومن سيكون معه ، ومن سيكون ضده في انقلابه العسكري ، وبالجملة دور حفتر كان مثل دور سرايا الاستطلاع التي تكشف الميدان وتهيئه قبل الهجوم الشامل ، وهو ما يجري التحضير النهائي له الآن في القاهرة والجزائر .

فالجزائر التي يتشابه نظامها الحاكم إلى حد كبير مع الانقلاب المصري ، والتي يحكمها فعليا جنرالات الجيش المهيمن عليه فرنسيا منذ عهود طويلة ، تتخوف إلى حد كبير من سيطرة الإسلاميين في ليبيا ، وتسعى بكل قوة لتقويض الثورة الليبية ومآلاتها هناك ، وخبرة الجانب الجزائري في تقويض الديمقراطية والتجارب الإسلامية تفوق كثيرًا الخبرة المصرية ، لذلك كله المصالح المشتركة بين الجانبين المصري والجزائري ، والتوافق السلطوي في كلا البلدين يدفع باتجاه التدخل العسكري ، فالصحف الجزائرية نشرت تقريرا استخباراتيا منذ عدة أيام عن مصادر مجهولة ـ كما هي العادة ـ أن تحذيرات أوروبية نقلت للسلطة في الجزائر بنية الإسلاميين الليبيين تنفيذ عمل إرهابي كبير بالجزائر على غرار أحداث سبتمبر ، والجيش الجزائري منذ شهور وهو على وضعية الاستعداد القصوى على الحدود الليبية الجزائرية تحسبا لإشارة البدء بالهجوم أو التدخل البري في غرب ليبيا والمعروفة بوجود معظم القبائل الموالية للقذافي بها .

قرار التدخل العسكري الجزائري والمصري المشترك ضد ليبيا لن يُتخذ إلا من تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي والذي وضع بنفسه الإستراتيجية الأمريكية نحو تقويض ثورات الربيع العربي ، وسيكون بمثابة شرارة الانفجار للمنطقة بأسرها ، فالمنطقة على برميل بارود شديد الانفجار ، والاضطرابات بطول المنطقة وعرضها ، والجبهات المشتعلة في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن وليبيا كفيلة بإشعال حرب عالمية ثالثة ، فليبيا مستنقع ضخم ، والتدخل المصري الجزائري بها ما هو إلا توريط لأقوى الجيوش العربية في واحدة من أخطر بقاع العالم حاليا ، وأكثرها سلاحا وعتادا وذخيرة ، وليبيا بلد شاسع الأرجاء ، صحراوي الجغرافيا ، مقبرة للعديد من غزاة التاريخ قديما وحديثا ، حتى إن الناتو والأمريكان رفضوا التورط في هذا المستنقع المهلك ، والكفاءة القتالية لكلا الجيشين محل شك كبير ، وستجد المنطقة نفسها أمام استنساخ حديث لتجربة حرب اليمن التي ورط فيها عبد الناصر الجيش المصري في الستينيات من القرن المنصرم بدعوى حماية الثورات وهدم الملكيات ، فتحولت اليمن لمقبرة للجيش المصري ، وفقد المصريون زهرة شبابهم بها ، حتى سماها عبد الناصر نفسه بـ"فيتنام العرب"، فهل يغامر الانقلاب بتكرار تجربة عبد الناصر في اليمن مع الفارق ، فبدلا من تصدير الثورات القومية ، يقوم بتصدير الانقلابات العسكرية ؟ وهل سيكون التدخل المصري الجزائري المشترك بمثابة شرارة البدء لعدوان صهيوني كبير على غرار عدوان 67 ، والذي جاء إثر هزيمة الجيش المصري في اليمن ؟ كلها تساؤلات مشروعة لابد من تداعي العقلاء للإجابة عليها ، ووقف مغامرات الانقلابيين عند حدها؛ لأن النتائج كارثية وآثارها الوخيمة ستمد لعهود ، اللهم سلم سلم .

---------------------------------------------