المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحداثة والتغريب للأدب العربي


عبدالناصر محمود
08-18-2014, 08:06 AM
الحداثة والتغريب للأدب العربي (المضامين – والوسائل)
ــــــــــــــــــــــــــــ

(عمرو سامي)
ــــــــ

22 / 10 / 1435 هـــ
18 / 8 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8404.jpg



تحت شعار: "حداثة الأدب العربي" و"الثقافة الإنسانية" و"الأدب الحديث" و"الإبداع الفني" و"حرية الفكر" وغيرها من المصطلحات، حاولت جماعات الاستشراق والحداثة والتنوير في العصر الحديث تغيير اعتقاد وفكر الأمة الإسلامية وبث السموم الفكرية والسلوكية في المجتمع المسلم؛ بالتطاول على أهل الإسلام ورموزه، ونشر الترهات والسفاهات الفلسفية في أطر علمية مخادعة؛ لينبهر بها الشباب المسلم، فيبذروا فيهم بذور الشك والغفلة والانحراف الفكري.

فالناظر في كتب الأدب المعاصر يلاحظ أن الثقافات الغربية أودت بثمارها في أفكار وعناوين الأدب العربي، "فكل حركات التجديد التي نشأت في الأدب العربي المعاصر إنما تستمد في الغالب وحيها من الآداب الأجنبية"[1]، مما جعلتها تتجنى في كتاباتها على مفاهيم ومعتقدات تخالف الإطار الإسلامي المعروف، كما أنها تنم عن معتقد كاتبها الذي يحاول إيصال فكره المستنير -كما يدعي- ليحرر المفهوم العربي، كما حرر الغرب عقله وكتاباته، ناسياً كل الثوابت والمحكمات في المجتمع الذي يحيا فيه.

يقول لويس التاسع في وصيته بعد هزيمته المتكررة عند دخوله مصر: "أنه لا سبيل إلى السيطرة على المسلمين عن طريق الحرب... وأنه مع وجود هذا المعنى– يقصد بها مفهوم العقيدة- عند المسلمين فمن المستحيل السيطرة عليهم؛ لأنهم قادرون دوماً ـ انطلاقاً من عقيدتهم ـ على المقاومة ودحر الغزو الذي يقتحم بلادهم، وأنه لا بد من إيجاد سبيل آخر من شأنه أن يزيف هذا المفهوم عند المسلمين، حتى يصبح مفهوماً أدبياً ووجدانياً وإيجاد ما يبرره على نحو من الاتجاهين، ما يسقط خطورته واندفاعه، وأن ذلك لا يتم إلا بتركيز واسع على الفكر الإسلامي، وتحويله عن منطلقاته وأهدافه، حتى يستسلم المسلمون أمام بقاء القوة الغربية، وتروض أنفسهم على تقبلها على نحو من اتجاه الأهواء والصداقة والتعاون"

قد يري بعض الأدباء أن الكتابة الأدبية لابد أن لا تحتوى على مضامين فكرية أو عقدية، ولكنهم في نهاية أمرهم يطوفون حول أطر ظاهرها غير مطبق في الواقع، فيقعون فيما نقدوا من احتواء المواد الكتابية على مضامين عقدية، فتجد جُل كتاباتهم تحتوي على توجهات أيدلوجية واضحة ويصبغونها بصبغة الحرية الفكرية وحرية الإبداع.

ومن أجل هذا سأحاول أن أجمل الحديث لأبين ما عليه الحداثيون والتغريبيون في عصرنا هذا، عن طريق إيضاح بعض المضامين الفكرية التي يعتقدها هؤلاء، ووسائلهم التي استخدموها من أجل إيصال أفكارهم.

فإن الناظر إلى ما يقوم به الأدباء في العصر الحديث ما هو إلا تأصيل ودفاع عن نقولات مترجمة من أفكار ومناهج غربية، تحولت بأقلام عربية إلى وسائط فكرية وأدبية، وفي الحقيقة لا يعد هذا التطور الفكري إلا تعبيرا عن القوة الثقافية والأدبية التي استخدمها المستعمر طيلة سنوات الاستعمار للبلاد العربية والإسلامية، يقول غالى شكري: "نحن لا ننقل سوى المصطلح في صيغته النهائية، ولا علاقة لنا بالتاريخ الاجتماعي والعلمي لهذا المصطلح، ولم نشارك في أية مرحلة من مراحل صنعه، أي إننا في الحقيقة نركب المصطلح كما نركب الطائرة. والفرق هو أننا نستخدم الطائرة، أما المصطلح في العلوم الإنسانية فإننا نستخدمه ويستخدمنا في وقت واحد، إنه يقول ليصبح جزءا من العدسة التي نرى بها الأشياء، أي جزءا من رؤيتنا أو قدرتنا على الرؤية"[2].

لذلك كان الحداثيون– الذين أنفقوا أعمارهم في السعي خلف الأفكار والثقافات الغربية- دائما ما يعترفون أنهم يعيشون التبعية للغرب في الفكر والسلوك والممارسة، يقول حسن مروة اللبناني الماركسي: "لقد كنا في لبنان مصابين بانتشار ألوان من الأدب والفن الانحلاليين، وكان معظم أدبائنا وفنانينا متأثرين بالمؤسسات الأجنبية والمدارس الفرنسية في الأدب والفن والفلسفة، من رومنطيقية وسوريالية وانطباعية ووجودية، يقلدونها جميعا، ويتعصبون لها، ويقفون بوجه الحركة الواقعية في الأدب والفن"[3].

ومن أجل امتلاك هؤلاء لجانب كبير من الثقافة العربية تجد المثقف العربي غالبا ما يكون منغمسا في الحداثة والتبعية الاعتقادية والفكرية في مسميات الوطنية والقومية والليبرالية، مدعين بأنهم يحرصون على الأمن والسلام المجتمعي، كما أن البعد عن إطار الأدب العربي يخرجنا من أطر التخلف، وهذا ما أوضحه "لويس عوض" في محاضرة له بعنوان "أسباب عدم عالمية الفكر العربي"، فيذكر أن السبب في التخلف هو "انشغال الفكر العربي بقضايا تجاوزتها أوروبا منذ زمن طويل". لذلك هؤلاء الأدباء من الحداثيين قد تحولوا إلى آنية يلقي فيها الغرب ما شاء من أفكاره وفلسفاته وضلالاته، ثم تفيض هذه الآنية بما ألقى فيها.

الانحراف العقدي لرواد الحداثة:
-----------------

تقول الكاتبة الحداثية "خالدة سعيد" في بحث لها عنوانه "الملامح الفكرية للحداثة": "فقد مثل فكر الرواد الأوائل قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين: العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني ومن ثَمّ تطوري"[4].

فلم يعد يخفى أن ما يمثله هؤلاء في كتاباتهم إنما هو مضمون انحرافي بل كفري في بعض الاحيان ، إما عن طريق سب الإله، أو بمدح النصرانية على وجه الخصوص؛ لذلك تجد أبرز المضامين العقائدية في كتاباتهم هي المضامين النصرانية، فتجدها طاغية على معظم كتابات الأدب المعاصر، فلا يخلو كتاب أدبي لأحد من رواد هذا الفن إلا وتجد رائحة الإنجيلية واليسوعية تفوح منه.

ولم يقتصر أمر المضامين الكفريه على الكتاب النصارى فقط أمثال يوسف الخال، بل تعدى إلى الكتاب المسلمين أمثال على أحمد سعيد الشهير بـ "أدونيس"، وبدر شاكر، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش وغيرهم.

يقول بدر شاكر السياب في إحدى قصائده:
................................

فنحن جميعا أموات

أنا ومحمد والله

هذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة

عليها يكتب اسم محمد والله

على كسر مبعثرة من الآجر والفخار

فيا قبر الإله على النهار

ظل لألف حربة وفيل [ديوان السياب: 395 ـ 400 ]

ويقول عبد الوهاب البياتى في ديوانه "كلمات لا تموت":

الله في مدينتي تبيعه اليهود

الله في مدينتي مشرد طريد

أراده الغزاة أن يكون

لهم أجيرا ً شاعرا ً قوادا

يخدع في قيثارة المذهب العباد

لكنه أصيب بالجنون [ديوانه كلمات لا تموت]

ويقول رائد الحداثة العربية "أدونيس":

رقصت للأقول

لجثة الإله

لا الله أعبد ولا الشيطان

كلاهما جدار

ويقول: "فالكائن العربي المعاصر هو في شعرنا كائن ميتافيزيقى، يغوص على عمق الأعماق، ويتضامن مع الآخر، ويحيا مصلوبا فوق الخيط الذي يصل سيزيف والمسيح بين اليأس ويقين الأمل"

ويقول صلاح عبد الصبور:
..........................

إلىّ إلىّ يا غربا يا فقراء يا مرضى

كسيري القلب والإغضاء قد أنزلت مائدتي [قصيدة القديس]

مصورا بمائدة يسوع التي في معتقد النصارى، والتي تسمى العشاء الأخير كما أنه يصور حال جلوسه مع الكتب فيقول- تعالى الله عن قوله-:

وإن الله قد خلق الأنام ونام

وإن الله في مفتاح باب البيت [قصيدة القديس]

بل إن النماذج الحداثية المبالغ فيها التي يلقيها أتباع الحداثة والأدب على بعضهم قد تصل إلى درجة النبوة، بل قد يتصور الإنسان بأنه نبي، وأن أفكاره وعباراته وحي، فيلزم بها أتباعه يقول "محمد جمال باروت" متحدث عن "أنطون سعادة"[5]: "تنهض شخصية أنطون سعادة في دعي هذا الجبل كخليط متوهج دام ما بين النبوة والبطولة، الكشف والفعل، وكان نفسه يرى أن ثمة قوة مقدسة بالمعنى النبوي... وأن يهز بمصيره مئات الذين اندفعوا خلفه، أراد أن يكون النبي والبطل... رأى فيه أدونيس مثلا (جلجلة البعث)... وكان سعادة يرى كلماته كوحي كما الأنبياء، ويلزم بها أتباعه، كما هي علاقة النبي بجمهور المؤمنين"[6].

السيطرة على الوسائل الإعلامية المختلفة:
------------------------

ومن أجل إيصال أفكارهم الحداثية إلى أكبر قدر من البشر انتهجوا فكرة السيطرة على الإعلام المتاح آنذاك؛ المتمثل في الصحف، فكانوا عاملين وفاعلين على مستوى الميدان الصحفي؛ كمجلة الشعر، ومجلة الأدب[7] وغيرهما. ومن ثم انتقلوا إلى الميدان الأدبي، فاستثمروه من أجل بث أفكارهم المنحرفة، وعقائدهم الباطلة، وهدم القيم الايجابية في المجتمع، في الوقت الذي كان فيه المسلمون يعيشون في غفلة عن هذه الوسائل المستحدثة عليهم.

فاهتم أصحاب هؤلاء الفكر من المسلمين وغيرهم بالسيطرة على الصحافة العربية في بلاد العرب، بدعم من أساتذتهم ومفكريهم في الغرب، فكانت الصحافة لسانهم الناطق بالعربية، والمعبر عن عقائدهم الحديثة النابتة في أرض التغريب، كما اتخذوا المباحث والكتابات الأدبية لما فيها من جاذبية، فاقتنصوا بها الناشئ الصغير من هواة الأدب- ضعفاء الدين والعقول- وكل متعطش للشهرة، أو مرتزق بالثقافة والفكر.

كذلك اهتموا بالجانب اللغوي الناطق بلغة الغرب، فأصدروا القواميس والمعاجم، فنجد مثلا كلمة "العلمانية" والتي بالانجليزية "SECULRISM" وترجمتها الحرفية "اللادينية"؛ حرفوها إلى علمانية: من العلم، وفي الحقيقة ليست لها أي صلة بالعلم، ولا بالمذهب العلمي، ولكنهم صبغوها بالعلم لإيهام الناس أنها لا تعارض الإسلام؛ لكي لا ينفروا منها، فيتعرفوا عليها.

كما شكلوا المجامع اللغوية للترجمة، واتخذوها مطية لتمرير المضامين الكفرية والشركية للمسلمين، وحتى عصرنا هذا يعتبر نصارى لبنان من أقوى حركات الترجمة على مستوى الوطن العربي في ترجمة جميع اللغات.

فقاموا على احتواء المضامين النصرانية والعقدية -التي تربوا عليها من خلال أساتذتهم ومعلميهم- في ترجمتهم فاستخدموا الرسوم والرموز الإنجيلية في تجنٍ واضح على عقائد المسلمين، يقول منير العكش: "كان أدباء هذه الحركة ونقادها يرسخون حركة التوصيل الإنجيلية على أربع مراحل: أولا: باستعارة الألفاظ الإنجيلية. ثانيا: باستعارة أسلوب الترجمة الإنجيلية. ثالثا: بإفراغ اللغة من مدلولاتها القديمة، وشحنها بمدلولات إنجيلية. رابعا: باتهام كل ما يخالف هذه الحركة بالتقعر والحذلقة.

فمرت التجربة الإنجيلية للتوصيل قبل تبنى يوسف الخال[8] لها بجسر العلمنة، وذلك عبر تجديد دم المعاجم بعد استغلاق مدلولات المعاجم القديمة، وتعذر مراجعتها، ولقد خطا معجم المنجد[9] مسافة طويلة في هذا الحقل، مما أضاف على حركة الأداء طغيانا خارجيا أخرا[10].

وهكذا حاولوا محو هوية هذه الأمة، بل أن يوسف الخال قد صرح بمكنون السر وراء إنشائه "مجلة شعر" حين قال: "إن عملية مجلة شعر كانت عملية تبشيرية رسولية أكثر من أي شيء آخر"[11].

كان هذا غيض من فيض؛ فمنذ أن حمل هؤلاء لواء الحضارة في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي أخذت الحضارة المادية في الرقي على حساب الحضارات الروحية، بل والعلمية؛، لذلك لا يمكن المتأمل- الآن- في المنظومة الثقافية في العالم العربي، (إلا أن يتحسر لما آلت إليه منظومة الثقافة العربية على أيدي المتغربين، الذين حوّلوا الثقافة والأدب إلى حربة تهاجم الإسلام والمسلمين، وحوّلوا الفكر والفن إلى هتاف وصياح وصرخات تشنجية"[12]، ومن ثمَّ حولوا الأدب إلى لون من ألوان الانحراف الفكري عن الإسلام، ليكتشف المثقف العربي نفسه عبارة عن خليط من الثقافات والفلسفيات الأرضية والوضعية، محاصرا من جميع الجهات بمناهج تغريبية وحداثية، تصرفه من سعة الانضباط إلى تيه الفوضى، وانهيار القيم والأخلاق والمجتمع.

ــــــــــــ

الهوامش

[1] الأدب ومذاهبه محمد مندور ص3.

[2] مجلة الناقد العدد 9 ص 17.

[3] مجلة الثقافة الوطنية العدد 62 ص4.

[4] مجلة (فصول) المجلد الرابع، العدد الثالث ص26 و27.

[5] أنطون سعادة، ملحد لا يؤمن بدين، وكان عضوا في الحركة الماسونية، ثم استقال منها، وهو مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي. أعدمته الحكومة اللبنانية سنة 1949م.

[6] الحداثة الأولى ص 118-119.

[7] رئيس تحريرها محمد جمال باروت

[8] شاعر وصحفي لبناني، ولد في 25 كانون الأول، عام1917م، أنشأ مجلة "شعر" الفصلية، التي صدرت بين العام 1957م، والعام 1964م.

[9] المنجد قاموس، وضعه الراهب الأب "لويس معلوف" عام 1908م، وكان يقتصر في ذلك الوقت على اللغة، ثم أضيف إليه قسم الأعلام، اعتبارا من عام1956. وقام بوضعه راهب آخر هو الأب "فرنارد توتل". يطبع هذا القاموس ويتم إخراجه في المطبعة الكاثوليكية في لبنان.

[10] أسئلة الشعر ص58.

[11] قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل صـ295.

[12] الصفحات السود لمدارس التغريب والحداثة والتنوير.
-----------------------------------

مطر وقمح
01-25-2015, 11:57 PM
شكرا لك اخي
عرض جميل