المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المذهب الوجوديّ Existentialisme


Eng.Jordan
02-19-2012, 10:57 AM
عبد الرزاق الأصفر - المذاهب الأدبية لدى الغرب

أولاً- الفلسفة الوجودية:([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1))

الوجودية فلسفة نظرية ومزاج وطرازٌ سلوكيّ. كانت قد نشأت على يد الفيلسوف الدانمركي كيركيجارد (-1855) الذي نحا فيها منحىً مسيحياً، ويمكن القول إن لها جذوراً أبعد لدى بعض الروائيين مثل فلوبير ودستويفسكي والشاعر الألماني الرومانسي هولدرلين (-1843) الذي برزت في أشعاره مسألة الصراع مع الأقدار والقطيعة بين السماء والبشر. ولكن الوجودية تبلورت كمذهبٍ في أثناء الحرب العالمية الثانية وتجلّت لها تأثيرات واسعة في الأدب الفرنسيّ وكثير من الأدباء الأوربيين.
تقوم الوجودية على البحث في مسألة الوجود الإنسانيّ Existence وعلاقته بالوجود الخارجي (الكون والمجتمع) وموقفه من هذا الوجود؛ وتتلخص مبادئها في النقاط التالية:
1-الانطلاق من الذات التي هي مركز المبادرة ومقر الوجدان والشعور .
2- الإنسان موجود متكامل أي بعقله ومشاعره، وجسده وروحه.
3- المعارف والخبرات نسبية دوماً، ولا توجد حدود حاسمة نهائية لها؛ بل تبقى فيها ثغرات وفجوات. وليس هناك حقيقة مطلقة...
4- تشتبك الذات الفردية بالعالم الخارجي اشتباك تفاعل. وكل من هذين الطرفين شرط لوجود الطرف الآخر؛ وهذا هو الواقع.
5- للواقع المعيش، أي الراهن، أهمية مركزية، اليوميّ هو الهامّ ولا عبرة للماضي لأنه غير موجود. أما المستقبل فيجب أن نوجده نحن وشعار الوجوديّ هو: (أنا الآن وهنا) والفرد متواصل مع العالم الخارجي من خلال وجوده وحواسّه ومشاعره وجسده.
6- الحريّة هي الوجود الإنسانيّ، ولا إنسانية من دونها. وهذه الحرية تعمل ضمن المعايير الفرديّة لاضمن المعايير الأخلاقية والسياسية والدينية السائدة.
7-يتخذ الفرد قراره وموقفه. وهذا الموقف ذو قيمة مستقبلية لأنه اتجاه في عملية تجديد المستقبل حين تتلاقى القناعات والمواقف في نقطة واحدة.
8-ترفض الوجودية بدئياً كلّ الأشكال الجاهزة والموروثة والسائدة؛ لأنها قيود وأثقال تمنع الحرية الفردية. ولذا فهي تنبذ الدين، أما الماركسية فلم تنسجم معها انسجاماً كاملاً، وإن كانت تلتقي معها في جوانب الواقعية. لقد أخضعتها كغيرها للنقد واحتفظت بحق الفرد في المخالفة والانتقاء وحرصت على ألاّ تذوب حريته في إطار الجماعة.
9- هنالك وجوديات عديدة، بعدد منظرّيها، ولكنها تتفق جميعاً في التركيز على الموضوعات الآتية:
الحرية؛ الموقف الإرادي، المسؤولية، الفرد، الإثم؛ الاغتراب؛ الضياع؛ التمزّق؛ اليأس؛ القرف؛ السأم؛ الاستلاب؛ الخيبة؛ الرفض؛ القلق، الموت... وكل مايمتُّ بصلةٍ إلى مأساة الإنسان الوجوديّة.

ثانياً: الأدب الوجوديّ:

امتزجت الفلسفة الوجودية بالأدب؛ ولاسيّما في مجالَيْ الرواية والمسرحيّة، لأنها وجدت فيهما خير وسيلة لتحليل الواقع الإنساني والكشف عما يحدق به من الضغوط والتحديات، وتحصينه بحريته الكاملة وإرادته لاتخاذ قراراته ومواقفه والنضال لإثبات وجوده واختيار مصيره. ولقد كان معظم فلاسفة الوجودية أدباء عرضوا أفكارهم ونظرياتهم من خلال إبداعاتهم الأدبية عرضاً هو أفضل مما تتيحه النظريات والبحوث الجافة. كما أن كثيراً من الأدباء انتهجوا النهج الوجوديّ في رسم رؤاهم وشخصياتهم وتحليلاتهم، حتى تبلور في النصف الثاني من القرن العشرين مايدعى بالأدب الوجودي، وكان من أبرز أدبائه جان بول سارتر الذي خلّف عدداً كبيراً من القصص والروايات والمسرحيات مثل: الأيدي القذرة، والبغيّ الفاضلة، وموتى بلاقبور، والدوامة، والذباب وروايتي الحزن العميق ودروب الحرية، وعددٍ من القصص. وكان منهم البيروكامو الذي كان يدعى فيلسوف العبث ومن أهم مسرحياته سوء تفاهم، والعادلون، والحصار. ومن رواياته الطاعون والموت السعيد. ومن قصصه المنفى والملكوت ومجموعة أخرى من القصص. ومنهم غابرييل مارسيل الذي برزت وجوديته الأدبية في مسرحية (رجل اللّه). ومنهم سيمون دي بوفوار زوجة سارتر، ويعدّ من أصحاب النزعة الوجودية أمثال الشاعر ت.س إيليوت (في النصف الأول من القرن العشرين) وصموئيل بيكيث وجيمس جويس على اختلاف بين هؤلاء واحتفاظ كلٍ منهم بطابعه الخاص.
وإذا رحنا نلتمس رسم الخطوط العامة للأدب الوجودي لم نجد أفضل من المقالة التي كتبها جان بول سارتر عام 1945 بُعَيْد تحرّر فرنسا وجعلها مقدمة لمجلّته (الأزمنة الحديثة) ومن ثمَّ أصبحت دستوراً للأدب الوجودي([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)) وتتلخص فيما يلي:
1- لكلّ كاتب موقف في عصره ومسؤولية تجاه مجتمعه والإنسانية بصورة عامة، ولكلّ كلمةٍ صداها، حتى إنَّ الصمت موقف له دلالته. والأديب قادرٌ على التأثير في زمانه من خلال وجوده ومواقفه. وإن مستقبل العصر هو الذي يجب أن يكون محور عناية الأدباء.
والمستقبل إنما يتكون من أعمال الإنسان الجارية ومشاريعه وهمومه وآماله ومواقفه وثوراته ومعاركه... والأديب يكتب عن عصره ومعاصريه، ويتحدث عن نفسه وعنهم في آن واحد وعلى حدٍ سواء فكلهم متساوون وأحرار، ولا يقتصر على طبقة معينة أو ينساق في تيار الدكتاتورية، ولكن موقفه سيقوده حتماً للوقوف في صف طبقته التي يشاركها المعاناة.
2- الوجودية فلسفة الفرد والذات ضمن موقع خارجي، والكاتب يطمح إلى تغيير المستقبل عن طريق خلق مواقف مشابهة لموقفه، وتتراكم هذه المواقف وتتآزر لتحدث التغيير المنشود. وهكذا يتجلى التضافر بين الذات والمجتمع، وتصبح الآداب تعبيراً عن ذاتية ومجتمع في حالة ثورة دائمة.
3- لامهادنة ولا إخاء مع القوى المحافظة التي تتمسَّك بالتوازن ولأجل ذلك تضغط على الحريّة وتمارس القمع والظلم. ولابد لكل كاتب، ولكلّ إنسان، من النضال. والكاتب موقف وقضية في صميم المعركة. ويظل موقف الأديب الوجودي إلى جانب المضطهدين والمسلوبي الحركة، فيعمل لتحريرهم أولاً ثم يضعهم أمام ذواتهم وإراداتهم، ليحددوا مواقفهم ويتخذوا قراراتهم. والفرد الحرّ عليه أن يختار، بل هو ملتزم أن يختار موقفه الذي يقرر مصيره ومصير البشر..
4- كما لايوجد انفصال بين الفرد والمجتمع، لايوجد انفصال بين الروح والجسد، ولايعرف الوجوديُّ سوى واقعٍ واحد لايتجزّأ هو "الواقع الإنسانيّ" والجماعة لاتلغي الفردية بل عليها أن تحترم تفتحها الذاتي مادامت لا تُصادر حرية الآخرين، وكلُّ لجمٍ لحرية الفرد أو إلزامٍ له بآراء شمولية جاهزة أو تعامٍ عن الفروق الفردية يعتبر ضرباً من الاستبداد والدكتاتورية.
5- تختلف منازع الأدباء الوجوديين، فبينما نجد كير كيغارد متحمّساً للمسيحية، نرى كامو غارقاً في مأساة الوجود الإنساني وعبثية الأقدار والحياة وأجواء الكآبة والقرف واليأس. أما سارتر فقد نشر فلسفة الحرية والالتزام والمسؤولية والكفاح لأجل الجماعة والإنسانية متأثراً بمعاناة فرنسا من الاحتلال النازيّ، وإداركه أن المصير متعلقٌ بالحرية، ولا مناص من المقاومة بكل الوسائل. وقد سادَ هذا الاتجاه ولقي قبولاً في كل أنحاء العالم الباحث عن الحرية المناصر لقضايا الشعوب المستضعفة؛ فلا غرابة أن يعدّ سارتر المعلم الأول للنزعة الوجودية المناضلة. وقد استمر هذا التيار إلى أواخر القرن العشرين واعتنقه كثير من الشبان المثقفين والثوريين.
6- النثر عند الوجوديين أداة كشف وتغيير، ويؤثر في الجماهير عن طريق الإقناع، والناشر كاتب حرّ يخاطب أحراراً ولكن لابد في النثر من الجمالية، وإلاّ فلا يكون أدباً. وجماليته ليست مقصودة لذاتها بل هي إضافية ومكمّلة ولا تنفصل عن الموضوع. والشخصيات بشر واقعيّون من لحمٍ ودم وروح، يعون قضايا الإنسان المعاصر بكثافة وعمق، ويُعانون الصراع في المجتمع لإثبات حريتهم والتمتع باختيار موقفهم ومصيرهم في هذا الكون المعقد، وإثبات إرادتهم الحرة، ومن ثم الالتزام الخاصّ وتحمّلُ مسؤولية القرار.. وبعد ذلك هل ينتصر الإنسان أم ينهزم ويُسحَق؟ هنالك اختلاف يطابق التفاؤل أو التشاؤم عند الكاتب. ومن المتفائلين سارتر وفوكنر ومن السلبيين المتشائمين كامو وإليوت.
7-أما من حيث الشكل الفنّي للأجناس الأدبيّة، فالوجوديون -شأنهم في ذلك شأنُ أدباء القرن العشرين- لايُقدّسون الأطر القديمة والأشكال الشائعة بل يعيدون النظر في كلّ الطرائق والأساليب ويحطمون المألوفات السابقة ويحاولون خلق تقنيات جديدة؛ لكنهم جميعاً متفقون على أن الجمالية عنصر ضروريٌ في الأدب شعراً ونثراً وتستمد من طبيعة الموضوع والمتطلبات الخارجية. ولذلك كثر التجريب، وولدت أنماط جديدة من المسرحية والرواية والشعر.
ويرى سارتر أن الشعر مثل بقية الفنون دائم التجدد والتحديث وهو يتبادل التأثير والمعطيات مع سائر الفنون، بل هو جانب من الرسم والنحت والموسيقا، والكلمات فيه أشياء وليست إشاراتٍ لغوية كما هو الأمر في النثر. إنها أشياء طبيعية تنمو كالعشب والأشجار؟ وللكلمة شكلها الصوتي ومظهرها البصري، وبهما تصبح أداة تشكيل. والكلمات تتجمع وتتعانق وتتداعى، وتشكل فيما بينها أشكالاً من التطابقات والتنافرات. ويصبح التعبير عن طريق الإيحاء والرمز، وتتغير العلاقات اللغوية.
وفي الشعر تمتزج عناصر من الرمزية والسرياليّة والفلسفة والتصوف والغناء، والغاية منه الكشف عن أزمة الإنسان في وجوده روحاً وجسداً ضمن واقع شامل يعاني منه القلق والعذاب والخوف، لأنه واقع معادٍ. ولذا يغلب على شعراء الوجودية طابع التشاؤم والسوداوية والحيرة والإحباط، ومثالنا على ذلك أشعار ت.س إليوت المعبّرة عن الضياع والخواء والكآبة.
ثالثاً- مثال على الأدب الوجودي

مأساة "الذّباب" لسارتر

تعتمد مسرحية "الذباب" على أصولٍ يونانية؛ فهي تدور حول خيانة كليتمنسترة لزوجها أغاممنون وتآمرها مع عشيقها إيجيست لقتله بعد عودته مظفراً من حرب طروادة، وانتقام ابنها أورست وأخته اليكترا منهما فيما بعد، حين قتلا أمَّهما وعشيقها.
ولكن سارتر يعرضها بطريقته الخاصة ومن خلال فلسفته الوجودية التي تخالف رؤية أسخيلوس وسوفوكليس. فقد صاغها صياغة عصرية أسْهم فيها الديكور والرقص الرمزي الإيمائي، وأكّد من خلالها حرية الإنسان وإرادته وحقه في اتخاذ قراره واختيار مصيره وتحمله مسؤوليته الكاملة بعد ذلك.
فقد كان أورست عند سارتر فتىً مسالماً لايفكّر بالانتقام ويعزف عن الخصومات والتدخل في شؤون الموتى ؛ ولكن رقصة إليكترا الرمزية حركتْ فيه دواعي الانتقام والثأر فاستقر رأيه على قتل أمه وزوجها وتحرير المدينة من ذلك الطاغية المستبد؛ ثم نفذ وأخته مؤامرتهما من دون أي ندم أو شعور بالإثم.
تقول إيليكترا لدى مصرع إيجيست:
.... "أنا التي أردتُ ذلك، ولا أزال أريده، ويجب أن أستمر في إرادته".
وتقول عند مصرع أمّها وهي تسمع استغاثتها:
"فلتصحْ ماتشاء؛ أريد أن تصيح فزعاً وألماً؛ ياللفرحة عيناي تبكيان من فرط السرور. لقد ماتت عدوّتي وانتقمت لأبي...".
أما أورست الذي شعر بسعادة الحرية لأول مرة فيقول: "إنني حرٌّ يا إيليكترا؛ لقد انقضت عليّ الحرية انقضاض الصاعقة.. لقد فعلتُ فعلي.. وهو أمرٌ حسن، سأحمله على كاهلي كما يحمل المسافرون الماء؛ وكلما ثقل عليَّ حِملُهُ قرَّتْ به عيناي، لأنه هو حريتي، وحريتي ليست شيئاً سواه..."
وفي حين ترضخ إيليكترا لسلطان الندم، لايندم أورست ولا يتراجع، وينتصب عملاقاً أمام الإله جوبيتر في المشهد الآتي:

-أورست : أنتَ ملكُ الآلهة، وملك الصخور والكواكب وملك الأمواج في كلّ البحار؛ لكنك لستَ مَلِك الإنسان.
-جوبيتر : ألستُ مليكك أيتها الدودة الغبيّة؟ فمن الذي خلقكَ إذن؟
-أورست : أنت؛ ولكن كان يجب ألاّ تخلقني حراً.
-جوبيتر : إنما وهبتك حريتك لتخدمني...!
-أورست : ولكنها انقلبت ضدك، ولاحيلة لي في ذلك- أنا لست العبد ولا السيّد؛ أنا حريتي...!

من مسرحية "الذباب" لسارتر

ترجمة د. محمد قصاص-روائع المسرحيات العالمية

المشهد الثاني من الفصل الثالث بتصرّف


ولابد من الإشارة إلى الظرف الزمني الذي أُلِّفتْ فيه هذه المسرحية، إنها فترة الاحتلال النازي لفرنسا في الحرب العالمية الثانية. وكان الأمر من الخطورة بحيث يتطلب حشد الفكر والفن وكل شيء في سبيل التحرير.
ومن المعروف أن سارتر انتمى بقلمه وشخصه إلى حركة المقاومة السريّة والجهرية؛ وحين عُرضت مسرحيته هذه على المسارح منعتها السلطات الألمانية لأنها تحرّض على الثأر والانتقام والحرب وتدعو إلى الحريّة...
qqq



([1]) للتوسُّع انظر: الوجودية -جون ماكوري؛ ترجمة: إمام عبد الفتاح؛ سلسلة عالم المعرفة.

([2]) راجع هذه المقالة في كتاب ماهو الأدب لسارتر، ترجمة: جورج طرابيشي.