المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقيدة العسكرية.. والعقيدة الدينية


عبدالناصر محمود
08-14-2014, 07:52 AM
العقيدة العسكرية.. والعقيدة الدينية
ــــــــــــــــ

(عبدالله العودة)
ــــــــ


18 / 10 / 1435 هــ
14 / 8 / 2014 م
ــــــــــــــ


http://islamstory.com/sites/default/files/images/stories/articles/1097/19993_image002.jpg

قد يظن بعض الذين لم يألفوا مصطلح “العقيدة العسكرية” أنّه مصطلح من إنشاء باحث معين أو من إطلاقات بعض الأكاديمين أو أنه استخدام مجازي لجملة “عقيدة”… أو شيء آخر من هذا القبيل؛ ولكن كثير من المهتمين والقراء يعلم بأن العقيدة العسكرية أو عقيدة الجيش كما تعرف في بعض البلدان في العالم هي ركن أساس لتعريف الجيش والقوة العسكرية.

الناتو مثلًا قدم تعريف للعقيدة العسكرية: “العقيدة العسكرية هي مُجمل المبادئ الأساسية التي تتخذها القوات العسكرية لإنجاز مهامها، وهي قواعد مُلزمة وإن ظلت المواقف القتالية المختلفة الحكم الأساسي لاتباع أي من قواعد العقيدة العسكرية”. إذًا، فهي “عقيدة” تمامًا، ولذلك يتحدث الجيش الأمريكي عن عقيدة الجندي “The Soldier’s Creed” على أساس أنها طريقة الحياة والعقيدة الراسخة للجندي العادي. وفوق كل هذا توفر بعض الاستعمالات عبارة العقيدة العسكرية “The Military Doctrine” على أساس أنها عقيدة عسكرية تحمل القواعد العامة للجيش أو لجيش ما.

ولكي أوضّح القصة، ففكرة “العقيدة العسكرية” لا تعني الانتماء الديني التقليدي أو البحث عن ديانة الشخص هل هو مسلم أو مسيحي أو يهودي مثلًا، ولكن تتحدث عن تشكيل عقيدة “حياتية” وعقيدة “عسكرية” بمعنى متعلقة بالعمل العسكري ودوره كعسكري ومهامه أثناء الخدمة العسكرية. ولكن الغريب أن هذا الدور وتلك العقيدة لا تنحصر فقط في ساعات العمل، ولكنها أيضًا تندرج على حياة الجندي العامة ودوره. والفكرة هو لكي تتشكّل لدى الجندي العادي “عقيدة” حياتية أو تستطيع تقول بأنها “علمانية” بمعنى غير مرتبط بالمعنى التقليدي للدين، ولكن هذه العقيدة الحياتية أو العلمانية لا تفصل بين عقيدة هذا الجندي العسكري وحياته؛ بل تحاول جاهدة ربطه بكل تفاصيل الحياة، ودفعه للإيمان الراسخ بعقيدة ما. هي من وحي الدولة الحديثة، ومن إنشاء الجيش وقيادته وتشكيله.

وبالمناسبة، فالذين تحدثوا عن المصطلح وعن المفهوم “العقيدة العسكرية” لم يختاروا كلمة العقيدة هنا “Creed\doctrine” بدافع توضيحي تبسيطي، ولكن بدافع واضح لصناعة عقيدة بديلة عن العقيدة الدينية السائدة قبل العصر الحديث والتي كانت تدفع الجيوش للقتال تاريخيًّا. هي محاولة -حسب مصطلح ابن خلدون- لصناعة “عصبية” بديلة عن العصبية التقليدية و/ أو أيدلوجية بديلة عن الأيديولوجية التقليدية للجيوش قبل العصر الحديث.

يعني، فالذين كانوا يقاتلون في العصور الأوروبية الوسطى بعقيدة دينية، أصبحوا يقاتلون في القرون الحديثة بعقيدة علمانية؛ حيث إن دور العقيدة ذاته لم يتم استبداله، بل تم ترسيخه وتعميقه ولكن ضمن منظومة جديدة من المفاهيم وضمن شبكة جديدة من المصطلحات والشعائر العلمانية التي صبغت الدولة الحديثة وأشغالها.

الحرب المقدسة التي كان يخوضها ريتشارد قلب الأسد لأجل الصليب المسيحي بعقيدة دينية لاهبة.. أصبحت حربًا مقدسًا يخوضها الرئيس الأمريكي لأجل النسر الأمريكي وبعقيدة (لا) دينية راسخة تدفعه للتعامل مع الأخ في المواطنة، كما كان ريتشارد يتعامل مع الأخ في المسيح أو (الأخ في الله).

روايات التحرير في الكتاب المقدس عن تحرير بني إسرائيل من العبودية ورحلتهم من مصر لبيت المقدس هربًا من الاضطهاد الديني.. نفسها يتم استعارتها للتعبير عن تحرير المهاجرين من القمع في أوروبا ورحلتهم للعالم الجديد (أمريكا) هربًا من الاضطهاد الديني، لذلك يتحدث كثير من الباحثين في أمريكا عن وجوب إيمان المواطن الأمريكي بقصة التحرير لكي يدخل الجنة الأمريكية!

ومن لم يؤمن برواية التحرير الأمريكية، فهو مثل الابن المطرود من رحمة الله في الكتاب المقدس الذي لم يؤمن بقصة تحرير بني إسرائيل من العبودية في مصر، وتمامًا كلّ تلك الشعائر والمرويات المرتبطة والسلوكيات المنقولة والقيم الكبرى المرتبطة يتم التعامل معها بشكل تامّ كعقائد وطنية في الدولة الحديثة، والتشكيك فيها قد يصل للكفر بالوطن، وبالتالي بقدر وضوح الكفر ووجود البرهان عليه يتم الحكم عليه بـ”الردّة العلمانية” ونفيه من جنة المواطنة الدنيوية ورجمه لجحيم اللاوطن.

كل هذه القصة لأجل توضيح نقطة مركزية هنا.. وهي أن الجيش الحديث الذي لم يعد يرتبط بالعقيدة الدينية كدافع للقتال لم يتخلّ عن العقيدة ذاتها، ولكنه قدّم عقيدة بديلة علمانية مرتبطة بالدولة الحديثة أوحى بها مشرعوها، وصنعها أنبياؤها وآباؤها المؤسسون ونقلها الرواة كابرًا عن كابر بسندٍ متواترٍ لا يجوز التشكيك فيه ولا نقده؛ تلك العقيدة في الدولة الحديثة لا تجوز فيها “حرية الاعتقاد” ويجب “الاضطهاد” العقدي.. ببساطة لأنها “علمانية”.

القصة وما فيها أن الجيوش الحديثة تقدم عقيدة عسكرية إلزامية للجيش لا يجوز المساس بها ولا نقدها ويجب طاعتها بشكل مطلق دون استثناءات، في الوقت الذي يتم السخرية من تشكيل الجيش في الدول ما قبل الحديثة على قضية الاعتقاد الذي يتم صناعته وممارسته بنفس الطريقة. فكرة وجود عقيدة عسكرية أو علمانية بشكل عام.. هي لعنة تلاحق الرافضين لدور العقائد في الحياة؛ فهم كلما ازدادت شراستهم في نفيها كلما تلبستهم بشكل أشد رسوخًا وأعمق أثرًا، والدين الذي يطردونه من الباب يدخل من النافذة!
----------------------------