المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تصنع "حماس" قراراتها ؟ّ!


عبدالناصر محمود
08-08-2014, 04:25 AM
كيف تصنع "حماس" قراراتها ؟ّ!
ـــــــــــــــ

( أحمد أبو دقة)
ـــــــ

12 / 10 / 1435 هــ
8 / 8 / 2014 م
ـــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/710507082014031913.jpg

إذا كنا نريد أن نبدأ بالحديث عن نجاح حركة حماس في إدارة المعركة مع الكيان الصهيوني، وكيف استطاعت أن تحافظ على وضع مستقر في قطاع غزة، فلا يجب علينا أن نتفاذى أمرين، أولهما: تأثير المعركة على المجتمع الفلسطيني بكافة شرائحه، والآخر: تأثيرها على مجتمع العدو الصهيوني أيضا.

يقول موقع "أتلنتك" في تقرير نشره بعنوان: "9 أشياء يجب أن تعرفها عن حماس"، مستدلا بميثاق الحركة الصادر عام 1988م، عقب الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أن حركة حماس حركة دينية بامتياز ومن أبرز أهدافها إسقاط الكيان الصهيوني ككيان سياسي باعتباره احتلال لفلسطين غير مشروع. ويضيف بأن الحركة تؤكد في ميثاقها أن اليهود في العالم هم أعداء الإسلام وقتالهم واجب شرعه الله في القرآن. كما ترفض الحركة أي مفاوضات حول اتفاقات سلام مع الحكومات الصهيونية، باعتبار أن الأمر الوحيد الذي سيعيد فلسطين لأصحابها هو المقاومة.

من خلال تواصلي مع عدد من النخب الفكرية في قطاع غزة عقب بداية وقف إطلاق النار، أكد الجميع أن الحرب على غزة كانت بشعة للغاية، وتعمدت الحكومة الصهيونية إرسال لواء جولاني المعروف بتمرده وغالبيته من صغار السن، لغزة لاجتياحها برا. فالجرائم المقصودة التي راح ضحيتها قرابة ألفي مدني كان الهدف منها ليس ردع حماس بقدر ماهو عقاب الجمهور الفلسطيني المتضامن مع حماس والمقاومة بشكل عام. أحد كبار السن اختصر الكثير من الكلام قائلا خلال مهاتفتي له" هذه الحرب الحقيقية الوحيدة التي خاضتها الكيان الصهيوني منذ عام 1948م ". صواريخ وأنفاق المقاومة فرضت منطقة عازلة بعمق 20 كلم على طول الحدود حول مستوطنات غلاف غزة، وهذا يعني أن الحياة ستتوقف فيها وسيرحل المستوطنين بعيدا عن الحدود، وهذا يذكر بالانسحاب الصهيوني من قطاع غزة عام 2005 حيث أثمر القصف المتواصل للمستوطنات على إخلائها من المستوطنين ورفضهم الإقامة فيها حتى أصبحت خاوية ولا يوجد فيها سوى الدبابات المواقع العسكرية.

الجنرال السابق الذي كان يترأس مجلس الأمن القومي الصهيوني، غيورا آيلاند، يقول في تصريحات لصحيفة "يديعوت آحرونوت":خلافا للمرات السابقة، فإن حركة حماس التي تمكنت من ضبط وقف إطلاق النار أصبحت هي الممثل الوحيد والحقيقي في قطاع غزة، ونجحت في بناء جيش نوعيّ وقويّ ومثير للانطباع، وذلك بسبب الدعم الجارف الذي تتمتع به في الشارع الفلسطينيّ.

وزعم الجنرال آيلاند بأنّ قطاع غزة قد تحولّ إلى دولة قد بنت جيشًا قويًا، وهذه الدولة تقوم بمحاربة "الكيان الصهيوني" بكل قوة، مضيفا بأنها لم تهزم بل تلقت ضربة شديدة. بالنظر أيضا إلى استطلاعات الرأي التي نشرتها القناة الثانية الصهيونية فإن المشاركين بسوادهم الأعظم أكدوا أن الجيش خرج متعادلا من الحرب ولم يحقق أي نتائج تمنع الصواريخ أو الأنفاق.

لم يختلف الكاتب الصهيوني اليميني " مناحيم بن"، عن سابقه في التعليق على أزمة الجيش في غزة، فقد أكد في مقالة نشرها موقع "واللاه" العبري" أن انسحاب الجيش من قطاع غزة يمثل هزيمة لأنه لم يحقق أيا من أهدافه التي وضعها قبل الحرب، في حين تمكنت حماس من الاحتفاظ بكامل قواتها، أضف إلى ذلك توجيهها لضربات شديدة في صفوف الجيش الذي كان جنوده يخافون الخروج من مدرعاتهم خوفا من كمائن حماس".

على الصعيد الداخلي الفلسطيني، طوال فترة التهدئة ورغم الخلاف الكبير بين حركة حماس والفصائل الفلسطينية الآخرى، لم نشهد أي احتجاجات تخرج مطالبة بوقف الحرب، كذلك بالنسبة للسكان الذين هم بالتأكيد لا تجمعهم أفكار سياسية موحدة، رغم هدم عشرات الآلاف من البيوت إلا أن أهالي غزة كانوا في كل رسائلهم يرون رفع الحصار والانتقام لشهدائهم أهم من الدمار الذي لحق ببيوتهم ومصانعهم ومزارعهم.

صحيفة "يديعوت" قالت في مقال نشرته إن ثلاثة أحدث أثرت في مستقبل "الكيان الصهيوني"، وهي حرب اكتوبر 1973، والانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، والآن الأمر الجديد عملية" الجرف الصامد"، وتشير الصحيفة إلى أن الحرب الأخيرة عنوان جديد للخارطة السياسية بين الفلسطينيين و"الكيان الصهيوني".

صحيح، أن حماس استطاعت منذ نشأتها بالحفاظ على بيئة أيديولوجيا مغلقة، ولم تتقبل تدخلا من أحد سواء على الصعيد العسكري أو الفكري، فهي أنشأت مراكز تعليمية تابعة لها، وعلمت فيها أبنائها، كما كان لها مراجعها الدينية الخاصة بها، وهذا الأمر جنبها الوقوع في الأزمة التي وقعت فيها تنظيمات إسلامية آخري تحارب في سوريا والعراق.

كان تعامل حماس مع الأطراف الخارجية في إطار عنوان واحد وهو دعم القضية الفلسطينية، واستطاعت الحصول على الدعم من دول إقليمية مختلفة. تتخذ حماس قراراتها السياسية والعسكرية في إطار مجالس شورى عسكرية وسياسية وشرعية، وهي تتبع في طريقة قيادتها لتسلسل هرمي محترف يضمن، تراتب المناصب وعدم وجود فراغ في حلقة القيادة والسيطرة لديها. أنشأت مؤسسات إعلامية مختلفة تدعمها وتدعم مشاريعها السياسية بشكل مباشر أو غير مباشر، واهتمت بتدشين مواقع باللغات العبرية والفرنسية والانجليزية والأوردو والتركي وغيرها، بغية توصيل رسالتها، كما قربت الكثير من الإعلاميين إليها تحت شعار النضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني ودحر الاحتلال، حتى وصلت رسالتها للغرب وأصبحت صحف أجنبية تقف إلى جانب نضالات الشعب الفلسطيني.

خلال مفاوضات التهدئة أظهرت حماس مواقف متشددة تجاه مطالب الشعب الفلسطيني، وأهم تلك المطالب رفح الحصار بطريقة مختلفة عن اتفاق 2012، ففي هذه المرة طلبت ترميم مطار غزة وإنشاء ميناء للإستيراد والتصدير، وهذا الأمر يعتبر خطوة لفك الإرتباط مع مصر ورفع الوصاية المصرية عن قطاع غزة، لأن الدور المصري في غزة لا يزيد عن وصاية الغاية منها تحقيق مكاسب للدبلوماسية المصرية على حساب الشعب الفلسطيني، وإغلاق معبر رفح أكبر دليل على ذلك.

أمام حركة حماس عدة خيارات أبرزها وأكثرها واقعية للحركة إنشاء إدارة وطنية تشارك فيها فصائل المقاومة الفلسطينية التي شاركت في الحرب، بعيدا عن سلطة أوسلو التي رهنت نفسها لخيار السلام، وهذا يضمن استقلالية في قرار غزة السياسي، بعيدا عن رزمة أوسلو، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الخطوة ستدفع باتجاه مواقف سلبية صهيونية تجاه المفاوضات مع السلطة الفلسطينية التي أصبح دورها فقط، مقتصر على الإدارة المحلية لشؤون الضفة المحتلة.

مثل هذه الخطوة سيدفع باتجاه مسار جديد على المستوى النضالي الفلسطيني، ومن أبرز ملامح هذا المسار المساعي الأمريكية الحثيثة لتحقيق وقف لإطلاق النار، وإذا أردنا التمعن في الموقف الأمريكي فإننا سنرى أن أصل هذه الدور نابع من القلق الأمريكي على مستقبل الشرق الأوسط في ظل تأجج الصراع بين الفلسطينيين والجيش الصهيوني، حيث شهدت القضية الفلسطينية تعاطفا غربيا وشعبيا عربيا غير مسبوق، حتى بدأت تشن هجمات تستهدف التجمعات اليهودية في عدة بلدان أوروبية. فقد عملت واشنطن بلا كلل للحفاظ على استقرار الأوضاع بعد الربيع العربي، ولا تريد أن تقدم الحكومة الصهيونية على خطوات متهورة قد تدمر كل شيء.

في نهاية المطاف فإن الحرب الأخيرة كانت الورقة التي قضت على المصالحة الفلسطينية، وستشجع الفصائل المقاومة في قطاع غزة على سحب الملف الفلسطيني من يد السلطة الفلسطينية بعد أن انعدمت فرص نجاح المفاوضات مع الحكومة الصهيونية ، وتضامن واحتضان الفلسطينيين في الضفة وغزة للمقاومة التي لأول مرة تحقق خسائر عسكرية بهذا الحجم في صفوف الجيش الصهيوني. وما نلاحظه من ضغط مصري وأمريكي والكيان الصهيوني باتجاه اقحام حركة فتح والسلطة الفلسطينية في مفاوضات التهدئة ما هو إلا استشعار بخطورة انعكاسات الحرب على السلطة الفلسطينية ودورها في الحفاظ على استقرار الأوضاع في الضفة المحتلة.
--------------------------------