المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دمشق وبردى


زهير شيخ تراب
08-14-2014, 07:57 AM
عثرت بالصدفة على هذا المقال الرائع الذي يتحدث عن دمشق ونهرها الدافق بالحب قبل الماء المانح الحياة حتى في ذبوله المتغلل في شرايين دمشق وغوطتها ليصل الى دماء كل فرد استوطن الشام من آدم الى ان يرث الله الارض ومن عليها....... أحببت ان أشارككم متعة العيش في سبحات الخيال وأنا أتنقل بين بفتي دمشق وغوطتيها مع هذا النهر الخالد....... زهير
منقول ......¬¬
لما قدم شاعر العرب ومر على بردى وهو يمشي بين قصر أمية ودار البلدية مشية العاجز الهرم ، قال له صاحبه مستقلا بردى مستخفا به : أهذا الذي ملأت الدنيا مدحا له ؟ إنه ترعة من ترع النيل ؟ يظن صاحب شوقي أن النهر بكثرة مائه وبعد ضفتيه .. ما درى أن بردى هو الذي يجري في الوادي زاخرا متوثبا نشيطا .. لا الذي يجري في المرجة متهافتا كليلا . . .

وانه هو الذي اطعم دمشق الخبز وهو الذي زرع بساتين الغوطة وهو الذي أنار دمشق بالكهرباء وسير فيها وفي غوطتيها (الترام )وإذا قال النيل لبردى أنت ساقية من سواقي قال قاسيون للمقطم أنت هضبة من هضابي . وانه هو الذي لا تضيع قطرة منه واحدة على حين يمر النيل على القاهرة مر الكرام ، يقرأ عليها السلام ، ثم يحمل خيره كله ليلقيه في البحر لا يمنح القاهرة منه إلا ما تأخذه بالمضخات والنواعير التي لا تسيل إلا بمال ... فمن رأى مثل بردى في بره بأرضه وكثرة خيراته نهرا ؟ من ذاق أطيب من مائه ؟ من أبصر أجمل من واديه ؟

لقد علم بردى ابناءه الولع بالخضرة والظلال وحبب إليهم أفانين الجمال فصارت النزهة (السيران ) من مقومات الحياة في دمشق لا تحيا اسرة إلا بها ولا تستغني عنها فهي لهم كالغذاء . فهل يستغنى عن الغذاء ؟ لا يمكن أن يجيء يوم صائف من أيام الشتاء فتبقى دمشقية أو يبقى دمشقي في بيته لا يؤم ( المهاجرين ) حيث يجتمع على الشعاف والصخور وفي ظلال الآس الرجال والنساء على طهر وعفاف تدور أكواب الشاي الأخضر وتنطلق بالغناء الساحر أوتار الحناجر وتجري خيول السبق في ساحة الجريــــد ، ثم إذا جاء وقت الصلاة قاموا إليها فلا ترى إلا جماعات وأئمة (كتب هذا الكلام سنة 1934م) ثم ينفض اجتماعهم عن طرب وفروسية وعبادة ...

وتلك هي المثل الأعلى لأهل الشام ....

وهل تمر أمسية من أمسيات الصيف على دمشقي قاعد في دكانه أو قابع في بيته ؟

تعال انظر جماعتهم في قهوات شارع ( بغداد ) وفي كل قهوة مؤذنها (إي والله وإمامها ) وعلى ضفاف بردى عند صدر الباز وفي الميزان أجمل موضع في دمشق وأمامهم سماورات الشاي الصفر الرشيقة وفي الحلقة مغنيها وليس مثل الشاميين في الولوع بالغناء فلا ينفرد الرجل بنفسه إلا غنى لها ، فالفلاح وهو نازل من قريته مع الفجر يغني والحوذي وهو يسوق عربته إلى ( جسر تورا ) أو إلى كيوان وأجير الخباز وهو يحمل المعجن على رأسه يغني ونداء الباعة كله غناء وشعر ..

قف ساعة على ظهر الطريق واسمع ما ينادي به الباعة ترى عجبا لا شبيه له في البلاد قصائد من الشعر غير انها مرسلة القوافي ... وطرائف الغناء غير أنها محلولة القيود تمشي إلى القلوب طليقة حرة لا تسمي شيئا باسمه وإنما هي مجازات وكنايات عجب منها بعض من كتب عن دمشق من سياح الإفرنج فتساءل في كتاب عمن نظم للباعة هذه الأشعار الرقاق ...

وتعال استمع هذا البائع وهو يتغنى بصوت يقطر عذوبة وحنانا (( غزل البنات ياما غزلوك في الليالي .. يا غزل البنات ))ويضغط على الليالي ويمد البنات ... هل يستطيع القارئ ان يحزر ماذا يبيع المنادي ... لا لن أقول فتعالوا إلى دمشق لتأكلوا غزل البنات ..... وهذا بائع ينادي بكلمة واحدة لا يزيد عليها (( الله كريم )) هلى يقع في حسابك انه يبيع الخس ... وأن (( يا مهون ياكريم )) نداء بائع الكعك عند الصباح ...

أولا يطربك ويثير سواكن اشجانك بائع العنب حين تدنو أواخره فينادي بصوت حزين (( هدوا خيامك .. وراحت أيامك .. ما بقي بالكرم غير الحطب يا عنب ... ودّع والوداع لسنة يا عنب ..)) ألا تحس أنه يودع حبيبا له وبائع العسل ((أي الشمندر )) وقد أوقد ناره في الصباح البارد ووضع حلته وصف رؤوس الشمندر الأحمر ونادى في أيام الشتاء (( بردان ! تعال صوبي .. بردان ... انا بياع العسل )) إلا يحبب إليك أكل العسل ...واسمع العجب في نداء بائع الملفوف ( اليخنا ) : (( يخنا واطبخ ، والجارية بتنفخ ، والعبد ع الباب .. بقلع الكلاب ) وبائع الحمص المسلوق ( بليلة بلبوك وسبع جَوَارِِ(ي) خدموك ... يا بليلة )وبائع الزعرور ( أبيض أحمر يا زعبوب .. تمر محنة يا زعبوب ... البزر بن يا زعبوب ) واستمع إلى الشعر والخيال في نداء بائع الجرادق ( ياما رماك الهوى وقلبي انكوى يا ناعم ) وبائع التين ( دابل وعلى دبالك ياعيون ****** ومن دباله يمشي لحاله .) وبائع البذنجان ( اسود ومن سواده هرب الناطور ) الا تعجبك صورة الناطور وقد هرب من سواد الباذنجان ..

وهذا كله من ولع الشاميين بالغناء وإقبالهم عليه حتى انعقد اجماع فقهاء الذوق فيهم على أنه لا يصح اجتماع أو سمر إلا بالغناء .. وإذا سها عنه ساه فكفارته إطعام عشرة أصدقاء صدر كنافة شامية أو صدر (كل وشكور ) أو غير ذلك من الحلويات التي لا يخالف أحد ان دمشق أبرع مدينة في صنعها ...

والدمشقيون أكرم الناس ، وأشدهم عطفا على الغريب وحبا له فهم يؤثرونه على الأهل والولد ومدينتهم من أنظف المدن لتدفق مائها وكثرة أنهارها ، ووصولها إلى الأحياء كلها ودخولها البرك في الدور حتى لا يخلو حي من نهر ... فنهر يزيد يسقي الصالحية ونهر تورا يسقي العقيبة وسوق صاروجا وباناس يسقي القميرية وقنوات يسقي حي القنوات وقد أخذت ماء عين الفيجة وهي من اصفى العيون وأعذبها تنبع من جبل على عشرين كيلا من دمشق فسيرت مياهها في بطون الجبال حتى أبلغت دمشق فأدخلت دورها فشرب منها الناس أعذب ماء وابرده والشاميون مولعون بالنظافة والطهارة حتى أنه ليعد من اكبر عيوب المراة ألا تغسل أرض دارها كل يوم مرة او مرتين بالماء غسلا وتمسح جدرانه وزجاجه على رحب الدور الشامية واتساع صحونها وكثرة مرمرها ورخامه ، وادخل المساجد ترَ بلاطها يلمع كالمرايا ويحبب الصلاة إلى من ليس من أهلها وعرج على المطاعم تبصر الأطعمة مصفوفة أمامك في القدور الصغار النظاف بأناقة تجيع الشبعان وأناقة تطمئن إليها نفس الموَسوِس ( بصيغة الفاعل )أما ألوان الطعام في الشام فلا يضاهيها شيء في غيرها .. وما أكل الغريب في دمشق حلوا او حامضا ولا حارا ولا باردا إلا استطابه وفضله على طعام بلده ... ما استطاب الشامي في غير بلده طعاما قط وخير مطاعم مصر والعراق وألذها طعاما وأحسنها نظاما ما كان صاحبه شاميا او على مذهب اهل الشام ... ثم إن خدم المطاعم والقائمين عليها طيعون اذكياء وهم يدركون باللمحة السريعة ويفهمون بالإشارة الخفية ....

وفي دمشق النعيم المقيم وليست تخلو من ثمر قط لا في الصيف ولا في الشتاء أما جودة ثمارها فاجود من أن تذكر وفيها من العنب ما يزيد على خمسين نوعا ومن التفاح ما ينيف عن الثلاثين ومن المشمش تسعة انواع ومن التين قريب من ذلك ومن الدراق والكمثرى والتوت الشامي والجوز واللوز ما لا يوجد مثله في غيرها .....

وفيها كلية الطب العربية ولأساتذتها فضل كبير على ما وضع من المصلحات العلمية في لغة العرب وفيها إنشاء أول مجمع علمي عربي وفي الشام كثير من الآثار الباقية : كالقلعة والسور والمدارس والمساجد والبمارستانات والرُبط والخانات .. وفيها مدافن كثيرين من اعلام الإسلام في السياسة والأدب والعلم والتصوف وفي مكتبتها الظاهرية نوادر المخطوطات حتى أنها لتعد أغنى الخزائن الإسلامية بكتب الحديث وفي المكتبات الخاصة مخطوطات فريدة ودمشق زاخرة بالعلماء في كل فن وعلم ....

فأي مزاياك يا دمشق أذكر وفيك الدين وأنت الدنيا وعندك الجمال وعندك الجلال وأنت ديار المجد وأنت ديار الوجد جمعت عظمة الماضي وروعة الحاضر ....