المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملامح الآداب الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين


Eng.Jordan
02-19-2012, 10:59 AM
عبد الرزاق الأصفر - المذاهب الأدبية لدى الغرب



لمّا كان الأدب وليد الواقع ومُرْتَسم التطوّرات الإنسانيّة، وكانت فترة مابعد الحرب حتى أواخر القرن تحمل مياسم تلك الحرب الهائلة ونتائجها المشؤومة وتستدعي تغيراتٍ جذريةً في حياة الغرب الأوربيّ بخاصةٍ والعالم بعامّة، تعاقبت حتى نهاية القرن؛ فمما لاشك فيه أنّ أي حديث في سمات آداب تلك المرحلة وتياراتها ومنطلقاتها ودوافعها وطوابعها يستلزم بالضرورة تصوراً عاماً لتلك المرحلة التي استمد منها الأدب نسْغَه وحياته:
أسْدَل انتهاء الحرب العالمية الثانية الستار على فترةٍ عصيبةٍ هزّت العالم هزّاً عنيفاً؛ وخلفت الدمار والموت والفوضى والقلق والاضطراب والتمزّق لتعِلن بزوغ عصرٍ جديد التفت فيه العالم لمداواة جراحه النازفة والشروع في بناء مستقبلٍ يغيب منه شبح الحرب إلى الأبد...
فهذي جيوش الحلفاء المنتصرة تغطّي الساحة الأوروبية والآسيوية وتفرض سلاماً تحرسُه فوّهات المدافع، وهذه الأمم المتحدة تدعي تنظيم السّلام تحت رايتها ذات الحمامة البيضاء.. ولكن الحرب لم تسْفِر عن أمم مهزومة وأخرى منتصرة فحسب، بل عن كتلتين عالميتين متناقضتين ذرَّ بينهما العداء القديم بعد التحالف الموقت، وعاد معهما شبح الحرب والرعب من المارد النوويّ المتعاظم. معسكران هائلان وحرب باردة سرعان ماترتفع حرارتها بين الحين والآخر، في هذا المكان من العالم أو ذاك، من خلال التنافس والتأزم السياسيّ والتفجرات المحليّة في أمثال فييتنام وكوريا وفلسطين التي تمتد طويلاً وتأخذ الطابع العالمي، ومن خلال الثورات والانقلابات والأخلاق واللهاث المحموم لامتلاك الأسلحة وبث القواعد العسكرية في أطراف العالم. وتعود طبول الحرب لتستأنف نذرها من جديد فتهدّد ذاك السّلام المضعْضَع الوليد، وتنشر الذعر والاضطراب والقلق.. وتقسَّم أوروبا، وتستقل أقطار سلماً أو حرباً، وتقوم كيانات وانقلابات وتنشأ مشكلات جديدة، وخلافاتٌ وتصفية خلافات وتناقضات وصراعات داخلية ونزاعات إقليمية وقوميّة تغذيّها قوى أجنبية، وتبسط الإمبريالية الجديدة هيمنتها على كثير من الدّول بينما تناضل أخريات لمقاومتها أو التحرر منها.. وهكذا انتهت الحرب ولكن صراعها وشبحها مازالا يؤرقان العالم...!
وينقسم العالم إلى متقدم ومتخلف، وقوي وضعيف، وغني وفقير، ويشتد الصراع لاقتسام مناطق النفوذ... تحت سمع الأمم المتحدة وبصرها، تلك المنظمة التي بدت عاجزة لأنها صورة لصراعات الأقوياء، بل ألعوبة في يد الأقوياء، وتنشب معارك داخلية في أمكنة عديدة سببها التمييز العنصري والاستعمار التقليدي والصراع الطبقيّ والصراعات العقائدية والسياسية والصدام مع العقائد والأنظمة التقليدية، وتتفجر حركات العمال والشباب وتكثر الإضرابات والتظاهرات التي تبلغ أحياناً درجة العنف وتتسع لتشمل أقطاراً عديدة ويشتد القمع والإرهاب من جهة السلطات الظاهرة والخفيّة...!
وتنقسم المجتمعات إلى جبهتين، إحداهما تمتلك المال والصناعة وتمسك بزمام الاقتصاد تسيّره كما يهوى الاحتكار وحيث تدر الأرباح والثانية فقيرة بائسة محرومة؛ فترى من جهة شركاتٍ ضخمة متنافسة وتوسعاً في الآلية المقتدرة والأبنية الضخمة والمكاتب الفخمة والأسواق الباذخة وتدفقاً في الإنتاج ولاسيّما الحربي والكماليّ؛ ومن جهة ثانية طبقات محرومة كادحة وجماهير من العمال المسخرين بلقمة عيشهم والعاجزين عن الاستمتاع بما تصنعه أيديهم وتلافي ضروريات عيشهم. تناقض تبرزه للرأي مدن الصفيح وجبال القمامة وتراكمات البؤساء في دهاليز الجوع والمرض...! الأغنياء يكسبون ثمرات الحرب ويزدادون غنى والفقراء يخسرونها ويزدادون فقراً... وتتفاقم الفوارق ويشتد الصراع ومعه القمع إلى ما لانهاية....!
إنه عالم مابعد الحرب، الذي تقدم فيه العلم والاختراع والتكنولوجيا، ودخل عصر الأتمتة والسبرناتيك والالكترون والذرة والليزر والفضاء.. ولكنه لم يفلح في حلّ مشكلات البشر؟ وبدت فيه السياسات العالمية والمحلية والإقليمية عاجزة أو متآمرة. إنه عالم التناقض والصراع والتطرف والنزاع والتمرد والقمع والانسحاق؛ عالم الظلم والبيروقراطية والسلطات العسكرية والدكتاتورية والرأسمالية وهيمنة القوى العظمى وانسحاق الجماهير الكبرى، عالم الحرية غير المتكافئة، عالم تزعزعت فيه القيم والمعتقدات والأخلاق واهتزت البنى القديمة أو تصدعت وانهارت، عالم السرعة والتنافس والجنس والعنف والمخدرات والعصابات. إنه عالم ما بعد الحرب الذي ساده القلق والاضطراب والعقم وخابت فيه الآمال وغامت الطرق والأهداف واختلت القيم؛ وتطلع الناس فيه من خلال سُدُف البؤس والدروب المظلمة إلى منافذ النور والنجاة.. وأين توجد إلاّ عند الأدباء والمفكرين؟؟ والأدباء كسائر البشر يعانون مايعانونه من العذاب الروحي والاغتراب. لقد كان طبيعياً أن يرفضوا هذا العصر ويتخذوا منه موقفاً احتجاجيّاً بشكل أو بآخر. وقد اختلفت منطلقاتهم ورؤاهم ومواقفهم من جرّاء التمزّق والتشعّب والبحث الفردي الحرّ في الأطروحات والأساليب؛ ولكن هذا الاختلاف والتنوع جرى بشكل عامٍ ضمن إطار السخط والسأم والقلق والرفض وفي بعض الأحيان ضمن شعور من العبثية وعدم الجدوى؛ موقفٌ سلبيّ مردّه إلى أن الأديب أصبح يشعر بأنه مجرد رقم في هذا الكيان المصطخب، لايضمه إلى محيطه صلة تفاهم وشراكة ذات معنى. وتجلى ذلك في نتاجهم الذي هو صدى لما يجري في المجتمع والعالم. وربما تجاوزوا الفكر إلى السلوك الذاتيّ الذي أضحى عُصَابياً سريع التأثر. فبدت لديهم مظاهر اليأس ولجأ بعضهم إلى المخدرات والجنس والانحلال والانتحار... لأن الحياة لم تعد تعني لديهم شيئاً ولا مبرّر لها. وتردّدت لديهم نغمات الحزن والنشيج والسوداوية والانسلاخ والانسحاق وصرخات الاحتجاج والنقد الصارم وكأنّه جَلْدٌ للذات والآخرين.. كل ذلك من جراء هذه الحضارة الرأسمالية الصماء ذات القلب الحديدي التي تسحق الفرد وتفقده أخلاقياته وتجرَّده من مسوّغات وجوده.
على أنّ بعضهم خرج من هذه الدّوامة المدوّخة إلى التماس خشبةٍ لنجاة الذات والمجتمع، وبعضهم الآخر نجح في إثارة المشكلات ثم تَرَكها معلقةً دون علاج...
ولأجل الحصول على تصوّر أشمل وأوضح لحالة الأدب واتجاهاته نستعرض فيما يأتي أحوال كلّ من الشعر والرواية والمسرح. في النصف من القرن العشرين وماطرأ عليها من التغيّر وما برز فيها من الاتجاهات في المضامين وأساليب التعبير.



أولاً- الشّعر:

يبقى الشاعر من أشد الناس حساسيةً وتأثراً بما يجري حوله وفي داخله؛ فهو البصيرة على نفسه والعالم، المتأثر والمعبّر والمؤثّر، وهو الذي ينفذ من خلال التعدُّد والاختلاف إلى الجوهر فيلامس حقيقة الإنسان في تجرّده عن الزمان والمكان. إنه عاشق الإنسان والطبيعة وماوراءهما، المدرك لمسؤوليته الرّسولية في الوجود، وُجدانُ البشرية العميق والأمين، القادر على التغلغل إلى الخفايا، ونقلها بصدقٍ وإخلاص...
من هذه الطبيعة الشاعرية تجلّت فيما بعد الحرب الثانية غنائية رومانسية قوامها الحزن والألم والاحتجاج والسوداوية كموقفٍ تجاه الماضي المأساوي؛ ثم مالبث الشعر أن تكيف مع المتغيرات المستجدة والمتسارعة في تيارات الرياح الكونية المعاصرة والهموم اليومية والطبيعية المعقدة للحياة المطصخبة الجديدة التي تمتد فيها الصراعات في عالم الفكر والعقيدة والاقتصاد والسياسة والمجتمع؛ وكان الشاعر هو الباحث الأول عن الحقيقة الجوهرية المحتجبة بين غيوم العصر.
لقد دمّرت الذرة مدينتين بما فيهما، فهل ستقف عند هذا الحدّ؟ وهاهي نُذُر الشرّ في الآفاق....! وتقدَّم العلم والاختراع بسرعة هائلة فهل *** ذلك السّعادة أم أسْهَمَ في نشر الظلم والتحكّم والرعب؟ وأذهلت الناس كشوف الفضاء، فماذا وراءها؟ إن أشباح الإبادة والموت والدمار والبؤس ماتزال تطلّ بعيونها الشريرة المرعبة على نفوس الشعراء فتزيدهم قلقاً وعذاباً.. إنها طبيعة العصر وطبيعة الشعر، ومهما يكن من أمر ذلك الأسى العالميّ فإنه لم يستطع كبت العاطفة وقمع الفكر وكبْحَ الأمل وسدَّ المنافذ. فالتغير واقعٌ وممكن، وهو إنما ينطلق من الإنسان، والإنسان هو المفتاح لحل كل لغز منذ أوديب ووحش طيبة.... لقد نقّب الشعراء في الجذور الروحية واستعانوا بمغازي الأساطير وتجولوا في الظواهر الشعبية للوصول إلى الجوهر الوجودي لحياة الشعب، ووجهوا اهتمامهم لإنقاذ الإنسان والأخذ بيده إلى درب السعادة، السعادة التي قد تلوح في السماء على الأرض... ولنذكر الشعراء المعاصرين من أمثال (إليوت وبريخت وستاندبرغ وشعراء الواقعية الاشتراكية ولوركا...). وهكذا ينبجس التفاؤل من صميم الكرب ويبقى دوماً في (صندوق باندورا) شيء اسمه الأمل. ومع الإحباط يولد حزم ومع الضيق يأتي فرج ومع الشر يوجد خير...!
كان هذا وجهَ الشعر من حيث مادّتهُ وأطروحاته؛ أما من حيث شكله فقد جسّد في أشكاله الغزيرة المتنوعة تلك النزعة التحرّرية وتجاوز الأقنية والسّدود دون أن يفارقها تماماً. إن روح التمرد والثورة على ما تبقى من آثار الماضي وقيوده، والشعور بفرح الحرية الفردية كان الباعث إلى ولادة تجارب جديدة في الشعر تناسب طبيعة المرحلة، فلم يتبع الشعراء منهجاً واحداً أو مذهباً بعينه، ومع التجارب الحديثة لم تُطلَّق المعطيات الماضية. وكان الشعر الأمريكي الأسبق إلى خلع الأثواب الطقوسية وارتداء الملابس البسيطة والتجوال في آفاق جديدة رحبة؛ فقد حاكى النثرَ بشعرٍ مُرْسَل لايضحّي بالموسيقا، التي مزجها بالرموز والأساطير (والت ويتمان). وجاء في إثر هذه التجربة شعراء أمريكا اللاتينية وأوروبا فوسعوها (نيرودا) مع الاحتفاظ بتقنيات ورثوها من القرن التاسع عشر، وهكذا تجاورت أصداء الرمزية (من صوب رامبو وأبو لينير) والمستقبلية بنت القرن العشرين (مايا كوفسكي) وتوظيف الأسطورة والتاريخ والدين (ت.س إليوت) ومعطيات اللامعقول. والرومانسية السوداوية والبرناسيّة التقليدية والكلاسيكية الجديدة... فكانت أشكال شعرية جديدة شديدة التنوع.... وكان البحث الدائم عن الجديد، فوجدنا الميل إلى التكثيف والاقتصاد بالكلمات والإقلال من الأفعال والروابط، بل ونبذها أحياناً اكتفاءً بالصور التي تنبعث من الكلمات وتتوالى في شريط متلاحق مثيرة معاني عميقة وأصداء غامضة، وتخلق جوّاً معبراً ومخيماً على الروح، ووجدنا جرأةً لغوية بإبداع كلماتٍ جديدة وتركيبات غير مألوفة...
وهكذا تآلفت في الشعر الجديد التجديدات الجريئة والوثبات الحرة مع معطيات المدارس القديمة في وسطٍ من التجريب والبحث لاكتشاف ذرا لم تستشرف من قبل... إنها الحداثة المتسارعة على إيقاعات نبض العصر في حركته وتغيراته.




ثانياً- الرواية:

مهما كان إطار الرواية فهي تنطلق من واقعٍ خارجيٍ أو نفسيّ يريد الكاتب معالجته لهدفٍ يريد بلوغه. وقد رأينا أن واقع مابعد الحرب كان مأساوياً مملوءاً بالمشكلات؛ وأن نعماءه أصابت فئة ضئيلة من ذوي المال والسلطة وبأساءه عمّت الجميع الذين وجدوا أنفسهم أمام السّراب. وقد عكف الروائيون على تصوير هذا الواقع وتحليله في قالب منسوج من الحقيقة والتخييل؛ إنه واقعهم بقدر ماهو واقع القراء، لكنه مرئيٌّ من زاوية الكاتب وتأمله. وليست الرواية للإمتاع بقدر ماهي مُرْصدة للتغيير. إنها -كما يقول الروائي روب غرييه- "عملٌ يضع العالمَ موضع البحث والتساؤل"([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)).
على أن الروائي لايستطيع تغيير شيءٍ في المجتمع إلاّ بعد أَنْ يتغيّر هو؛ فبينه وبين المجتمع علاقة جدليةً. يقول الروائي الفرنسيّ ألبير ميمي: "نحن حملة ردّ الفعل، ونحن المترجمون لكلّ اهتمامات معاصرينا"([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)).
أما شكل الرواية الحديثة فقد شهد تفجّراً لاحصر لأنواعه؛ فمن العودة إلى أشكال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إلى التجريب في ظل الحريّة المطلقة. وبين هذين القطبين سقطت بعض الأنماط كالنمط السّارتريّ، الذي يقوم على الوعظ والإرشاد كما يقول بعض نقاده؛ وظهرت نظريات وأشكال جديدة نذكر منها الحركة التي تألفت حول روب غرييه باسم (الرواية الجديدة). وقد بلغ التسارع في التغيير أن شمل الكاتب نفسه الذي صار يطوّر أشكاله بين الحين والآخر بل بين الرواية والتي تليها. إن روايات روب غرييه السابقة أصبحت جزءاً من التراث... ولم تعد تمثل أسئلة مطروحة، وروب نفسه أخذ يرود آفاقاً جديدة ويتحدث عن أشياء أخرى...([3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3))وهذا التسارع ناشئٌ عن سرعة تغير العالم الذي سرعان ما تلف دوّامته الكتّاب وتؤدي إلى تغيّر في الشكل والمضمون.
لقد ألغى بعضهم الأشخاص وألغي بعضهم الآخر (مثل سولرز) كل مقومات القصّة: الحَدَث والبطل والزمان والمكان. ثم بالغ فجردها من الفواصل والنقاط وجعلها كتابة مسترسلة وألفاظاً لاتحدها حدود أو أُطر معينة([4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4)). وسمي هذا الاتجاه بالشيئية. وقد أصبح القارئ يجد عسراً في قراءة أمثال هذا النمط.
وعلى الرغم من هذا التطوّر لاتزال بعض ملامح الرواية السابقة التي عهدت عند بروست ماثلة بل هنالك ردّة إلى تلك الأشكال وهوادة في التجريب وميلٌ إلى التراخي لدى الكتاب والقراء في جميع أنحاء العالم الغَرْبيّ([5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5)). وخفّت الفروق الحادة بين الأشكال المتطرفة.
لقد بهتت ألوان الواقعية الجديدة والوجودية وظهرت روح مغايرة وتقنيات جديدة، وبرزت الرواية الغرائبية و*****يّة والفانتازية التي لاتنتمي أبداً إلى الواقعية، ورواية الذعر والكوارث المرعبة ورواية الألغاز والمفاجآت والرعب والكوابيس والأشخاص الغامضين (شيكلس وبورغيز) وسميت بالرواية السّوداء. وظهرت رواية الخيال العلمي التي اتبعت مدرسة جول فيرن (نهاية القرن التاسع عشر) وبرز فيها كتاب (كالبريطاني ك.س. لويس- 1963) من خلال أدب الأطفال والناشئة والمسلسلات التلفزيونية، وروايات العنف والإبادة وروايات غزو الفضاء (عظيموف وفرانك هربرت) واكتشاف المجهولات وتصورات القرن الحادي والعشرين من خلال محطات الفضاء المزوّدة بالعقول الالكترونية. وكثير من هذه الروايات الجديدة عالجت التمييز العنصري والحرب الباردة وهموم المجتمعات المعاصرة، وندّدت بالجوع والظلم والحروب ودعت إلى السّلام والمحبّة...
هذه هي باختصار ملامح رواية مابعد الحرب. وهذا يكفي لتبيان انطلاقها من إطار المذاهب ودخولها مرحلة الإبداع التجريبي الحر المتنوع. إنها (الحداثة) المناسبة لطبيعة عصر القلق والسّأم والسرعة والبحث عن الجديد.

ثالثاً- الأدب المسرحيّ:

ينفرد الأدب المسرحيّ بأنه الأكثر جماهيريّة نصاً وعرضاً والأوسع رواجاً والأشد تأثيراً. فجمهور الشعر محدود وخاصّ، ونشر مجموعة شعرية مغامرة يحسب لها الناشر ألف حساب. أمّا الرواية فأكثر التصاقاً بالقضايا الإنسانية والمعاناة الواقعية وأكثر جذباً وإمتاعاً، فضلاً عن قابليتها للإخراج السينمائي. أما المسرح فقد وجد أصلاً للتمثيل على الخشبة والعرض على مالا يحصى من الجماهير، وكم من مسرحية دام عرضها سنوات، وكم من مسرحٍ تخصص بكاتب واحد أو مسرحية واحدة..! فالمسرح -كما قيل- خبز الروح، يصدر من وحي الواقع والمعاناة ليعرض في حلة احتفالية مثيرة للعاطفة والذهن، حيث تضاف إليه عبقرية الإخراج والتمثيل وحسن الأداء والمؤثرات الصوتية والضوئية والملابس والديكورات. وإن قارئ الشعر والقصة متفرد؛ أما مشاهد المسرح ففي تظاهرة اجتماعية متفاعلة مع مايجري على الخشبة، وربما تمت المشاركة بين الطرفين فيما يدعى "تحطيم الجدار الرابع".
والمسرح يقوم أساساً على معالجة مشكلة أو أزمة أو قضية إنسانية هامة تشغل البال ويعانيها الناس وتشتبك بحياتهم ومصائرهم، ثم تحليلها والانتهاء منها إلى حلَّ أو مشروع حلّ بإثارة تساؤل واهتمام وإضاءة طريق. فالمسرحية شديدة الالتصاق بالواقع الاجتماعي والداخلي وبليغة التعبير عن هموم العصر ومؤرقاته وناجعة في بلورة الرأي العام والموقف الفكري والعمليّ، يسعفها في أداء هذه المهمة جو من الحريّة والديموقراطية يتيح الدخول في أي موضوع وتناول أيّة مشكلة مهما بلغت من الحساسية والإحراج.
فمن أبرز هذه الموضوعات مسألة وجود البشر في هذا الكون والتساؤل: لماذا؟، والصراع بين الدين والإلحاد والتحلّل والأخلاق وعلاقة الحب والعاطفة، والضياع والقلق البشري العام في هذا الوسط المأساويّ المظلم الغامض المصير.
فهذا ت.س إيليوت وهو خير مثالٍ على التعبير عن روح العَصْر ومآسيه، ينتهي إلى حلولٍ محافظة دينيّة..!
وهذا كوكتو يلخص ثقافة عصره ويعالج الأخطاء التي تهدّد سلام العالم...!
وآرابال يستوحي الحالة النفسية العامة فيعالج موضوعات التمرُّد على الوصاية سواءٌ أكانت دينية أم سلطةً أو عائلة ويدعو إلى عالمٍ متحرَّر كليّاً يضع قوانينه الخاصة به، ويبين بشاعة الحرب ويدعو إلى السلام ويعالج قضايا الشباب المتمرّد...

ونجد في مسرح تنسي وليامز وكرستوفر فراي سخرية من الواقع المنهار ومعالجةً لقضايا الجنس والعنف، وغوصاً في تحليل الدوافع النفسية.
وعالج آرثر ميلر قضايا الصناعة الكبيرة وطراز الحياة الأمريكية والصراع من أجل الحياة، والمغامرة الفردية والنجاح والتفوّق وتزعزع المعتقدات.
ونجد في مسرحيات يونسكو قضايا الزمن الجديد مثل الإنتاج والتقنيات العصرية الهائلة وحضور السلطة في كل مكان وضياع الإنسان في الفراغ العقائدي والتمرّد على الهيمنة والوصاية وسعي الإنسان للتخلص من كل الكوابيس الضاغطة، والتفاهات اليومية والقسوة التي لاترحم...
أما آدامون فقد اتجه صوب القضايا الإنسانية الكبرى التي أثارها العصر كمآسي اللاجئين والتمييز العنصري والاضطهاد والعنف وانسحاق البشر أمام التقنيات الكبرى ومآسي الحروب في فييتنام والبورجوازية الظالمة ومطاردة الفقراء...
وعالج جاك جيلبر موضوعات المخدرات والزنوج؛ واهتم المسرحُ السياسي بقضايا الديموقراطية والحرية والقمع والإبادات العرقية والبيروقراطية وقضايا الرأسمالية وتمرّدات الكادحين... والشخصيات السياسية الحقيقية....
هذه أمثلة ونماذج يمكن أن تقاس عليها بقية النصوص لدى الكتاب الآخرين؟ ونرى من خلالها أن كتاب المسرح لم يتركوا قضية من قضايا العصر إلا استوحوها وعالجوها ونفذوا إلى أسبابها ونتائجها ولامسوا -على نحو ما- حلولها. فبينما ضاع بعضهم في التشاؤم والعبثية التمس آخرون علاجاتٍ علمية وواقعية، وهرع آخرون صوب الدين كمنجى أخير، أو صوب الاشتراكية أو التمرّد والثورة ووضع بعضهم الأمل في الأخلاق والشرف.... ولا غرابة في هذا الاختلاف لأنه ناشئ عن طبيعة العصر المتحرّرة التي تأبى الانسياق في نمط واحد أو أنماط محدودة.
ومن ناحية الأداء الفني عمد الكتّاب إلى كل مايهزّ المشاهد ويثير انفعالاته وأحاسيسه، هنالك العنف والقسوة والموت والصراعات القوية، والصراعات الكونية الكبرى والمآسي المؤلمة والجرائم والهواجس والعداءات.. وكلُّ ذلك وسائل لخلق جوٍ مأساوي شديد التأثير يطهّر المشاهد من إحساسه بالإثم. وهي الأطروحة القديمة لفن التراجيديا.
وهنالك الإغراق في السريالية واللامعقول والعبث والغموض
(بيكيت ويونسكو) لخلق صدمة قوية لدى القارئ أو المشاهد.. حتى لقد وصل الأمر بالمسرحية إلى درجة الكابوس الذي يضغط على النفس ويحبس الأنفاس، وإن كان بعض الكتاب مثل آرابال لطّف من هذه الكابوسية المظلمة بشيءٍ من الإضحاك.
وظهر أيضاً المسرح الذي يعمد إلى المبالغة في المؤثرات المُبْهرة كالألبسة والديكورات والألوان والصور والملصقات والرموز والتلاعب الحاد بالإضاءة والصوت والغناء والرقص... للإمساك بأحاسيس المتفرّج. وقد اشتهر بهذا الأسلوب الكاتب والمخرج جان كوكتو.
وعمد بعض المسرحيين إلى إبراز الأحاسيس والغرائز الجنسيّة والشذوذ والبذاءة.. وآخرون إلى مشاهد الحفلات كالتتويج والعزل أو الطقوس كالجنائز أو العذاب المفرط الذي يتعرض له أحد الممثلين (جان جينييه) أو التواصل مع المشاهدين أو الإغراق في الفانتازيا...
وظهرت أنواع من المسارح الجديدة كالمسرح التعليمي (بريخت) القائم على النقد والتحليل العقلي، والمسرح الطليعيّ أو المسرح الحيّ الذي عاد إلى تصوير المآسي الاجتماعية الواقعية والإقلال من العنف، والمسرح الهامشيّ الجديد في بريطانيا الذي يتناول القضايا الواقعية ويمزج الجد بالهزل ولايعبأ بالقواعد الأكاديمية والفنيّة؛ والمسرح المتجوّل الذي انطلق إلى الشارع والساحة وتخفّف من الشروط المسرحيّة ليتصل بالجمهور بشكل بسيط...
وهكذا ظل المسرح نصاً ونظرية وعرضاً شديد القلق والتحوّل، كثير التجريب، وامتزجت المدارس فيه من واقعية إلى غنائية إلى رمزية إلى عبثية أو لامعقولة، واستُعين بالأساطير والتحليل النفسي وتجاورت الاتجاهات الاجتماعية والمادية والغيبية والحسّية، ولم تلتزم الشروط الأساسية في تكوين المسرحية، فربما غاب الأشخاص لينفرد بالعمل واحد أو اثنان، وربما غاب الحوار ليحل مكانه الإيماء وربما غاب الصراع أو الحبكة....
وكل ذلك تعبير عن روح العصر الجديد المتميز بالحريّة والقلق والاضطراب وعدم الاستقرار والبحث الدائم عن الجديد الشديد الجذب والتأثير لِملْءِ الخواء الوجداني لدى المشاهدين وإرضاء حاجات التطلع والتساؤل الحائر في عالمٍ انتقل فيه الإنسان من الوقوف على صخرة الواقع الراسخة في الزمان والمكان إلى الانطلاق والمشي في الفضاء في عالم اللاّوزن الذي تختل فيه المقاييس والمعايير.
والخلاصة لم يبق بعد الحرب الثانية مذاهب أدبيّة واضحة المعالم وشاملة ومرتكزة إلى فلسفة أو نظرة إلى الحياة كما عهدنا في المذاهب الأدبيّة الكبرى، بل بقيت شذرات من المذاهب القديمة متمازجة مع مذاهب واتجاهات صغيرة نشأت بسرعة وتزامنت وانطفأت بسرعة موسومةٍ بروح العصر المتأزّم الداعي إلى الحرية والبحث والتجريب والتجديد على إيقاع سريعٍ عنيف شمل كل الآداب والفنون وجميع نواحي الحياة. ترى هل هذه معالم مَذْهب مابعد الحرب؟ لم يقل النقاد كلمتهم الأخيرة فيه بعد.


qqq








[/URL]([1]) الإبداع الروائي اليوم. دار الحوار 1988، ص74و 118.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1)([2]) المصدر نفسه: 61.

([3]) المصدر السابق: 80.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3)([4]) المصدر السابق: مطاع صفدي 55.

[URL="http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5"]([5]) المصدر السابق: روبرتس: 79، 110، 118-