المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرآة يمكنها أن تضيء مدينة بأسرها


عبدالناصر محمود
08-19-2014, 08:06 AM
المرآة يمكنها أن تضيء مدينة بأسرها .. فقط إن وجهت بالشكل المناسب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(د. محمود عبدالجليل روزن)
ــــــــــــــ


23 / 10 / 1435 هــ
19 / 8 / 2014 م
ـــــــــــ

http://www.newt3ch.net/wp-content/uploads/2013/10/21258njy-3.jpg



في إيطاليا؛ استُخدمت المرآة للإضاءة الموسمية، فنظراً لموقع مدينة (فيكانيلا) داخل وادٍ شديد الانحدار فإنَّ ذلك جعل أشعة الشمس لا تصل إلى القرية بشكل مباشر لمدة سبعةِ أسابيعَ في فصل الشتاء، وقد استطاعوا التغلُّب على ذلك منذ العام 2006م؛ بأن ركَّبوا مرآةً تعكِسُ ضوء الشمس إلى ساحة المدينة، ويُتحكَّمُ فيها عن طريق الكمبيوتر، طولها ثمانية أمتار وعرضها خمسة أمتار، وذلك لتعكس ضوء الشمس إلى ساحة المدينة. وفي العام 2007م انتقلت الفكرة للتطبيق في قرية بوندو في سويسرا.

هذا الملمحُ الحسيُّ إِخالُه لا يختلفُ كثيرًا عن الملمح المعنويّ، فكم من نفوسٍ حُبِستْ في وديان العجز بين جبال الرغبة ومرتفعات الهوى الشاهقةِ، وقد استحكم في أطرافها الكساح، وفي أبصارها العشى، إذ لا ضوءَ للشمسِ يلوحُ، ولا رائحةَ للأمل تفوحُ، هذه الأنفسُ لا قوام لها - بعد مشيئة باريها - إلا بضوءٍ تعكسه مرآة النصيحةِ لشمس الوحيِ.

وما أجمل ألا يكتفي ذلك الناصحُ بأن يرى طرفًا تحرَّك أو عينًا أبصرت، بل يظلُّ على مكانه من النُّصح حتى يوفيَّ ما لا وفاءَ إلا به، وإن أقام على الحال أسابيعَ سبعةً!

ولا يفوتُكَ - أيُّها اللبيب - أنَّ رجلًا ناصحًا يمكنه أن يُضيءَ مدينةً بأسرها، فكم من رجُل بألفٍ، وكم من رجلٍ بعشرة آلافٍ، وكم رجلٍ بأمَّةٍ!

وربَّما ظنَّ ظانٌّ أنَّ ذلك المقامَ الفذَّ لا يقومُه إلا أفذاذُ البشر من الأنبياء، أمَّا غيرهم فلا يتجاوزُ تأثيره حدود بيوتاتٍ حولَ بيته، كما لا يتجاوز زمانه إلا بمقدارِ ما تسيل عيناه بعد موته. وهذا كلامٌ يردُّه النقل والواقع، فأمَّا النقلُ؛ فإنَّ الله عز وجل جعل العلماءَ المصلحين ورثةَ الأنبياء، أخبر بذلك خاتم الأنبياء، وهؤلاء لم يرثوا الظاهر دون الجوهر، غير أنَّهم لا يوحَى إليهم، وإن كانوا يُلهمُون الحكمةَ ويُطبعون عليها طبعًا، ويُوضَعُ لهم القبولُ في الأرضِ وضعًا. وأمَّا الواقع؛ فإنَّك لو فتحتَ كتابًا من كُتب التراجم والسيرِ لفتحتَه عن آلافٍ مؤلفةٍ من أولئك العظماء، ولو دققت النظر حولك فلن تعدم منهم مثالًا قائمًا لله بالحجة، وإنك إن استحسنت من أمرِ أمَّةٍ أمرًا؛ فلا تتعجَّل في القولِ بأنَّ وراءَ ذلك سرًّا، إذ ما حسُن منها حَسَنٌ، ولا استُطيبَ منها طيِّبٌ؛ إلا بمثلِ مَنْ وُصِفُوا لكَ، فَلِمَ لا تكونُ منهم؟
---------------------------------------------------