المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلاص من الخطيئة


عبدالناصر محمود
08-06-2014, 06:15 AM
الخلاص من الخطيئة في مفهوم اليهودية والمسيحية والإسلام*
ــــــــــــــــــــــــــــــ

10 / 10 / 1435 هــ
6 / 8 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3355.jpg


الخلاص من الخطيئة في مفهوم اليهودية والمسيحية والإسلام

محمد عبد الرحمن عوض

دار البشير – القاهرة

ــــــــــ

النفس البشرية مجبولة على الخطأ فكلنا بشر ثم يعتري النفوس الصالحة بعده حالات الندم على الأخطاء, فتتطور لدى البعض إلى درجة من لوم النفس تصل بالإنسان إلى أن يعزم على الإقلاع عن المعصية وعدم العودة إليها ثانية.

وكانت فكرة الخطيئة فكرة أساسية قام عليها التحريف للديانة اليهودية والنصرانية وخاصة عندما شغلت علماءهم فكرة خطيئة ادم.

ولهذا اهتم الكاتب بهذه الفكرة ليعرض مفهوم الخطأ الإنساني كما يعرضه الإسلام ليظهر منهجه الصحيح في التعامل مع الخطأ وكيفية الخلاص والعودة إلى الله مستشهدا بالكتاب والسنة الشريفة.

وجاء كتابه في عدة فصول:

الفصل الأول: الخطيئة في مفهوم التوراة.

تنطلق التوراة –والمقصود بالتوراة هنا ما في أيدي اليهود الآن مما يسمى بالعهد القديم ولا نقصد بها التوراة الصحيحة التي انزلها الله على موسى عليه السلام- من عدة مفاهيم ومحاور منها:

1- محور الحياة في نظر اليهود متركزة حول قضية شعب الله المختار وهي الميزة التي كانت لهم حينما كانوا على طاعة الله ولما عصوه ذهبت عنهم, فلا أفضلية لعاص لله سبحانه ولا نسب بين العبد وربه ولا صلة إلا بطاعة العبد لمولاه سبحانه, لكن اليهود اتخذوها تفضيلا لجنس واحد على كل الأجناس في الدم والفكر والأهلية ويطلقون على غيرهم لفظ "الجوييم" ويعتبرونهم بهائم لا قيمة لهم وينظرون إلى بيوتهم على أنها حظائر.

2- الخطيئة عند اليهود: الخطيئة عند اليهود ليست خطيئة في حد ذاتها إلا إذا وقعت على يهودي كمثل الوصية "لا تقتل" معناها عندهم لا تقتل يهوديا, أما إذا كان القتل في صالح شعب الله المختار فهو خير محض ووسيلة لرضا الرب كما يزعمون, ولهذا فمفهوم الخطيئة هو لمصلحة اليهود أولا وآخرا.

3- الإله وبنو إسرائيل: الإله في مفهوم بني إسرائيل يعمل لصالحهم ولهم دون غيرهم ويقضي نهاره –حاش لله– في مذاكرة التلمود ومذاكرة الشريعة واللعب مع الحوت والتفاوض مع ملك الشياطين طوال الليل وذلك قبل هدم الهيكل, أما بعده فيقضي ثلاثة أرباع ليله في البكاء والندم على ما سمح به من هدم هيكل اليهود.

4- اليهود والاغتصاب: مفهوم الاغتصاب عند اليهود مفهوم شامل ليس مجرد اغتصاب الأنثى كما يعلم الناس عنه, فبدأت فكرة الاغتصاب وترسخت عندهم بعدما صارع يعقوب الرب وانتصر عليه ونال منه لقب إسرائيل لأنه كان قويا على الله –ونستغفر الله العظيم من نقل كل ذلك-.

ولهذا ففكرة الاغتصاب ممزوجة بهم امتزاجا تاما وأصبحت السلوك اليومي لليهود يمارسونه كجزء لا ينفك عنهم من دينهم.

5- خطايا الأنبياء: إذا كانت السابقة صورة الإله عندهم فكيف بصورة الأنبياء؟, فلطخوا سيرة كل الأنبياء تلطيخا تاما يتنافى مع مكانتهم كقادة للإنسانية بل ولم يتورعوا عن قتلهم والتنكيل بهم كلما استطاعوا.

اذن ما هي الخطايا المسموح بها عند اليهود؟

كل جريمة مالم تمس يهوديا وحققت صالح بني إسرائيل فهي عمل محمود يثاب فاعله ولا يعفى تاركه من المساءلة, فالقتل والتدمير والسرقة والزنا يجوز لليهودي فعلها بلا حرج مع الامميين حتى تقديمهم كذبائح كقرابين بشرية لإلههم, وعليه ان يحذر من اقترافها مع بني إسرائيل, ولهذا فلا مفهوم حقيقيا للخطيئة عند اليهود, فالفعل ذاته له تقييمان احدهما خير محض والآخر شر محض.

وبالسبة لتكفير الخطايا عند اليهود فالحديث عن الجزاء الأخروي قليل في التوراة والخلاص من الذنب يكون بتقديم المحرقات والهدايا للكهنة ثم بالصلاة الموسمية في أيام محددة في السنة لتعطيه صك الأمان ويكفيه أن يحضر يوم التكفير والغفران وهو يوم تؤدى فيه صلاة جماعية مع الكهنة يمكن القيام بها في أي وقت من السنة.

الفصل الثاني: الخطيئة والخلاص في عرف المسيحية.

تختلف المسيحية عن اليهودية تماما في قضية الخطيئة والخلاص, فهي في النصرانية قضية معقدة وشائكة ومحورية, ولهم فلسفتهم الخاصة فيها لدرجة أنها أصبحت من التعقيد بحيث تستعصي على إفهام الجميع فهمها لتناقضاتها المستمرة والدائمة ولاصطدامها بالعقل في كثير من ثناياها, ونعتذر مقدما ان كان هذا التبسيط لها غير واضح ولا مفهوم فالأصل ان اللبس والغموض من اصل الفكرة.

وتمثل بداية اللغز تلك الفكرة العجيبة المسماة بالخطيئة الأبدية التي التصقت بالناس جميعا بعدما اكل ادم عليه السلام من الشجرة وتمخضت أفكارهم على ان طريقة الخلاص الوحيدة من هذه الخطيئة ان يكفرها دم الهي حتى لا يموت ادم وأولاده موتا أبديا.

وتوارث أبناء آدم الخطيئة ولم يكن أمام الرب حينها إزاء هذا التعقيد إلا أن يرسل ابنه إلى الأرض ليوكل إليه تخليص ادم وأبناءه من الخطيئة ليسلم نفسه لليهود لكي يصلبوه ويقتلوه شر قتلة وحينها فقط تتطهر البشرية وتنجو من الخطيئة الصغرى التي ارتكبها ادم بخطيئة أعظم, وهو ما لا يمكن للعقل ان يتفهمه, والعجب ان هذا السخف العقلي والمنطقي هو الفكرة الأساسية التي قامت عليها الديانة النصرانية الحالية.

فبدأ الكاتب بمقدمة حول علاقة الإيمان بالعقل لأنه ليس من المقبول أن تكون الشرائع المرسلة من الله للبشر مخالفة لمقتضى فطرة العقل البشري, فتحدث عن علاقة دعوة الأنبياء عليهم السلام ومواقفهم من إعمال العقل في دعوتهم للناس فتحدث عن موقف إبراهيم عليه السلام في دعوته لقومه الذين كانوا يعبدون النجوم والكواكب وتحدث عن مجالات العقل والتفكير, والعقل والإيمان بالغيب.

ثم انتقل إلى الحديث عن المسيحية بين العقل والأوهام, فقضية الأقانيم الثلاثة قضية لا يستطيع أدنى عقل ان يستوعبها, وعندما لا يجدون أي تحليل منطقي مقنع في هذا يقولون كما قال بولس فرج في كتابه "الله واحد": "أما وإننا بعقلنا البشري نعجز عن فهم هذه الحسبة السماوية, إذن فهي ليست من اختراعنا الأرضي" لكي يخرج من أي تبرير عقلي لهذه المعضلة الكبيرة في دينهم.

وهم على الرغم من أنهم لم يستوعبوا كلامه لأنه كلام الهي كما قالوا إلا إنهم يريدون أن يخضعوا نفس الإله لمقاييس قانون المادة فيزعمون انه تجسد وصار بشرا ووسعته بطن امرأة وخرج من مخرج المواليد وعاش طفلا صغيرا لا يقدر على شئ وتعلم وخدم في الهيكل واكل وشرب وتحدث وفرح وحزن وحضر الأفراح وطورد وأمسك به ونفذ فيه حكم الإعدام بحسب ما زعموا, فهل خضع إلههم لكل قوانين الجنس البشري إلا قانون العقل والبيان وإيضاح كلامه لمستمعيه؟

مغفرة الذنوب عند النصارى

هي حق للكنيسة وحدها ولكهنتها فلها الحق في الغفران وفي الحرمان وأصدرت بنفسها صكوك الغفران لتبيعها لمن يريدها بالمال, ومنها جلسات الاعتراف للكاهن والقسيس وكل ذنب اعترف به الجاني للقسيس وغفره له يغفره الله بزعمهم.

الفصل الثالث: الخطيئة والخلاص في الإسلام.. أو ما نعرفه نحن المسلمين بالذنب والتوبة.

خطيئة آدم عليه السلام:

لم يخلق الله البشر –آدم وأبناءه- معصومين من الخطأ, لكن خلقهم قادرين على فعل الخير والشر, فأمر الله ادم وزوجته إلا يأكلا من الشجرة فوسوس لهما الشيطان فكلا منها وعصيا ربهما ثم تابا وأنابا إلى الله واستغفرا على ربهما فغفر الله لهما هذا الذنب والله عز وجل يفرح بتوبة المؤمن فالله لا يحجب عنهم رحمته ولا يقف لهم بالترصد لخطاياهم ليذلهم بها.

والمؤمن حساس باتجاه الذنب فالمؤمن يراها كجبل يخاف أن يقع على رأسه والمنافق الفاجر يراها كذباب وقع على انفه "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" الاعراف:201.

ولا محروم من التوبة إلا من وصل إلى حد الغرغرة دون ان يتوب إلى ربه سبحانه فإذا تاب العبد توبة صادقة بشروطها فإن الله تعالى يقبلها ما لم يغرغر أي ما لم يكن في حالة الاحتضار وظهور علامات الموت.

ورغب الله عز وجل عباده في التوبة والرجوع إليه بقوله تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" الزمر:53، وقوله تعالى: "إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" البقرة:222.

وليس هناك واسطة بين العبد وبين ربه في الإسلام, فلا اعتراف لكاهن ولا انكسار بين يدي عبد مهما كان, فتوبة العبد بينه وبين ربه, وكذلك ليس من حق أحد ان يصدر صكا بغفران فلم يوكل الله سبحانه أحدا من خلقه ليعطي شيئا من هذا باسمه سبحانه.

وليس هناك في الإسلام ذنب متوارث ولا خطيئة أيدية, فكل إنسان مسئول وحده عن ذنوبه "وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" الانعام:164.

ولا يوجد في الإسلام شعب لله مختار, فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)[1].

وبعد استعراض مواقف اليهودية والنصرانية والإسلام من مفاهيم الخطيئة والخلاص يتبين اتساق الفكرة الإسلامية مع العقل وأنها مرتفعة عن العصبيات والعنصريات وفتحت بابا واسعا بلا واسطة مع الله سبحانه وارتفعت على شعور النقص عند الإنسان فتسامت به ليكون عاملا ايجابيا في الفوز بالدنيا والآخرة.

جزى الله الكاتب الكريم خير الجزاء على هذا البيان الدقيق والنافع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه أحمد (22978) وصححه الألباني في "شرح العقيدة الطحاوية".
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــ